القوات اللبنانية بقيت واستمرت وقهرت محاولات دفنها حيث لم يجرؤ الآخرون
جعجع يعود ليملأ الفراغ القيادي المسيحي ركناً في مسيرة الوفاق

بكركي ستبقى السقف وصفحة بيضاء مع عون ويدّ ممدودة للشركاء


الديار، 20 تموز 2005

ايلين عيسى

 
ليس خروج سمير جعجع من السجن بالحدث العادي، وما كان يجب أن يكون حدثاً استثنائياً، هذه الصورة يرسمها سياسي مقرب من «القوات اللبنانية» تابع عن كثب في الماضي مسيرة الدكتور جعجع في استكمال بناء «مؤسسة القوات» ثم مراحل القمع والحظر التي لحقت بهذه «المؤسسة». فخروج «الحكيم» من سجنه ليس أمراً عادياً لما سيتركه من انعكاسات سياسية كبيرة على التركيبة الداخلية وعلى مسار العمل السياسي ككل، وهو قد لا يكون استثنائياً، لان تغييبه طوال السنين الاحدى العشرة هو الاستثناء، وليس العكس. وما يثبت هذا الاستثناء ان مناصري «القوات» ومؤيدي خطها السياسي استمروا في تأييد هذا الخط رغم سنوات الحظر والملاحقات ليعودوا من جديد الى الحياة السياسية فور خروج سوريا ومن ثم تحرير قائدهم من زنزانته «السياسية». وهذا دليل اضافي، حسب هذا السياسي، الى ان من الصعب تهميش فئة لها امتداداتها في المجتمع ولم تولد من فراغ، خصوصاً في مجتمع مركّب كالمجتمع اللبناني الذي ما زال حتى اليوم يقوم على تركيبة توافقية، لم تثبت التجارب السابقة قدرة اي طرف على الحكم من خارجها.

 
ومع ان الدكتور جعجع سيكون في حاجة الى فترة من الوقت للملمة صفوف حزبه ومناصريه واعادة تنظيم ما تشتت وضاع على كل الصعد، خصوصاً انه لم يكن على تواصل مع الوضع السياسي الدائر في الخارج الا عبر الخيط الرفيع من الزوار الذين ينقلون اليه صورة مختصرة عما يجري، فان هذه الفترة من الاستراحة ستكون ضرورية للدكتور جعجع لاعادة النظر في أمور كثيرة، ولأقلمة «القوات» مع الواقع الجديد المختلف عما كانت عليه الحال إبان اعتقاله، بما يسمح له بالعودة الى الساحة السياسية لاعباً له وزنه ومكانه في المعادلة الداخلية.

 
ويرى هذا السياسي المتابع انه سيكون لخروج جعجع عدد من الانعكاسات على الواقع السياسي في المدى القريب، ابرزها:

 
1ـ تكريس ثنائية القطبين المسيحيين بعودة العماد عون في ايار الماضي من المنفى وخروج جعجع من السجن في تموز، وهذه الثنائية ستكمل الى حد بعيد اعادة تموضع مراكز الثقل المسيحي التمثيلي، اضافة طبعاً الى ما يمثله جزئياً اقطاب آخرون في «قرنة شهوان» من زعامات حزبية ومناطقية، انضوى بعضها تحت «جناح» «التيار الوطني الحر»، فيما قرر بعضها الآخر التحالف مع «القوات اللنبانية» ومع الغالبية النيابية.

 
2ـ حصول تقارب بين جناحي هذه الثنائية المسيحية، على عكس ما يروّجه البعض او ربما ما يراهنون عليه من خلافات بين الجانبين، كما جرى في الماضي. وهذا التقارب الذي اكد عليه الطرفان منذ اليوم الاول لعودة عون من باريس تحكمه عوامل عدة مستجدة، قد يكون أولها ان المصيبة قد جمعتهما وصقلتهما طوال الخمس عشرة سنة الماضية، وأثبتت لهما معاً ان التقاتل بين جناحي الصف الواحد لم يفد أحداً منهما بل أدى الى ضرب الاثنين معاً واستفادة الآخرين من ذلك. وثاني العوامل تغيّر الظروف الاقليمية بانسحاب سوريا من لبنان، والدولية بانتهاء الوكالة الاميركية لدمشق وتبدل الخطط المرسومة للمنطقة. والعامل الثالث حاجة المسيحيين الى زعامات تجمعهم وتعيد لهم كلمتهم المسموعة، على غرار القطبية السنية والدرزية والثنائية الشيعية.

 
3ـ انكفاء في الظاهر على الاقل للدور السياسي الذي اضطرت بكركي للقيام به في شكل تفصيلي أحياناً بسبب غياب او تغييب الاقطاب المسيحيين عن العمل السياسي، ما دفع البطريرك الماروني الى ملء هذا الفراغ كخط دفاع أخير للمسيحيين وغطاء للمواقف التي ظلت ترتفع رافضة للوجود السوري في عز الوصاية. ولكن هذا الانكفاء، الذي سيكون كاستراحة المحارب، سيثبت اكثر من الماضي استظلال «القوات» كما فعلت خلال السنوات الماضية عباءة بكركي والتزامها سقف هذا الصرح سياسياً في المواقف المعروفة والثابتة، والتي لها انعكاسات حالياً على ملفات داخلية مطروحة، أبرزها ملف الرئاسة الأولى.

 
4ـ استمرار «القوات اللبنانية» في تحالفها مع كتلتي «تيار المستقبل» و«اللقاء الديموقراطي» من منطلق تصور أرساه الدكتور جعجع في السجن خلال الفترة التي تلت ورافقت «انتفاضة الاستقلال»، مفاده وجوب قيام شراكة حقيقية بين كل الفئات اللبنانية، وخصوصاً تلك التي شاركت في صنع استقلال لبنان الجديد، على اساس ان لبنان لا يقوم الا بالتوافق بين جميع ابنائه. ويشير العديد من المراقبين هنا الى ان دور «القوات» في هذا المجال لن يتعارض مع الموقع الذي يقف فيه العماد عون اليوم، انما سيشكل مكملاً له في مد جسور الحوار مع الجميع.

 
5ـ التوازن بين استمرار التحالف مع الغالبية النيابية الآن، وتكوين موقف خاص ومتمايز يعني الشراكة الكاملة مع الآخرين وليس التبعية، وهذا ما قد يفرض آراء متباينة لاحقاً بين هؤلاء الحلفاء في عدد من المسائل، كما حصل مثلاً في التصويت على اعادة انتخاب الرئيس نبيه بري.

 
وفي الخلاصة يقول السياسي ان عودة جعجع الى الحياة السياسية اللبنانية هي عودة لزعيم ربما كان الأبرز في لبنان عندما قرر الدخول في اتفاق «الطائف» وتحمل المسؤولية عن انتهاء حرب كانت دمّرت لبنان على مدى 15 عاماً. واليوم يبدو سمير جعجع في صدد متابعة المسيرة من حيث توقفت لأن 15 عاماً اخرى من التدمير المنظم للدولة والوفاق في زمن السلم المزعوم كانت اشد فتكاً من سنوات الحرب، وسيبني سمير جعجع «مؤسسة القوات اللبنانية» التي استطاعت ان تبقى وتستمر رغم انخداع المخدوعين بانهم ربما دفنوها وهي حية عندما ادخلوا سمير جعجع الى السجن فأثبت من هناك انه اكتسب في نظر اللبنانيين المخلصين صفة تفوق صفة الزعامة بهالات روحية عميقة تمتد جذورها في النضال المستمر منذ أجيال طويلة دفاعاً عن لبنان والحرية فيه.