back to Patriarch Ra3i visit

 المطران (غبطة البطريرك) الراعي ومدينة القبيات

الجمهورية اللبنانية
طلال المرعبي
وزير ونائب سابق

 

لا بد في مطلع حديثنا من الاشارة الى العلاقة المميزة التي كانت تربط والدي المرحوم النائب خالد بك عبد القادر مع وجهاء منطقة القبيات وعندقت وبشكل خاص مع المرحوم الشيخ انطونيوس الضاهر . وقد توارثنا هذه العلاقة مع اولاده :د.سليم الضاهر والشيخ جوزيف وكل اهل البيت .

ومن المعروف أن الشيخ سليم الذي تفوق علميا له احترام كبير لدى كل مناطق عكار وهو يحاول دائما ان يجمع ولا يفرق ، وان يقرب بين الاديان ويظهر الوجه الحضاري لعكار .

وأشير الى أن والدي الذي لعب دورا سياسيا بارزا في مطلع الثلاثينيات والاربعينيات كان من رجال الاستقلال وعمل من اجل تثبيت الوحدة الوطنية في لبنان والشمال خاصة ، حيث تعاون مع مطران طرابلس والشمال المطران انطون عبد ، الذي كـــان صديقا مشتركا لكل من والدي والشيخ انطونيوس الضاهر . وقد أورثني هذه العلاقة واستمرت مع الكنيسة المارونية حتى أيامنا هذه . وفي ظل الاحداث اللبنانية حرصنا على استمرار العلاقة الأخوية بين كل طوائف عكار فكانت نموذجا للعيش الواحد .

وعلاقة عكار مع الكنيسة قديمة متجددة ، وكان هناك زيارات مستمرة للمطارنة ومنذ فترة وجيزة قام غبطة الكاردينال صفير بزيارة الى عكار ثم أتبعها بزيارة اخرى شملت عدة مناطق . وبهذه المناسبة نحن نرحب بزيارة غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي تربطنا به ايضا علاقة مميزة ونعتقد أنها تكتسب أهمية خاصة في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان والمنطقة .


إن تحركات غبطته وزياراته الخارجية والداخلية تعطي دلالة أكيدة على تمسك اللبنانيين بوحدتهم ورفض كل أنواع الفتن والعصبيات السياسية والدينية . ونحن نأمل باستمرار التعاون مع غبطته والكنيسة لتجنيب لبنان المزيد من الانقسامات والمحافظة على العيش الواحد وانقاذ الوطن من أمراضه المتعددة والتي نعتبرها كلها مستوردة ، كما أنّ لنا ملء الثقة بإرادة غبطته بالتعاون مع كل رجال الدين والمخلصين لحفظ لبنان من أي تداعيات لأن ارادة الشعب أقوى من كل المؤامرات .

وأخيرا فأنا أهنئ الصديق العزيز الدكتور سليم الضاهر على دراساته القيمة وأتمنى له دوام التقدم والعطاء والمضي في مسيرته لأنه من الوجوه المعروفة وطنيا وانسانيا وثقافيا .

 

رجلُ العطاء في أرض اللقاء
الاب كميل مبارك

أطلّ عليَّ بقيامتة الممشوقة وهَيبته المرموقة، فأعادني الشيخ سليم الضاهر، الى عشرات من السنين مضت، يوم كُنّا في معهد الآداب الشرقيّة في جامعة القديس يوسف، وكان شارع مونو محطّة ثقافيّة قبل أن تحوّله الأيّام العجاف، الى مكانٍ للّهو والتسليّة وبعضٍ من السلوكيّات التي نترفّع عن ذكرها في هذا المقام. وبادرني صاحب الفكر الأصيل لبنانيًا ومسيحيًا، بطلبٍ رأيته رغبة في قلبي وعقلي قبل أن يكون طلبًا من صديق صدوق ورفيق خلوق راغبًا اليَّ أن أكتب ما يَكنّه صدري حول القبيّات وغبطة البطريرك مار بشاره بطرس الرّاعي. فامتثلت أمامي هذه البلدة قبة الشماليّة من لبنان بتلالها المتعاقبة وقببها وأجراسها ورياحينها واخضرار أشجارها وكلّ ما تجمعه في ذاكرة الوجدان اللبناني من شخصيّات كان لها الفضل وما زال على الرفاه الفكري العريق. واستحضرت بالبصيرة وما يلامس البصر كلّ الصداقات التي جمعتني بكثيرين من أبناء هذه البلدة، وجلستُ وَعَبَقُ الحبر يداعبني وطيف القلم يراودني، وتساءلت كيف أجمع بين بلدة أعطت الوطن والكنيسة، رجالات رجالات شهدت لهم المنابر في كلِّ ما يذكِّر بالعظماء من أهل التشريع والتأريخ والشعر والبطولة والشهامات وعيش الكرامة التزامًا إنسانيًا، فكانت وما زالت خميرة الخير تعمل في عجين الوطن لتُنبت خبز المجد وغذاء الشرف.


وإذا بي أمام وجه البطريرك المضيء رأيًا وحبًّا وشراكة ومسؤولية واندفاعًا وخدمة وجرأة ومواقف لا يجرؤ على مثلها إلّا الرجال الرجال. ورأيتني أجمع بين القبيّات وبين البطريرك بما جَمَعَتْهُ فيهما العناية الالهيّة الساهرة على الحقّ في وجه الباطل، وعلى الكبر في وجه الذّل والانكسار، وعلى الوحدة في وجه التفرقة والخصومة، وعلى الالتقاء في وجه الفرقة والنزاعات، وعلى السلام في وجه الحروب، وكل ذلك سعيًا من البلدة الحبيبة برجالها الطييبين ومن البطريرك التي شاءته العناية رجاءً في هذه الأزمنة العجاف، الى صوغ حضارة المحبّة التي تُبْنَى على التضامن والحوار والمشاركة في السهر على الخير العام، وذلك إنطلاقًا من روح ديمقراطية غلبت عليها الرؤى السليمة لسبل عيش الجماعات المتنوّعة المتعددة الثقافات، على أرض واحدة ومن أجل بنيان الغد المشترك الذي يجعل من تنوّعها غنىً ومن تلاقيها رسالة ومن استمرارها نموذج عيش يكون قدوة لمن يسعى الى التآخي في أوطان تتأرجح في بحثها عن حرّيّات ألفناها، وعن نسق حياة عشناه في القبيات وجوارها وفي معظم بلداتنا وقرانا، وكان الخطّ الواضح في فكر البطاركة الموارنة مأخوذًا من كلام السيّد المسيح في إنجيله المقدّس، يدعونا الى أن تكون المحبّة علامة وحدتنا، والأخوّة بادية في شراكتنا، والتسامح طريقًا لتفاهمنا، والعطاء حلًّا لمشكلاتنا، والإيمان بالله سبيلًا يُقرّبنا من إخوتنا البشر، الى أي دين انتموا، ومن أي عرق أتوا، وبأيّ لون اصطبغوا وفي أيّة لغة تفاهموا.


هذا قليل من كثير يجمعُ بين صورة البطريرك مار بشارة بطرس الرّاعي الذي جمع بعلمه وقداسته وطريقة عيشه وسلامة تفكيره، بين رضى الله ومحبّة الناس، وبين صورة القبيّات التي لا يستطيع التاريخ الخاص بالموارنة والمسيحيين واللبنانيين أن يدخل التاريخ الرحب الذي يُسيِّر أمم الارض، إلّا ان يحمل معه من هذه البلدة الف ذكرى وذكرى.

 المطران (غبطة البطريرك) الراعي ومدينة القبيات

     صفحات مشرقة في المحبّة والشركة في المسؤولية

                                                                بقلم الدكتور سليم الضاهر

                                        رئيس المؤسّسة الوطنية للتفاعل الإنساني والقيم

 

 في رحاب الجامعة، الحرم الأساس للعلم، وتحديداً في كلّية اللويزة للتعليم العالي (حالياً جامعة سيدة اللويزة)، وفي أول أيام آذار 1983، إلتقيت لأوّل مرّة الراهب المريمي الأب الدكتور بشارة الراعي، في موقعه كمؤسّس لهذه الكلّية (الجامعة فيما بعد)، ومدير لها. وكان اللقاء الأول جميلاً. وتتالت لقاءات جميلة أخرى بيننا، في الجامعة، والبطريركية المارونية، وفي مطرانية جبيل، عبر السنين، وحتّى اليوم، والحمد لله.

في لقائنا الأول، الذي لا أزال أذكره بفرح، حرص الأب الراعي أولاً على معرفة ما يرتبط بدراستي وشهاداتي الجامعية، والعائلة التي أنتمي إليها. وكنت يومها عائداً حديثاً من جامعة هارفرد (Harvard) في الولايات المتحدة الأميركية، حيث حصلت على شهادة دكتوراه دولة في العلوم السياسية، و2 ماجستير في الإختصاص نفسه، وفي دراسات الشرق الأوسط. وفي تلك الفترة بالذات، أي ربيع 1983، كنت قد ابتدأت مسيرتي كأستاذ جامعي، في تدريس مادة واحدة في الكلّية الجامعية التي كان يديرها الأب الراعي.

ومن المواضيع الأكاديمية والإنسانية إنتقلنا، في ذلك اللقاء الأول، إلى الحديث عن شؤون البيت الماروني، ومنها إلى الشؤون الوطنية.

وهذا الحوار الأول مع الأب الراعي أوحى لي، لا بل حفّزني، على تقديم نسخة عن دراسة عن العلاقات اللبنانية الأميركية، له، كنت قد أنهيتها في جامعة هارفرد، وأرسلتها إلى مسؤول لبناني كبير، قبيل عودتي إلى لبنان، بمناسبة انتخابه، وعبر وزير أتى من العالم الأكاديمي. وقد ضمّنت الدراسة إقتراحات عملية حول تعزيز هذه العلاقات.

وتتالت زياراتي للأب الراعي. إذ تولّدت في نفسي مودّة كبيرة وتقدير كبير لشخصه، في ضوء ما يتمتّع به من نِعَم حباه الله تعالى بها، ومزايا وكفاءة بارزة، ودماثة خلق وشخصية ودودة مرنة. وهذه الصفات هي في مقدّمة ما يلفت نظري في كلّ إنسان ألتقيه على دروب الحياة. وأنا أقدّرها دائماً حق قدرها. وهي التي دعتني إلى التقرّب منه، واللقاء معه عندما كانت مسؤولياته الكهنوتية والجامعية، تسمح بذلك. ولا أزال أذكر أنّه في أحد لقاءاتنا بادرني الأب الراعي بالقول انّ دراستي عن العلاقات اللبنانية الأميركية تصلح أن تكون دستور عمل للبنانيين. وشجّعني على متابعة الكتابة والبحث. فشكرته على هذا الثناء. وكانت أحاديثنا وحوارتنا تتناول، أو تتمحور، حول شؤون الكلّية والكنيسة والوطن.

والحوار مع الأب الراعي كان يتّسم بالعمق والصراحة والتحليل المنطقي، والإحاطة بالموضوع المطروح من جوانب عدّة، وبالتالي كان يفتح آفاقاً جديدة في التفكير والدراسة، في إطار الإلتزام الديني والثقافي والوطني. وهو لم يكن مؤسّس الكلّية، وبالتالي الجامعة وحسب، بل كان قبل ذلك أستاذاً جامعياً مرموقاً، عرفته منابر جامعات عدّة معروفة في لبنان، ومثّقفاً من طراز رفيع.

وما أن اقترب شهر حزيران 1983 من نهايته، مؤذناً انتهاء فصل الربيع في كلّية اللويزة للتعليم العالي، حتّى فوجئت بالأب الراعي يقول لي ذات عصر يوم : "هل تريد أن تكون المنسّق الأكاديمي في الكلّية ؟" وشعرت في تلك اللحظات بالفرح والإعتزاز أن يكون الأب الراعي شخصياً، من موقعه الثقافي والإداري كمؤسّس ومدير الكلّية، قد اختارني أنا لحمل المسؤولية في هذا الموقع، بعد مرور ثلاثة أشهر فقط، على بدء عملي كأستاذ جامعي، وبالرغم من وجود أساتذة أكفياء غيري في الكلّية. ومع أنّه لم تكن لديّ الخبرة في إدارة الجامعات، فقد شعرت أنّه عليّ أن أكون على قدر الثقة التي وضعها الأب الراعي في شخصي، وأن أقبل التحدّي، وأحمل المسؤولية. فشكرته على ثقته. وهذه الأخيرة ألقت على كتفي مسؤولية كبيرة، رأيت أنّها تستحقّ أن أضطلع بها، مهما كانت الصعوبات والتضحيات والجهود التي تتطلّبها. واتكّلت على الله تعالى، وعلى رعاية الأب الراعي الأبوية، ودعمه لي. وكنت على يقين أنّه سيؤمّن لي الدعم اللازم في عملي هذا. ولمّا كانت كلّية اللويزة للتعليم العالي تُعتبر آنذاك فرعاً (قبل حصولها على الرخصة كجامعة مستقلّة في العام 1987) من كلّية بيروت الجامعية (حالياً الجامعة اللبنانية – الأميركية)، بناءً على الإتفاق بين الأب الراعي والدكتور البرت بدر رئيس الكلّية أثناء توقيع الإتفاق، فقد اقترح الأب الراعي على الدكتور رياض نصار الذي تسلّم رئاسة كلّية بيروت الجامعية من الدكتور بدر، تعييني في هذا المنصب.

وابتدأت مرحلة جديدة في حياتي من خلال عملي مع الأب الراعي كرئيس مباشر لي. إذ أخذت أكتسب الخبرة في إدارة الجامعات بإشرافه. ولذلك أتشرّف اليوم بالقول أنّه كان أستاذي الأوّل في هذا المجال. كما يشرّفني أن أؤكّد اليوم أيضاً أنّني مدين له بما اكتسبت في هذا المجال، بشكل كبير.

طبعاً لا أزال أحفظ العديد من الذكريات الجميلة المميّزة عن تلك الفترة وبشكل خاص أحتفظ بفرح واهتمام كبيرين ببطاقة المعايدة الجوابية التي تلطّف الأب الراعي وكتبها بخط يده وأرسلها لي، بمناسبة عيد الميلاد المجيد في العام 1983. هذه البطاقة الجميلة جداً، بما تضمّنته من معاني سامية وكلمات نبيلة، عكست عمق إيمانه المسيحي، ونبل مقاصده، وتمنّياته لوطننا لبنان، ولعائلتنا، إذ كتب فيها :

 

والنقطة الثانية، حول تلك الفترة، التي تستحقّ، في نظري، الإشارة إليها هي أنّه إنطلاقاً من إيماني أنّ الجامعة هي المكان الأنسب، إن لم يكن الأمثل، حيث تبرز ضرورة وضع التخطيط الملائم للمستقبل، في ضوء الواقع والأهداف والتطلّعات، فقد عمدت إلى كتابة خطّة عمل في صيف العام 1983، أي بعد أسابيع من تعييني في هذا الموقع الأكاديمي في الكلّية. وعنوان الخطّة كان "إقتراح استراتيجية للعمل القريب والبعيد المدى لكلّية اللويزه للتعليم العالي (أي جامعة سيدة اللويزه اليوم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك). وقدّمتها للأب الراعي في 22 تشرين الأول 1983، أي في بداية السنة الأكاديمية التي ابتدأت فيها عملي كمنسّق أكاديمي في الكلّية المذكورة.

وفي أوائل نيسان 1984، عندما استشرنا الأب الراعي حول فكرة تنظيم ندوة عن العلاقات اللبنانية – الأميركية في الكلّية، أثنى عليها، وشجّع على إقامتها، نظراً لفائدتها على أكثر من صعيد. ويوم عقدت الندوة، وشارك فيها كلّ من الأستاذ جبران تويني وأنا، كان الأب الراعي في مقدّمة الحضور يصغي، مشكوراً، بانتباه لافت (كما تظهر الصور التي نحتفظ بها باهتمام كبير) إلى ما كنّا نقوله نحن الإثنان.[1]

ومنذ مرحلة التسعينات من القرن العشرين رحت أكتب في النبذة الشخصية عنّي، أي CV، وفي إطار الحديث عن تعاوني مع بعض الجامعات، إسم المطران بشاره الراعي.

وقد ربطتني في تلك الفترة، وفي السنوات التي تلتها، علاقات تعاون وصداقة مع العديد من المسؤولين والاساتذة في الكلّية. أودّ أن أذكر منهم، على سبيل المثال، ضمن رجال الإكليروس الأب الدكتور بولس صياح (حالياً مطران حيفا والأراضي المقدّسة) والمغفور له الأب الدكتور انطوان الراعي، إبن شقيقة الأب بشاره.

وفي العام 1984، ترك الأب الراعي الكلّية، بناءً على أوامر الرهبنة المريمية التي ينتمي إليها، ليتسلّم رئاسة مدرسة القدّيسة ريتا في ضبيه، وليكون في الوقت نفسه كاهن رعيتيّ الصعود ومار جرجس هناك. وقد بقي في هذا الموقع حتّى انتخابه نائباً بطريركياً عاماً في 12 تموز 1986.

 وكان من الطبيعي أن أحرص على متابعة علاقات التعاون والمودّة معه، بعد تركه الكلّية، وذلك لأسباب عديدة في مقدّمتها الوفاء لشخصه. والوفاء هو في طليعة القيم التي تعلّمناها اخوتي وأنا، في مدرسة الشيخ انطونيوس الضاهر. وبالإضافة إلى الوفاء، فإنّ ما يجسّده الأب بشاره من قيم وكفاءات بارزة والتزام معروف بالكنيسة والوطن، كلّها جعلتني منذ العام 1984، أحرص على استشارته حول شؤون الكلّية التي أسّسها، واستمرّ في رعايتها، ولو في موقعه الجديد، وغيرها من شؤون علمية ودينية ووطنية، تتسّم بقدر من الأهمّية، خاصةّ عندما كانت تلتقي اهتماماتنا، أو أكون مبادراً بشأنها، أو مدعواً للمشاركة في بعضها، والتي كنت أرى أنّها تؤثّر في حياة الكنيسة ولبنان. وسوف أشير هنا إلى بعضها. هذا طبعاً بالإضافة إلى حرصي على الجانب الشخصي والاجتماعي في علاقاتنا. من جهته كان المطران الراعي يتلطّف بتقديم المعلومات والنصح لي، حول المواضيع التي كنت أستشيره حولها.

ففي إطار الكنيسة المارونية، بادرت إلى تقديم نسخة للمطران الراعي عن الدراسة التي وضعتها، وقدّمتها للبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، في 19 ايار 1986، أي بعد مرور شهر واحد على انتخابه بطريركاً على انطاكيه وسائر المشرق. وكانت الدراسة بعنوان "مدخل إلى استراتيجية شاملة لتحرّك البطريركية المارونية داخلياً واقليمياً ودولياً". وكان ذلك قبل انتخاب الأب الراعي نائباً بطريركياً عاماً بحوالي الشهرين. هذه الدراسة الموجودة الآن في أرشيف البطريركية، تلطّف الأباتي روفايل لطيف، الرئيس العام الأسبق للرهبنة المارونية الأنطونية، ونقلها إلى اللغة الفرنسية مشكوراً، تمهيداً لتقديمها إلى السفير البابوي في لبنان آنذاك. وكان الأباتي لطيف يومها مسؤولاً في السفارة البابوية في حريصا. ومن البديهي القول أنّنا نحتفظ، وباهتمام  كبير، بهذه النسخة بالفرنسية. وفي هذه الدراسة، وبعد أن تناولت منطلقاتها وغاياتها، فقد عمدت إلى إيراد اقتراحات عملية حول قضايا اعتبرت في العام 1986، حيوية، بالنسبة للمسيحيين. وأضفت إليها بعض الاقتراحات العامة، أهمّها "أن تكون بكركي مؤسّسة رائدة فاعلة ومتفاعلة مع مجتمعها ومحيطها. هذه المؤسّسة يمكن أن تضمّ بعض الدوائر المختصّة التي اقترحناها، وبعض مجموعات الإختصاصيين من الكهنة والعلمانيين، وتعمل تحت إشراف غبطتكم ..." (الصفحة 26 من الدراسة) وأنهيت هذه الدراسة بإيراد رسم تنظيمي (organigramme) حول تأسيس "دوائر مختصّصة تُعنى بقضايا محدّدة ..." (راجع الصفحة الأخيرة، أي الصفحة 29).

ونودّ أن نختار هنا، على سبيل المثال، ثلاثة اقتراحات من ضمن الإقتراحات التي أوردناها في هذه الدراسة، التي وُضعت منذ خمس وعشرون عاماً تقريباً. الأول حول تأسيس مركز أبحاث وتوثيق ماروني. وقد تناولت هذا الإقتراح على الصفحات 6 و15 و29. وفي العام 2004 أصدر البطريرك صفير مرسوماً بانشاء المركز الماروني للتوثيق والأبحاث. وقد كلّف سيادة المطران الصديق سمير مظلوم برئاسته. والمطران مظلوم يحظى باحترام كبير في الطائفة المارونية، نظراً لعلمه الواسع ومقاربته المنطقية للمواضيع المطروحة.

والإقتراح الثاني كان في الإطار الإعلامي. إذ في الجزء 5 من هذه الدراسة، والذي بعنوان "الإعلام في لبنان والخارج"، إقترحت على الصفحات 4 و29 "تعيين ناطق رسمي بإسم البطريركية المارونية يعبّر وحده عن رأيها الرسمي ويزيل كلّ التباس أو تزوير يمكن أن ينشأ الآن أو في المستقبل، ويبعد كلّ استغلال لإسم بكركي ...". البطريرك الراعي وبعد أيام معدودة على انتخابه، عيّن المحامي الصديق وليد غياض مسؤولاً إعلامياً في البطريركية. والإقتراح الثالث الذي أوردته على الصفحة 5، في الجزء رقم 2، الذي بعنوان "الناحية الدينية" إنطلقت فيه من أقوال للمطران بولس باسيم، مطران اللاتين في لبنان سابقاً، وردت في مقال له نشر في "النهار" بتاريخ 11/12/1985. وقد انتقد فيه توسّل بعض المؤمنين رجال الاكليروس، للظهور الباطل في  حفلات الزواج، وفي الجنازات، والمباهاة بحضورهم، رغبة في الوصول إلى مرتبة اجتماعية معيّنة. وأكّد المطران باسيم أنّ المؤمنين الذين يستدعون رجال الاكليروس لهذه الغاية "في مثل هذه المناسبات فانّهم لعلى ضلال مبين إذ يشوّهون صورة الكنيسة"[2]. وفي العام 1999، وتحديداً في 18 شباط، وفي بيان أصدره مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، إنتقد المظاهر الدنيوية في الاحتفالات، إذ أكّد في البند 3 منه، أنّه "لا يجوز أن تصبح الكنائس معرضاً للأزياء، وللتنافس في الإنفاق على الزينة، بدل اتّخاذ هذه الفرصة للمساهمة في أعمال البرّ والإحسان ومساعدة الفقراء والأيتام".[3]

وإذا رأى المعنيون، في هذه الفترة بالذات، أنّ فكرة تكليف مجموعة من الآباء والعلمانيين الثقاة، المعروفين بكفاءتهم وموضوعيتهم وتجرّدهم، لمراجعة هذه الدراسة التي وُضعت منذ خمس وعشرين سنة، وغيرها من كتابات، واقتراح ما يلزم بشأنها، فإنّنا نرحّب بهذا التكليف.

وفي إطار متابعتي لهذا الموضوع، فقد وضعت إقتراحاً آخر مفصّلاً إلى حدّ ما، حول إنشاء دائرة السياسة والعلاقات الخارجية في بكركي، بتاريخ 18 كانون الثاني 1988، وقدّمته للمطران الراعي. وكان هو في تلك الفترة نائباً بطريركياً عاماً. وقد أشرت إلى تقديمي هذا الإقتراح له، بمناسبة كتابتي شهادة متواضعة حول المطران رولان ابو جوده النائب البطريركي العام، والتي هي بعنوان "نبل الإنجيل المقدّس يتجسّد – المطران رولان ابو جوده" والتي نشرها الدكتور ربيعه ابي فاضل في كتابه الذي بعنوان "المطران رولان ابو جوده 50 سنة في خدمة الكنيسة ولبنان" [4] وأصدره في العام 2009.

وفي صيف 1987 عندما وجّه إلينا أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان آنذاك المونسنيور اغناطيوس مارون، دعوة للمشاركة في ندوة، تُقدّم أمام البطاركة والأساقفة في هذا المجلس، حول "الحضور المسيحي الكنسي في لبنان وتطلّعاته المستقبلية" رأيت من واجبي أن أُعلم المطران الراعي بمضمونها، طبعاً قبل ان يستمع إليها في اليوم المحدّد، أي في 27 تشرين الثاني 1987 [5]، بصفته عضواً في هذا المجلس، الذي كان يعقد جلساته برئاسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، في دير سيدة اللويزه، التابع للرهبانية المارونية المريمية، التي ينتمي إليها المطران الراعي، كما هو معلوم. وهذا ما قمت به في تلك الفترة.

وبمناسبة عقد مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق اجتماعه الأول، بعد تأسيسه، في دير الراهبات الأنطونيات في بكفيا في آب 1990، تشرّفت باطلاع المطران الراعي على اقتراحي حول "مسيحيو الشرق في قلب العروبة : رسالة الماضي والمستقبل"، والذي ينصّ على عقد مؤتمرات عدّة، لدراسة قضايا جوهرية وحيوية. هذا الإقتراح كان لي شرف تقديمه أمام البطاركة الكاثوليك في الشرق في 22 آب 1990، بشكل محاضرة، بناءً على دعوة كريمة من أبينا بطريرك انطاكيه وسائر المشرق آنذاك مار نصر الله بطرس صفير.

وبلطف أبوي أعتزّ به كثيراً، تولّى سيّدنا البطريرك صفير تقديم ولده سليم الضاهر للبطاركة. وممّا قال "الدكتور سليم خرّيج جامعة هارفرد (Harvard) ..." وبأسلوبه الخاص المُحبَّب إلى القلوب، أنهى بالقول "... بيكفي انّو ماروني". وكان لكلمات البطريرك صفير الوقع الجميل لدى اخوانه البطاركة. وقد شرّفني الآباء بطاركة الشرق بقبول اقتراحي هذا.[6]

لكن مع الأسف الشديد، عندما تمّ عرضُ هذا الإقتراح، فيما بعد، على إدارة مجلس كنائس الشرق الأوسط، حال موظّف كان يعمل فيه، يومها، دون عرضه على مجلس البطاركة والمطارنة رؤساء هذا المجلس، لإبداء رأيهم فيه، واتخاذ القرار المناسب بشأنه. وستكون لنا عودة إلى هذا الموضوع في مناسبة أخرى لاحقة.

وفي إطار رابطة كاريتاس لبنان، كنّا نلتقي المطران الراعي وأنا، خلال العام 1991، أثناء جلسات مجلس كاريتاس الشهرية. وكان المطران الراعي مشرفاً على هذه الرابطة في الفترة الممتدّة ما بين 1986 و1991. وكنت أنا يومها عضواً في هذا المجلس، بصفتي ممثلاً لأبرشية طرابلس المارونية، بتكليف من رجل الله المطران انطوان جبير.

وعندما دعونا، أشقائي جوزف ومنير وأنا، إلى لقاء لبناني جامع، أسميناه "لقاء اللبنانيين في القبيات" والذي نظّمناه في دارتنا في المدينة بتاريخ 5 تشرين الأول 1991، كان لنا الشرف أن نوجّه دعوة إلى المطران الراعي للمشاركة في هذا اللقاء، لكنّه اعتذر يومها، لارتباطه بالتزامات سابقة.[7] هذا اللقاء الذي شاركت فيه قيادات روحية مسيحية ومسلمة بارزة، ونوّاب وشخصيات، قال عنه المفتي الجعفري الممتاز آنذاك الشيخ عبد الأمير قبلان، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى فيما بعد، أثناء زيارته لبلدة راشكيده في البترون، بعد أكثر من تسعة أشهر، وتحديداً في 24 تموز 1992، أنّه "لقاء وطني"، وانّ القبيات "تمثّل الرمز الوطني والوحدة الوطنية ..." [8]   وبإذن الله، سوف ننشر قريباً وقائع "لقاء اللبنانيين في القبيات" ضمن كتاب جديد لنا، حول العلاقات المسيحية الإسلامية في لبنان.

ولمّا كان تناول العلاقة بين المطران الراعي ومدينة القبيات سوف يغطّي الفترة الممتدّة ما بين 1986 و2005، بشكل عام، فإنّنا اخترنا أن نتناول هنا موضوعاً واحداً إضافياً يعود إلى العام 2008، ويتعلّق بالانتشار اللبناني في العالم.

اثر انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في ايار 2008، بادرت، وبالتنسيق مع الرئيس العالمي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم آنذاك الصديق الأستاذ ايلي حاكمه، إبن القبيات، ومسؤولين اغترابيين آخرين، إلى دعوة مجموعة مرموقة من سفراء سابقين وقيادات روحية ومسؤولين وأساتذة جامعات ومديرين عامين سابقين ومحامين وقضاة سابقين، لدراسة مواضيع جوهرية وحيوية للمنتشرين اللبنانيين في العالم، وبالتالي للبنان الوطن. وكان في مقدّمة هذه المواضيع مشاركة المغتربين في الإنتخابات النيابية في العام 2013، وخاصةّ استرجاع المنتشرين المتحدّرين من أصل لبناني، لجنسيتهم اللبنانية.
وقد اتّصلت يومها شخصياً بالمطران الراعي، لاستشارته حول المواضيع المطروحة. كما وجّهت إليه دعوة للمشاركة في الإجتماعات. لكن ارتباطه بمواعيد سابقة حمله على الإعتذار. إنّما أثنى المطران بشاره على عمل المجموعة، ودعاها لزيارته، في حال سمحت ظروف أعضائها بذلك. وقد عقدت المجموعة أكثر من اجتماع في لبنان في صيف 2008، شارك فيها أيضاً الرئيس العالمي الحالي للجامعة الثقافية في العالم الشيخ عيد الشدراوي ورئيس مكتب لبنان في الجامعة السيد طوني قديسي. وفي ضوء المناقشات التي جرت أثناءها، برزت الحاجة إلى وضع دراسات علمية، تتناول جوانب محدّدة في المواضيع المطروحة على بساط البحث في لبنان. وهذا ما حصل.

وقبل أن نبدأ بتناول علاقات المحبّة والشركة في المسؤولية التي ربطت ما بين المطران الراعي والقبيات، ثمّة نقطة أخيرة عزيزة على قلبي وهي أنّه، على الصعيد الإجتماعي كنت أزوره في مقرّ المطرانية في عمشيت، عندما كانت ظروفه تسمح بذلك. وقد قمت بذلك أكثر من مرّة برفقة عمّي (والد زوجتي المحامية كارول) المربّي الأستاذ شفيق سعيد، وبعض أفراد أسرته، ومنهم الطبيب الدكتور بيار وشقيقه المحامي الأستاذ نديم سعيد. وفي فترات سابقة، وفي أكثر من مناسبة، كنّا نلتقي على عشاء، يشارك فيه أصدقاء وزملاء سابقون، من بينهم الأب بولس صياح، المطران حالياً، والرئيس العام الأسبق للرهبنة المريمية الأباتي انطوان صفير.

وقد اخترت عناوين خمسة للكلام على الصفحات المشرقة في علاقات المحبّة والشركة في المسؤولية، التي جمعت ما بين المطران الراعي والقبيات. وبداية هذه العلاقات تعود إلى يوم الأحد في 13 ايلول 1986، ولا تزال مستمرّة إلى اليوم، والحمد لله.

وأنا أؤمن أنّني كإبن للقبيات، أنّ مسؤوليتي العلمية والإجتماعية تجاه أهلها، الذين هم أهلي وأصدقائي ومواطنيّ فيها، وتجاه شخصيات بارزة، من خارجها، تقيم علاقات معها، أنّ أسلّط الضوء، قدر استطاعتي، على هذه العلاقات، فأكتب صفحات، قد تشكّل جزءاً من تاريخها العام. وأنا أعتبر أنّ تاريخ القبيات العام لم يُكتَب بعد، بشكل كامل، بالرغم ممّا نُشر سابقاً من كتب ودراسات جيّدة تستحقّ التقدير. وقد تمنّيت أكثر من مرّة على مؤرّخين من القبيات إنهاء ما بدأوا بكتابته، في هذا الإطار. ولا يتّسع المجال هنا لذكر مؤلّفي هذه الكتب والدراسات، وعناوينها، بالتفصيل. وطبعاً أنا أؤمن أنّ هذا التاريخ يجب أن يُكتَب. وهذه، بدون شك، مسؤولية المؤرّخين والمثقّفين وأهل العلم، من أبناء مدينتنا أولاً. وبكلّ تواضع فإنّني أحاول في ما أكتبه الآن في هذه الدراسة، أن ألبّي نداء ضميري، على الصعيدين الشخصي والوطني، خاصة وأنّني في إطار علاقات المطران الراعي مع القبيات، كان لي شخصياً، ولي ولأشقّائي معاً، شرف المساهمة، ولو المتواضعة، في إطلاق بعض المبادرات، أو المشاركة في حدوثها، أو متابعة وقائعها، بأكثر من طريقة أو وسيلة.

وإذا كان المجتمع ذاكرة مشتركة، أو لكي يكون المجتمع ذاكرة مشتركة، من الأساسي أن يتذكّر أشياء مشتركة، أي أن يتذكّر أبناؤه أشياء مشتركة. وتراث المجتمع هو قيمة كبرى، إذ يضطلع بدور أساسي، هو إضفاء الوحدة، وتفعيل التوحيد فيه. وبمقدار ما يكون تراث المجتمع حياً في نفوس أبنائه، يستطيع هؤلاء أن يشاركوا في صنع مستقبلهم، وبالتالي في حركة التاريخ، لهم ولغيرهم. وبالعكس، فإنّ المجتمع الذي لا يتعلّم من تاريخه، لا يمكنه أن يصنع مستقبله. ونظرتنا إلى كتابة تاريخ لبنان، بما فيه تاريخ المناطق اللبنانية، قد أكّدناها في أكثر من مناسبة ثقافية ووطنية واجتماعية.[9]

وفي إطار متابعتي حمل مسؤولياتي تجاه مجتمعنا المحلّي، أي القبيات، والكنيسة ولبنان الوطن، فإنّني أؤمن أنّ القيام بنقل المعطيات التاريخية والمعلومات، المرتبطة بعلاقات المطران الراعي مع أبناء القبيات، من القلوب والعقول والصدور، ومن الذاكرة الفردية لمن شاركوا في إرسائها وتطوّرها، أو يتحقّق لهم فرصة معرفة جميع جوانبها أو بعضها، وكذلك نقلها من نصوص الوثائق وصفحات الصحف، إلى دفّتي دراسة متواضعة، قد تتاح لها يوماً فرصة الانتشار والتوزيع، بالشكل الذي تستحقّ، هي فكرة جديرة بوضعها موضع التنفيذ. إذ انّها تصبّ في خير الموارنة واللبنانيين، وتحديداً أهلنا وأصدقاؤنا في القبيات وعكار، وذلك في ضوء عوامل عدّة.

إنّنا مقتنعون أنّ وضع هذه الدراسة يصبّ في صميم الدور الثقافي للقبيات، الذي كان لنا شرف طرحه لأوّل مرّة علناً، أثناء المحاضرة التي تلطّفت رهبانية الآباء الكرمليين في لبنان، مشكورة، ودعتني لإلقائها، بمناسبة الإحتفال بالذكرى المائة والخمسين لتأسيس دير مار ضومط للآباء الكرمليين في القبيات. وهذه المحاضرة التي قمت باختيار موضوعها حول "دور مدينة القبيات الثقافي المستقبلي"، ألقيتها في 26 تموز 2003، في باحة هذا الدير التاريخي. وقد قام بتمثيل البطريرك صفير أثناءها المونسنيور الصديق يوسف سويف، حالياً مطران قبرص للموارنة.

والرهبانية كانت مُمثَّلة آنذاك بالرئيس الإقليمي الأب القاضي مخول فرحه، والأب بنوا ريشا رئيس دير مار ضومط في القبيات يومها، ومدير المدرسة فيها الأب الدكتور سيزار الموراني. هذا الدور الثقافي نرى أنّه من الضروري تأكيد تزايد أهمّيته اليوم، لأنّ الثقافة هي المجد الباقي لكلّ مجتمع ولكلّ وطن، وأيضاً بسبب التطوّرات والتحوّلات في لبنان، وبقية الدول العربية. وأنا أعرف أنّ بعضاً من أهل العلم والفكر في القبيات، يوافقونني هذا الرأي.

هذا على الصعيد الحياتي. وما يزيد هذا الجانب ألقاً وأهمّية وعمقاً هو التأكيد أنّ صداقة المطران الراعي مع أبناء القبيات هي صداقة عريقة، إبتدأ الطرفان بنسج خيوطها منذ خمس وعشرين سنة تقريباً، وتحديداً في 13 ايلول 1986، كما ذكرنا سابقاً. وذكرى زيارته الأولى للقبيات يومها لا تزال حيّة في قلوب من شاركوا معنا، في تكريم المطران الراعي. والمحبّة العتيقة المستمرّة التي تجمع ما بين هذا الحبر الجليل والقبيات، أعرب هو عنها، أو أظهرها، في مناسبات عدّة، خاصة أيام الضيق. والمطران الراعي خاطب أهلها، مباشرةً، من على منابرها، أكثر من مرّة. الأولى خاطب فيها مشايخ القبيات وكهنتها وبعض رهبانها وأهلها، في دارة الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر، والثانية أثناء المحاضرة التي ألقاها في كنيسة سيدة الغسالة، وخاطب فيها عامة أبناء القبيات والبلدات والقرى في المنطقة، ممارساً بذلك أحد أدواره كأسقف معلّم، كما سنرى فيما بعد.

والطينة البارزة من القيادات الروحية التي يمثّلها المطران الراعي، هي "السراج المضيء الذي لا يوضع تحت مكيال بل على منارة ليرى الجميع نوره"، كما يعلّمنا الإنجيل المقدّس.

وأنا أؤمن أنّه مدعاة اعتزاز لنا نحن أبناء القبيات، أن يتمّ تسليط الضوء على علاقات مدينتنا مع شخصية دينية وفكرية مارونية لبنانية من طراز رفيع كالمطران بشاره الراعي، والذي أصبح اليوم بطريرك انطاكيه وسائر المشرق للموارنة.

وعلى صعيدنا الخاص هنا، يشرّفنا القول أنّنا نودّ الإسهام في تخليد ذكرى زيارة المطران بشارة الراعي الأولى إلى القبيات، عبر نشر وقائعها علناً للمرّة الأولى، في تاريخ مدينتنا، وغيرها.

ونحن نأمل أن تصل هذه الدراسة بسهولة، إلى أيدي الآباء والأمّهات والأولاد والأطفال في مدينتنا، فيطّلعوا على المعطيات التاريخية والمعلومات التي توردها، وبالتالي تصل إلى عقولهم وقلوبهم، فتساهم في بناء الذاكرة الجماعية لديهم. وهو ما يمكن أن يترجموه ممارسات يومية متجانسة. ومن يدري ؟ فقد تسهم هذه الدراسة في التحضير، أو المواكبة، ولو بشكل متواضع، لزيارة تاريخية قد يقوم بها البطريرك الراعي للقبيات والمنطقة، إذا توافرت القناعة لديه حول أهمّيتها.

من جهته، يُعرَف عن المطران الراعي أنّه قارئ جيّد للتاريخ، خاصةً لتاريخ الكنيسة المارونية، وتاريخ الموارنة بشكل عام. واهتمامه الحياتي والوطني والعلمي بتاريخ الموارنة، وفي ضوء الصداقة المتينة التي ربطت، منذ عقود، ما بين المطران الراعي والأباتي بطرس فهد، الرئيس العام الأسبق للرهبنة المريمية، صاحب الكتابات الغزيرة في هذا التاريخ، فإنّه من المنطقي القول أنّ هذه الكتابات، وغيرها، ساهمت في توفير ما يريده المطران الراعي من معلومات ومعطيات تاريخية، أثناء حمله مسؤولياته الكنسية والإجتماعية والوطنية. وطالما نتحدّث هنا عن الصداقة بين المطران الراعي والأباتي فهد، فإنّني أرى أنّه من المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ القاضي الصديق الرئيس جان فهد أكّد أنّ عمّه الأباتي بطرس، كان قد توقّع منذ سنين عديدة، أنّ المطران الراعي سيصبح بطريركاً.

وأنا أذكر مرّة أنّه، بعد انتهاء اجتماع مجلس رابطة كاريتاس في مقرّه في بيروت، أنّنا كنّا نناقش حول رأي أطلقه المطران الراعي في بداية التسعينات، فأكّد لي يومها أنّه استقى معلوماته حول هذا الرأي من كتاب المطران انطوان حميد موراني، مطران دمشق سابقاً، وأستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية الذي بعنوان "الوجدان التاريخي الماروني بين القديم والجديد".

 

I- مأدبة تكريمية على شرف المطران الراعي            "مبارك الآتي بإسم الربّ"   ربّنا يسوع المسيح

لدى عائلة الشيخ انطونيوس الضاهر                         

13 أيلول 1986                                  "هذه أوّل زيارة تعارف خارج الأبرشية البطريركية"    
                                النائب البطريركي العام المطران بشارة الراعي

 في الأسبوع الثاني من تموز 1986، حمل النائب البطريركي العام المطران رولان ابو جوده إلى الأب بشارة الراعي، آنذاك رئيساً لمدرسة القديسة ريتا في ضبيه، بشرى انتخاب المطارنة الموارنة له نائباً بطريركياً عاماً، كما أعلن غبطة البطريرك الراعي شخصياً في أوّل كلمة له ألقاها بعد انتخابه بطريركاً على انطاكيه وسائر المشرق للموارنة[10] في 15 آذار 2011. وانتخاب الأب الراعي مطراناً، جعله المطران الثامن عشر، الذي ينتخب من بين آباء الرهبنة المارونية المريمية، كما أعلنت الرهبنة في حفلة التكريم التي أقامتها بعد يومين على انتخابه، أي في 14 تموز 1986[11] وطبعاً لم يقتصر الفرح على الرهبنة الأم، بل شاركها الفرح يومها أصدقاء المطران الراعي وقادريه ومعارفه، بشكل عام. وبالنسبة لي، شكّل انتخابه مدعاة اغتباط وفرح، وكذلك بالنسبة لأهلي، لمشاركتهم إيّاي مشاعر المحبّة والتقدير التي أكنّها لشخصه. ولذلك عندما استشرت والدتي الشيخة نزها، رحمها الله، وأشقائي جوزف ومنير (رحل إلى جوار الله في 19 ايار 1996) وشقيقاتي، حول فكرة تكريم المطران الراعي في دارتنا في مدينة القبيات، رحّبوا فوراً وبحرارة وفرح، لأنّه بنظرنا جميعاً مستحقّ مستحقّ، لكلّ تقدير  وتكريم. ويومها تذكّرنا جميعنا بفرح كبير جداً، كبيراً آخر من أساقفة الكنيسة المارونية المثلّث الرحمة المطران انطوان عبد، راعي أبرشية طرابلس الأسبق، الذي كان يلتقي سابقاً بعضاً من أهلنا أبناء القبيات، في دارتنا المتواضعة، أثناء زياراته الدورية لأبنائه موارنة عكار والأبرشية.

واتّفقنا على توجيه دعوة لسيادة المطران الراعي لزيارة القبيات، وأن يكون ضيفنا على مأدبة غداء نقيمها على شرفه في دارتنا، بمباركة من صديق العائلة راعي أبرشية طرابلس المارونية آنذاك المطران انطوان جبير، وبحضور مشايخ القبيات وكهنتها وآبائها وأنسباء وأصدقاء وجيران. وطبعاً كنّا نعلم ونفرح بمدى المحبّة الإنجيلية الأصيلة التي كانت تجمع بين الأسقفين الكنسيين الجليلين المطران الراعي والمطران جبير، منذ أيّام وجودهما في الفاتيكان وروما، في مرحلة سابقة.

وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما قصدت المطران الراعي في البطريركية في أواخر شهر آب 1986، لتوجيه الدعوة إليه، إذ تلطّف بقبولها منوّهاً بأنّ زيارته هذه للقبيات "ستكون أوّل زيارة تعارف خارج إطار الأبرشية البطريركية". وحدّد سيادته موعدها يوم الأحد في 13 أيلول. وطبعاً رحّب المطران جبير بدعوتنا لصديقه، وأعرب عن استعداده للمشاركة في المأدبة التكريمية على شرفه. عندها قمنا أشقائي جوزف ومنير وأنا، بتوجيه الدعوة إلى مشايخ القبيات وكهنتها وآبائها وأبناء عمومتنا وإخوالنا وأصدقاء، فرحّب الجميع بها مشكورين. الشيخ الصديق اسكندر غصن، أحد الخصوم السياسيين السابقين للمغفور له والدنا الشيخ انطونيوس، وصديقه في الوقت نفسه، كان الوحيد الذي اعتذر عن المشاركة في المأدبة، لأسباب صحّية، عندما اتصلت بهم هاتفياً، وتكلّمت معه، ومع عقيلته السيدة حواء فرنجية، في منزلهما في زغرتا، وإن كانوا اثنوا على فكرة تكريم المطران الراعي.

وفي اليوم المحدّد، وصل جميع المدعوين من القبيات، بالإضافة إلى كهنة البلدة الجارة عندقت. وما أن اقتربت السيارة التي أقلّت المطران الراعي من محيط منزلنا، حتّى بادرنا، أشقائي وأنا والدكتور الطبيب جوزف الفاضي، إبن شقيقتنا منيره وزوجها ميشال الفاضي، إلى دعوة الحضور إلى المشاركة في استقبال الضيف الكبير، عند الباب الخارجي لدارتنا، على الطريق العام، ومواكبته والمطران جبير، حتّى الصالون الكبير، وسط الترحيب الحار من عائلتنا، وفي المقدّمة والدتنا.

وهناك جلس المطران الراعي يحيط به المطران جبير والمشايخ. وتولّينا أشقائي جوزف ومنير، وأنا، تقديم السادة المشاركين في التكريم، إلى المطران الراعي المُكرَّم. وفي مقدّمة الحضور كان عمّنا الشيخ ميشال الضاهر نائب عكار الأسبق، وابن عمّنا الشيخ البير الضاهر، شقيق وممثّل نائب عكار السابق الشيخ مخايل الضاهر، والشيخ فريد عبدو، أيضاً أحد الخصوم السياسيين السابقين للمغفور له والدنا، وصديقه في الوقت نفسه، وكذلك نجله الصديق الشيخ راجي، المغترب في فنزويلا. ومن الكهنة والآباء حضر الأب نبيل الزريبي، والأب يوحنا حبيب البيسري والأب ميشال بيطار (حالياً كاهن رعية في البرازيل) والأب يوسف حنا، والراهبين الكرمليين الأب جان طنب (الرئيس العام الإقليمي الأسبق للرهبنة الكرملية) والأب ادمون ديب، من رهبان دير مار ضومط للآباء الكرمليين في القبيات يومها، وكذلك كهنة عندقت الأب سيمون الراسي والأب انطون بركات. ومن المشاركين أيضاً أخوالنا من آل قسطون، وأبناء عمومتنا من آل ضاهر، وأصدقاء لنا من آل فارس وجبور وغيرهم. ويفرحنا هنا أن نذكر أنّ أوّل من قدّم لنا التهاني بانتخاب المطران بشاره الراعي بطريركاً، كان الصديق السيد جبور جبور، أحد المدعوين إلى تلك المأدبة التكريمية. وكان ذلك عندما إتّصل بنا هاتفياً أثناء محاضرة كنّا نلقيها في الجامعة، صباح يوم 15 آذار 2011، فور إعلان النبأ السار، عبر وسائل الإعلام.

كان المنظر جميلاً جداً. مشايخ القبيات وكهنتها وآباؤها وفعالياتها وبعض أهلها، يتحلّقون جميعهم حول النائب البطريركي العام المطران الراعي، وراعي الأبرشية المطران جبير، ويتحادثون حول شؤون القبيات وموارنة عكار، خاصة في تلك الفترة، أي فترة الحرب، والعلاقات مع الكنيسة ومع جيران القبيات الإخوة المسلمين. وقد شارك الجميع في الحوار وإبداء الآراء.

في كلمتي الترحيبية التي ألقيتها بإسم الوالدة وأشقائي وشقيقاتي وإسمي الشخصي، والتي لا أزال أحتفظ بها، إستهللت بتوجيه التحيّة إلى حملايا مسقط رأس المطران الراعي، قائلاً انّ القبيات "بمشايخها وكهنتها ولفيف من أهلها ترحّب بكم أجمل ترحاب، ونتطلّع إلى أعالي المتن لنمدّ يد الصداقة إلى بلدة حملايا العزيزة، مسقط رأسكم، وإلى كلّ مدينة أو بلدة أو قرية، تجعلكم رتبتكم الكنيسة مسؤولاً عنها" وأضفت "يقول الإنجيل المقدّس "كنت أميناً على القليل فسأقيمك أميناً على الكثير" ما أجمل هذا القول الإلهي. ولَكَمْ ينطبق عليكم يا صاحب السيادة. إنّ نجاحاتكم المتواصلة في المسؤوليات المميّزة المتنوّعة التي تقلّدتموها في الفاتيكان ورئاسة مدرسة اللويزة، ورئاسة الجامعة أو كلّية اللويزة للتعليم العالي، وبعدها رئاسة المحكمة الروحية، طبعاً إلى جانب تقواكم ودماثة أخلاقكم ومرونتكم، كلّها صفات قرّبتكم إلى الله، وإلى قلوب المرجعيات الروحية في الكنيسة المارونية، فأوحى الروح القدس بانتخابكم في هذا المركز المرموق والحسّاس، خاصةً في هذه الفترة من تاريخ لبنان". وأعربت عن فرحنا وفرح جميع المشاركين في المأدبة، إذ قلت أنّ "أهلنا في القبيات ابتهجوا برغبتكم في أن تزوروهم عشية عيد ارتفاع الصليب المقدّس، وكأنّكم أردتم أن تشاركوهم فرحة هذا العيد". وأكّدت أنّ "اعتزازنا بقول البطريرك مار نصر الله بطرس صفير عن القبيات – عندقت وجوارها، أنّها "منبت الرجال وحماة العلم" في لفتة كريمة منه، إلى تضحيات وإنجازات أبناء القبيات، تكمله قناعة أساسية لدينا بأهمّية علاقات الصداقة والأخوة والتعاون المتعدّد الأوجه، مع أهلنا وجيراننا أبناء العائلات الروحية الأخرى، أي الإخوة المسلمين في عكار، وغيرها. هذه العلاقات التي هي ثمرة تاريخ طويل من العيش المشترك، ومن تقاسم الأفراح والأتراح مع بعضنا البعض، والتي تنبثق بدورها من قناعات ثلاث : وطنية ودينية وإنسانية". وتناولت بعدها، ببعض التفصيل، كلاًّ من هذه القناعات الثلاث. ولا يتّسع المجال هنا لشرحها.

ووسط الإهتمام الكبير لدى الحضور، وترقّبهم لما سيقوله لهم النائب البطريركي العام، في أول لقاء تعارف له معهم، في مدينتهم، وفي دارة الشيخ انطونيوس الضاهر تحديداً، كما سينوّه هو شخصياً بذلك، وقف سيادة المطران الراعي، والجميع على مائدة الغداء يصغون إليه بانتباه كبير، وارتجل كلمة جميلة جداً، باللغة العامية، لا نزال نحتفظ، وبعناية كبيرة، بالتسجيل الصوتي لها. وقد خاطب فيها عقول أبناء القبيات وقلوبهم، فشدّهم إليه بذكائه ولطفه ولياقته.

إستهلّ المطران الراعي كلمته، مخاطباً المطران جبير والحضور، بالتأكيد على أنّ هدف زيارته للقبيات هو للتعرّف على هذه الأرض الطيّبة، التي يعرفها من التاريخ، من تاريخها هي، وما أنبتت من رجال دين ودنيا، قائلاً "سيّدنا (المطران جبير) اليوم في هذا النهار الجميل إجتمعنا فيه مع سيادتكم في القبيات كان سببه (اللقاء) العميق العميق، مع الدكتور سليم، أن أتعرّف على هذه الأرض الطيّبة التي نعرفها من التاريخ، أنّا في قرارة نفسي لم أكن أعرف القبيات. إنّما كنت أعرف ما هو تاريخها وأعرف ما خرج منها من رجال دين ودنيا". وبعدها تكلّم على معرفتي الشخصية به، وتعاوننا في إطار كلّية اللويزة للتعليم العالي (اليوم جامعة سيّدة اللويزة، كما أسلفنا)، إذ قال، موجّهاً كلامه إليّ،  "كان لي شرف التعرّف عليك شخصياً وأتعاون معك، وأن أتعرّف على البعض من أهلك".

والصداقة العريقة التي جمعت ما بين المطران جبير كراعي لأبرشية طرابلس المارونية، وعائلتنا كانت سبب فرح للمطران الراعي، إذ قال : "وفرحتي الكبيرة من وجهة نظرنا وقبل أن أتعرّف عليك لما عرفت أنّ صديق هذا البيت الكبير هو سيّدنا المطران انطوان جبير". وأشار هنا إلى الإجتماعات التي كان يعقدها المطران جبير مع بعض موارنة الأبرشية، في النصف الثاني من السبعينات في القرن المنصرم، في مدرسة سيّدة اللويزة، التي كان الأب بشارة الراعي رئيسها في تلك الفترة. وكان المطران جبير قد كلّف يومها شقيقي جوزف بمهمّة أن يكون أمين السر في تلك الإجتماعات. وممّا قال "الفرحة أنّه في بداية عهده في خدمة أبرشية طرابلس وبالوقت الذي كان يجتمع فيه في مدرسة اللويزة وكنت أنا بالمدرسة وكان أخوك جوزف يجتمع معهم. وأنا من وقتها إبتدأ يولد في قلبي إحترام وتقدير عميق للقبيات بنوع خاص، وخاصة لهذا البيت الكريم". وأضاف لاحقاً مستشهداً بالقول المأثور "صديق صديقي صديقي"، وأكّد سعادته الكبيرة أن يرتبط بنا، وبصداقة القبيات، بسبب صداقتنا مع المطران جبير "وسعادتي كبيرة وفرحي كبير لأنّكم أنتم تعرفون القول "صديق صديقي صديقي". وهو ما جعلني أرتبط بكم وبصداقة القبيات، صداقتكم مع سيّدنا المطران جبير". وهذا الربط بين المطران جبير وعائلتنا، كان يومها ولا يزال، مصدر فرح واعتزاز كبيرين لنا، في ضوء عوامل عديدة في مقدّمتها محبّتنا الكبيرة لشخصه كرجل الله المتّصف بالتقوى والعلم معاً، وتقديرنا لكفاءته العلمية المعروفة كحامل دكتوراه في القانون الكنسي، إلى جانب شهادات اللاهوت وغيرها، ولقربه من سلفه راعي أبرشية طرابلس الأسبق المطران انطوان عبد. وكانت تربط المغفور له والدنا بالمطران عبد علاقة صداقة متينة قائمة على التقدير الكبير والمودّة البنوية الأصيلة. وقد تعاون معه من أجل خير أبناء القبيات والمنطقة، طوال فترة حبريته. ونحن نؤمن، كما تؤمن الأكثرية الساحقة من موارنة عكار، حسب علمنا، بأنّ المطران عبد كان الأسقف الأبرز في تاريخ الأبرشية. وقضية الصداقة كان الشيخ انطونيوس يقدّرها حقّ قدرها ... ونحن أنجاله تعلّمنا منه الحرص على الصداقة، كونه كان مدرسة في الصداقة. ولذلك نأسف أشدّ الأسف، لا بل نستاء جداً، إذا انقلب صديق على صديقه، أو تنكّر له، أو خان الصداقة التي تربطهما. والعديد من الزعامات والفعاليات والشخصيات، والتي ارتبطت بعلاقات الصداقة مع الشيخ انطونيوس، تلطّفت وكتبت لنا شهادات حوله، بمناسبة مرور المئوية على ولادته، في العام 1999، والتي نشرناها في الكتاب عنه.  وكذلك ما يؤكّده لنا بعض هذه الزعامات والشخصيات، التي لا تزال على قيد الحياة، والحمد لله، تشهد له بذلك.

وكان المطران الراعي ينظر إلى صديقه المطران جبير نظرة ملؤها التقدير والمحبّة الإنجيلية، إذ قال عنه في كلمته "هو معلّمي هو صديقي هو أخي هو المثال في الوقت الذي كنّا فيه في روما كنّا نرى فيه الكاهن كنّا نرى فيه المؤمن. وليسمح لي أن أقول هذه ولو جرحت تواضعه كنّا مرحّبين به بحرارة وفرح."

وفي إلتفاتة أبوية نبيلة تكلّم المطران الراعي عن المغفور له والدنا، والوالدة، ونحن أنجالهم. والوالدة كانت في هذه الأثناء تصغي إلى كلامه باهتمام كبير، متوقّفة عن الإهتمام بالضيوف الكرام المطارنة، وبقية الحضور. "كلّنا نتذكّر اليوم الوالد نذكره لأنّه لم يغب. صحيح أنّه غاب عن النظر لكن لم يغب عن الخاطر. لقد غاب حسّياً، لكنّه لا يزال بيننا من خلالكم أنتم (الوالدة ونحن). وكلّنا يعرف المثل الذي يقول "مين خلّف ما مات". أنتم حضور الشيخ انطونيوس، الذي أعطانا، مع الوالدة الطيّبة أطال الله عمرها، هكذا رجال نفتخر بهم، هكذا رجال في قلب الكنيسة في كلّ قطاعات الكنيسة". ولفت المطران الراعي إلى أنّنا نقرن القول بالعمل، إذ قال "أنتم فاعلين هذا كدليل على الذي قلته في خطابك. ما قلته في خطابك تعيشه". وتواضعه الكبير حمل المطران الراعي على القول أنّ ما قلته أنا عنه لم يكن عنه "الذي قلته عنّي أنا لم أعتبر أنّك قلته عنّي".

وعن اللقاء الأول بيننا، تلطّف المطران الراعي بالقول "شاءت الصدف وأنا أقول أنّها ليست صدفة بنظر ربّنا سيّد التاريخ. كانت صدفة فقط بالنسبة لنا. إنّما ربّنا يدبّر كلّ الأمور، بدون أي حساب، بدون أي تفكير، بدون أي وصل للأفكار، وإذا وصلت على طريقك والتقينا بدروب الحياة. وكان لنا الفرح والسعادة أن نتعاون خلال هذه الفترة من الزمن، التي، في الحقيقة، لم تنتهِ" ... وعن عملنا وطريقة تفكيرنا معاً قال "كنّا سوا نفكّر، ونفكّر لبنانياً، ونفكّر بكلّ لبنان من أبعد حدوده. هذه كانت نظرته للدكتور سليم. كنّا كلّ يوم نلتقي. لا أريد أن أبالغ فأقول كلّ يوم، لكن كلّ لقاء كنّا نلتقي فيه من أجل العمل في المكتب كان يسحب ورقة من جيبه فيها شيء من تفكير، فيها شيء من تخطيط كيف يمكننا أن نخدم أكثر، كيف يمكننا أن نساعد أكثر ... وما هي أبعاد عملنا وطنياً وروحياً وتربوياً". وعن بعض أفكاري المتواضعة التي كنت أطرحها عليه في لقاءاتنا، قال المطران الراعي "... كانت خطّة عمل. أنا كنت أعتبر كلمات دكتور سليم، بما عنده من طموحات، كانت دائماً، وهذا ليس بمديح، كانت نقاط، piste (طريق مرسوم) في ضوئها نريد توجيه خطانا وعملنا". وعن القبيات وعائلتنا، وحواراتنا، وبالتالي رغبته في زيارتها لأوّل مرّة، قال المطران الراعي، وهو أمير من أمراء الكنيسة : "هذا الموضوع الذي كنّا سوا نتحاور فيه، الذي كنّا سوا نشتغل في سبيله، هو الذي حملني أن أقول يا دكتور سليم : أنا أودّ زيارة القبيات في يوم ما حتّى نتعرّف بالعين وبكلّ الحواس وبكلّ الكيان على هذه الأرض الطيّبة التي تنبت هكذا رجال، وأتعرّف بشكل خاص على هذا البيت الكريم". وعن نظرته إليّ كإبن للقبيّات قال "فيك تعرّفت، واسمحوا لي أن أحكي عن الدكتور سليم، إنّما أنا أحكي عن كلّ شخص من القبيات. هو كان زهرة قُطفت من القبيات ووضعت على طريقي". وعن كلمتي المتواضعة التي ألقيتها يومها، قال سيادته وهو الكبير بين الرجال "رجع ذكرني فيهم وهو يحكي هذه الكلمة الحلوة، هذه الكلمة التاريخية، وكيف ثبتها على القواعد الثلاث : الدين والوطن والإنسانية".

لكم يفرح القلب اليوم، كما فرح بالأمس، عندما تلطّف المطران الراعي، وقال هذه الكلمات. وبعد مرور كلّ هذه السنين، يسعدني جداً اليوم أيضاً، أن أؤكّد إيماني بأنّ سيادته كان الأولى بها، ولا يزال. وأنّ نفسه الجميلة فاضت بهذا الكلام الجميل. والقول المأثور يذكّرنا أنّ "الإناء ينضح بما فيه".

وبمشاعر الأبوّة والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه كنائب بطريركي عام، بادر المطران الراعي إلى مخاطبة المطران جبير، وجميع الحضور، قائلاً أنّه يريد معرفة كيف يمكن أن يخدم شعب القبيات، وفي أي مجال "... حتّى نرى ماذا يمكن الواحد أن يخدم ... سيّدنا أقول لسيادتك بصفتك مطران الأبرشية ما هو المجال الذي أقدر أنا بموقع خدمتي في الكنيسة ... ماذا يمكن حقيقة أن نخدم شعبنا لا سيّما "منبت الرجال وحماة الوطن" ماذا يمكن أن نخدم بأي قطاع من القطاعات نحن جنود لهذا العمل" وأضاف المطران الراعي، وهو يتطلّع إليّ، كما لا أزال أذكر ذلك باعتزاز، "لربّنا للوطن للدين للإنسانية" (الركائز الأخيرة الثلاث التي تناولتها في كلمتي). وعندما أنهى المطران الراعي كلمته، صفّق الحضور بحرارة استحساناً.

وبعد المأدبة كان لي شرف مواكبة سيادته في سيارته، أثناء زيارته لمنزل الصديق  الراحل السيد تادرس الراعي (ابو الياس) في بلدة عندقت، حيث تجمّع أهاليها، خاصةً أبناء عائلة الراعي في البلدة، لاستقباله والترحيب به. وهذا الإستقبال الحار سنعود ونتذكّره أثناء زيارة المطران الراعي مجدّداً لبلدة عندقت في العام 2005، كما سنرى لاحقاً.

المأدبة التكريمية للمطران الراعي في دارتنا في القبيات، كان قد سبقها عشاء تكريمي سُعدت بإقامته، على شرف كلّ من المطران بشاره الراعي والمطران رولان ابو جوده.
إذ بعد مرور حوالي الثلاثة أسابيع ونيّف على انتخاب المطران الراعي قمت، وبحضور شقيقيّ جوزف ومنير، بالدعوة إلى عشاء تكريمي لهما في نادي اليخوت والسيارات في الكسليك
(ATCL)، بتاريخ 5 آب 1986. وقد شارك في العشاء وزراء سابقون ومطارنة وسفراء ورؤساء ومديري ومسؤولي وأساتذة جامعات، وضبّاط كبار وآباء ومدراء عامون سابقون ومحامون ورجال أعمال وديبلوماسيون. وكنت يومها قد عيّنت منسّقاً للتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت – الفرع الثاني في الأشرفية. ويمكن مراجعة لائحة المدعوين في قسم الوثائق.

 



II- الإشتباكات بين القبيات وبعض جيرانها-
     تموز 1988 – دور المطران الراعي

 

"تمنّى المجتمعون على الجميع في عكار وفي غيرها، ممارسة الروح اللبنانية السليمة، وهي روح وحدة الشعب والتعايش ممّا يميّز لبنان ويشكّل عنوان افتخار له ..."

المطران بشاره الراعي، النائب البطريركي العام، بإسم مجلس المطارنة الموارنة

 في 16 تموز 1988، إندلعت اشتباكات عنيفة بين أهلنا في القبيات، وبعض جيرانهم في المنطقة، واستمرّت عدّة أيّام. وقد شاءت ظروف عملي الجامعي أن أكون خارج لبنان في تلك الفترة، فلم أستطع، مع الأسف الكبير، أن أقوم بواجبي، ولو ضمن امكاناتي المتواضعة، تجاه أهلي في القبيات وعندقت، في مثل تلك الأحداث، كما فعلت وبكلّ تواضع أثناء اشتباكات آذار وحزيران 1976، من خلال عضويتي في تجمّع شباب القبيات-عندقت.[12] كما أنّني لم أستطع أن أقاسم أهلي أبناء القبيات مرّ الحياة في تلك الأيام، كما أقاسمهم حلوها ومرّها في أيام آخر. وما استطعت القيام به يومها هو تكوين ملفّ إعلامي حول اشتباكات تموز 1988، لا أزال أحتفظ به حتّى اليوم، وقد اصفرّت بعض أوراق الصحف التي تناولت تلك الأحداث. وأنا أكتب هذه الصفحات القليلة اليوم في ضوء مضمون هذا الملفّ الإعلامي، وطبعاً أيضاً في ضوء ما أعرفه من الأهل والأصدقاء ومعارفي في القبيات. وهذه الصفحات لا تتوخّى التأريخ الشامل لتلك الأحداث، وإنّما تهدف إلى تقديم الإطار المناسب للحديث عن دور المطران الراعي أثناءها.

هذه الإشتباكات الدامية المؤسفة سقط بنتيجتها قتلى وجرحى من الطرفين. وقد وقعت وسط استغراب وحيرة أبناء القبيات. وقد عبّر عديدون منهم يومها عن ذلك الإستغراب، وتلك الحيرة، حول تفسير "أسباب الأحداث وخلفياتها"، وخاصةً نائب عكار آنذاك الشيخ المحامي مخايل ضاهر، الذي أعرب في الوقت نفسه، عن التمسّك بالعيش الأخوي مع جيران القبيات.

إذ في تصريح له أدلى به بعد يومين من بدء الإشتباكات، أي في 18 تموز 1988، قال "أنا لا أعرف من هو الداخل على الخط. فكلّ عمرنا نعيش عائلة واحدة بمحبّة وسلام. أمّا لماذا وقع الحادث، فلست أدري. وليس عندي تفسير لما يجري". وفي الوقت نفسه أكّد أهمّية "حسن الجوار بين القبيات وجميع أهالي المنطقة عموماً ..." وعن التمسّك بالعيش الأخوي معهم قال "نحن نعتزّ بعيشنا الأخوي الذي يحكم علاقاتنا مع الجميع، فما جرى ليس من شيمنا أو من شيم جيراننا، ويمكن أن يكون هناك من دخل على الخط"[13]. هذه القناعات التي تكلّم عليها يومها النائب الضاهر، وخاصةً ما يرتبط بحرص القبيات على السلام، يعكس، بشكل عام، قناعات أبناء القبيات منذ القدم، وحتّى اليوم. وقد أكّدوها في عدّة مناسبات. نذكر على سبيل المثال، موقف الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر الذي أعرب عنه خلال أحداث 1958، في الإجتماع الذي عُقد في المنيه، في منزل السيد  عمر زريقه، بتاريخ 30 أيلول 1958، والذي شارك فيه زعماء وفعاليات من القبيات وعندقت ومشتى حمود وآل جعفر والبيره[14]، وغيرهم.

بعد اندلاع الإشتباكات في 16 تموز 1988، سارعت جهات عدّة، مشكورة، إلى بذل الجهود من أجل وقف النار، وتطويق ذيول هذه الإشتباكات المؤسفة. هذه الجهات كانت من داخل عكار، ومن مناطق لبنانية أخرى. كما شاركت القوّات السورية في تلك الجهود. في مقدّمة الذين قاموا بتحرّكات في تلك الفترة النائب مخايل ضاهر، والنائب الصديق طلال المرعبي، ووفد مشترك من بلدات مجاورة للقبيات، وكذلك وفد بطريركي ضمّ النائبين البطريركيين العامين المطرانين بشاره الراعي واميل سعاده.

فالنائب ضاهر أجرى يومها إتصالات عديدة مع كبار المسؤولين اللبنانيين، ومع المسؤولين الأمنيين السوريين العاملين في لبنان، من أجل وقف "التعدّيات والقصف" على القبيات، وإعادة الأمور إلى نصابها. في مقدّمة هؤلاء رئيس الجمهورية الشيخ امين الجميّل، ورئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني ورئيس الحكومة الدكتور سليم الحص، وقائد الجيش العماد ميشال عون. كما اتّصل بالقيادة السورية في شتورة.

النائب طلال المرعبي وبعد أن أكّد أنّ "عكار كانت وستبقى مثالاً للعيش المشترك الأخوي، وبفضل وعي أبنائها ستتجاوز هذه الأزمة"، أجرى سلسلة من الإتصالات مع الفريقين، ومع قيادة منطقة الشمال العسكرية، وقيادة القوّات السورية العاملة في الشمال عموماً، وفي عكار خصوصاً، وطالب بتكثيف الجهود لوقف الإشتباكات، وإعادة الهدوء إلى المنطقة.

وفي اليوم الثاني على بداية الأحداث، قام وفد كبير من عدّة بلدات وقرى في عكار، محيطة بالقبيات، وهي عكار العتيقة والبيره ومشتى حمود ومشتى حسن واكروم ووادي خالد، (وجميعها بلدات مسلمة) بزيارة القبيات، واجتمع مع وجهائها، وعاين الوضع على الأرض، ثمّ توجّه إلى البلدة المجاورة حيث زار زعيم العشيرة، وطلب إعادة الوضع إلى طبيعته بين الجيران.[15]

وبتكليف من البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، زار القبيات وفد بطريركي ضمّ النائبين البطريركيين العامين المطرانين بشارة الراعي وبولس اميل سعاده، كما اسلفنا، والنائب العام لأبرشية طرابلس المارونية المونسنيور ميشال واكيم، بتكليف من راعي الأبرشية المطران انطوان جبير، في الأيام الأولى لاندلاع الأحداث. ومهمّة الوفد البطريركي، كما حدّدها المطران سعادة، كان "لتفقّد أبنائنا في القبيات ولنقف عن كثب لما فيه خير جميع اللبنانيين".[16]

وقد عقد الوفد اجتماعاً مع فاعليات القبيات وضبّاط كبار لبنانيين وسوريين، في دير مار ضومط للآباء الكرمليين فيها. وهذا الدير كان، تاريخياً، مصدر ثقة لأبناء القبيات لأنّ الرهبان الكرمليين يعملون لخير الجميع، وليس لفئة، أو لفئات، أو عائلات، دون أخرى. وهذا الإجتماع أتاح للوفد البطريركي الإطّلاع على حقيقة الأوضاع على الأرض. بعدها توجّه المطرانان الراعي وسعاده والمونسنيور واكيم، إلى منزل النائب مخايل ضاهر، وتداول معه في موضوع الإشتباكات، بحضور مسؤولين حزبيين.

وفي صباح اليوم التالي، أي في 21 تموز 1988، عقد مجلس المطارنة الموارنة إجتماعاً طارئاً في مقرّ البطريركية المارونية في بكركي، ودرس الوضع المستجدّ في القبيات وعندقت "الآمنتين". وبعد الإجتماع أدلى المطران الراعي بتصرح أعلن فيه أنّ المطارنة :

أولاً – يقدّمون التعازي بالضحايا والتمنّي بالشفاء للجرحى.

ثانياً – دعوة الأطراف الموجودين في منطقة القبيات وعندقت، وهي منطقة نعمت بسلام وأمان لأنّها تؤمن بالعيش المشترك وتؤمن بلبنان ووحدة شعبه، فعاش أبناؤها جميعاً بالمحبّة وحسن الجوار والتعامل، إلى الحفاظ على هذه الروح اللبنانية الحقيقية، وهي وحدة الشعب من دون النظر إلى الإنتماء الطائفي أو المذهبي.

 ثالثاً – القيام بما يلزم لتأمين الأمن الضروري للمنطقة. وهم يطالبون القوّات السورية المسؤولة عن الأمن في تلك المنطقة تجاه الرأي العام المحلّي والعالمي بتوفير الأمن، إذ لا يجوز أن تسمح هذه القوّات بوقوع تسعة قتلى وعشرات من الجرحى بينهم معاقون دائمون، واستباحة الممتلكات وحصول خسائر فادحة في المزروعات.

 رابعاً– تدارس السادة المطارنة الخسائر التي حلّت بالمواطنين في هاتين البلدتين، وقرّروا أن تتولّى مؤسّسة "كاريتاس" لبنان تأمين المساعدات اللازمة والفورية لهم.

وختاماً، "تمنّى المجتمعون على الجميع في عكار وفي غيرها، ممارسة الروح اللبنانية السليمة، وهي روح وحدة الشعب والتعايش ممّا يميّز لبنان ويشكّل عنوان افتخار له، لأنّه منفتح على كلّ الشعوب والديانات والمذاهب".

وكان لزيارة الوفد البطريركي إلى القبيات، والموقف الذي اتّخذه مجلس المطارنة، وأعلنه المطران الراعي، الوقع المستحبّ لدى أهلنا في القبيات، وبالتالي ثنائهم على هذه المبادرة. لذلك كان من الطبيعي أن تعرب "لجنة المتابعة" في القبيات – عندقت في بيان لها أصدرته في 26 تموز 1988، عن شكرها للبطريركية المارونية، ولجميع من تعاطف مع أبناء القبيات – عندقت، أثناء الأحداث المؤلمة "تشكر اللجنة جميع من أبدوا تعاطفهم وتحرّكوا من أجل إنهاء الأحداث المؤلمة وفي طليعتهم البطريركية المارونية والرئيس سليمان فرنجيه ... كما تتوجّه بالشكر إلى جميع المسؤولين والمقامات والفاعليات السياسية العكارية خصوصاً ...[17]

هذه الجهود المشكورة التي بذلتها جهات متعدّدة أتت ثمارها والحمد لله، وتمّ الإتفاق على وقف النار، وبالتالي تمّ التوصّل إلى المصالحة بين أهل القبيات وجيرانهم، وعادت المياه إلى مجاريها بين الطرفين. ويوم نظّمنا "لقاء اللبنانيين" في القبيات، الذي سبق ذكره، قمنا بتوجيه الدعوة لزعيم هذه العشيرة، للمشاركة فيه، فلبّى دعوتنا.


III- محاضرة المطران الراعي عن السينودس       "إذا ضعفت المسيحية في لبنان، ستضعف   

     في القبيات – ايلول 1993.                   في كلّ الدول العربية"

                                                    المطران بشاره الراعي، كمنسّق للسينودس

 في بداية العام 1992، كما هو معلوم، عيّن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني المطران بشاره الراعي، يومها راعي أبرشية جبيل منذ العام 1990، منسّقاً لسينودس الأساقفة الروماني الخاص بلبنان. وقد بقي المطران الراعي في هذا الموقع حتّى العام 1995. وكان سبق هذا التعيين البارز، إلقاء محاضرة عامة عن السينودس، تولاّها المطران جون سكوت أمين سر السينودس في الفاتيكان، بتاريخ 14 ايلول 1991، في بازيليك الرهبنة البولسية في حريصا. وقد استمع إلى المطران سكوت حشد من المطارنة والرهبان والراهبات والمكرّسين والعلمانيين، الملتزمين بتعاليم الكنائس الكاثوليكية. وفي موقعه كمنسّق للسينودس، حمل المطران الراعي مسؤولياته الإضافية المتنوّعة، وفي مقدّمتها تعليم المسيحيين في لبنان، وتقديم الشروحات لهم، حول السينودس، وحثّهم على الإضطلاع بالدور المتوقّع منهم، في إطاره. والمطران الراعي قام بهذا الواجب على خطى معلّمه ربّنا يسوع المسيح الذي أوصى الرسل بتعليم جميع الناس حول ما أوصاهم به علّمهم إيّاه قائلاً لهم : "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم"، وبالتالي وفق رسالة الكنيسة التي هي "أم ومعلّمة". ولتحقيق هذه الأهداف، بادر إلى إلقاء عدد كبير من المحاضرات، وعقد لقاءات واجتماعات مع المسيحيين الكاثوليك بشكل خاص، والمسيحيين من الكنائس الشقيقة، والأخوة المسلمين، والموحّدون الدروز، بشكل عام، في معظم، إن لم يكن، جميع المناطق اللبنانية.

وفي هذا الإطار، قام المطران الراعي بإلقاء محاضرة في القبيات وتحديداً في كنيسة سيدة الغسّالة العجائبية، في أيلول 1993. وعنوان محاضرته كان "السينودس : مراحل تحضيره ودورنا فيه". وكان مدعاة فرح لنا أن نكون في طليعة مستقبلي المطران الراعي مع أهلنا وأصدقائنا، أبناء القبيات، عند مدخل الكنيسة. وقد جلسنا على مقعد قريب منه، واستمعنا بانتباه كبير، إلى كلّ كلمة قالها، أثناء المحاضرة.

الحضور في الكنيسة كان كثيفاً. وقد استهلّ المطران الراعي محاضرته بالتعريف بالسينودس ومراحله. وأشار إلى أنّ للسينودس جمعيتين : الأولى عادية تجتمع كلّ ثلاث سنوات، والأخرى خاصة تجتمع عند الضرورة. وهذه يدعو إليها البابا، ويشارك فيها بطاركة الكنائس والكرادلة ورؤساء الطوائف، في الفاتيكان، ومطارنة يمثّلون المجالس الأسقفية في العالم. وحدّد المطران الراعي الهدف من إلقائه المحاضرة بأنّه للتشاور.
"هذا اللقاء للتشاور والبحث في مواجهة المعضلات المطروحة". وتساءل ما هي القضية التي تهمّ الكنيسة الكاثوليكية ومطروحة في لبنان. وقال "هذا ما حدّده البابا بقوله الحضور المسيحي في لبنان حضور شهادة ورسالة مرتبط بهما ضمان بقاء المسيحيين في الشرق الأوسط. وقد عبّر عن ذلك في رسالة بعث بها إلى مطارنة العالم في ايار 1983، جاء فيها أنّ الكنيسة لا يمكنها أن تقف متفرّجة وغير مكترثة لما يجري في لبنان، لأنّ ما يجري يهدّد الحضور المسيحي في الشرق. فإذا ضعفت المسيحية في لبنان ضعف تفاعلها مع النظام السياسي والشؤون الإقتصادية والثقافية والإجتماعية والإنمائية فيه. فإذا ضعفت في لبنان ستضعف في كلّ البلدان العربية." وأكّد المطران المحاضر أنّ الحضور المسيحي في لبنان، وغيره في الشرق الأوسط، مهدّد داخلياُ وخارجياً. داخلياً بسبب ضعف الحياة المسيحية، وخارجياً بسبب الأزمة السياسية ونتائجها الإقتصادية منذ العام 1975. هذه الأزمة التي لم تنته حتّى الآن، علماً أنّ مرحلة الحرب والقتل انتهت. لكنّنا لم نزل نعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية أخطر مظاهرها الهجرة النفسية التي تُسمَّى الإحباط المسيحي، بسبب الخوف على المستقبل والمصير
[18].

وبعد انتهاء المطران الراعي من إلقاء محاضرته، قام كلّ من الأستاذين الصديق  شربل انطون (حالياً يعمل كإعلامي في واشنطن) وابراهيم جبور، من الحركة الرسولية المريمية في القبيات (والتي كان مرشدها الروحي آنذاك الأب الصديق اسبر انطون)، بإدارة الحوار مع المحاضر. وقد شارك العديد من أبناء القبيات في هذا الحوار، الذي تناول شؤوناً ومواضيع متنوّعة. وفي مداخلتي المختصرة أثنيت على كلام المطران الراعي، ودوره كمنسّق للسينودس. وأشرت إلى تحقّق الكثير في إطار السينودس،  بإشرافه ورعايته. ووجّهت تحيّة تقدير إلى الحركة الرسولية المريمية في القبيات، وإلى الشبيبة بشكل عام، على دورهم الهام في المجتمع، وما يقومون به من نشاطات روحية واجتماعية. ومصداقاً للقول المأثور "صديقك من صَدَقَكَ لا من صَدَّقَكَ"، وطبعاً مع تأكيد اعتزازنا الكبير بالصداقة العريقة التي تجمعنا مع المطران الراعي، فقد أعربت يومها علناً عن عتب الكثيرين من أبناء أبرشيات طرابلس والبقاع والجنوب، الذين يتكلّمون عليه في المجالس الضيّقة، حول عدم تمكينهم من المشاركة في صنع قرارات الكنيسة المارونية الأم، اسوةً بغيرهم، ولخير الجميع. هذا، بالرغم من حملهم لمسؤولياتهم تجاه الكنيسة والوطن ومن الإسهامات المعروفة لبعض أبناء هذه الأبرشيات.

وما نودّ قوله، اليوم، بشكل عام، هو أنّه، بإمكان أبناء هذه المناطق، في رأينا، أن يسهموا في نقل تجاربهم الغنية في رعاياهم وأبرشياتهم، إلى الكنيسة الأم. كما يمكنهم خاصة نقل خبراتهم الهامة في مناطقهم المختلطة، حول علاقاتهم مع الأخوة المسلمين، وبالتالي تراثهم البارز في العيش الوطني الواحد.

وهذه العلاقات المسيحية – الإسلامية أليست هي جوهر لبنان الرسالة، وفي صميم وطننا نشأة واستمراراً ؟

ونوّهت كذلك في مداخلتي باسهام أبناء القبيات، بشكل عام، في العمل من أجل السينودس.

وعلى سبيل المثال، نذكر اليوم، أنّ أحد أبناء هذه المدينة بادر، في إطار حمله مسؤولياته تجاه الكنيسة والمجتمع والوطن، إلى تقديم دراسة متواضعة، إلى المطران جون سكوت، عبر المطران حبيب باشا، راعي أبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك، ورئيس المجلس الرسولي العلماني في لبنان آنذاك، الذي كان موجوداً في بازيليك الرهبنة البولسية في حريصا مع نائبه المطران جورج اسكندر، راعي أبرشية زحلة للموارنة سابقاً، أثناء المحاضرة التي ألقاها المطران سكوت في 14 ايلول 1991، والتي أشرنا إليها سابقاً. وقد تلطّف المطران باشا يومها، ونشر مقتطفات من هذه الدراسة في مجلّة "النشرة الرعائية الجديدة" التي تصدر عن مطرانية الروم الكاثوليك لأبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما، في شباط 1992.

وكانت هذه الدراسة هي الثانية، التي قُدّمت إلى المطران سكوت يومها، إلى جانب الدراسة الأولى، التي قدّمها المجلس الرسولي العلماني نفسه[19].

واتّسمت أجوبة المطران الراعي على أسئلة الحضور ومداخلاتهم أثناء فترة الحوار معه، بالدقّة والجرأة في تسمية الأشياء بأسمائها، وخاصةً ما كان مرتبطاً يومها بممارسات أجهزة الأمن السورية في لبنان. وما طرحه المطران الراعي حول السينودس وحول الأوضاع السائدة آنذاك، كان محطّ تقدير وثناء كبير. ولم يقتصر الثناء على محاضرات المطران الراعي عن السينودس، على أبناء القبيات وعكار، بل تعدّاها إلى طرابلس، وأمكنة أخرى عديدة في لبنان. نشير هنا، على سبيل المثال، إلى ما قالته الأديبة فضيلة واصف فتال، صاحبة صالون فضيله فتال الأدبي. إذ تحت عنوان "أهمّ الندوات" أكّدت السيدة فتال، في حديث أجراه معها الأستاذ الجامعي الدكتور مصطفى الحلوة في آذار العام 1994، انّ محاضرة المطران الراعي حول "السينودس : أبعاده ومراحله" كانت من أهمّ الندوات. وقد قالت يومها، وتحت العنوان نفسه : "أهمّ الندوات"، أنّ محاضرتي حول "الموارنة والعروبة: إسهام وتطلّعات"[20] التي ألقيتها في الصالون الأدبي بتاريخ 24 آذار 1990، كانت أيضاً من أهمّ الندوات[21]، في تاريخ هذه المؤسّسة الثقافية.

وعلى صعيد موارنة عكار، نحن نعتزّ أن نتكلّم اليوم عن أعظم ماروني أنجبته عكار، وأحد عظماء البطاركة الموارنة، عنيت به البطريرك موسى سعاده العكاري (1524-1567) من قرية الباردة الملاصقة للقبيات، والذي كان معاصراً للأمر المعني قرقماز، والد الأمير المعني الكبير فخر الدين الثاني. والبطريرك موسى العكاري هو في مقدّمة القيادات التي أرست الأساسات الأولى "للكيان" اللبناني. ولنا عودة إلى دراسة حياة وإنجازات هذا البطريرك الماروني العظيم في مناسبة قريبة، بإذن الله.

طبعاً كثيرون هم الموارنة من عكار الذي يمكن أن نتكلّم على إسهاماتهم الكبيرة في حياة الكنيسة والمجتمع والوطن. وقد ذكرنا في هذه الدراسة فقط البطريرك موسى سعاده، أبرزهم على الإطلاق. ويشرّفنا اليوم تأكيد ما قلناه في 14 ايلول 1999، أمام البطريرك صفير ووفد من القبيات برئاسة المطران يوحنا فؤاد الحاج، أنّنا "نحمل مسؤولية تجاه معاصرينا، وتجاه الأجيال المقبلة في الكنيسة ولبنان، نحن أبناء عكار، الأمناء على تراث سلفكم العظيم البطريرك موسى العكاري".[22]


 IV- علماني يمثّل المطران الراعي في اليوبيل الكهنوتي الذهبي لبطاركة.       شرف كبير لي.

سليم الضاهر

في بداية الأسبوع الثاني من شهر تشرين الأول 2004، تشرّفت بلقاء المطران الراعي في مقرّ الأبرشية في عمشيت، بناءً على موعد سابق، بهدف تقديم أحد كتبنا المتواضعة له، والذي عنوانه "حقوق الطفل في المسيحية والإسلام      بالمقارنة مع إتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل"، الذي وضعته بالتعاون مع الصديق والزميل الدكتور محمد طي، في صيف ذلك العام. وكعادته عندما نلتقي معه، فقد غمرنا المطران الراعي بلطفه ولباقته. إذ بعد تصفّحه لفهرس الكتاب وبعض صفحاته، أشار إلى أهمّية الموضوع، وأثنى على المنهجية المتبعة فيه، لتسليط الضوء على حقيقة تعاليم الديانتين الموحّدتين، حول حقوق الطفل. كما أعلمني أنّ الفاتيكان أصدر في تلك الفترة شرعة حقوق الطفل، فاغتطبت نفسي.

وكان المطران الراعي يومها عائداً حديثاً من زيارة قام بها إلى مصر. وبعد حديث حول تلك الزيارة، وتهنئتي له بسلامة العودة، بادرني بالقول "أودّ تقديم هدية لك من مصر" وقام وتوجّه إلى جناحه الخاص، المحاذي لمقرّ المطرانية، ودعاني لمرافقته، فلبّيت بفرح. وكانت تلك أوّل مرّة أرى فيها هذا الجناح من الداخل، بالرغم من زياراتي العديدة للمطرانية. وكم أغبطني أن يكون سيادته قد اختار أن يقدّم لي تلك الهدية بالذات، التي أعتزّ بها كثيراً، وأحفظها بعناية – نسخة عن لوح الأحرف الأبجدية المصرية. فأعربت له عن شكري الكبير لهذه المبادرة الجميلة. والمفاجأة الجميلة ذات الأهمّية الخاصة بالنسبة لي، كانت أيضاً عندما عدت معه إلى مكتبه، إذ بادرني المطران الراعي بالسؤال "هل تريد تمثيلي في اليوبيل الكهنوتي الذهبي للبطريركين داود وعبد الأحد ومطارنة وآباء، من كنيسة السريان الكاثوليك ؟" فأجبته على الفور "إنّه لشرف كبير لي أن أقوم بتمثيل سيادتكم" وكانت تلك المرّة الأولى في حياتي التي يتاح لي فيها، أنا العلماني المؤمن بالمسيح الإله، شرف تمثيل مطران في كنيسة المسيح. فكيف إذا كان هذا الحبر هو المطران بشارة الراعي بالذات ؟ وشعوري، أو لنقل في ضوء القليل الذي أعرفه في هذا المجال، أنّ هذا نادراً ما يحدث في الكنائس المسيحية. وهذا ما يضاعف إبتهاجي واعتزازي بذلك التكليف المشرّف، الذي صدر عن المطران الراعي. فله أعرب مجدّداً اليوم وكلّ يوم، عن مشاعر التقدير والمحبّة البنوية التي نسجتها السنون الطوال، في إطار علاقات التعاون والعمل المشترك، من أجل الجامعة والكنيسة ولبنان الوطن.

واتفقنا يومها أن أقوم أنا بالإتصالات اللازمة في هذا الإطار، قبل يوم التكريم، أي الأحد في 17 تشرين الأول 2004. وهذا ما فعلت. إذ قمت بالإتصال هاتفياً بالمونسنيور جورج المصري، أمين سر بطريركية السريان الكاثوليك، ونقلت إليه قرار المطران الراعي تكليفي بتمثيله في المناسبة، فرحّب. وفي الوقت المحدّد توجّهت إلى كنيسة سيدة النجاة – دير الشرفة في درعون حريصا، حيث أقيم قدّاس الشكر، بمناسبة اليوبيل الكهنوتي الذهبي للمكرّمين من بطاركة وأساقفة وآباء. وشاءت الصدف أن يكون يومها أحد المسؤولين عن التشريفات في الكنيسة هو السيد أمين فاخوري، التي تربطني به علاقة مودّة قديمة، والذي كان يومها مستشاراً لوزير الصناعة المهندس ايلي سكاف، فسارع إلى الترحيب بي على مدخل الكنيسة. ولمّا أعلمته أنّني أشارك في القدّاس الإلهي، ممثلاً للمطران الراعي، رحّب بحرارة. ودعاني لمرافقته إلى حيث يجلس مطارنة من كنائس مسيحية عدّة، حيث جلست بينهم. وطبعاً كان لافتاً منظر علماني جالساً بين مطارنة.

وبعد انتهاء القدّاس، تقدّمت من البطاركة والأساقفة والآباء المكرّمين، وأعربت لهم عن التهاني، بإسم المطران الراعي. وعند خروجي من الكنيسة، بادرني صديق صودف وجوده هناك بالترحيب بي قائلاً "أهلاً بصاحب السيادة الشيخ الدكتور سليم ..." وبعد حوالي أسبوع، وتحديداً في 24 تشرين الأول 2004، سعدت بزيارة المطران الراعي لإعلامه بما حدث معي في تلك المناسبة، عبر تسليمه رسالة خطّية بهذا الخصوص، وكذلك بعض المنشورات التي تمّ توزيعها يومها بمناسبة اليوبيل، وأيضاً لتأكيد شكري الكبير على ذلك التكليف.

 

V- إستشارة المطران الراعي حول تأسيس مطرانية مارونية في عكار – آب 2005

 في أيار من العام 2005، إثر وفاة المثلّث الرحمة المطران يوحنا فؤاد الحاج، راعي أبرشية طرابلس المارونية، بادرت، في إطار متابعتي حمل مسؤولياتي تجاه أهلنا في القبيات وعكار، وتجاه الكنيسة والمجتمع، في هذا الإطار أيضاً، إلى الإتصال بمجموعة كبيرة من الأصدقاء والمعارف من موارنة عكار، لاستشارتهم حول فكرة المطالبة بتأسيس مطرانية مارونية في عكار، في ضوء حاجاتنا إليها نحن موارنة هذه المنطقة، على مختلف الصعد. والحمد لله كانت آراء جميع من استشرتهم، مؤيّدة لهذا الطرح. وهم ينتمون إلى عدد كبير من الرعايا المارونية في عكار. وحرصنا، وكنتيجة أوّلية لمواقف الذين تمّت استشارتهم، على الدعوة إلى تأليف لجنة من موارنة ينتمون إلى جميع رعايا عكار المارونية. وحسب ما أكّد لنا مؤرّخان إثنان، من أعضاء هذه اللجنة، هما الدكتور فؤاد سلوم والدكتور نافذ الأحمر، فإنّ هذا قد حدث لأوّل مرّة، في تاريخ موارنة عكار. وهذه اللجنة تشرّفت بلقاء البطريرك مار نصر الله بطرس عدّة مرّات، وبعض السادة المطارنة الموارنة الذين تقوم بينهم وبين أعضاء هذه اللجنة علاقة معرفة وقد تلطّف البطريرك ووعدنا بطرح مطلبنا في اجتماع مجلس المطارنة في ايلول 2005. وقد قمنا بتقديم نسخ عن الملفّ الخاص بمطلبنا، والمتضمّن خاصة عريضة وقّعها مئات من موارنة المنطقة، ودراسة عن الجوانب المالية، المرتبطة بتأسيس مطرانية عكار المارونية، للبطريرك صفير ومطارنة.

من ضمن المطارنة الذين التقاهم أعضاء اللجنة كان المطران الراعي، الذي أخذت على عاتقي، مهمّة الإتصال بقصد استشارته. وهذا ما حصل. وبلطفه ولياقته المعهودة قال لي "سنلتقي في المنطقة عندكم، بدل زيارتكم للمطرانية في عمشيت". وأوضح لي أنّه سيقيم القدّاس الذي دعت إليه الهيئة الإدارية لجمعية عائلة راعي في لبنان في كنيسة مار شليطا – عندقت، يوم الأحد في 28 آب 2005. فرحّبت بحرارة، بقوله هذا. وفي اليوم المحدّد فاجأنا المطران الراعي بوصوله باكراً إلى دارتنا في القبيات، قبل إكماله طريقه إلى عندقت. عندها أسرعت الوالدة وشقيقي جوزف وزوجته السيدة روز إلى استقباله، كما يليق بالحبر الصديق.

وكننت أنا في طريقي إلى القبيات، آتياً من بلدة مشان – جبيل، حيث كنت بضيافة عمّي الأستاذ شفيق سعيد وعائلته. ومن ضمن الأحاديث التي تمّ تبادلها بين المطران الراعي وأهلي، كان موضوع تأسيس مطرانية عكار. وموقف المطران الراعي كان إيجابياً. وبعد انتهاء زيارته لنا، تمنّى المطران على شقيقي جوزف أن يقوما معاً، بزيارة لنائب عكار السابق المحامي مخايل الضاهر. وهذا ما حصل. وبعدها تابع المطران طريقه إلى كنيسة مار شليطا – عندقت. وهكذا يكون المطران الراعي قد بارك دارتنا في القبيات مرّتين (في العامين 1986 و2005). كما بارك لاحقاً دارتنا في الرابية، عندما تلطّف وقبل دعوتنا إلى العشاء، يصحبه المحامي وليد غياض وزوجته، بمناسبة زيارة صديقه وابن أبرشيته المطران الصديق جان سليمان مطران بغداد للاتين، إلى لبنان، بتاريخ 19 تشرين الثاني 2008. وقد حضر مع المطران سليمان يومها، الأب الصديق جان عبدو، إبن القبيات، ورئيس دير مار ضومط للآباء الكرمليين سابقاً، فيها. ويومها بارك المطران الراعي والمطران سليمان عائلتنا. ويوم رأى أولادنا ماريا ومنير، البطريرك الراعي في يوم انتخابه، قالوا بصوت عالٍ : "نحن نعرف البطرك الراعي". وذكّرنا منير أنّ المطران الراعي كان قد لاطفه، عندما تقدّمنا زوجتي وأنا والأولاد للسلام عليه، في دير كفيفان، أثناء تطويب الأب نعمة الله الحرديني. فردّدنا يومها، ونردّد اليوم، الكلمات الجميلة التي قالها المعلّم الأول ربّنا يسوع المسيح "دعوا الأطفال لا تمنعوهم أن يأتوا إليّ، فإنّ لمثل هؤلاء ملكوت السماوات".[23]

ولدى وصولي إلى القبيات، أخبرني أهلي بما حصل، فأعلمت بعض الزملاء أعضاء اللجنة من القبيات وعندقت بذلك، وتحرّكنا فوراً للمشاركة في القدّاس الذي أقامه المطران الراعي، بناءً على اتفاق سابق فيما بيننا. وبعد القدّاس سعدنا بمواكبته، مع الجمع الغفير من الناس الذين رافقوه إلى منزل السيد جورج الراعي، قرب الكنيسة. وهناك تقدّمت وأعضاء اللجنة السادة الأساتذة طوني جوزف ضاهر وجورج موسى والياس ابو رعد، وجلسنا قرب المطران الراعي. وبعد أن قمنا بشرح مطلبنا بتأسيس المطرانية، تشرّفت بتقديم نسخة عن الملفّ الخاص بذلك ورسالة خاصة لسيادته، الذي وعد بدراسته، واتخاذ القرار الذي يلبّي حاجات أبناء المنطقة.

وبتاريخ 20 ايلول 2005، أصدر مجمع المطارنة الموارنة، برئاسة البطريرك صفير، وبمشاركة حوالي ثلاثين مطراناً من لبنان ودول الإنتشار، وبالإجماع، قراراً تاريخياً قضى بتعيين نائب أسقفي للموارنة في عكار، يكون "مقيماً في منطقة عكار مع الصلاحيات اللازمة لتأمين حضور راعوي وكنسي يلبّي رغبة أبناء المنطقة" كما نصّ هذا القرار التاريخي حرفياً، في الجزء الثاني منه.

ويشرّفنا، نحن وغيرنا، أن نؤكّد اليوم أيضاً التقدير البنوي الكبير الذي أعربنا عنه مراراً، للبطريرك صفير، والسادة المطارنة، ومنهم المطران الراعي، على اتخاذهم هذا القرار، الذي نرى أنّه يحقّق – كما أكّدوه هم في نصّ القرار نفسه – رغبة أبناء عكار، ويلبّي حاجاتهم، خاصة على الصعيدين الروحي والاجتماعي.

لقد أعاد هذا القرار، من جهة أخرى، ولأوّل مرّة بعد مجمع اللويزة في العام 1736، وضع موارنة عكار، أقلّه نظرياً، على خريطة المشاركة في إدارة الشؤون العامة لكنيستهم وطائفتهم، بعد أن تمّ إلغاء أبرشية عرقا (عكار) المارونية، في ذلك المجمع. والحمد لله لا يزال لقب "أسقف عرقا شرفاً حياً بيننا، إذ يحمل هذا اللقب بنبل انجيلي وكفاءة عالية رجل الله المطران رولان ابو جوده، النائب البطريركي العام. وقد أشار البطريرك صفير إلى هذا الجانب أثناء زيارته الأولى لعكار، في العام 1998، إذ قال في كلمته في القبيات "... وفي منطقتكم كنائس ومعابد وأسماء كانت مقراً لمطرانيات ذهبت وبقي الإسم يتوارثه السادة المطارنة في كنيستنا من مثل عرقه وجبله وما شابه"[24]. والقبيات وأخواتها وجاراتها هي، في رأي الكثيرين، ورأينا الخاص، وريثة أبرشية عرقا المارونية التاريخية.

إنّنا نؤمن أنّ تنفيذ قرار المجمع الماروني، برئاسة البطريرك صفير، ومشاركة السادة المطارنة، الذي اتُّخذ في 20 ايلول 2005، من شأنه أن يزيد زيت سراج النور المسيحي في عكار، فيبقى مشرقاً في هذه المنطقة. كما يمكن أن يساهم في تجدّد ثقة موارنة عكار بقدراتهم على مواجهة حلو الحياة ومرّها، وفي تجذّرهم في أرض آبائهم وأجدادهم، وتمسّكهم بتراثهم الروحي والوطني، وعلاقات التفاعل الإنساني مع مواطنيهم واخوتهم المسلمين في هذه المنطقة، وبالتالي حرصهم جميعاً على علاقات المودّة والصداقة النابعة من قيمهم الأصيلة، وفي مقدّمتها كرامة الإنسان والحرّية وحقوق الإنسان والمواطنية الصحيحة. وهكذا يسهم جميع أبناء عكار، مسلمين ومسيحيين، في ترسيخ نجاح العيش الوطني الواحد الحضاري، الذي هو جوهر رسالة لبنان.

واليوم نودّ التأكيد أنّه يشرّفنا أن نعرب عن التمنّي أن يحظى تنفيذ هذا القرار التاريخي برعاية البطريرك الراعي والسادة المطارنة. ومن الطبيعي القول أنّهم لو لم يقتنعوا بعدالة المطلب،  وحقيقة حاجات موارنة عكار، لما كانوا قد أصدروا هذا القرار. ونودّ التأكيد اليوم أيضاً أنّ موارنة عكار يدركون التحدّيات التي تواجههم، ويعرفون ما يحتاجون إليه. ونحن جميعنا إيماننا كبير بالربّ يسوع، وشفاعة والدته السيدة مريم العذراء.

قبل أن أنهي هذه الدراسة، وفي ضوء معرفتي القديمة بشخصية المطران الراعي منذ العام 1983، وعملي معه أثناء تأسيسه ورئاسته لكلّية الجامعة، وفي ضوء متابعتي لمسيرته كراهب ونائب بطريركي عام خاصةً، وصولاً إلى انتخابه على رأس الكنيسة المارونية، فإنّني أؤمن أنّ البطريرك الراعي سيكون بطريركاً تاريخياً بامتياز. وهو يتّكل أساساً على الله والعناية الربّانية، وعلى التزامه تعاليم الإنجيل وتعمّقه بمضامينها، وعلى ما يوحيه إليه ضميره.

والبطريرك الراعي بتمتّع بكفاءة بارزة وشخصية ودودة تتّصف بالحكمة، وعقل مُنظَّم، ولباقة في الكلام والتصرّف، والميل إلى التخطيط، إلى جانب جرأته في قول الحق، وغيرها من الصفات. وهذه نادراً ما تجتمع في شخصية واحدة.

ولدى المطران الراعي شعور عالٍ بالمسؤولية عن الذين كان مسؤولاً عنهم سابقاً كراهب، في الرعايا التي خدم فيها نفوس المؤمنين، ثمّ في موقعه كمطران جبيل للموارنة، وقبلها رئاسة الجامعة أو المدرسة أو المحاكم الروحية، وغيرها من المواقع الهامة التي شغلها. فكم بالحري اليوم، وقد أصبح رأس الكنيسة المارونية، ورئيس الطائفة المارونية في لبنان، ودول عربية أخرى، وفي عالم الإنتشار ؟

والمسار الذي اختطّه لنفسه منذ أن كان راهباً، ثمّ مطراناً، يبرز حرصه الكبير على العلاقات المباشرة مع الناس. ومن الطبيعي أن يتابع البطريرك الراعي هذا المسار في الحاضر والمستقبل، ويبقيه في مقدّمة أولوياته. وقد بدأت تباشير هذا المسار بالظهور منذ اليوم الأول على انتخابه. وهو يعرف عدداً كبيراً من أبنائه الموارنة، والكثيرون منهم يعرفونه شخصياً، من خلال محاضراته وعظاته وأحاديثه في الكنائس والرعايا في عدّة مناطق لبنانية، وعدّة دول عربية وأجنبية، في مقدّمتها الكويت وقطر ومصر ونيجيريا. إذاً "الراعي يعرف خرافه وخرافه تعرفه" كما نقرأ في الإنجيل المقدّس.

والبطريرك الراعي صاحب خبرة سابقة في إدارة شؤون البطريركية، إكتسبها أثناء فترة وجوده كنائب بطريركي عام فيها، في الفترة ما بين 1986 و1990.

وهو شخصية معروفة في الكرسي الرسولي ودوائر الفاتيكان، منذ أن كان راهباً في روما، وتأسيسه القسم العربي في إذاعة الفاتيكان، في بداية السبعينات من القرن العشرين. ومن المعلوم أنّ البابا الراحل الطوباوي الجديد يوحنا بولس الثاني هو الذي كان قد عيّن المطران الراعي منسّقاً للسينودس من أجل لبنان في الفترة ما بين 1992 و1995. وقد عيّنه البابا بنيدكتوس السادس عشر عضواً في المجلس الحبري لوسائل الإتصالات الإجتماعية في العام 2010، كما سنرى لاحقاً. والمطران الراعي يؤمن أنّ الإعلام هو وسيلة تواصل للتعليم الديني، وللتوعية الإجتماعية. والتلفزيون، وخاصةً تيلي لوميار (Télé Lumière) كان النافذة المضيئة التي كان يدخل منها إلى قلب كلّ عائلة، وعقل كلّ انسان.

والمطران الراعي بادر إلى إقامة علاقات تعاون ومحبّة مع أساقفة في الكنائس المسيحية الشقيقة منذ فترة طويلة، من خلال عضويته في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وخاصةً أثناء حمله مسؤولياته كمنسّق للسينودس من أجل لبنان، وفي فترات أخرى.

وبادر المطران الراعي أيضاً إلى إقامة علاقات تعاون مع قيادات روحية إسلامية، خاصةً أثناء عمله كمنسّق للسينودس. ونحن نعرف شخصياً المودّة التي يحملها لشخصه كلّ من سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأصحاب الفضيلة الشيخ علي زين الدين رئيس مؤسّسة العرفان التوحيدية والشيخ نزيه رافع، المدير العام في المؤسّسة. وقد سمعنا منهم مباشرةً عن هذه المودّة.

فالشيخ عبد الأمير قبلان، الذي أعلن يوم انتخاب البطريرك الراعي، أنّ ثقته به كبيرة[25]، عاد وأكّد لنا شخصياً يوم زرناه في دارته، بحضور نجله الصديق الدكتور علي، أنّ علاقة مودّة تربطه بالبطريرك الراعي، وأنّ البطريركية المارونية هي ملاذ لكلّ اللبنانيين.

وعصر اليوم الثاني على انتخاب البطريرك الراعي، إلتقينا كمجموعة من موارنة القبيات وعكار، في باحة البطريركية في بكركي، والتي كانت تعجّ بحشود المهنّئين، الصديقين الشيخ علي زين الدين والشيخ نزيه رافع، يرافقهما وفد كبير من المشايخ الموحّدين الدروز. والفرح بادٍ على وجوه الجميع، قال الشيخ علي موجّهاً كلامه لنا "نهنّئكم على انتخاب البطريرك الراعي" فأجبت أنا بإسم الأصدقاء، واسمي الشخصي "التهاني مشتركة". ولاحقاً أعرب الشيخان علي ونزيه أمامنا، عن تقديرهما الكبير للبطريرك الراعي، بعد مشاركتهما المشكورة (بالرغم من أنّ مسافة الطريق بين السمقانية والقبيات استغرقت حوالي أربع ساعات يومها، كما قالا لنا) في حفل تخرّج المشاركين من شبيبة عكار، المسلمين والمسيحيين، في دورة المؤسّسة الوطنية للتفاعل الإنساني والقيم في أوّل تشرين الأول 2011، على مسرح مدرسة راهبات المحبّة في القبيات.

والمطران الراعي مقتنع منذ زمن بعيد بأهمّية اضطلاع لبنان بدوره الحضاري، وبالتالي أهمّية العمل من أجل لبنان الوطن الرسالة، كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني، في إحدى رسائله إلى اللبنانيين. ونحن نؤمن أنّه سيحلّ هذا الهدف في مركز الصدارة بين اهتماماته".

وهو شخصية فكرية من طراز رفيع، وأستاذ جامعي لامع في عدّة جامعات في لبنان. والأوساط الجامعية والثقافية تعرف هذا الحبر المفكّر، وتعرف أنّه نشر عدّة كتب ودراسات حول مواضيع مختلفة.

وسيادته شخصية فذّة يطلِق مبادرات خاصة به، أو يدعم مبادرات تأتي من آخرين، إذا رأى أنّها تتّسم بالجدّية والعمق، وتعود بالخير على المجتمع. من المهمّ جداً أن نذكر هنا، على سبيل المثال، أنّ المطران الراعي هو مؤسّس أوّل جامعة كاثوليكية في لبنان، ذات نظام تعليمي انجلو سكسوني.

والمطران الراعي صاحب فكر نيّر ومحلّل جيّد للأحداث والتطوّرات في لبنان، ودول عربية أخرى.

ويعتبر المطران الراعي رجل إعلام ناجح وصاحب خبرة إعلامية طويلة معروفة، توجّها قبل انتخابه بطريركاً، بترؤسّه اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام في العام 2009. وقد عيّنه البابا بنيدكتوس السادس عشر عضواً في المجلس الحبري لوسائل الإتصالات الإجتماعية في العام 2010. طبعاً إنّ إطلالاته الأسبوعية عبر شاشة تلفزيون تلي لوميير Télé Lumière يعرفها الكثيرون في لبنان والعالم العربي ودول الإنتشار الماروني، والمسيحي.

ويتمتّع المطران الراعي بعلاقات شخصية علمية وروحية، مع قيادات دينية مرموقة وشخصيات علمية في اوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وغيرها. ويمكنني أن أذكر هنا، على سبيل المثال، كاردينال نيويورك الأسبق تيرانس كوك(Cardinal Terence Cook)، ونائب رئيس جامعة فوردهام (Fordham) للآباء اليسوعيين في نيويورك الأب جورج ماكماهون (Father George Mc Mahon) الذي أمضى فترة في كلّية اللويزة للتعليم العالي أثناء رئاسة الأب بشارة الراعي، والذي عدت والتقيته في نيويورك في العام 1984، كممثّل للكلّية، أثناء احتفال تسلّم رئيس الجامعة الجديد يومها، الأب جوزف اوهير (Father Joseph Ohare)، مهامه.

هذا كان من الأمس القريب، الذي لا تزال بعض جوانبه ودروسه مستمرّة، عندنا، والحمد لله. ونحن اليوم نعتزّ أن تكون ثمّة قضايا واهتمامات مشتركة عديدة، تجمع ما بين البطريركية المارونية، في عهد البطريرك الراعي، وأبناء القبيات.

إذ بالإضافة طبعاً إلى تعلّقنا الدائم بالبطريركية، وبنوّتها الروحية لها، وما يمليانه علينا، وما يوحيانه إلينا من التزامات وواجبات وآمال وتوقّعات من الكنيسة الأم، فإنّه بامكاننا أن نختار من بين هذه القضايا والمواضيع الكثيرة جداً، والتي تتّسم بأهمّية كبرى، قضيتان وردتا في كلمتين للبطريرك الراعي، تتّسمان بأهمّية خاصة – الأولى حول حدث بشارة العذراء مريم، في حفل توليته بطريركاً في 25 آذار 2011، والثانية أثناء زيارته الأعتاب الرسولية ولقاؤه الحبر الأعظم البابا بنيدكتوس السادس عشر، في الفاتيكان في 14 نيسان 2011.

في كلمة التولية تكلّم البطريرك الراعي على بشارة الملاك لمريم في الإنجيل المقدّس، كما رواه لوقا الإنجيلي، ثمّ في القرآن الكريم أولاً في سورة آل عمران، مستشهداً بآيات منها، "قالت الملائكة : يا مريم، إنّ الله يبشّرك بكلمة منه إسمه المسيح، عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ..." ثمّ استشهد بآيات من سورة مريم "والسلام علي يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أبعث حياً" وحدث البشارة هو مشترك بين الديانتين الموحّدتين الإسلام والمسيحية، والذي تحتفل الكنيسة بعيده في 25 آذار. وقد جعلته الدولة اللبنانية عيداً وطنياً، بالمرسوم رقم 2369، تاريخ 27/2/2010. واعتبر البطريرك الراعي أنّ بادرة الحكومة اللبنانية تعني أنّ لبنان وطن الشركة والمحبّة. "كأنّي بها تعني بهذه البادرة أنّ لبنان وطن الشركة والمحبّة. أجل، إنّه كذلك بميثاقه الوطني، ميثاق العيش المشترك المُحصَّن بالدستور حيث نقرأ : "لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك".

وشاءت الصدف الجميلة أنّ المؤسّسة الوطنية للتفاعل الإنساني والقيم، التي، لنا شرف رئاستها، والتي مركزها القبيات، نظّمت بعد مرور يومين على حفل تولية البطريرك الراعي، أي يوم الأحد في 27 آذار 2011، وبمناسبة عيد البشارة، زيارة إلى معبد سيدة لبنان في حريصا، شارك فيها ما يفوق المئة شابة وشاب، مسيحيين ومسلمين من منطقة القبيات وجبل اكروم في عكار، المشاركين في الدورة الثانية التي تنظّمها المؤسّسة، في مركزيها في كلّ من القبيات وكفرتون (جبل اكروم). وهذه الزيارة أتت ضمن البرنامج الذي كنّا قد وضعناه سابقاً بالتعاون مع الأستاذ بلال الأيوبي، مسؤول منطقة الشمال في مكتب المبادرات الإنتقالية في لبنان، التابع لوكالة التنمية الأميركية. وكنّا في المؤسّسة ننوي طلب موعد لزيارة البطريرك الراعي للتهنئة، لكن ظروفاً خارجة عن إرادتنا، حالت دون ذلك. لذلك عمدت إلى تكليف الشابة تانيا جورج فهد من القبيات، بقراءة مقتطفات من كلمة البطريرك الراعي، حول بشارة العذراء مريم، أمام المشاركين في معبد سيدة حريصا، والتي كانت نُشرت في الصحف اللبنانية والعربية وغيرها. ومن جميل الصدف أيضاً أن يكون الأب يونان عبيد رئيس دير سيدة لبنان في حريصا، قد كتب بحثاً جامعياً عن العذراء مريم في المسيحية والإسلام. وقد ألقى يومها كلمة، بناءً على دعوة وجّهتها إليه، أمام المشاركين داخل الكنيسة، حول السيدة مريم العذراء في هاتين الديانتين. بعدها ألقيت أنا كلمة مختصرة من وحي المناسبة، وكذلك فعل موظّفون إداريون في المؤسّسة، وشابات وشبّان ينتمون إلى الإسلام والمسيحية.

والقضية الثانية التي هي على جانب كبير من الأهمّية، هي قضية الشباب في لبنان. إذ أثناء زيارته الأعتاب الرسولية، وفي كلمته أمام البابا بنيدكتوس السادس عشر، وبحضور عدد كبير من المطارنة الموارنة ووزراء ونوّاب وسياسيين، أكّد البطريرك الراعي أنّ الكنيسة تتحد وتتعاون مع الشباب "... إنّ الكنيسة تتناسق مع السلطات العامة، في وحدة وتعاون مع الكنائس الأخرى والطوائف، والقوى الفاعلة، والشباب، والمؤمنين، في روح توافق وتعايش".[26] وكان البطريرك الراعي قد شدّد في كلمته أثناء احتفال التوعية أنّ الشباب هم قبلة الأنظار ومستقبل الكنيسة والوطن" ... في كلّ ذلك قبلة أنظارنا شبابنا وصبايانا والمليون وثلاثمئة الف طالب وطالبة في المدارس والجامعات، وهم مستقبل وأمل كنيستنا والوطن ...[27]

 في كلمته الجوابية، أكّد البابا بنيدكتوس السادس عشر على أهمّية التعليم الروحي والثقافي للشباب. إذ خاطب البطريرك الراعي قائلاً "أنتم ستتابعون هذه الرسالة من خلال التعليم الروحي والثقافي للشبيبة" ... وأضاف أنّ شباب اليوم يصبحون رجال المستقبل ونساءه، المسؤولين في عائلاتهم ومجتمعهم "لبناء الأخوة الكبيرة" مع جميع المواطنين في لبنان.

وتمنّى البابا على البطريرك الراعي نقل تحياته وتطلّعاته إليهم، مذكّراً أنّ "الكنيسة والمجتمع في حاجة إلى طموحهم وإيمانهم"[28] وبعد أقلّ من أسبوعين عقد مجلس الرئاسة في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان إجتماعاً في المقرّ البطريركي في بكركي، برئاسة البطريرك الراعي، قرّر الآباء أثناءه أنّ موضوع الدورة المقبلة لهذا المجلس التي ستعقد ما بين 21/11/2011 و26/11/2011، سيكون  الشبيبة، ويشرّفنا أن نقول هنا أنّ المؤسّسة الوطنية للتفاعل الإنساني والقيم، التي هي إحدى مؤسّسات المجتمع المدني في عكار، كانت قد قرّرت منذ عدّة سنوات بذل جهود خاصة، وقدر استطاعتها، لاحتضان قضية الشباب في عكار، وخاصة في منطقة الدريب فيه. ولذلك إفتتحت مركزين في القبيات وكفرتون، في العام 2010، بالتعاون مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لشبيبة هذه المنطقة، ونظّمت في العامين 2010 و2011 دورات تدريبية لهم، قدّمت أثناءها مواد أكاديمية كالكمبيوتر واللغة الإنجليزية، ومجموعة محاضرات وورش عمل حول مواضيع تربوية وثقافية ووطنية وإنسانية، شارك في إلقائها أساتذة جامعيون وخبراء في المواضيع المطروحة. ومن هذه المواضيع التواصل وقانون البلديات والأخوة الإنسانية في المسيحية والإسلام، والسلام في الإسلام والمسيحية. والمؤسّسة وضعت نصب أعينها تحقيق عدّة أهداف في مقدّمتها إتاحة الفرص أمام شبيبة هذه المنطقة لإيجاد فرص عمل، والبقاء في منازلهم وأراضيهم. وأيضاً مد جسور التواصل والصداقة والتعاون، بين الشابات والشبّان المشاركين، والذين ينتمون إلى عدد كبير من بلدات وقرى المنطقة، وفي الوقت نفسه إلى جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية والمسيحية، الموجودة فيها. وعدد الذين تخرّجوا من دورتي المؤسّسة في العامين 2010 و2011، يقارب الثلاثمئة.

وعلى صعيدنا الخاص، نودّ اليوم تأكيد التزامنا بتراث عائلتنا في تعلّقها بالكرسي البطريركي الماروني الأنطاكي. وما كان جدّنا اغناطيوس افندي، المستنطق أيام الحكم العثماني، يقول للبطريرك الياس الحويك، أكّده والدنا الشيخ انطونيوس وعمّنا الشيخ سليم للبطريرك انطون عريضه. وفي الأمور المصيرية والهامة، كانت أنظارهما تتّجه  إلى البطريرك عريضه. نذكر، على سبيل المثال، أنّه في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، عندما برزت دعوات إلى فصل منطقة عكار، عن الجمهورية اللبنانية، بادر والدي وشقيقه الشيخ سليم اغناطيوس ضاهر، رئيس بلدية القبيات آنذاك (والدي، أسماني سليم تيمّناً بشقيقه) إلى التشاور مع أصدقائهم وحلفائهم في مجلس البلدية والمخاتير وفعاليات، حول موقف القبيات حيال هذا الطرح، وتناقضه مع الإستقلال اللبناني، الذي كان قد طالب به البطريرك عريضه والسادة المطارنة، في 6 كانون الثاني 1936. 

وفي 12 نيسان 1936، إتّخذ المجلس البلدي في القبيات القرار التالي :

"توجّه الشيخ سليم ضاهر إلى بيروت لإجراء برقية استنكار على حسابه الخاص ودعوة عموم الأهالي لتوقيع عريضة مطالبين فيها تمسّكهم بالجمهورية ووضع مصيرهم بيد غبطة البطريرك"[29]

وهذا ما أعربنا عنه شقيقي جوزف وأنا، للبطريرك نصر الله صفير، مرّات عدّة، ومنها يوم شاركنا في وفد من القبيات، ترأسّه راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران  يوحنا فؤاد الحاج، بتاريخ 4 ايلول 1999. ويومها، وبمناسبة تقديمنا للكتيّب الذي وضعناه، بالتعاون مع د. فؤاد سلوم، عن زيارته الأولى بتاريخ 28 آب 1998، ألقيت كلمة شدّدت فيها على تعلّقنا بالبطريركية.[30]

وما نودّ تأكيده اليوم، جوزف وأنا، لغبطة أبينا البطريرك بشارة الراعي، هو تعلّقنا بالكرسي البطريركي الأنطاكي الماروني، والتزامنا بتعاليمه وتوجّهاته الدينية والوطنية والإجتماعية، وبتراث عائلتنا العريق في محبّة البطريرك، وإحاطته بكلّ التكريم الذي يستحقّ.

في الختام

إنتُخب المطران بشارة الراعي بطريركاً على انطاكيه وسائر المشرق للموارنة، في مطلع الألفية الثالثة الجديدة، وبداية العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين، وتحديداً في  15 آذار 2011. وكان انتُخب نائباً بطريركياً عاماً في النصف الثاني من العقد ما قبل الأخير في القرن العشرين. ويشهد الزمن الحالي، خاصة في العالم العربي، تحوّلات جذرية ومتغيّرات مذهلة سبقت موعد انتخابه، بفترة قصيرة. والتحدّيات التي يواجهها اللبنانيون، وبقية العرب عموماً، والمسيحيون خصوصاً، وفي مقدّمتهم الموارنة، في هذا العصر، كثيرة وخطيرة، في آن.

والبطريرك الراعي في موقعه، يحمل صليب القيادة في الكنيسة المارونية. إذ هو الأب والرئيس الراعي. وفوق منكبيه حمل ثقيل ومسؤوليات جمّة خطيرة. والبطريرك، كما قلنا سابقاً، لديه شعور مرهف بالمسؤولية، في أي موقع كان. فكيف وقد أصبح اليوم، أب جميع الموارنة في لبنان، والعالم العربي، ودنيا الإنتشار ؟ وهو يؤمن، بحقّ، في رأينا، أنّ المسؤولية هي التزام وعطاء وجدّية ومثابرة وتضحيات. وهو يعرف تماماً التحدّيات والهواجس التي تقلق الموارنة وجميع المسيحيين، وبالتالي جميع اللبنانيين. والبطريرك الراعي يدرك أنّ من الأولويات أن تتمّ مواكبة العصر والمتغيّرات في هذه الفترة، والإطلالة على السنين والعقود المقبلة، عبر التخطيط العلمي للمستقبل، بالاستناد إلى الدراسات، والإحصاءات، والمعلومات الدقيقة.

والشعار للبطريركية المارونية الذي اختاره البطريرك الراعي "شركة ومحبّة" والذي وصفه المطران بطرس الجميل بالرؤيوي، بحقّ، يعكس حرص غبطته على احتضان جميع أبنائه الموارنة، أولاً، وبالتالي جميع المسيحيين وجميع المسلمين. فالمحبّة تتّسع للجميع. ولبنان هو لجميع أبنائه. فمن المنطقي أن نتوقّع منهم، في إطار توافقهم على القيم الروحية والوطنية، والمبادئ الإنسانية الجامعة، أن يتعاونوا، مجموعات وأفراد، على إعلاء شأنه، عبر ترسيخ نجاح رسالته في محيطه العربي والعالم.

والبطريرك الراعي كأب لجميع الموارنة، والرأس المدبّر للطائفة، والحكيم الساهر على أبنائه وبناته المنتشرين في أصقاع الدنيا، وفي الوقت نفسه كرجل حكمة وعلم وثقافة، سيبادر، منطقياً، إلى بذل الجهود الممكنة، لتوحيد كلمة الموارنة، ولملمة الجراح، ورأب الصدع فيما بينهم، وتوحيد القلوب، رغم الصعوبات المعروفة في هذا الإطار. كما سيعمل من أجل تحقيق التكاتف والتضامن، فيما بينهم، بهدف درء المخاطر التي يواجهونها. وهذا لن يكون بغريب على البطريرك الراعي إذ سبق له، كمطران، في العام 2007، أن قام بمسعى شخصي، للتقريب بين بعض القادة الموارنة.

ونحن نؤمن أنّ من مصلحة جميع الموارنة أن يلتقوا حول البطريرك الراعي، للحفاظ على وجودهم الفاعل، ومشاركتهم الفاعلة، في الحياة السياسية، وإدارة شؤون مؤسّسات الدولة اللبنانية. والبطريركية المارونية ستبقى أمينة على رسالتها المنبثقة من الإنجيل المقدّس، وتراثها العريق في النضال من أجل الحرّية وحقوق الإنسان والتعدّدية والحوار الإسلامي المسيحي والتفاعل الإنساني بين المسيحيين والمسلمين، والإنفتاح على العالم العربي، والعالم بشكل عام.

ونحن نؤمن أيضاً أنّه سيساهم في تجديد ثقة الموارنة والمسيحيين بأنفسهم، وبمواطنيهم المسلمين، وفي إحداث نقلة نوعية في مسيرة الموارنة التاريخية.

هذا على صعيد البطريرك الراعي. أمّا على صعيد الموارنة كشعب وقيادات وفعاليات ومواطنين عاديين، فالأسئلة المطروحة عليهم، كثيرة، في فترة التغيّرات والتحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم العربي. وفي رأينا إنّ أهمّها هي التالية :

-       هل يدرك الموارنة، جميع الموارنة، خطورة التحوّلات الحالية في محيطهم، والتحدّيات، في جميع أبعادها ؟

-       هل سيبادرون إلى التصرّف في ضوء ما تمليه عليهم هذه التحوّلات والتحدّيات والهواجس الخطرة ؟ هنا من الواجب التذكير بالقول المأثور عن أهل العلم من الموارنة: "عالم كما الماروني".

-       هل سيتّفقون على توحيد الرؤى والمواقف ازاء القضايا المصيرية؟ ازاء الثوابت الأساسية، على الأقلّ ؟ وإذا تحقّقت الوحدة المسيحية هذه، نطمح أن تكون في أساس توحيد المسلمين أيضاً، وجميع اللبنانيين.

-       هل سيتّحدون حول البطريرك الراعي ؟

-       هل سيتّعظون من حاضرهم، في محاولة ضرورية منهم، لاستشراف مستقبل آمن ومزدهر، لهم، ولمواطنيهم مسيحيين ومسلمين ؟

-       هل يفعلون ؟     ومتى ؟


[1] لمعرفة المزيد، يمكن مراجعة "النهار العربي والدولي" – 30 نيسان 1984، ص 19-21.

[2] المطران بولس باسيم، "النهار"، 11/12/1985.

[3] الصحف اللبنانية في 19 شباط 1999، ومنها "النهار"، ص 4.

[4] د. ربيعه ابي فاضل "المطران رولان ابو جوده – 50 سنة في خدمة الكنيسة ولبنان" –
     شركة آيس ديزاين اند برنتنغ سنتر – بيروت، 2009، ص 311.

[5] راجع تصريح أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك المونسنيور اغناطيوس مارون –
    الصحف اللبنانية في 28 تشرين الثاني 1987، ومنها "النهار".

[6] نشر مراسل صحيفة "الأنوار" يومها الأستاذ جورج عرب، مقتطفات من المداخلة في 24 آب
   1991، ص 3.

[7] راجع حديث للدكتور سليم الضاهر عن "لقاء اللبنانيين في القبيات" إلى مجلة "الأفكار" بتاريخ 28/10/1991، ص 26-28، وخاصة ما يرتبط بالشخصيات التي اعتذرت عن المشاركة، وفي مقدّمتها المطران الراعي.

[8] الصحف اللبنانية، بتاريخ 24/7/1992، ومنها "النهار"، ص 7.

[9] راجع دكتور سليم الضاهر وشقيقه جوزف في "الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر   القامة ... والقيم" ص 14.

[10] راجع الصحف اللبنانية، في 16 آذار 2011.

[11] الصحف اللبنانية في 15 تموز 1986.

[12] للإطّلاع على مجريات الأحداث في تلك الفترة، يمكن مراجعة الكتاب الذي وضعناه، بمساعدة شقيقنا جوزف، وشقيقاتنا، حول المغفور له والدنا، والذي بعنوان "القامة والقيم الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر" بمناسبة مرور مئة سنة على ولادته، 1999، ص 107-114.

[13] الصحف اللبنانية في 19 تموز 1988، ومنها "النهار" ص 5.

[14] للإطّلاع على مجريات ذلك الإجتماع، راجع كتابنا "الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر–
     القامة والقيم" ص 103-106.

[15] راجع الصحف اللبنانية في 18/7/1988، ومنها "النهار" ص 5.

[16] الصحف اللبنانية في 21/7/1988، ومنها "الديار" ص 5.

[17] راجع الصحف اللبنانية في 27 تموز 1988، ومنها "النهار" ص 6.

[18] راجع الصحف اللبنانية في 27/9/1993 ومنها النهار ص 4.

[19] راجع النشرة الرعائية الجديدة – العدد التاسع – شباط 1992، ص 23.

[20] راجع الصحف اللبنانية ومنها "النهار" في 9 نيسان 1990، و"اللواء" في 12 نيسان 1990،
      و"البيرق" في 14 نيسان 1990.

[21] راجع نشرة "الطوارئ، طرابلس، آذار 1994، ص 14.

[22] راجع سجل التشريفات في مقرّ البطريركية المارونية في الديمان، بتاريخ 14 ايلول 1999.

[23] متى 19/45، ويقابلها مرقس 10/14-15، ولوقا 18/16.

[24] راجع نص كلمة البطريرك صفير هذه في الكتيّب الذي أصدرناه، د. فؤاد سلوم وأنا، بالتعاون مع
      الكاهن الأب نبيل الزريبي، في العام 1999، بعنوان "مار نصر الله بطرس صفير بطريرك
      انطاكيه وسائر المشرق بمناسبة مرور سنة على زيارته التاريخية لعكار في 29 آب 1998،
      ص 11.

[25] راجع الصحف اللبنانية في 16 آذار 2011.

[26] راجع نصّ كلمة البطريرك الراعي في الصحف اللبنانية بتاريخ 15 نيسان 2011.

[27] راجع نصّ كلمة البطريرك الراعي في حفل التولية، في الصحف اللبنانية.

[28] راجع نص كلمة البابا بنيدكتوس السادس عشر في الصحف اللبنانية في 15 نيسان 2011

[29] راجع كتاب الدكتور فرج زخور "تاريخ عكار السياسي والاقتصادي والاجتماعي 1908-1942"،
     1992، ص 78، نقلاً عن محضر جلسة مجلس بلدية القبيات في 12 نيسان 1936، من محفوظات

      بلدية القبيات، سجل المقرّرات 1936، ص 177.

 

[30] راجع نص الكلمة التي دوّناها في سجل التشريفات في مقر البطريركية في الديمان بتاريخ 4 ايلول
      1999.

=================================================================================

الوثائق: 

 

الصور: 

back to Patriarch Ra3i visit

Ref: Salim Daher, سليم الضاهر