حياة القديسين هي المدرسة الحقيقية في الكرمل

منها نتعلّم قداستنا ونستقي مناهج التزامنا

أعنا يارب أن نكون قديسين

"أكبر خدمة يقدمها المسيحي للعالم وللكنيسة

هي أن يكون قديساً"

البابا يوحنا بولس الثاني

الجزء الثاني

 

الطوباوية مريم ليسوع المصلوب                                   25 آب

أيلول

القديسة تريزا مرغريتا ريدي لقلب يسوع                          1 أيلول

الطوباوية مريم ليسوع                                                 12 أيلول

القديس ألبرتوس الأورشليمي                                       17 أيلول

تشرين الأول

القديسة تريز الطفل يسوع (ليزيو)                                1 تشرين الأول

القديسة تريزا ليسوع (الأفيلية)                                  15 تشرين الأول

تشرين الثاني

الطوباوية فرانسواز دامبواز                                           5 تشرين الثاني

الطوباوية جوزيفا نافال خيربس                                     6 تشرين الثاني

الطوباوي فرنسيس بالاوّ إيكير                                      7 تشرين الثاني

الطوباوية اليصابات للثالوث                                      8 تشرين الثاني

القديس روفائيل كالينوفسكي                                 19 تشرين الثاني

الطوباويان:ديونيسيوس للميلاد وريدنتوس للصليب           29 تشرين الثاني

كانون الأول

الطوباوي برتلماوس فانتي                                          5 كانون الأول

القديسة ماريا مرافيلياس ليسوع                               11 كانون الأول

القديس يوحنا الصليب                                           14 كانون الأول

الطوباوية مريم للملائكة                                            16 كانون الأول

أيها الزائر العزيز،

يسرّنا أن ندعوك للتعرف على حياة القديسين في كنيسة الله وفي الكرمل. الغاية من المعرفة هي القدوة والقداسة الشخصية: انها دعوتنا جميعاً الى أن نكون قديسين كما أن أبانا السماوي هو قدوس. فلنفيد من هذا الاتبار وهذه القدوة.

مع تحيات موقع

ملاحظة: للراغبين في التعمق بهذا الموضوع، الكتابة على العنوان: ndcarmel@yahoo.com

أخي القارىء،

مريم ليسوع المصلوب، الراهبة الكرملية، هي ابنة فلسطين والشرق. حياتها تحمل علامات مميزة جداً؛ كرملية محصّنة، راهبة بسيطة، مؤسسة، فقديسة، تُدهشنا عندما نعرف سيرة طفولتها والمصاعب التي مرت بها، فنعترف ان الله عجيب في قديسيه، بل عندما يريد الله شيئاً فهو القادر الأوحد. ندعوك لكي تتأمل في حياتها وقداستها...

مع تحيات موقع

ملاحظة: للراغبين في التعمق بهذا الموضوع، الكتابة على العنوان: ndcarmel@yahoo.com

 

الطوباوية مريم ليسوع المصلوب

1846-1878

عيدها في 25 آب

إنها الراهبة الكرمليّة المشرقية العربية الأولى التي رفعتها الكنيسة الى مصافّ الطوباويين:مريم بواردي، واسمها في الرهبانيّة:مريم ليسوع المصلوب.

إنها واحدة من بنات القديسة تريزا الأفيلية، مجدّدة الرهبانيّة الكرمليّة، وقد سارت على مثال امّها على دروب القداسة والفضيلة، والتأمّل والصلاة، وحفظ المشورات الإنجيلية، وتقديس الذات، إلى ان توفّيت برائحة القداسة سنة 1878وقد أعلنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في 13-11-1983

حداثتها

مريم بواردي هي من أصل لبناني_سوري. ولدت في الخامس من كانون الثاني سنة 1846في قرية قريبة من الناصرة تدعى:عبلّين. والدها جورج بواردي من طائفة الروم الكاثوليك. والدتها مريم شاهين. وقد أصيب الوالدان بامتحان عسير في زواجهما إذ إن فلذات أكبادهما لم يُكتب لها الحياة:تسعة أولاد ماتوا جميعهم، الواحد تلو الآخر، وهم بعد في المهد.

ولمّا ولدت الطفلة العاشرة مريم، قرّرا ان يذهبا بها سيرا على الأقدام، من قريتهما عبلّين في الجليل، الى مغارة بيت لحم، ليطلبا من طفل المغارة ان "يعيّشها" كما يقال في العاميّة، وكرّساها ونذراها للعذراء مريم، وقد سمّياها باسمها، آملين ان تستجيب السماء نذرهما. وعاشت مريم وبدت بصحة جيّدة. وكانا يحمدان العذراء باستمرار. ورزقا بعد مريم بصبيّ سمّياه بولس، وقد عاش هذا الأخير ايضا بفضل صلاة الوالدين.

ولكنّ الطفلين مريم وبولس اللذين كتبت لهما الحياة، شاءت لهما الأقدار أن يعيشا مفترقين مدى الحياة، بعد وفاة أبويهما، وكانت مريم في عامها الثالث، وأخوها بولس في عامه الأول. فعرفا اليتم المزدوج ومعه التبنّي، وما يحمل اليتم والتبنّي من نقصٍ في العاطفة والمحبّة، إذ لا عاطفة تفوق عاطفة الآباء لأبنائهم. بولس وعمره سنة أصبح في بيت خالته في قرية ترشيحا، ومريم وعمرها ثلاث سنوات، أصبحت في عبلّين في بيت عمها الذي ربّاها ورعاها بعدما هاجر وجميع أفراد أُسرته الى مصر، حيث أقاموا في ضواحي الإسكندرية، الى ان بلغت مريم الثالثة عشرة من عمرها.

وهنا بدأت مراحل الصليب تنتصب على طريق حياتها. فقد أراد عمّها ان يزوّجها من دون علمها ومن دون رغبتها، الى شقيق امرأته. فرفضت الفتاة بشجاعة هذا المشروع، مما أثار سخطه عليها. فحاول إخضاعها لإرادته بالقوّة. وأخذ يسيء معاملتها ويعتبرها خادمة في بيته. وهنا بدأت مريم مرحلة قاسية من العذاب والتعنيف. وقد كتبت تصف هذه الفترة من حياتها:"كنتُ دون الخدم ملبساً وطعاماً، معزولةً مأمورةً بأصعب الأشغال، محرومةً من القداس والأسرار". في هذا الوقت بدأت تفكّر جديا بتكريس حياتها للرب ودخولها الرهبانيّة.

وتفتحت مريم أكثر فاكثر على الحياة، كما زاد شوقها الى اخيها بولس، الذي عاش هو ايضاً يتيماً في ترشيحا وقد بلغ اليوم سن الحادية عشرة من عمره.

وكتبت مريم رسالة الى أخيها بولس تدعوه فيها الى زيارتها في بيت عمّها في ضواحي الإسكندرية. فهي من دون شك، قد اشتاقت اليه كثيراً، وتريد ان تتعرّف عليه عن قرب، كما تودّ ان تبوح إليه ببعض هواجسها وأسرارها، خصوصا قد أصبح فتى بالغاً، كما تبلّغت عنه من بعض المعارف والمسافرين. وأُخبرت مريم ان شخصا تركيّا سبق له ان خدم في بيت عمّها، سيسافر الى الناصرة. فحملت اليه الرسالة خلسةً، وطلبت اليه ان يسلّمها الى اخيها. ولكنّ الرجل التركي وأفراد عائلته ألحّوا عليها بتناول طعام العشاء معهم. وبعد تشديدٍ مبالغ فيه، رضخت الفتاة وقبلت العزيمة. وأثناء العشاء حاول الرجل ان يفتح لها موضوع الدين بقصد ثنيها عن دينها. ولكنّ الفتاة انتفضت بقوّة وقالت له:"انا ابنة الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية حتى الموت". وحصلت مشادّة في الدين بينهما فما كان من الرجل إلاّ ان انتفض معتبرا تحدّيها له في بيته اهانة صارخة. فركلها بحذائه، كما استلّ خنجرا وانهال به على عنقها محاولا ذبحها، فسال دمها. وخوفا من افتضاح أمره واتهامه بالقتل، لفّها وزوجته بشرشف، وألقوها في زقاق مهجور وكان ذلك بتاريخ 7 ايلول 1858.

ولكنّ العذراء مريم، حسبما روت مريم بواردي نفسها، هي التي شفتها واعتنت بها، وهي التي أعلمتها انها ستذهب الى فرنسا فتصبح راهبة كرمليّة.

وأبت مريم العودة الى بيت عمّها. وآثرت العمل كخادمة في البيوت. وفي هذا الاختيار، تعرّضت مرارا للقسوة والاتهامات.

في بيروت

كان شوق مريم الى أخيها بولس يزداد يوما بعد يوم. فعزمت على الذهاب لملاقاته. ولكنّ السفينة التي كانت تُقلّها، تعرّضت الى عاصفة هوجاء دفعتها الى شاطىء بيروت. فنزلت وتوجّهت الى أوّل كنيسة تبحث عن مساعدة وملجأ. فاقتادها كاهن الرعية الى أسرة عطالله لتعمل عندها كخادمة. ولكنّها ابتليت بأوجاع مؤلمة في عينيها حتى كادت تفقد بصرها تماما. ولكنّ العذراء تدخّلت هذه المرة ايضا وشفتها حسبما اعترفت بذلك هي نفسها.

في مرسيليا

وجاءتها دعوة من أسرة آل النجار السورية الأصل، للعمل في مرسيليا. فعزمت على السفر الى هذه المدينة الفرنسية الساحلية، وقد أصبحت الآن في سن الثامنة عشرة وكلّها حركة ونشاط. فعملت هناك كخادمة وكطبّاخة عند تلك الأسرة، وذلك لمدة سنتين متتاليتين، ولكنّها كانت تذهب كلّ صباح الى الكنيسة فتشارك في الذبيحة الإلهية.

مريم الراهبة

إنها الآن في العشرين من عمرها. وها هي تدقّ باب دير راهبات القديس يوسف الظهور، الكائن في ضواحي مرسيليا. مستعدّة للعمل في المطبخ، وقضاء أوقات راحتها في الصلاة، معتبرة ان العمل بمحبّة وإخلاص، هو صلاة ايضا. إنها تعيش في دنيا غير دنياها، حتى إنها غالبا ما كانت تُخطف بالروح وترى رؤىً، ممّا جعل الراهبات يفكّرن أنّ مكان هذه الإبنة وما تتمتع به من حالات خارقة، ليس في هذا الدير بل في أحد الأديرة النسكية التأمليّة. هناك ستجد من دون شك، دعوتها الرهبانيّة. واستسلمت مريم لمشيئة الربّ، وطلبت ان تُنقل الى دير الكرمل في مدينة "بو" Pau الفرنسية.

في كرمل "بو" Pau

استقبلتها رئيسة دير الكرمل وراهباته في مدينة "بو" بفرح كبير، كونها قادمة من الأرض المقدّسة، موطن يسوع وأمّه العذراء مريم. وباشرت سنة الإبتداء الأولى باندفاع بالغ. فوجدت في الكرمل منذ اليوم الأول، بما فيه من صمت وفقر وصلاة وتأمّل وإماتات وانقطاع عن العالم، وجدت فيه هناءها وسعادتها. فاتشحت بالثوب الرهباني، ودُعيت مريم ليسوع المصلوب، وبدأت بممارسة النذور الرهبانيّة:الطاعة والعفة والفقر، بقناعة شديدة، إضافة الى حماسة كبيرة في خدمة الأخوات في كلّ عمل يُطلب منها.

السمات الخمسة وطعنة الحبّ

على مثال القديس فرنسيس الأسيزي، أنعم الربّ على مريم ليسوع المصلوب، فوسمها بسِمات جراحه الخمسة. وحدث ذلك في مستهلّ صوم 1867. وبعد سنة على ظهور تلك السِّمات، إشتدّ الألم في يديها ورجليها وجنبها في صوم سنة 1868 واصبحت عاجزة عن الحركة. وبدأت تنزف دماً وتشارك المخلص في آلامه. وكما حدث يوما لأمِّها القديسة تريزا الأفيلية، فقد حدث لمريم ليسوع المصلوب أيضاً حين اخترق سهم الحبّ فؤادها فكواها بحرارته ولهيبه.

مريم وقوى الشر

كم من مرة حدّثنا يسوع في الإنجيل عن إبليس وحيله وأساليبه، فهو اذن موجود ويعيث في الأرض وبين الناس فسادا. إنه موجود. و"أذكى حيلة يستعملها، هو إيهامنا بأنه غير موجود"، كما يقول في هذا الصدد الشاعر الفرنسي بودلير. وإن كان بعض الناس لا يؤمنون به وبحيله، فمردُّ ذلك الى أنهم قد تأقلموا معه، بعدما تحققت مآربه فيهم، فهم ينفذون خططه بسهولة وطاعة عمياء.

وهذا ما فعله مع عدد كبير من القديسين، أمثال أنطونيوس الكبير ويوحنا ماري فيانيه. وهذا ما فعله ايضا مع هذه الراهبة التي روت لنا أحاديث طويلة عن المعارك الطاحنة التي كانت تدور بينها وبين إبليس، وكيف كانت تنتصر عليه دوما بفضل قوّة ايمانها واستغاثتها بيسوع واتكالها على نعمته.

مريم في منغالور الهند

تقرر إنشاء دير للراهبات الكرمليّات في مقاطعة منغالور الهندية، بسعي من النائب الرسولي في الهند، المطران ماري افرام، الذي شارك في المجمع المسكوني الفاتيكاني الأول. وقد زار كرمل بو واطّلع عمّا تتمتّع به المبتدئة مريم من خوارق وإنعامات. فالتمس ان تكون تلك الشابة المبتدئة حجر الزاوية في تأسيس كرمل الهند.

وفي شهر آب من سنة 1870 أبحرت رئيسة دير بو Pau بصحبة خمس راهبات، بينهن مريم المبتدئة، إضافة الى ثلاث راهبات مساعدات، إتجهن جميعهنّ الى قناة السويس، ثم البحر الأحمر، الذي كان في ذلك الشهر بعزّ حرّه ولهيبه، حتى إن الكرمليّات أُصبن جميعهنّ بالدوار الشديد، والتقيؤ العنيف، بسبب القيظ الخانق، ورائحة البحر، والإعياء الشديد، كما أصيب معظم المبحرين. وبعد أيام توفّيت راهبة. ولم تمض ثلاثة ايام على وفاتها حتى توفّيت راهبة ثانية. فدفنتا في عدن (اليمن). وتقرّر إبقاء الراهبات العليلات جميعهنّ بعض الوقت في مرفأ عدن الى ان يتعافين.

وبعد أسابيع من العلاج والطبابة واصلن الرحلة الشاقة الى الهند. ولكنّ المفاجأة غير السارة عند وصولهن كانت وفاة الرئيسة الأم ماري ايلي. وبالرغم من هذه الخسارة الفادحة(وفاة ثلاث راهبات)، تمّ تأسيس الدير في منغالور، وتمّ تجاوز عقبات كثيرة. فكانت مريم ليسوع المصلوب اول مبتدئة كرمليّة تنذر في الهند نذورها الرهبانيّة. وكان ذلك في 21-11-1871. فارتبطت الى الأبد بنذور الطاعة والعفّة والفقر. وعُيّنَت رئيسة جديدة على الدير المستحدث. ولكنّها ما لبثت ان بدأت تضطّهد الأخت مريم، معتبرة ان كلَّ ما يحدث لها من خوارق إنما هو من فعل الشيطان. كما حرّضت الراهبات وأسقف المدينة على الأخت الناذرة، شاجبة "خزعبلاتها". فعاشت مريم امتحانا عسيرا لا بل استشهادا نفسيا قاتلا.

في هذه الأجواء الصعبة، تملّك مريم حنين قويّ يحثّها على الرحيل عن منغالور، والعودة الى دير بو في فرنسا، ذلك لأن مشروعا عظيما بدأ يختمر في ذهنها ويهزّ جوارحها طربا: ألا وهو تأسيس دير للكرمليّات الحبيسات في فلسطين وفي بيت لحم بالذات.

كرمل بيت لحم

لقد اصبح تأسيس كرمل بيت لحم شغل مريم الشاغل. ووصل خبر نيّة التأسيس الى مسامع الآنسة دارتيكوDartico وهي سليلة أسرة غنيّة عريقة من عائلات بو، فعزمت هذه المحسنة الكبيرة على تبنّي المشروع وتمويله. ولم يبق لتحقيق هذا الأمر سوى موافقة السلطات الكنسيّة، وعلى رأسها قداسة الحبر الأعظم البابا بيوس التاسع، الذي وافق فور الاطّلاع عليه، وأردف قائلا:"فلتمضِ الراهبات الكرمليّات مصحوبات ببركتي".

وفي 20 آب سنة 1875 أبحرت سبع راهبات كرمليّات ومبتدئة، إضافة الى راهبتين مساعدتَين، ومموّلة المشروع الآنسة دارتيكو، ووصلن جميعهنّ بصحّةٍ وسلامة إلى ميناء حيفا. وانتقلن الى القدس حيث كان باستقبالهنّ بطريركها. ومن القدس الى مدينة النبي داود والسيد المسيح بيت لحم. وبعد شراء الأرض، بوشر بالعمل فورا. وأخذ البناء يرتفع. وكانت يد الربّ تسهّل جميع الأمور. ولم تمض ثمانية اشهر حتى أصبح الدير جاهزا ومؤهّلا لانتقال الراهبات اليه. وكان الجو السائد أنّ كلّ ذلك قد تمّ بفضل صلاة ودعاء وتشجيع الأخت مريم ليسوع المصلوب. وما إن سكنت الراهبات في هذا الدير الجديد حتى بدأت مريم تفكر وتعمل على إنشاء دير آخر في مدينة الناصرة.

مريم تشارك الفادي في آلامه

ولم تمض سنة على سكن الراهبات في بيت لحم، حتى أخذت الظواهر الخارقة تظهر في حياة مريم ليسوع المصلوب. وفي سنة 1876 أخذت سماتها الخمس تنزف بقوّة حتى إنها شعرت بأن دنوّ اجلها أصبح قريبا، لفرط الآلام المبرّحة. فطلبت منحها سرّ التوبة، ونالت الحلّة، ومن ثم تناولت القربان المقدّس. وبالرغم من كلّ ذلك، كانت تنهض لتأدية فروض الصلاة وبعض الأعمال الديرية. وفي احد الأيام سقطت من على السلّم فتحطمت ذراعها اليسرى، فاحتملت أوجاعها الاضافية هذه، بروح الصبر والشجاعة والإيمان.

وأعربت عن رغبتها في مسحة المرضى، فوفرها لها غبطة البطريرك. وكانت تشارك وتجيب على الصلوات. وبعد المسحة، إستغفرت الجماعة عن كلّ ما صدر عنها من إزعاج أو مشكلات بسبب سماتها او جروحاتها. وامتدّ مرضها اربعة ايام، الى ان أسلمت الروح بين يديّ يسوع ومريم وكان ذلك بتاريخ 26 آب من سنة 1878 ولها من العمر 33سنة.

كان الحشد كثيفا في مأتمها، وبالرغم من بُعدها عن الناس وعيشها ضمن جدران الدير بعيدة عن الأضواء، فقد كان الجميع يرددون:"لقد ماتت اليوم قديسة". ورقد جثمانها في كرمل بيت لحم.

إعلانها طوباوية

في احتفال مهيب، في كاتدرائية القديس بطرس، في حاضرة الفاتيكان في روما، أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية بتاريخ 13- 11- 1983. فظهرت عندئذ كنجمة ساطعة في سماء الشرق، تلك الكرمليّة الحبيسة الصوفيّة الأولى التي أنبتتها الأرض التي عاشت عليها العائلة المقدّسة:عائلة يسوع ومريم ومار يوسف، والتي منها انطلقت الرسالة والبشرى المسيحية وأفواج القديسين والقديسات. لهذا تفتخر بها الكنيسة المشرقية.

روحانيتها

إنها إبنة قديسيّ الكرمل الكبيرين تريزا الأفيلية ويوحنا الصليب ومعاصرة القديسة تريز الطفل يسوع. وقد نهلت من معين الكرمل الذي لا ينضب، فطُبعت بجراحات المسيح، وخبرت إنخطافات سامية بالروح شبيهة بتلك التي خبرتها أمها القديسة تريزا الأفيلية. وقد سارت على خطاها في الثقة المطلقة برحمة الله وحنانه، والإيمان الوطيد بعنايته ومحبّيه. هكذا خبرت مريم ليسوع المصلوب، الاستسلام الكلّي لمشيئة الربّ على مثال أختها تريز الطفل يسوع. وهذا ما نستشفّه من خلال القليل من كتاباتها وتعليقاتها الروحية.

ختاماً نقول إنَّ الظواهر الصوفية العديدة التي رافقت حياتها، لا تحجب عنا تواضعها الكبير وما امتازت به من محبّة أخوية وتسليم الذات الكامل للعناية الالهية ولهمسات الروح القدس.

الأب ميشال حداد الكرملي

 

القديسة تريزا مرغريتا لقلب يسوع

S. Teresa Margherita Redi

1747-1770

عيدها في 1 أيلول

ولدت تريزا مرغريتا في أريتسو (إيطاليا)، في 15 تموز 1747، في عائلة من النبلاء. دخلت كرمل الراهبات الكرمليّات المحصّنات في مدينة فلورنسا وهي في السابعة عشرة من عمرها، حيث اتشحت بالثوب الرهباني في 11 آذار 1765. إنطلاقًا من الآية الواردة في 1 يوحنا 4، 16"الله محبّة"، عاشت اختباراً روحياً خارقاً وحياة بطولية من الصمت والصلاة وبذل الذات، طيلة ست سنوات أمضتها في حصن الدير. توفّيت عن عمر 23 سنة. أعلنها البابا بيوس الحادي عشر طوباوية في 9 حزيران 1929 وقديسة في 13 آذار 1934.

الطوباوية ماريا ليسوع

B. Maria de Jésus

1560-1640

عيدها في 12 أيلول

 

ولدت ماريا في إسبانيا سنة 1560. توفّي والدها وهي في الرابعة من العمر. كان غنيًّا، فورثت عنه الكثير. في الرابعة عشرة من عمرها، رغبت في دخول كرمل "الأم تريزا"، ولكنّها لم تستطع تحقيق رغبتها إلاّ في سنة 1577 عندما بلغت السابعة عشرة من عمرها، فدخلت كرمل طليطلة. وقد كتبت "الأم تريزا"، توصي وتشجّع الراهبات على قبول تلك التي جعلتها فيما بعد "كاتبتها الصغيرة"والمشرفة على إعادة النظر في بعضٍ من مخطوطاتها، ولاسيّما منها "التأسيسات"و"المنازل". عرفت في طليطلة القديس يوحنّا الصليب، يوم هرب من سجنه، واكتشفت فيه تلك القداسة الرصينة، وقد سمعته يُلقي بعضًا من قصائده الصوفيّة، وكيفيّة هروبه من السجن، مما جعلها تتّخذه لها أبًا روحيًا فيما بعد، مدوّنةً بعضًا من هذه الذكريات في كتاباتها.. كانت أقرب الراهبات إلى "الأم تريزا"، بطبعها المرح واختبارها الروحي العميق، ورغبتها في الموت بغية لقاء المسيح. عُيّنت معلّمةً للمبتدئات وهي بعمر 24 سنة. ومن ثمّ رئيسةً على الدير. دعاها المسيح لأن تتألّم كثيرا لأجل القريب، خاصّة الخطأة.

توفّيت سنة 1640. وأعلنها البابا بولس السادس طوباوية في 14 تشرين الثاني 1976.

القديس ألبرتوس الأورشليمي

S. Albert de Jérusalem

1150-1214

عيده في 17 أيلول

ولد ألبرتوس في إيطاليا سنة 1150. تدرّج في الوظائف الكنسية. كانت توكل إليه المهمّات الصعبة، كمصالحة الأمراء والأساقفة والحكم في قضاياهم. كما أوكلت إليه كتابة دساتير رهبانيات عدّة أو مراجعة قوانينها. وفي سنة 1205، بدأ العرب بالسيطرة على الأراضي المقدّسة، فانتُخب ألبرتوس أسقفًا على فرشيللي Vercelli في إيطاليا، ومن ثمّ بطريركًا على أورشليم(1206-1214). ولكنّه أضطرّ أن يقيم في عكا، لأنّ السلطان الأيوبي كان قد احتلّ القدس. وسنة 1208 أعطى النسّاك المجتمعين على جبل الكرمل برئاسة القديس بروكردوس، قانون حياة رهبانيّ، غنيًّا بسموّه الروحاني. هذا القانون له أهميته من الناحية التاريخية. وهو لا يزال حتى تاريخنا هذا، الملهم الأول للروحانية الكرمليّة في فروعها الرهبانيّة كافة. وفي 14 أيلول 1214، بينما كان البطريرك يقيم تطوافًا، طعنه قتلا راهبٌ كان رئيس مستشفى الروح القدس في عكا، وكان البطريرك قد أقاله من منصبه لسؤ سيرته.

القديسة تريزة الطفل يسوع

(1873- 1897)

عيدها في 1 تشرين الأول

 

اعداد الأب ألبير أبونا

انها الراهبة الكرملية الشابة التي تمكنت في وقت قصير من البلوغ الى ذرى القداسة، لأنها اعتمدت في ذلك على قوة الله التي استقتها من ايمانها وثقتها الكلية بمحبته الأبوية اللامتناهية. فهي سارت في درب القداسة واقتفت آثار امها الكبيرة القديسة تريزة الأفيلية واستلهمت تعاليم ابيها الروحي القديس يوحنا الصليبي حتى صارت قديسة مثلهما. فهؤلاء الثلاثة ليسوا قديسين كبارا في نظر رهبنتهم فحسب، بل هم عمالقة الروح والتصوف في نظر الكنيسة كلها. اما تريزة الصغيرة، فقد جسدت حياة التصوف في صيغة بسيطة، وجعلتها في متناول النفوس الصغيرة التي تعجز عن اتباع الطرق الروحية المعقدة. انها القديسة التي عرفت ان تبتسم دوما، بالرغم مما تخفيه هذه الابتسامة من الصلبان والصعوبات. وعرفت ان تكون سعيدة حتى في وسط الظلمات الدامسة التي اجتازتها. ذلك لأنها استسلمت بكليتها الى الله ابيها وهي راضية بكل ما يريده لها، لأن كل ما يريده يؤول الى خيرها، حسب خطة المحبة التي رسمها لها هذا الاب الكلي الحنان والرحمة...

ليتنا نتعلم منها هذه الثقة الهادئة برحمة الله ومحبته، ونسير مثلها على درب القداسة معتمدين مساعدة الله في كل حين...

حداثتها                                        :

في رواية حياة تريز الطفل يسوع نعتمد خصوصا ما كتبته هي نفسها في كتابها "تاريخ نفس"، وهي قصة حياتها وضعتها نزولاً عند رغبة رئيساتها وأنهت فصولها الاخيرة قبيل موتها.

ولدت تريزة في 2  كانون الثاني سنة 1873 في بلدة "النسون" الفرنسية، في حضن عائلة ضمت العديد من البنات والبنين. وكانت هي الاخيرة بين الجميع، وقد رجا والدها لويس ووالدتها زيلي غيران ان يرزقهما الله بصبي. الا انهما تقبلا عطية الله بامتنان ومحبة. كان الوالد يصلح الساعات ويتاجر بها. اما الوالدة فكانت بارعة في الاعمال اليدوية، لا سيما بصنع "الدنتيلة". فكانت العائلة تعيش في رخاء مادي ويسودها جو من التفاهم والمحبة العميقة. ولم يعش للعائلة سوى خمس بنات، اما الآخرون فقد رحلوا الى الابدية في سنهم المبكرة. وعكف الوالدان على تربية بناتهما تربية مسيحية اصيلة.

اضفت تريزة الصغيرة طابعاً لطيفا على الجوّ العائلي بحضورها وجمالها، وكانت موضع فرح والديها وأخواتها الاربع اللواتي كن يتهافتن عليها كلما استيقظت من نومها. الا ان صحة الصغيرة الواهية اصبحت مصدر هموم للعائلة. فاستنجدت والدتها بفلاحة لكي تحتضنها وترضعها وتهتم بها، الى ان تحسنت صحتها واشتد جسمها الصغير، واخذت صيحاتها وضحكاتها ترن في ارجاء المنزل والحديقة. وكانت الطفلة رقيقة حلوة بجدائل شعرها الاصفر الجميل، وهي لا تفتأ تغرد كالعصفور طيلة النهار وتسعد اهل الدار كلهم بتصرفاتها وكلماتها. واذا كان الوالد يحب بناته الاربع الكبيرات وهن: ماري وبولين وسيلين وليوني، فإنه كان يخص الصغيرة تريزة بمحبة اعمق ويدعوها "ملكته الصغيرة".

نشأت تريزة في جو عائلي متدين الى الغاية، وتعرفت الى المسيح في سن مبكرة وأحبته من كل قلبها. ولم تكن السنون الا لتزيدها تعلقا وهياما به.

باكورة الآلام:

كانت زيلي والدة تريزة تشعر منذ عدة اعوام بمرض خبيث في صدرها، وقد اشتدت وطأته عليها وهي تتحمل الآلام بصبر وشجاعة، الى ان انهارت صحتها وتمكن منها السرطان، فقضى عليها في 28 آب سنة 1877. وكان اول احتكاك تريزة بالألم حينما قبلت جبهة والدتها الباردة التي لن تجيبها مذ ذاك بحنانها وعطفها الوالدي...

سبّب هذا الموت صدمة لنفس تريزة الرقيقة، وفارقها مرحها وزالت سعادتها وأصبحت سريعة التأثر لأتفه الاسباب. واضطر الاب الى ترك منزله ونقل العائلة كلها الى بلدة "ليزيو" ليضع بناته في رعاية خالهن وزوجته وبناته، ولكي يزيل عنهن جو الكآبة المهيمن على المنزل في "النسون". وقد شق الامر على الوالد المسكين الذي كان قد الف النسون ومنزله وأصدقاءه فيها. ومع ذلك فقد فضل سعادة بناته وخصّص حياته لله ولتربيتهن، وكف عن كل عمل آخر. وفي ليزيو ، سكنت العائلة في بيت اطلقوا عليه اسم "بويسونيه" وهو اشبه بفيلا رائعة المنظر تحيط بها الادغال والاشجار.

قامت البنت الكبيرة ماري بإدارة المنزل، بينما اهتمت بولين بتريزة الصغيرة المحرومة عطف الأم وأصبحت لها بمثابة تلك الام تقود خطاها في طريق الفضيلة وتعلمها القراءة والكتابة. اما والدها فكان كثيراً ما يأخذها معه الى النزهة، فيزوران في طريقهما الكنيسة، ثم يعودان معا الى البيت، فينصرف الوالد الى قراءاته التقوية. بينما تتلهى تريزة باللعب في الحديقة. اما في المساء، فكانت العائلة تجتمع كلها في غرفة الاستقبال حول مصباح كبير وينصرف كل منهم الى هوايته وأشغاله. وتريزة لا تفارق حضن والدها الحنون. ثم يختمون النهار بصلاة جماعية يرفعونها الى الله شاكرين له أفضاله ونعمه، وبعد ذلك يأوي كل منهم الى فراشه. وكانت تريزة تهوى الثلج وغروب الشمس بألوانها الجميلة، وجمال الزهور وتألق النجوم. وقد تبيّنت يوما في احدى مجموعات النجوم الحرف الأول من إسمها (T). وحينما رأت البحر لأول مرة سنة 1878، أثر فيها منظره وذكّرها بعظمة الله اللامتناهية وبقدرته الفائقة، وقالت بعد ذلك: "... وعندما مالت شمس ذلك اليوم الى المغيب وراء المحيط الجبار، جلست مع بولين على صخرة منفردة فشبهتْ لي اختي تلك الخيوط الذهبية بنور النعمة الذي يضيء القلوب المحبة لله. فتخيلت قلبي كقارب صغير يمخر بشراعه الابيض على هدى ذلك الضوء السماوي، وقررت الا ابتعد عن انظار يسوع حتى اصل الى سر الخلاص". وكم كان سرورها عميقا باشتراكها في الاحتفالات الدينية وبزياح القربان ونثر الورود نحو الشعاع.

مرضها:

حين بلغت تريزة الثامنة من سنيها، قرر والدها ان يضعها في مدرسة للراهبات لكي تتلقى العلوم والتربية الدينية. الا ان المسافة بين المنزل ودير الراهبات البندكتيات كانت طويلة لمثل هذه الطفلة الصغيرة. ومع ذلك فقد ترددت مع اخواتها على المدرسة منذ تشرين الاول سنة 1881. وما كان اعظم الفرق بين ما ألفته تريزة في المنزل الوالدي وبين ما تعيشه الآن في هذه المدرسة ذات الطابع الصارم. وكان لهذا التغيير وقع قاس في نفس تريزة، بما فيه من القوانين والطباع والطعام المختلف. وبالنظر الى الفتها للمدرسة بميلها الى الدرس والمطالعة، فقد حققت تقدما سريعا وتجلت عندها مواهب الشعر والرسم وتفوقت على زميلاتها في ميادين كثيرة. الا ان نجاحها في الالعاب كان اقل شأنا منه في الدرس. وهذا ما خلق فيها جوا من الإنطواء على الذات وعدم مشاركة زميلاتها في اللعب. وكانت كثيراً ما تتلهى في اوقات الفرص بالتحدث الى بعض زميلاتها او بالإنزواء في معبد المدرسة للعكوف على الصلاة والتأمل.

في 2 تشرين الأول سنة 1882، دخلت اختها بولين دير الكرمليات في ليزيو. وقد شق على تريزة الصغيرة ان تفارق "امها" بولين. وكم تمنت ان ترافقها الى الدير، ولكن صغر سنها لم يُمكّنها من ذلك. فباتت تتألم صامتة، واعتراها صداع اليم لازمها مدة طويلة، وأخذت صحتها تزداد سوءا، حتى اضطرت الى ملازمة الفراش . ولنترك هنا لها الحديث لتروي لنا ما جرى لها في هذا المرض. فقد كتبت: "اذ رأيتُني محرومة من كل الوسائل البشرية ومشرفة على الموت ألماً، وجهت نظري الى امي السماوية. وسألتها من كل قلبي ان ترأف بي. فتحرك تمثالها فجأة، وأشرقت العذراء مريم جمالا، وتلألأت بهاءً أعجز عن وصفهما، وكان محياها يتدفق دعة ولطفاً وحنانا لا يوصف. على ان ما نفذ إلى أعماق نفسي، هي ابتسامتها الفتانة. ومنذ ذلك الحين اضمحلت آلامي. فانحدرت من عيني دمعتان كبيرتان، سالتا هادئتين...اجل، ان هما الا دمعتا فرح سماوي خالص. ان العذراء المجيدة اقتربت منى وابتسمت لي...فقلت في نفسي: ما اسعدني . ولكني لا ابوح بذلك، لئلا تزول سعادتي. ثم، بدون اقل عناء، خفضت عينيّ فعرفت عزيزتي ماري، وهي تنظر إليّ بحب، وعليها ملامح التأثر الشديد كأنها في ريب من نيلي منذ برهة هذه النعمة العظيمة".

المناولة الأولى:

كانت المناولة الاولى، وما زالت، مسبوقة باستعدادات كبيرة ومحاطة بعناية خاصة يبذلها المربون لتهيئة الصغار للقاء مع يسوع للمرة الاولى. وقد استعدت تريزة لهذا الحدث العظيم وساعدتها اختها ماري على ذلك. فتبعت دروس التعليم المسيحي في الدير بتعطش شديد. وأفادت من كل ما القي على الطالبات من الارشادات الروحية، واجتازت الامتحان بتفوق ، حتى قال عنها المرشد: "اني حاولت ان اربك تريزة في اجوبتها فلم استطع". وكان يلقبها "دكتورته الصغيرة في اللاهوت". وجاء يوم المناولة الاولى، واقتبلت تريزة يسوع لأول مرة. انها تظهر عجزها عن التعبير عن عذوبة هذا اللقاء اذ تقول: "ان من هذه الأشياء ما يفقد رائحته العطرة حالما يتعرض للهواء... ومن الأفكار الباطنية ما لا يمكن التعبير عنه باللغة الأرضية بدون ان يفقد حالا معناه السماوي الرفيع...آه، ما اطيب قبلة يسوع الأولى على نفسي. نعم هي قبلة حب. شعرت اني موضوع حب، فقلت: اني أحبك وأهبك نفسي الى الأبد. لم يطلب يسوع الي شيئا، ولم يفرض اية تضحية. منذ زمن طويل يتبادل هو وتريزة الصغيرة النظرات ويتفاهمان:::اما في ذلك اليوم، فلا يليق ان تسمى نظرة بسيطة، بل اتحادا. فلسنا اثنين: لقد توارت تريزة كما تتوارى قطرة ماء تذوب في قلب المحيط. ولم يبق الا يسوع. فهو السيد والملك. الم تطلب اليه تريزة ان ينزع عنها حريتها، هذه الحرية التي كانت تخيفها. فقد شعرت انها ضعيفة، سريعة العطب، فأرادت ان تتحد بالقوة الالهية الى الأبد...وبغتة فرحت فرحا كبيرا وعميقا لا تستطيع ان تستوعبه، ولم تلبث ان ذرفت دموع الغبطة...".
وكان ذلك في 8 ايار سنة 1884. وفي هذا اليوم ذاته ابرزت اختها بولين نذورها الرهبانية. وقد زارتها تريزة في دير الكرمليات عصر ذلك النهار السعيد وأفعم ذلك قلبها الصغير فرحا وغبطة وشوقا الى الالتحاق بها.

الدعوة المبكرة:

حينما بلغت تريزة الثالثة عشرة من سنيها، تركت مدرسة الراهبات وأخذت تتلقى دروسا خاصة على سيدة محترمة. وهناك اختبرت العيش في المجتمعات الراقية، وأخذت ايضا تتردد على منزل خالها وتتعرف الى الشخصيات التي تزور المنزل. وفي تلك الغضون لحقت أختها ماري ايضا ببولين الى الكرمل. وقد جلب لها عيد ميلاد سنة 1886، مع الهدايا التقليدية، هدية اخرى انفس وهي ان تريزة استردت قوة روحها المعنوية التي فقدتها يوم وفاة والدتها، وتخلت عن كل ما يتعلق بالطفولة من الامور التافهة، وهي تقول: "لقد سعدت بعدئذ ودخلت المحبة الحقيقية الى قلبي، فقررت ان انسى نفسي الى الأبد". وشرعت تتفتح على الآخرين لكي ترى احتياجاتهم وتحسن اليهم. وكانت فكرة الدخول الى الكرمل قد نمت في قلبها وأخذت تشتد رغبتها يوما بعد يوم. واذا بها تفاجىء يوما والدها بهذه الرغبة. وكانت تلك ضربة اليمة على قلب الوالد المسكين. ولكنه مسيحي صادق، ولا يريد ان يعيق عمل الله في ابنته المحبوبة. انما حدثها بلطف واستمع اليها بهدوء وهي تعرض امامه تاريخ دعوتها وكيف انها نشأت منذ دخول بولين الى الرهبنة. واذ بهذا الشيخ الجليل يحني رأسه راضيا بهذه التضحية التي يطلبها الرب منه. ولكن موقف الاقارب كان مختلفا جدا. قد قال خالها: "لعل هذه اول مرة في تاريخ فرنسا تدخل فيها فتاة ذات خمسة عشر عاما الى دير الكرمل. اني سأقاوم هذه المهزلة بكل ما لي من القوة ولا بد من اعجوبة حتى ارجع عن تصميمي هذا". وبعد ايام كانت صلاة تريزة قد غيرت موقف خالها، فوافق على رغبتها. الا ان الصعوبات لم تزل من طريق تريزة. وجاءها الرفض البات من قبل الرئيس الكنسي للدير. ودارت مداولات بينه وبين المطران. والتقت تريزة بالمطران في بلدة "بايو" فنصحها بالبقاء مع والدها مدة اخرى.

وبعد ذلك أتيح لتريزة ان تسافر الى روما مع والدها وحجاج فرنسيين آخرين. وادهشها جمال المدينة والآثار المسيحية فيها. وحينما حظي الحجاج بمقابلة البابا لاون الثالث عشر، انتهزت تريزة هذه الفرصة لكي تطلب منه ان يسمح لها الانتماء الى الرهبنة الكرملية في سنها الخامسة عشرة، متحدية بذلك جميع البروتوكولات المرعية في مقابلة البابوات. فقال لها البابا: "افعلي يا ابنتي ما يقرره الرؤساء". وعند إلحاحها في الطلب ثانية، قال لها: "انك ستدخلين ان شاء الله". وأصيبت تريزة هنا ايضا بخيبة الامل، وكانت تنتظر كلمة من رئيس الكنيسة لتزيل عن طريقها كل العقبات. وأصبحت الرحلة الباقية تافهة في نظرها. وعادت الى ليزيو في 2 ايلول، وأخذت تنتظر بفارغ الصبر جواب مطرانها على طلبها. وطال انتظارها. وكانت تشتاق ان تكون في الدير في عيد الميلاد. ولكن الميلاد جاء وعبر. وفاجأها العام الجديد بجواب الام ماري غنزاغا رئيسة دير الكرمل وهي تخبرها بأن المطران كتب اليها يقول انه بعد فحص الموضوع من كل نواحيه، فهو يسمح لتريزة بالدخول حالا الى دير الكرمل. وأضافت الأم غنزاغا انها ترتئي ان تدخل تريزة الدير بعد الصوم الكبير، بالنظر الى صعوبة هذه الفترة لشابة مثلها. وقد تقبلت تريزة هذا القرار بارتياح وشكرت لله هذه النعمة الكبيرة. وأخذت منذئذ تستعد بهدوء وسلام للحياة التي اختارتها تجاوباً مع ارادة الله. وبعد ان عبر عيد القيامة، جاء اليوم الأخير الذي تقضيه بين ذويها. فأقيمت مأدبة فخمة على شرفها ووداعها، اجتمع حولها الاهل والاقارب. وكانت هذه الحفلة هي الوداعية للعالم ومباهجه.

في دير الكرمل

دخلت تريزة دير الكرمل في صبيحة التاسع من نيسان سنة 1888. وهي ترتدي ثوبا من الصوف الازرق. وركعت عند باب الدير امام والدها ليباركها وقبلت اختيها ليوني وسيلين وخالها وعائلته. ثم انفتح امامها باب الدير وتوارت وراءه...وكانت هناك بانتظارها اختاها: ماري للقلب الأقدس وبولين (انييس ليسوع) مع الام الرئيسة وسائر افراد الجماعة الرهبانية. فغمر السلام والفرح قلب تريزة. اذ شعرت بأنها بلغت امانيها ومحطة آمالها في تلك العائلة الجديدة. كان كل شيء يبدو في الدير جميلا في نظرها. فقد أحبت صومعتها الصغيرة الفقيرة التي لا اثاث فيها سوى فراش من القش واناء للماء ومقعد خشبي ومصباح وسلة خياطة وساعة رملية. ان فرحها لن يستطيع احد ان ينزعه منها، مهما كانت الظروف ومهما اختلفت الأطباع.

وكانت الآلام على موعد مع تريزة. فما ان مرت الايام الاولى ، حتى تراكمت الصعوبات على المبتدئة الجديدة: مصاعب من الرئيسة التي تعاملها بقساوة وخشونة ولا تدع فرصة دون ان توجه اليها بعض التوبيخات. ومتاعب من رئيسة الابتداء التي كانت منشغلة عنها ولم تفهمها على حقيقتها. وطالما نسيت ما كانت تحتاج اليه صحة تريزة من الاعتناء. صعوبات من نائبة رئيستها التي كانت تزعجها بأحاديثها الطويلة المملة ولا تدع لها المجال للصمت الداخلي ومناجاة الله في اعماق النفس. ناهيك بالحسد الذي دب في قلوب بعضهن اذ رأين هذه الفتاة الصغيرة الجميلة رصينة في سعيها الى القداسة وفي المحافظة على القوانين بدقة وبساطة...ولكن تريزة كانت تقابل الجميع ببشاشتها العذبة وبسخائها الدائم في تأدية الواجبات وفي خدمة اخواتها. انها لم تجد تعزية روحية حتى عند مرشد الجمعية نفسه. وعندما عرضت رغبتها في القداسة لأحد واعظي الرياضة السنوية وقالت له: "ابت، اني اريد ان اصبح قديسة وان احب الله تعالى كما احبته القديسة تريزة الأفيلية"، اجابها الكاهن: "يا لك من متعجرفة. ابدأي بإصلاح نقائصك وتجنبي الخطيئة وحاولي ان تتقدمي قليلاً كل يوم. واياك والتهور". فقالت له تريزة: "لكني لست متهورة يا ابت، الم يعلمنا الرب في انجيله الطاهر ان نكون كاملين اسوة بأبينا السماوي؟".

اما قراءاتها فكانت تنحصر في التأمل في الانجيل الذي كانت تحمله دوما معها، ومطالعة كتابات القديسة تريزة الافيلية وتآليف القديس يوحنا الصليبي، وهي تحاول التشبع من روحهما. كما انها كانت تميل الى قراءة "الاقتداء بالمسيح". الا انها كانت تفضل على كل شيء قراءة الكتاب المقدس، وهي تقول: "عندما اطالع كتابا في السعي الى الكمال وأرى فيه ما يصادف المؤمن من آلاف الصعوبات. سرعان ما يستحوذ التعب على ذهني الضعيف، فأبادر الى ترك الكتاب الفلسفي جانبا والعودة الى الكتاب المقدس، واذ ذاك تشع الاضواء امام بصيرتي. وقد تفتح كلمة واحدة امام ناظريّ آفاقا غير محدودة، ثم يبدو لي الكمال في متناول يدي متى اقررت بضعفي وارتميت كطفل بين ذراعي الله".

الراهبة

طالت فترة الابتداء، وتريزة صابرة على ذلك وعاكفة على تكميل واجباتها بأمانة، بالرغم مما تتعرض له من الصعوبات في الشغل والطعام واللباس، وبالرغم مما يحز في قلبها من الاخبار التي تردها بشأن صحة والدها المتدهورة. فكانت تقوم بالأعمال التي تأباها الاخوات الاخريات. كالغسل بالماء الساخن صيفا والشطف بالماء البارد شتاء. وكم احتملت من لا مبالاة اخواتها وعدم تفهمهن لطبيعتها الرقيقة وتربيتها اللطيفة. وتعلمت ان تقبل بهدوء الملاحظات التي توجَّه اليها عن اخطاء لم ترتكبها، واعتادت ان تتحمل الخيبة والتقريع الاليم والاكتفاء بما يعطى لها من القليل الضروري... وهكذا هيأت نفسها ليوم النذور الاولى الذي كان في 8 ايلول سنة 1890.

مارست تريزة في الدير اعمالا كثيرة ومختلفة . فهي تارة مسؤولة عن تحضير اللوازم للقداس في السكرستيّا، وكان هذا العمل عذبا جدا على قلبها. هي طورا خادمة للأخوات المريضات حينما ألمَّ بالدير وباء الانفلونذا وأودى بحياة بعضهن. وحيناً تعطي المجال لاظهار موهبتها في الرسم، وآخر موهبتها في نظم الشعر. وفي جميع هذه المجالات اظهرت هذه الراهبة الشابة جدارتها وانتزعت من الجميع الاعجاب والتقدير. وفي وسط كل هذا النجاح، عرفت تريزة ان تبقى بسيطة وتلقائية. وان تكون فوق كل مديح او ذم. دون ان تتأثر بهما البتة.

مع المبتدئات

في شهر شباط سنة 1893، انتُخبت بولين (الأم انييس) رئيسة للدير وهي بدورها عينت الرئيسة السابقة، الام ماري غنزاغا، مسؤولة عن المبتدئات، مع تريزة كمعاونة لها، وهي ما تزال في ربيعها العشرين. فبذلت تريزة نفسها بسخاء في خدمة المبتدئات، وعلمتهن الالتزام بالقوانين، وأصبحت في الواقع هي المسؤولة عن المبتدئات ورئيستهن الفعلية. وكانت تقول لمبتدئاتها: "اني احب القلوب المرحة". وعرفت كيف تحبهن وكيف توبخهن، وتكون في كل ذلك في منتهى العدالة وطبيعية في كل تصرفاتها. وبهذا علمتهن الابتعاد عن التصنع والرياء والازدواجية. انها كانت تفكر في تلك النفوس التي تكفلت بها، وكان شعورها بالمسؤولية كبيرا وراسخا في قلبها. وطالما صلت الى الله وقالت: "ها انك ترى يا رب كم اني صغيرة وعاجزة عن تغذية بناتك. فأعطِ كُلاً منهن ما يوافقها. املأ يدي الصغيرة، فأوزع من كنوزك على من تطلبها، دون ان اترك ذراعك او ان احوّل نظري عنك".

تأريخ نفس

جاءت يوما الام انييس والاخت ماري وجلستا الى جانب تريزة، في احدى فترات الراحة. وراحت الأخوات الثلاث يتحدثن عن ذكريات الماضي وعن ايام الطفولة في النسون ثم في البويسونيه في ليزيو. وكانت تلك الذكريات ماثلة بتفاصيلها في ذاكرة تريزة. واذا بالاخت ماري تقترح بان تأمر الام انييس اختها الصغيرة بتدوين هذه الذكريات العائلية. واقتنعت الام الرئيسة وأصدرت امر الطاعة الى تريزة بأن تخصص لتسجيل هذه المذكرات ما يتوفر لديها من وقت الفراغ. وحددت لها اجلا لتسليم المخطوط...

ارتبكت تريزة قليلا امام هذا الطلب. فهي لا تدري كيف تكتب وبماذا تبدأ. ومن اين لها الوقت لتحرير المذكرات وهي منشغلة بأمور عديدة وبمسؤوليات هامة، فأنى لها ان تجمع افكارها وتنسقها حسب مقتضيات التأليف والكتابة؟ ومع ذلك فقد تجاوبت مع رغبة رئيستها. فكانت تلي قبل ان تمسك اليراع، لكي يبارك الرب الكلمات التي ستدونها، ثم تذهب الى غرفتها، فتجلس على المقعد الخشبي الصغير، فتملأ الصحيفة تلو الأخرى من صفحات الدفاتر المدرسية الصغيرة بخطها الجميل المنسق ...

وجاء الجزء الاول نزولا عند امر شقيقتها بولين (الام انييس)، والكلام فيه متسم بالبساطة والرقة. اما الجزء الثاني فكتبته تريزة اجابة لرغبة الام ماري غنزاغا التي اعيد انتخابها رئيسة بعد الام انييس، وجاء اسلوبها فيه متينا وواضحا ومتسما بحرارة واقتناع وصراحة بنوية. ومن الجدير بالملاحظة ان تريزة، في هذه الفترة كلها، لم تتخل عن اي من واجباتها، من توجيه المبتدئات ومن الأعمال والخدم في الدير. الا ان هذه الاتعاب المتراكمة ارهقتها واثرت على صحتها تأثيراً بالغا لم تلاحظه الرئيسة او انها تغافلت عنه معتبرة اياه تعبا طارئا ولم تخفف عنها اية من مسؤولياتها الكثيرة...

بوادر المرض

جاء الصوم الكبير لسنة 1896، وكان الصوم آنئذ صارما في الاديرة. والتزمت به تريزة بالرغم من تداعي صحتها. وواصلت السير نحو الفصح بخطى جبارة وهي ترغم نفسها على تنفيذ كل الالتزامات بدقة وأمانة. وكان خميس الأسرار، فسهرت تريزة طويلاً في المعبد الى نحو منتصف الليل. ولما عادت الى غرفتها الباردة وأوت الى فراشها الوضيع الخشن اذا بسيل ساخن يتدفق من حنجرتها ويملأ فمها. وإذ كانت قد أطفأت قنديلها، مسحت فمها في الظلام وانتظرت حتى الصباح فوجدت ان المنديل مملوء دما. ورأت في ذلك نعمة كبيرة ونداء واضحا الى الالتحاق بعريسها قريبا. وحضرت الصلاة مع اخواتها الراهبات كالمعتاد، وطلبت الى الرئيسة السماح لها – بعد ان اطلعتها على هذا الحادث – بأن تستمر في الصوم والممارسات الاخرى. وبعد الظهر رأتها احدى المبتدئات وهي تنظف النوافذ وقد شحب لونها وبدت خائرة القوى، فذرفت المبتدئة دموعاً غزيرة وناشدتها ان تسمح لها بأن تطلب شيئا من الراحة. الا ان معلمتها منعتها من ذلك وقالت ان باستطاعتها ان تتحمل تعبا خفيفا في اليوم الذي فيه تألم يسوع كثيراً لأجلها. وجدير بالملاحظة ان اخواتها لم يعلمن بما جرى لها الا في ايار سنة 1897.

وبعد هذا الحادث لزمها سعال شديد اقلق الام الرئيسة، ففرضت على تريزة تناول الادوية التي ازالت عنها هذا السعال او خففت من شدته لمدة بضعة اشهر. وزاولت تريزة اعمالها الاعتيادية دون اي تلطيف او تخفيف . وكانت هذه الابنة الحبيبة تخفي آلامها لئلا تثقل على اخواتها الراهبات. وكثيرا ما كانت في المساء، عندما تعود الى غرفتها، تضطر الى التوقف عند كل درجة من درجات السلم المؤدي الى الطابق الاعلى لكي تستعيد قواها الخائرة، فتصل بعد مدة الى غرفتها منهوكة القوى فتمضي ساعة بكاملها في نزع ثيابها عنها. وبعد هذا التعب الشديد كان عليها ان تقضي الليل على ذلك الفراش الخشن وفي ذلك البرد القارس.

في غمرة الآلام

اشتدت وطأة المرض على تريزة، فاستدعي لها طبيب الجمعية، ثم أحد الاطباء من اقاربها فعالجاها. ولكن بدون جدوى. فإنها مصابة بالسل الرئوي، وقد استفحل الداء حتى تعذرت معالجه بنوع ناجع. وكانت مع ذلك تشتاق الى الالتحاق بدير جديد لرهبنة الكرمل في مدينة هانوي في الهند الصينية (فييتنام). وكتبت عن ذلك في مذكراتها: "اني استمتع هنا في كرمل ليزيو بمحبة الجميع. وانا احلم بدير لا اكون معروفة فيه حيث يتعذب قلبي بألم العزلة. لذلك أرغب في السفر الى هانوي ، حتى اقاسي الكثير من اجل الهي واكون بمفردي دون تعزية ودون اية مسرة ارضية". الا ان تدهور صحتها المستمر جعلها تشعر بعدم امكانية ارسالها الى هانوي. وحينما جاء الشتاء، إشتد عليها الضعف والمرض، وأقر طبيبها بعجزه قائلا:" اني اعتقد بان هذه النفس لم تُخلق لتعيش طويلا على الارض". وقد سمعت تريزة يوما احدى الراهبات تقول: "ستموت قريبا اختي تريزة الطفل يسوع. واني اتساءل الان ما عسى ان تقوله عنها امنا بعد موتها، انها ستكون في حيرة من امرها. لان هذه الابنة الصغيرة، مع ما هي عليه من لطف، لم تقم بشيء يستحق الذكر". وسمعت ممرضتها ايضا هذا الحديث. فقالت لتريزة: "لو اعتمدت على رأي المخلوقات، لخاب الكثير من آمالك اليوم". فأجابتها تريزة: "يسعدني ان الله الكلي الصلاح منحني عدم المبالاة برأي المخلوقات". ثم روت لها قصة من واقع حياتها لقنتها درسا بليغا.

استنفد الاطباء كل تجاربهم العلمية المؤلمة على تريزة المسكينة، بما في ذلك الكيّ بالنار ومحاولة تحويل المرض من عضو الى آخر. وكانت تريزة صابرة على ذلك بصمت واستسلام. ولم تكن تلزم الفراش بصورة دائمة، بل كانت تقضي ساعات من النهار في الحديقة حيث تسند دفترها الى ركبتيها وتواصل كتابة (تأريخ النفس)، مع ما تسببه لها الاخوات من الازعاج... الا ان خطها بدأ يدل على ضعف اناملها التي اصبحت عاجزة عن التحكم في القلم.

وحينما قالت لها المبتدئات يوما: "يشق علينا كثيرا ان نراك تتألمين الى هذا الحد. ونظن انك ستزدادين الما في ما بعد". فأجابتهن تريزة: "لا تغتممن بسببي، فإني قد بلغت الى حد لا استطيع فيه ان اتألم. لأن الألم عندي كله عذب. فضلا عن انكن اخطأتن اذ فكرتن فيما قد يحصل من الم في المستقبل. وهذا تدخل في امر الخلق. فنحن اللواتي نسرع في سبيل الحب. ليس علينا ان نقلق من شيء. فلو لم اتألم بين دقيقة وأخرى، لتعذر عليّ ان الازم الصبر. انا لا ارى الا الحاضر، وانسى الماضي، واحذر من ان افكر في المستقبل...".

وفي الفترة الاخيرة من مرضها، نقلت الى غرفة المرضى، وانتابتها آلام هائلة. وبلغت من الضعف ان لم تعد تستطيع ان تمسك القلم ولا ان تتحرك، وكثيرا ما عجزت حتى عن ابتلاع الطعام...

ليلة الايمان

كان الم آخر من الالم المادي يحز في قلبها. انها في ظلام دامس. انها في ليلة الايمان. وأراد المعلم الالهي بهذه المحنة الأخيرة ان يتم تطهيرها وان يجعلها قادرة على ان تطير في سبيلها الصغير، سبيل الثقة والاستسلام. وقد قالت آنذاك :" اني لا أتمنى الموت اكثر من الحياة. لو مكنني الرب من ان اختار، لما اخترت شيئا. انا لا اريد الا ما يريده هو. وهذا ما يجعلني احب". وطوال شهر آب سنة 1897، ظلت مضطربة تلتمس الصلاة من اخواتها الراهبات ومنذ التاسع عشر من آب حتى الثلاثين من ايلول لم تستطع ان تتناول القربان بسبب نزيف الدم المتواصل. وحينما منحت المسحة الأخيرة في مطلع آب قالت: "لقد فتح باب سجني القاتم. فأنا مرحة، خاصة منذ ان اكد لي ابونا الرئيس ان نفسي تشبه اليوم نفس طفل صغير بعد معموديته".

ان تريزة تشعر بدنو رحيلها، وهي لا تتمالك نفسها من شدة الفرح باللقاء القريب مع الحبيب: "لم اهب الله الكلي الصلاح الا حبا. وسيقابل حبي بحب بعد موتي، سأفيض على الأرض وابل ورود". فما يجذبها هو الحب: "الحب. ان أُحِبَّ وأُحَبَّ، وأعود الى العالم لأجعل الناس يحبون الحب". وقد استعارت عبارات الطوباوي تيوفان فينار وقالت: "لا اجد على الارض شيئا اسعد به. قلبي كبير جدا، لا يقوى شيء مما يدعي السعادة في هذا العالم ان يشبعه. يطير فكري نحو الأزل. لا يلبث الزمن ان ينقضي. وقلبي هادىء مثل بحيرة ساكنة او سماء صافية. انا لا آسف على حياة هذا العالم. اني عطشى الى مياه حياة لا تزول...بعد قليل تغادر نفسي هذه الارض. وينتهي منفاها وينقضع نضالها. فاصعد الى السماء. اصل الى الوطن واحرز الظفر. بعد قليل، ادخل مقر المختارين وانعم بحبور لم تره عين انسان قط، واسمع ايقاعا لم تسمعه اذن انسان، واتمتع بأفراح لم يذقها قط قلب انسان... ها قد وصلت الى الساعة التي يتوق اليها كل منا توقا عظيما. صحيح ان الرب يختار الصغار ليخزي كبار هذا العالم. انا لا اعتمد على اقوالي الخاصة. بل على قوة من غلب، على الصليب، قدرة الجحيم...انا زهرة ربيع يقطفها صاحب الجنينة. ليسر بها. نحن كلنا زهور غُرست على هذه الأرض، ويجنيها الله متى شاء، عاجلا ام آجلا...اما انا الزهرة الذابلة، فإني امضي اولا. سنتلاقى يوما في الفردوس. وننعم بالسعادة الحقيقية".

ومع ذلك فقد كانت تخيم على نفسها ليلة حالكة ومحنة ايمان عسرة. ان نفسها في نفق طويل مظلم، وكأنها لم تر الشمس قط. والظلمات تصيح ساخرة منها: "انك تحلمين بالنور، تحلمين بامتلاك ابدي لخالق جميع هذه المدهشات، وتعتقدين انك ستخرجين من هذا الضباب الذي يكتنفك. تقدمي، تقدمي، وابتهجي بالموت الذي سيعطيك ليس ما ترجينه، بل ليلة ظلمة. ليلة العدم..." آه! ما أقسى هذه الآلام!

النزاع والموت

اشتدت عليها الآلام شيئا فشيئا. وبلغ منها الضعف حتى انها لم تعد تستطيع ان تأتي بأية حركة بدون مساعدة. كل شيء يؤلمها، حتى الحديث الخافت الذي تسمعه. ومع ان الحمى باتت لا تفارقها، فالابتسامة كانت لا تفارق ثغرها. وفي احدى الليالي، زارتها الاخت الممرضة، فألفتها ضامة يديها ورافعة عينيها نحو السماء، وقالت لها تريزة: "نعم يبدو لي اني لم ابحث قط الا عن الحقيقة ...نعم فهمت اتضاع القلب".

وجاء يوم 30 ايلول سنة 1897، وهو اليوم الأخير لمنفاها على هذه الأرض. وبلغت فيه آلامها اقصى ذروتها. وبدت عليها اعراض النزاع في نحو الساعة الرابعة مساء، وأخذ العرق يتصبب من جبينها، وهي تضم المصلوب بيديها الضعيفتين لكي تخوض المعركة الحاسمة. وحينما رن جرس الدير معلنا صلاة التبشير، حدقت تريزة بصورة العذراء تحديقا يتعذر الاعراب عنه، وكأني بها تستعيد في ذاكرتها ما كتبته يوما:

انتِ التي ابتسمتِ لي في فجر الحياة،

ابتسمي لي مرة اخرى، يا أماه، فقد أقبلَ المساء...

وبعد الساعة السابعة، التفتت الى الام الرئيسة وقالت: "اليس هذا هو النزاع، يا أمي؟ الا يأتي الموت بعد قليل؟" فأجابتها الرئيسة: "نعم يا ابنتي، هذا هو النزاع، على ان يسوع يريد، على ما يبدو، ان يطيله بضع ساعات". فقالت تريزة بشجاعتها المألوفة : " وأنا لا اود ان اتألم آلاما اقصر". وفي نحو الساعة السابعة والربع، نظرت تريزة الى الصليب بحنان وقالت: "احبه...يا ...الهي...اني احبك".

هذه كانت كلماتها الاخيرة. ثم أحنت راسها الى الجهة اليمنى وظنت الاخوات انها لفظت انفاسها الأخيرة. الا انها نهضت بغتة وكأن صوتا سريا يناديها، وفتحت عينيها وشخصت بهما الى ما فوق صورة العذراء: والسعادة تملأهما. واستمرت النظرة نحو دقيقة، ثم طارت نفسها والتحقت بالحبيب. وتم فيها ما قاله القديس يوحنا الصليبي عن النفوس التي تذوب في الحب الإلهي:"انهن يمتن في فرح عجيب، وهجمات عذبة يشنها عليهن الحب، على مثال طائر ينشد انشادا عذبا عندما يوشك ان يمت. وهذا ما جعل داود يقول: ان موت الابرار ثمين في عيني الرب. عندئذ تتدفق من النفس انهار الحب، وتسير فتتلاشى في محيط الحب الإلهي".

بعد الموت

اننا نضرب صفحا عن الامور الخارقة التي جرت بعد موتها راسا، والأشفية التي تحققت لأناس عديدين بلمس نعشها او بالاقتراب من جثمانها الطاهر. فإن ما يجلب الانتباه هو هذه العبارة التي كتبتها تريزة في حياتها، وقد كُتبت ايضا على الصيب الذي يعلو ضريحها: "سأقضي سمائي في عمل الخير على الارض". وما ان مرت فترة وجيزة، حتى شرع الناس يتحدثون عن هذه الراهبة التي توفيت في ريعان شبابها. وسرعان ما نشر كتاب "تاريخ نفس" الذي كتبته تريزة عن حياتها وذكرياتها، ثم وُزّع على الاديرة الكرملية في العالم، ومنها انتشر الى العلمانيين الذين تلقوه بلهفة وشوق، واكتشفوا ما فيه من الكنوز الروحية النفيسة ومن الخبرة العميقة المعروضة بصورة بسيطة وجذابة تحبب القداسة الى الجميع. وتُرجم الكتاب الى معظم لغات العالم، الشرقية منها والغربية، لتعميم فائدته. وما اكثر الذين اشرق نور الله في حياتهم لدى قراءتهم هذا الكتاب، وما اكثر الفتيات الذين اقبلن الى دير الكرمل للاقتداء بهذه الراهبة التي قلما احب الناس قديسا او قديسة مثلما احبوها. ولدى تكاثر العجائب. اوعزت روما الى اسقف بايو وليزيو بالبدء في التحريات ودراسة قضية امة الله الأخت تريزة الطفل يسوع. وجاءت الحرب الكونية الاولى وأخرت القضية قليلا. ولكنها استؤنفت بعد الحرب وانتهت بأن اعلنها البابا بيوس الحادي عشر طوباوية في 29 نيسان سنة 1923. ولم تمضِ سنتان على ذلك،حتى أعلنت الكنيسة قداستها على الملأ، ثم أعلنتها شفيعة الرسالات سنة 1927، هي الراهبة الحبيسة التي لم تتخطَّ عتبة ديرها منذ دخولها اياه في الخامسة عشرة من سنيها. ولكن لهذا الاعلان مغزاه البعيد. فإن تريزة قد أحبت النفوس الى الغاية، وصلّت كثيرا من اجل خلاصها، لأنها كلفت الفادي كثيرا. وقد رضيت في حياتها ان تكون اختا روحية لمرسَلين تسند عملهما الرسولي بصلواتها المتواضعة وبأماتاتها ومحبتتها. انما الرسول الحقيقي هو ذلك الذي يندمج كليا مع المخلص ويتبنى جميع الذين من اجلهم جاء المسيح الى العالم. وكم احبت تريزة ان تكون رسولة، فتذيع اسم المسيح بين الامم! وكم تاقت الى الذهاب الى الرسالة في هانوي ! وكم اشتاقت ان تكون كاهنا ورسولا وواعظا لكي تتحدث للعالم اجمع عن محبة الله اللامتناهية ورحمته الفائقة. فلنسمعها تقول في فرط شوقها: "يكفيني يا يسوع ان اكون عروستك وأن اكون كرملية، وأصير بفضل اتحادي بك ام النفوس. على اني اشعر بدعوات اخرى: اشعر فيّ بدعوة محارب وكاهن ورسول وملفان وشهيد...اريد ان اتم الأعمال البطولية. اشعر ان لي شجاعة محارب وأريد ان اموت في ساحة الوغى...دعوة الكاهن! ما اعظم حبي يا يسوع، اذ اهبك للنفوس!...اريد يا حبيبي يسوع ان انير النفوس، شأن الأنبياء والملافنة. اود ان اطوف الارض مبشرة باسمك، غارسة صليبك في ارض غير مؤمنة. ان رسالة واحدة لا تكفيني، فأود في الوقت نفسه ان ابشر بالانجيل في انحاء العالم كله حتى في الجزر السحيقة. اود ان اكون مرسلة، ليس لفترة قصيرة من الزمن حسب، بل اود لو اني كنته منذ خلق العالم وأواصل ان اكونه حتى انقضاء الاجيال". ولكنها بعد التفكير والتأمل العميق في الجسد السري، اذ بها تهتف متهللة: "يا يسوع، لقد وجدت حبي ودعوتي. دعوتي هي المحبة. لقد وجدت مكاني في حضن الكنيسة. انت يا الهي اعطيتني هذا المكان. سأكون في قلب الكنيسة امي المحبة...وهكذا اكون كل شيء ويتحقق حلمي".

كتاباتها

يأتي في مقدمة هذه الكتابات "تاريخ نفس" الذي ورد ذكره آنفا وهو كتاب تروي فيه تريزة ذكرياتها منذ عهد الطفولة حتى قبيل موتها، وهو بمثابة نشيد ترفعه الى مراحم الرب الابدية، وتكتب فيه كل ما يدور في فكرها بدون تردد او تصنع. انه سفر يأخذ بمجامع القلوب اذا قرأه المرء بانتباه وبروح متفتحة لله. فكله نداء الى الاعالي وشكر على هذا الحب الذي يشمل كل انسان. فما اعظم قدرة الله. انه يستطيع ان ينجز اعاجيب حبه حتى في ابسط النفوس اذا استسلمت لعمله بثقة وسخاء.

اما كتاباتها الاخرى، فهي مجموعة من الرسائل الموجهة الى ذويها او الى اخويها بالروح او الى بعض المعارف. وجاءت في مجلدين كبيرين. وهناك ايضا مجموعة من النصائح والذكريات ضُمّت في كتاب آخر. وكانت الذكرى المئوية لميلاد تريزة حافزا على جمع المزيد من اقوالها المحفوظة في مواضع شتى او المستقاة من الاخوات اللواتي عايشوها وسمعوها. واطلق على هذه الذكريات اسم (الاحاديث الأخيرة)، وجاءت ايضاً في مجلدين. وهناك كتيب ضم أقوالها الأخيرة، وقد ترجم الى العربية باسم "الكلم الأخيرة". ومن الجدير بالملاحظة ان الكثير من كتاباتها ما زالت محفوظة بخط يدها، وقد صُوِّرت ونشرت لتعميم فائدتها.

رسالتها

عرفت تريزة الصغيرة ان لها رسالة بعد موتها، وان هذه الرسالة تتوقف في جوهرها على ان "تجعل الله محبوبا"، وان تساعد النفوس الكثيرة على البلوغ الى هذه المحبة. فان اعلان قداسة كرملية ليزيو الشابة لهو حدث ذو اهمية كبرى في تأريخ القداسة، وهو حدث له الان ايضا تأثيره في جميع النفوس المدعوة الى الكمال والتواقة الى القداسة والسائرة نحو هذا الهدف السامي. فان تريزة الصغيرة تقدم لهذه النفوس العائشة في زماننا النور الذي تحتاج اليه. وايا كانت هذه النفوس، نفوس المؤمنين البسطاء ام نفوس رهبان وراهبات، ام نفوس كهنة، فان القديسة تريزة تظهر في فكرة الله كمعلمة للقداسة التي يحتاجونها، وتكلمهم كلاماً يلائمهم وتريهم الطريق الفضلى التي يجب عليهم السير فيها، وتزودهم بالتعليم المناسب لاحتياجاتهم الروحية الحاضرة تجاوبا مع تصميم الله فيهم.

طريق الطفولة الروحية

تشرح لنا تريزة الصغيرة كيف نشأت عندها فكرة طريق الطفولة الروحية: "تعلمين يا امي اني كثيرا ما رغبت في ان اصير قديسة . ومن دواعي اسفي اني كلما قست ذاتي بالقديسات اتبين ان بيني وبينهن الفرق الذي نراه في الطبيعة بين جبل تناطح قمته السحاب وحبة رمل وضيعة تدوسها ارجل المارة. وبدلا من ان اقنط وتفتر عزيمتي، قلت في نفسي: ليس لله الكلي الصلاح ان يوحي برغبات لا تتحقق. فباستطاعتي اذن ان اتوق الى القداسة، رغم حقارتي. يتعذر علي ان اكبر. فعلي ان احتمل ذاتي على ما فيّ من العيوب الكثيرة. وأود ان ابحث عن وسيلة تؤدي بي الى السماء، بطريق قصير ومستقيم، طريق كل ما فيه جديد. نحن في عصر اختراعات متواصلة. فليس من الضروري الان ان نرتقي درجات السلم. ففي دور الاغنياء مصاعد تقوم مقام السلالم قياما مريحا، وأود انا أن اعثر على مصعد يرفعني حتى يسوع، لأني أصغر من ان ارقى سلم الكمال المضني...وبحثت في الكتب المقدسة عن اشارة الى المصعد الذي اتوق اليه. فوقع نظري على هذه الكلمات الخارجية من فم الحكمة الازلية: من كان صغيرا، فليأت الي (امثال 9: 4)...ورأيت في موضع آخر هذه العبارة : ألاطفك كما تلاطف الام ولدها، وأضمك الى صدري، وأهزك على ركبتي (اشعيا 66: 12، 13)...فذراعاك يا يسوع هما المصعد الذي يرفعني الى السماء. ولهذا فلست بحاجة الى ان اطول، بل عليّ بالعكس ان اظل صغيرة، بل ان اصبح صغية اكثر فأكثر". وقد توضحت لتريزة هذه الطريق شيئا فشيئا. فهي ليست الغاية، انما هي وسيلة للبلوغ الى القداسة التي تشتاق اليها كثيرا، هذه القداسة التي هي التفتح الكامل لجميع طاقات المحبة عند الانسان. ولكن تريزة تلاحظ ضعفها وعجزها الشخصي. وهذه الملاحظة هي التي تدفعها الى استنباط وسيلة جديدة للسير الى القداسة. فتعليمها ليس درسا نظريا. بل هو جواب وجودي على معضلة ملحّة من الحياة. ولأن القضية حيوية. لذا فبوسع الكثيرين من الناس ان يجدوا فيها خبرتهم الشخصية، وجواب الكرملية من شأنه ان يلقى صدى شاملا في الكنيسة.

ثم يأتي رد فعل منطقي عند كل من عاش في نور الله. فإن الله يلهم رغبات لا يمكن تحقيقها . اذن بوسع تريزة ان تتوق الى القداسة بالرغم من ضعفها وصغرها. واذا بوسيلة تخطر ببالها، وهي قمينة بإيصالها الى الله بسهولة، كما يوصل المصعد الى فوق دون عناء فليأت الي". وذراعا يسوع هما المصعد الذي يرفعها الى السماء. اي ان الله ذاته هو الذي يجعل الانسان قديسا، ولا يحقق الانسان ذلك بقوته الشخصية وبجهوده الخاصة، وذلك بشرط ان يعرف الانسان ان يبقى صغيرا، بل ان يصبح صغيرا اكثر فأكثر.

وإذا أمعنا الفكر في هذه الطريق، نرى ان الله هو ذاك الذي يحب الصغيرة ويدعوه الى الدنو منه، وهو الذي، اذا ما تجاوب الانسان معه، يجتذبه اليه ويغمره بحنان محبته. وهذا ما يظهر لنا رحمة الله التي تعطف على الصغير، على الانسان الضعيف العاجز.

اما الإنسان فعليه ان يتقبل فقره، وهذا يقتضي منه تواضعا، اذ عليه ان يعرف انه "صغير"، وان يُقبل الى الرب. وهذا يعني انه يعترف بعوزه وبأن الله هو الذي برحمته يأتي الى لقائنا ومساعدتنا . وهذا يقتضي ان يؤمن الانسان ويثق به ويستسلم اليه استسلاما كليا.

اجل، هذه هي طريقة تريزة، وهذه هي طريق كل نفس تصبو الى القداسة. فاذا هي تبعتها بصورة منطقية، فانها ستنتهي حيث يريدها الله، اي في المشاركة الكاملة لحياة الله في المحبة، كما صممها لكل انسان بفيض حبه اللامتناهي. والله سيعطي النفس المحبة التي لم يكن بوسعها البلوغ اليها بذاتها، وسيولي هذه المحبة لغتها وعلاماتها المميزة في الحياة الواقعية.

يروي لنا الانجيل انه في احد الايام "جيء الى يسوع بأطفال ليضع يديه عليهم، فانتهرهم التلاميذ. ورأى يسوع ذلك فاستاء وقال: دعوا الاطفال يأتون الي، لا تمنعوهم، فلأمثال هؤلاء ملكوت الله. الحق اقول لكم: من لم يقبل ملكوت الله كأنه طفل، لا يدخله" (مرقس. 1: 13-15). وهذا ما شجع تريزة على البقاء صغيرة، لكي يتسنى لها قبول الملكوت.

....... فعسانا ان نبقى دوما كالصغار بين يدي الله ابينا واثقين، مثل تريزة الصغيرة، بأن صغرنا وضعفنا وعجزنا سيكون صراخا ينادي رحمة الله ومحبته. وإذا ما التقت هذه الرحمة بتواضعنا، فهي قادرة ان تحقق فينا العظائم وان توصلنا الى ملء الكمال الروحي في المسيح الرب.

اعداد الأب ألبير أبونا

تقدمة ذاتي، محرقة كاملة، للحبّ الإلهيّ الرّحيم

"يا إلهي، أيّها الثالوث الكلّي الطوبى، إنّ أمنيتي أن أحبّك، وأن أحمل الغير على أن يحبّك، وأن أسعى إلى مجد الكنيسة المقدّسة، بخلاص النفوس التي على الأرض، وتحرير تلك التي تتألّم في المطهر. إني اصبو إلى كمال الأمانة لإرادتك وإلى أن أبلغ مستوى المجد الذي أعددته لي في ملكوتك. وبكلمة، إنّي أتشوّق إلى القداسة، غير أنّي أعي عجزي، وأسألك، يا إلهي، أن تكون أنت قداستي".

"لمّا كنتَ قد أحببتني، حتّى إنك أعطيتني ابنك الوحيد، ليكون لي مخلّصاً وعريساً، فالكنوز اللامتناهية التي استحقّها، هي لي، وإني لسعيدة أن اقدّمها اليك، راجيةً، في إلحاح، ألا تنظر إليّ، إلاّ من خلال وجه يسوع، وقلبه المستعر بالحبّ.

"إنّي أرفع اليك، ايضاً، استحقاقات القديسين كلّها (اولئك الذين في السماء وعلى الأرض)، وأفعال حبّهم، وحبّ الملائكة القديسين. أخيراً، أرفع اليك، أيها الثالوث الكلّي الطوبى، حبّ العذراء القدّيسة، أمّي الحبيبة، واستحقاقاتها. وإني لأستودعها تقدمتي هذه وأسألها ان تحملها اليك. وإنّ ابنها الإلهيّ، عريسي الحبيب، قال لنا، يوم كان على أرضنا: "كلّ ما تسألونه الآب باسمي، يعطيكموه". إنّي لمتأكدة، إذًا، أنّك ستتجاوب وأشواقي. وإنّي لعلى علمٍ، يا إلهي، أنّك بقدر ما تريد أن تعطي، بقدر ذلك تبعث الشوق إلى الطلب. إنّ أمنيات وسيعة تجيش في قلبي، وها إنّي أسألك، في عميق الثقة، أن تأتي وتمتلك نفسي. لا يسعني أن أقتبل القربان المقدّس، بالتواتر الذي أشتهي، ولكنّ، ألست الكلّي القدرة، يا إلهي... فاسكن فيّ، كما تسكن في "بيت القربان"، ولا تبتعد أبداً عن قربانتك الصغيرة...

"أريد ان اكون لك عزاءً، حيال نكران الأشرار. وإني لأرجوك ان تنزع مني، حرّية أن اعمل ما لا يرضيك. وإذا كنت، من جراء ضعفي، أسقط، احياناً، فليحن عليّ في الحال نظرك الإلهيّ، وليطهّر نفسي ويفن نواقصي، كما تحوّل النار كلّ شيء إلى ذاتها...

"أشكر لك، يا ربّ، كلّ النعم التي أسبغتها عليّ، لا سيّما نعمة المرور في بوتقة الألم. وسأنظر اليك، في اليوم الأخير، وأنت تحمل صولجان الصليب، والفرح يغمرني. وبما أنّك تنازلت وأشركتني بهذا الصليب الجزيل الثمن، فأملي أن اكون شبيهةً بك في السماء، وأن ارى سمات آلامك المقدّسة، تلمع فوق جسدي الممجّد.

"وعندما ينتهي زمن منفاي على الأرض، رجائي ان اذهب وانعم بك في الوطن الأبديّ. ولكنّي لا اريد ان اكدّس الاستحقاقات مؤنةً للسماء. وأريد، بالأحرى، أن اعمل لأجل حبّك وحده. فهدفي الأوحد، ان اعمل ما يسرّك، وأعزّي قلبك الأقدس، وأخلّص نفوساً تحيا في حبّك إلى الأبد.

"في مساء هذا العمر، سأظهر أمامك صفر اليدين، لأني لا أسألك، يا ربّ، أن تسجّل ما أعمل. فالبرّ الذي فينا، لا يخلو من العيب في عينيك. أريد أن اتلبّس برّك، أنت، وان اقتبل من حبّك، أن امتلك إلى الأبد. وإني لأرفض ايّ عرش، وايّ إكليل، لا يكونان انت بالذات، يا حبيبي.

"ليس الزمن شيئاً في عينيك. وإنّ يوماً واحداً كألف سنة. فيمكنك، إذًا في لحظة واحدة، ان تعدّني للمثول بين يديك...

"ولكي تكون حياتي تعبيراً كاملاً عن حبّي لك، أقدّم ذاتي محرقةً لحبّك الرحيم، راجية ألاّ تكف عن إفنائي، وأن تغمر نفسي بسيول الحنان اللامتناهي، التي تحملها في ذاتك. فأضحي، بالتالي، شهيدة حبّك، يا الله... فليكن لي هذا الاستشهاد، إعداداً للمثول بين يديك، وليتسبّب أخيراً، بموتي، ولتطر نفسي للحال، لتعانق إلى الأبد حبك الرحيم...

"إني اريد، يا حبيبي، أن اجدّد لك هذه التقدمة مرّات لا عدّ لها، لدى كلّ خفقة في قلبي، حتى إذا اضمحلّت ظلال الأرض، أستطيع أن ارفع اليك نشيد حبّي، وأنا في خلود مشاهدتك وجهاً لوجه".

عيد الثالوث الأقدس

ماري فرنسواز، تريز الطفل يسوع والوجه الأقدس،

في 9 حزيران 1895

الراهبة الكرمليّة غير المستحقّة.

القديسة تريزا الأفيلية

1515 – 1582

عيدها في 15 تشرين الأول

أهم الأحداث في حياة القديسة تريزا الأفيلية

1515: في 28 آذار في مدينة آفيلا (إسبانيا) مولد تريزا دي أهومادا أي ثيبيدا. عُمِّدت في 4 نيسان، يوم تدشين دير التجسد للراهبات الكرمليّات في المدينة.
1522: محاولة هربها مع أخيها رودريغو إلى "بلاد المغاربة" للإستشهاد.
1528: موت والدتها بياتريث دي أهومادا.
1531: دخولها دير ومدرسة سيّدة النعمة كطالبة داخلية.
1528-1531: إقبالها على مطالعة كتب الفروسية.
1532:مرضها وخروجها من دير سيّدة النعمة.
1533-1535: نضوج دعوتها الرهبانيّة بتأثير صحبة عمّها بدرو ومطالعة رسائل القديس إيرونيموس.
1535: 2 تشرين الثاني: هربها من البيت ودخولها دير التجسد.
1536: 2 تشرين الثاني: إتّشاحها بالثوب الرهباني.
1537: 3 تشرين الثاني: إبرازها النذور في دير التجسد
1538: مرضها الخطير: تخرج من الدير للمعالجة؛ تطالع الأبجدية الثالثة للاريدو.
1539: تعود في تموز إلى آفيلا. قبيل عيد انتقال السيّدة (15 آب) تُصاب بغيبوبةٍ طويلةٍ أربعة أيام فيظنّونها ميتةً. ثم تستفيق، وتعود الى دير التجسّد، وتبقى ثلاث سنوات كأنها كسيحة.
1541: اغناطيوس دي لويّولا يؤسِّس جمعية اليسوعيين.
1542: شفاؤها بفضل القديس يوسف. ولادة خوان دي ييبس (القديس يوحنا الصليبي).
1543: موت والدها، بناءً على نصيحة معرِّفِها الأب بارّون، تعود إلى حياة التأمّل.
1544- 1554 حياة تريزا تتأرجح بين الحرارة والفتور.
1554: أمام تمثال المصلوب المثخن جراحاً تحوُّلٌ جذريٌ في حياتها.
1554-1560: تتضاعف الظواهر الخارقة، كالانخطافات والرؤى والأحاديث، وتأمّل السكينة والإتحاد.
1556: نعمة الخطوبة الروحية.
1557: لقاؤها القديس فرنثيسكو بورخا (فرنسيس بورجيا).
1559: أول رؤيا حظيت بها عن المسيح. رئيس محاكم لتفتيش يمنع الكتب الروحية باللغة الإسبانية لمحاربة المُنوَّرين alumbrados، وهم جماعة من المشعوذين.
1560: رؤيا جهنَّم. رؤيا الكاروبيم يطعنها الحبّ الإلهي. مشروع تأسيس دير القديس يوسف للإصلاح . لقاء القديس بدرو دي ألقنطره. تكتب التقرير الأول. رؤيا المسيح القائم من الموت.
1562: تقضي فترةً في منزل السيّدة لويسا دي لاثيردا في توليدو. حزيران: تنتهي من وضع كتاب السيرة. آب: تأسيس دير الإصلاح على اسم مار يوسف في آفيلا. تباشر كتابة طريق الكمال.
1563: آب: تنتقل إلى دير القديس يوسف، حيث تكتب رسوم الراهبات الكرمليّات الحافيات.
1565: تنتهي من كتابة السيرة، صيغةً ثانيةً أي الحالية.
1566: تكتب خواطر في حبّ الله.
1562-1567: فترات راحة وسلام وتأليف في دير مار يوسف في آفيلا. شعورها بضرورة وجود رهبان يمارسون نمط الحياة السائد في دير القديس يوسف.
1567: رئيس العام يفوِّضها تأسيس أديرة مثل دير القديس يوسف. آب: لقاؤها الأب يوحنا للقديس متيّا، وإقناعُه ببدء الإصلاح بين الرهبان. سلسلة الأديار المؤسَّسَة:
1567: مدينا دِل كمبو.
1568: مالاغون-فاليادوليد. دورويلو للرهبان.
1569: توليدو وبإسترانا.
1570: سلمنكا.
1571: البا دي تورمِس. تُعيَّن رئيسة على دير التجسد في آفيلا.
1573: تباشر تدوين التأسيسات.
1574: سيقوفيا. تعود إلى دير مار يوسف.
1575: بياس وأشبيلية. قضاة التفتيش يصادرون مخطوط كتاب السيرة.
1577: 2 حزيران – 5 تشرين الثاني: تكتب المنازل أو القصر الداخلي. يشتدّ الاضطهاد على تريزا وراهباتها ورهبانها مدّة سنتين، ثمّ بعدها تكوينُ اقليمٍ مستقل للكرملِّين الحفاة.
1579-1582: زيارة الراهبات وتأسيس الأديار.
1580: تأسيس دير فيلانويفا.
1581: تأسيس دير صوريا. انتخاب تريزا رئيسة على دير مار يوسف.
1582: نيسان: تأسيس دير بورغوس.
20 أيلول: تصل مريضةً منهوكةً إلى ألبا دي تورمِس Alba de Tormes، وتلزم الفراش. 4 تشرين الأول : عند التاسعة مساء تفيض روحها "ابنة الكنيسة".
1583: يُفتح التابوتُ ويُنقل جثمانُها إلى آفيلا. نشر كتابها طرق الكمال.
1586: بأمرٍ بابويّ يُعاد إلى البا دي تورمِس حيث يَرقد الآن.
1588: نشر مؤلفاتها الكاملة بدعم الأب يوحنا الصليبي، وإعداد الأب لويس دي لِيُون الأَغسطيني.
1614: البابا بولس الخامس يعلنها طوباوية.
1622: البابا غريغوريوس الخامس عشر يعلنها قدّيسة.
1970: 27 أيلول البابا بولس السادس يعلنها أول امرأة "معلّمة الكنيسة".[1]

 

مقدمة

يعجُّ القرن السادس عشر بالقديسين والقديسات الذين ملأوا الدنيا بعبير قداستهم، أمثال تريزا الأفيلية والقديس يوحنا الصليب والقديس اغناطيوس دي لويولا والقديس فرنسيس بورجيا وغيرهم. غير أن تريزا تبقى في طليعة هؤلاء القديسين لما امتازت به من شخصية جذّابة وقويّة، إذ أقدمت على إصلاحٍ شامل للرهبانيّة الكرمليّة بفرعيها النسائي والرجالي، وتركت لرهبانيتها وللكنيسة جمعاء، تراثاً ضخماً من أعمالٍ وإنشاءات وكتابات واختبارات روحية، وضعت تريزا في مصاف كبار معلّمي الكنيسة، وبين كبار مؤسّسي طريق الكمال المسيحي.

هناك أكثر من قديسة تحمل اسم تريزا، لمعت في سماء الكرمل والكنيسة: الأولى هي تريزا الأفيلية، إسبانية من مواليد القرن السادس عشر. والثانية هي تريز دي ليزيو، فرنسية، من مواليد القرن التاسع عشر. الأولى هي تريزا ليسوع، الأم الكبيرة، مصلحة رهبانيّة الكرمل، ومعلّمة الكنيسة (1970)، والثانية هي تريز الطفل يسوع، الإبنة البارة لتريزا ليسوع التي شقَت درب الطفولة الروحية وملأت الآفاق بنعمها وأعاجيبها (1873-1897) وقد أعلنتها الكنيسة "معلّمة لها" سنة 1997 على مثال أمها الروحية تريزا. تريزا ليسوع الأندسية، تريزا بنديكتا للصليب، تريزا ماريا للصليب...

مولد تريزا وحداثتها

ولدت تريزا دي اهومادا سنة 1515 في مدينة آفيلا في إسبانيا، من أبوين من أشراف تلك البلاد. فعكفا على تربية عائلة كبيرة، ضمّت ثلاث أَخوات وتسعة إخوة، تربيةً مسيحية أثّرت بتريزا تأثيراً بالغاً. فنشأت متوقِّدة الذهن، مشتعلةً حماسةً لإيمانها المسيحي. وخير دليل على تلك الحماسة، أنها، وهي في السابعة من عمرها، أقنعت أخاها الأكبر منها سنّاً، ويدعى رودريك، واقتادته إلى بلاد المغاربة، مبتغية بذلك أن يموتا شهيدين من أجل المسيح، وينالا إكليل المجد الذي لا يزول. غير ان عمّهما فرنسيسكو، التقى بهما صدفة على طريق مدينة سلامنكا وارجعهما إلى البيت الوالدي. وعندما أخذ العم يلوم الفتى رودريك، لكونه الأكبر سنّاً، أجاب عمّه: "ان الصغيرة هي التي اقنعتني واقتادتني إلى ذلك العمل". ولمّا توجه العم بالملامة إلى تريزا أجابته: "كنت أريد أن أرى الله، ولكي أراه كان يجب أن أموت".

هذا، ومنذ حداثتها، كانت ألعابها وتسلياتها تقوم على بناء صوامعَ وأديارٍ في الرمل والتراب، وتنحني بالقرب منها للصلاة.

وكانت والدتها تنفرد بها في أمسيات الشتاء، فتحدّثها عن محبّة الله، وعن التعبد لمريم العذراء، وعن الفرسان الأبطال ومغامراتهم. وقد أخذت، وهي في سن العاشرة، تقرأ قصص الفروسية وتتحمّسُ لها.

تريزا في عمر المراهقة:

كانت تريزا في الثالثة عشرة من عمرها عندما فقدت والدتها. فأحسّت بالضياع. ولكنّها ذهبت وانطرحت أمام تمثال السيّدة العذراء، مصليةً بدموع حارة، طالبةً من العذراء أن تكون من الآن فصاعداً أمَّها...

انقضت أيام الحزن، فانصرفت تريزا للهو والتبرّج. فأخذت تتزيّن وتظهر بمظهرٍ جذّاب، شأنَها شأنَ كلّ بناتِ جنسها، إلى أن أحبّها وعشق جمالها أحد أولاد عمّها. ففقدت تقواها، وفترت عبادتها، وجعلت همَّها في تجعيد شعرها، وتعطير ثيابها، والإدمان على مطالعة سير الفروسية والحبّ، كما ابتعدت عن الكنيسة وحضور القداس.

وعندما شعر الوالد التقي بما يتهدّد ابنته من مخاطر، قرر إنقاذها. فوضعها كطالبة داخلية في مدرسةِ الراهبات الأوغسطينيات في دير "سيّدة النعم". فما لبثت تريزا أن عادت إلى جو الصلاة والتقوى وتذوّقِ أمورِ الروح...

ألم يقل المثل: "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت!"

وفي الدير، أخذت تريزا تتأرجح بين خيارين: "الله والعالم" ولكنّ طرقَ اللهِ وأحكامَه غيرُ طرقِ البشر وأحكامِهم. فانتابها المرض بعد سنة ونصف، وغادرت المدرسة، وأقفلت راجعة إلى بيت والدها. فوجدت أيضاً أن حياة الدنيا لا تُشبعُ نهمها إلى المطلق... فأخذت تفكّر طويلاً وتقول: "حقاً، إن كلَّ شيء عدم. والحياة قصيرة وزائلة"!. عندها أخذت تشعر بميلٍ عميق إلى الحياة الرهبانيّة، الى حياة الزهد والابتعاد عن العالم.

تريزا الراهبة الكرمليّة في دير التجسد

كانت تريزا بعمر 18 سنة، عندما قررتِ الدخولَ إلى دير التجسد الكرملي في مدينة آفيلا، عازمة أن تعيش لله وحده بكلّ قواها. لقد كانت خطوتُها الحاسمة. فدخلت الدير. وكانت تظنّ أن الحياةَ فيه صعبةٌ للغاية. ففوجئت، وهي ضمنَ الدير، بسهولة الحياة الرهبانيّة، التي كانت الراهبات الكرمليّات يعشنها: فالقانون سهل، والراهبات يعشن حياة الرخاء والإكتفاء، ملابس فخمة، مآكل، إجتماعات، زيارات، خروج من الدير، وبكلمة مختصرة، حياتُهن حياةُ تقوى عادية مثلُ أيِ مسيحي كان. وكلّ ما يميّزَهُنّ عن غيرهنّ، حياةُ البتوليّة.

فأخذت تريزا تتساءل في نفسها وتقول: أين التجرّد في الحياة الرهبانيّة! أين الإماتة والتواضع! أين التفرّغ المطلق لله والصلاة! أين لذّة الطاعة وأجرُها! أين الفقر الرهباني!... كيف لا تتساءل، وفي الدير ذاته، راهباتٌ غنيات، وأخريات فقيرات. والمعاملة لم تكن متساوية للجميع. والحالة هذه كانت سائدةً في غالبية أديار الكرمليّات.

ولكنّ العناية الإلهية كانت تُعِدُّ تريزا لعمل خطير، لقداسةٍ سامية، لتغييرِ مسلك تلك الأديرة وإصلاحها، فتعودَ لتصبحَ معاقلَ لحياةِ التقشف، والانقطاع عن العالم وإغراءاته، أماكنَ للصلاةِ والتأمّل، كما كانت منذ نشأتها الأولى.

وفي مطلع عام 1554، قرأت تريزا كتاباً بعنوان "اعترافات" للقديس أغسطينوس. هذا الكتاب الزاخر بمحبّة الله، الطافح بالندامة والرجوع إليه تعالى... فانفتحت عيناها على الأسرار العليا، وبدأت تحيا من جديد حياة الصلاة والحرارة والإماتة. وأخذت تقول: "حسبي الله". "الله وحده يكفيني". وعملت على إصلاح ذاتها قبل إصلاح غيرها. فعكفت على التأمّل والصلاة العقلية. وأخذت تختبر حالاتٍ من الانخطاف والأعراض الخارقة. فلجأت إلى استشارة لاهوتيين كبار، من يسوعيين ودومنيكان وفرنسيسكان، فطمأنوها إلى أن هذا كلّه مصدرُهُ الله، ولا خوف عليها... وأخذ الربّ يسوع يظهر لها، ويضرم قلبها بنار حبّه الإلهي، حتى إن أحد الملائكة طعنها بحربةٍ نارية اخترقت فؤادَها فألْهَبَهُ بنارٍ من الحبّ كادت لا تُطيق تحمّلَ لظاه.

هذا، وقد بدأت تميت جسدها بشتى أنواع الإماتات. فكانت تلبس المسح الخشن وتزنّر جسدها بحزام من معدنٍ مسنّن، وتصوم وتصلّي، حتى أصبح جسدُها أسيراً لنفسها المتعطشة لله، المشرقة بالأنوار السماوية...

إصلاح الكرمليّات:

في أيلول سنة 1560 كانت جماعة من الراهبات تتحدث مع تريزا في غرفتها في دير التجسد. وكان الحديث يدور حول الحياة الرهبانيّة وضرورة تأسيس دير جديد، تعيش فيه الراهباتُ الكرمليّات بموجب القانون الكرمليّ المتشدّد. فأخذت تريزا تفكّر بهذا الأمر مستعينة بالصلاة وطلب النور من العلاء. وبعد أيام نالت موافقة رئيسها الإقليمي الكرملي، ومن بعده موافقة روما. فاشترى لها ذووها بيتاً، عملت تريزا على ترميمه وإصلاحه، ليصبح مؤهّلاً لسَكَنِ الراهبات. ووضعت هذا الدير الجديد تحت حماية القديس يوسف، وقد كانت شديدة التعبد لهذا القديس. فأقيم فيه القداس الإلهي. وعُرض القربان المقدّس، بعدما انتقلت إلى هذا الدير الجديد أربعُ راهبات. كما توشّحت أربعٌ من المبتدئات بالثوبَ الرهباني. ووُضع حِصْنٌ للدير فَفُصلَ عن العالم. وأخذت الراهبات والمبتدئات، بإشراف تريزا، يعشن حياةَ الفقر والتأمّل والصمت والعمل.

وعكفت تريزا في هذا "البيت-الدير" الجديد، على القيام بالأعمال اليومية، من طبخ وكناسة وغسل. وبنت في البستان مناسك للإختلاء والصلاة. وكان همّها الأول تنشئة المبتدئات، تلك التنشئة الرهبانيّة الأصيلة... ولهذا الغرض كتبت كتابها "طريق الكمال". فزاع صيت ذلك الدير وازداد من جهة، عدد الراغبات في حياة ذلك الدير الجديد، كما ازدادت المقاومة من جهة أخرى لهكذا عمل وهكذا إصلاح.

ولكنّ تريزا كانت واضعة هدفها الإصلاحي نصب عينيها. فالخطوة الأولى صعبة من دون شك. ولكنّها عزمت على تخطّي جميع العقبات، متكلةً على نعمة الروح وقوّته. فطبّقت القانون المتشدد-واضعةً صرامةً شديدةً في الطعام واللباس، وفي ساعتيّ تأمّل عقلي في اليوم، وفي حياة انقطاع تام عن إغراءات العالم. والإقلال من الاجتماعات والزيارات والخروج من الدير.

وكان بعد مدة أن مرّ من هناك الرئيس العام للرهبانيّة الكرمليّة الأب روبير، فأُعجب بذلك النمط الجديد، ورعى مشروعَها، وشجّعها على بناء وإصلاح أديارٍ أخرى. فوُلد الدير الثاني في "مدينة دل كمبو" Medina Del Campo

ولكنّ تريزا أدركت أن الحياة الرهبانيّة الأصيلة وتطبيق القانون الأولي المتشدّد، لن يتحققا إلاّ بانضمام الرهبان أيضاً إلى هذا الإصلاح... فكتبت تريزا بهذا الخصوص إلى الرئيس العام الأب روبير فسمح لها بتأسيس أديرة للرهبان الكرمليّين الذين يعيشون بدورهم حياة الرخاء والتساهل في شتّى الميادين.

وبدأت تريزا تبحث عن رهبان كرمليين تنسجم أفكارهم وأفكارها لمساعدتها في عملية إصلاح الفرع الرجالي. فحظيت بمعرفة راهبين هما يوحنا الصليب وأنطونيو دي هيريديا، اللذين أخذا عهداً على نفسيهما في مساعدتها بعملية الإصلاح هذه...

وفي هذا الوقت كانت عملية تأسيس وإصلاح أديرة الكرمليّات قائمة على قدم وساق، ومتلاحقة دون هوادة لمدة خمس عشرة سنة، بهمّة قل نظيرها، ساخرةً بالأتعاب والأسفار الطويلة، غير عائبة بالحرّ أو البرد، ممتطيةً بغلةً أو راكبة عربة. فأسّست 16 ديراً للكرمليّات. وكانت تقوم بنفسها بجميع قضايا الإشراف على البناء أو الترميم، وقضايا الإستئجار أو الشراء أو المعاملات مع السلطات المدنية والدينية، كما كانت تقتني دفتر الحاسبات، وتبحث عن الأموال الضرورية للبناء. وفي الوقت ذاته كانت تتحمّل الكثير من المضايقات ضد الرهبانيّة المصلَحة، فتزور كلَّ أديرتها، وتستمع إلى كلّ راهبةٍ بمفردها، وتشجّعُ الجميع، خصوصاً المبتدئات. وفي الليل كانت تتفرّغ للكتابة والمراسلات وتكريس وقتٍ طويل للصلاة واستمداد العون من العلاء.

إصلاح الكرمليّين

همّ تريزا الكبير، كان إصلاح الفرع الرجالي للكرمليين، إذ بهذا يصبح عندها كهنةً مرشدين ومعرّفين للكرمليّات.

فالتقت، كما أشرنا، بكرملي شاب، هو يوحنا الصليب (1542- 1591) الذي طلب من الرئيس العام الأب روبير أن يسمح له باتّباع القانون المتشدّد. فكان هناك حديث وانسجام بالأفكار بين تريزا ويوحنا. فأطلعته تريزا على نوع الحياة في أديرة الكرمليّات، وعلى نوعية القانون والتقشّفات وممارسة المحبّة الأخوية والتأمّل والصلاة والفرص المشتركه داخل الدير، تلك الحياة التي يسودها الفرح والبشاشة... فكان يوحنا منسجما تمام الإنسجام مع الروحانية الجديدة... وتمّ تأسيس أول دير للكرمليين المتشدّدين، في 28 تشرين الثاني 1568. وسكنه ثلاثةُ رهبان: يوحنا الصليب، والأب انطوان ليسوع، وأخ آخر... وبعد أشهر زارتهم تريزا. فاندهشت من حياة هؤلاء الكرمليّين المتشدّدين: حياة الفقر، حياة التمسّك بالقوانين، حياة الصلاة والتأمّل. ومجّدت الله على ذلك.

وما لبث الكرمليون الجدد أن فتحوا داراً للإبتداء في مدينة (باسترانا) لاستقبال الدعوات. ولكنّ هذه الخطوة كانت شاقّة وعسيرة. لا بل لاقت مقاومات عنيفة، خصوصاً من جهة الرهبان، الذين رفضوا أن تقوم امرأة بإصلاحهم. لا بل اتخذت هذه الخطوة طابع الإضطهاد، إذ إن المناوئين لهذه الحركة الإصلاحية المتشدّدة، توصّلوا إلى حجز تريزا في أحد الأديرة وإلى اختطاف يوحنا الصليب وزجّه في سجن دير طليطلة، ومعاملته أقسى معاملة. وازداد الإضطهاد، مما دفع الكرمليّين الحفاة إلى إقامة إقليم منفصل عن الكرمليّين الملطّفين (العائشين حسب القانون الملطف السهل). وسنة 1586 أصبحوا رهبانيّة لها حكمها الذاتي. وسنة 1593 أصبحوا رهبانيّة مستقلّة تماماً.

رغم الإضطهاد، لم تستسلم تريزا لليأس، بل واصلت الكفاح بعناد وجرأة من أجل متابعة هذه المسيرة الاصلاحية. وأخذت تكتب وتنصح وتوبّخ.

وكتبت إلى الرئيس العام الأب روبير، وإلى الملك فيليب الثاني. كما أنها عكفت على كتابة كتاب روحي نفيس عنوانه "الصرح الداخلي". واستأنفت أسفارها وإصلاحاتها، وقوّة الروح تؤيّدها وتدفعها دوماً إلى تخطّي العقبات... لا، بل كلّما زادت الصعوبات كلّما أمعنت في الصلاة والجلوس ساعاتٍ طوال في حضرة الله، مستمدةً منه العون والسلام واليقين والطمأنينة.

معاني الإصلاح التريزياني.

كما أن الإصلاح البروتستنتي قد أراد له لوتير (1483 – 1546) أن يكون خروجاً عن الكنيسة وتحرّرا من سلطتها، كذلك فإن الإصلاح التريزياني أرادت له تريزا، أن يكون رجوعاً إلى ينابيع الكنيسة الأولى، وتمسّكاً بسلطتها وتقيّداً بتعليمها.

فالإصلاح البروتستنتي سَجّلَ طعنة إلى قلب الكنيسة ووحدتها. والإصلاح الكرملي الذي أرادته تريزا، سجّل في قلب الكنيسة عينها، عملاً رسولياً، يمثّل الخضوع والتجرد والمحبّة والتعلّق الشديد بهذه الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، التي تركها لنا المسيح أمانةً في أعناقنا.

من هنا نفهم أن الإصلاح التريزياني جاء في الإتجاه المعاكس للإصلاح البروتستنتي، إذ إنه رجوع إلى الينابيع الأولى للبشارة وتشبّهٌ بحياة المسيحيين الأوّلين، ودخولٌ من "الباب الضيّق". وهذا كلُه مبنيّ، على الإقتداء بحياة المسيح، حياة الطاعة والخضوع، حياة العزلة والصمت، حياة الرسالة والتبشير والصلاة. وقد جاهدت تريزا طيلة حياتها، وبكلّ قواها، لإنجاح هذا الإصلاح الأصيل، غير مباليةٍ بتعبٍ أو انتكاسةٍ صحيّة. وهي القائلة: "إني أموت لأني لا أموت".

مرضها ووفاتها

إنّ كثرة الأسفار والتأسيسات، والإصلاح والزيارات لجميع الأديرة التي أسّست، والإهتمام بكلّ راهبة وكلّ مبتدئة، والسعي الحثيث لإنجاح إصلاح الكرمليّين، والتقشفات الكثيرة، والصلوات المتواصلة، وقلّة النوم: هذا كلّه تراكم على جسد تلك المرأة الجبّارة، فساءت صحّتُها وَهَزَلَتْ بُنْيَتُها. ورغم كلّ ذلك ورغم سنيّها السبع والستين، انطلقت مجدّداً سنة 1582 لتأسيس دير جديد للراهبات في مدينة بورغس Burgos. فشعرت بالمرض يتآكلها، وبالسفر يضنيها، وبالبرد القارس ينهشها، وبالحمّى تجتاحُها. فما لبثت عندئذٍ أن عادت بعد ثلاثة أشهر إلى مدينة آفيلا، إلى ديرها الأول، دير القديس يوسف، الذي ستختم فيه حياتها...

وفي 30 ايلول 1582 حدث لها نزيفٌ أَلزمها الفراش. فأدركت انها موشكةٌ على الموت. فاستدعت الراهبات وجمعتهنّ حولها وأعطتهن توصياتها الأخيرة. وطلبت الصفح من جميع أخواتها الراهبات في جميع الأديرة. وطلبت المعرّف فاعترفت للمرّة الأخيرة. وبينما الأب أنطونيو يناولها القربان المقدّس صرخت بحرارة قائلة: "ربي وإلهي، ها قد أتت الساعة التي كنتُ أنتظرها بشوق كبير. نعم لقد حان الوقت لكي نرى بعضنا بعضا وجهاً لوجه. لقد حانت الساعة. لنمضِ. لتكن مشيئتك يا رب. يا رب أنا أموت ابنة للكنيسة". وعندما أتمّت هذا، سلّمت روحها لله بهدوء وسلام، يوم 15 تشرين الأول 1582، وهي ابنة سبع وستين سنة...

تعليم تريزا

لقد شقّت تريزا طريقاً جديداً للكمال المسيحي والوصول إلى الله. وهذا الطريق نابعٌ من خبرةٍ واستحضارٍ دائمٍ لله، كما يرتكز على شرحٍ مبسّط للجفاف الداخلي ولليبوسات الروحية التي غالباً ما تساعد على تطهير النفس وتُهيّئُها لعطاءٍ أكملَ وأقوى.

فالحياة عند تريزا ليست جموداً واستسلاما وبِطالة،

الحياة عند تريزا ليست مسيّرة مفروضة ومكتوبة بحروف من بولاد، إنها عكس ذلك، إذ هي تحرّكٌ مستمرّ نحو الأكمل، وعملٌ دؤوبٌ في خدمة الله والقريب، ومواظبةٌ على التأمّل وطلب النور من أبِ الأنوار. وحياة الكمال المسيحي كما جاء في تعليم تريزا ليس إلاّ حوارَ المحبّة المتواصل بين الله والنفس... وعند استحالة الصلاة تكفي عبارة: أنا أحبّك يا يسوع.

وقد عرفت تريزا كيف توفّق تماما بين شطرين في الحياة ضروريين: حياة التأمّل وحياة العمل – صلِّ واعملْ. إنه مبدأ كلّ حياة رهبانيّة...

من هنا برزت تريزا كمعلّمة كبيرة في الحياة الروحية أثّرت أبلغ تأثير على أخواتها الراهبات الكرمليّات، وعلى الرهبان الكرمليّين الحفاة، وعلى مرشديها ومعرّفيها، وعلى جميع الذين عايشوها من إكليريكيين وعلمانيّين وأساقفة، حتى بلغ صيتها جميع أنحاء إسبانيا.

وبعد موتها، تَخَطَّت شهرتها حدود إسبانيا إلى العالم كلّه، خصوصاً بعدما تُرجمت كتاباتها إلى معظم اللغات الأوروبية والشرقية. كما أقدم الآباء الكرمليون في لبنان على ترجمة "أعمالها الكاملة" إلى اللغة العربية، بعد أن أصبحت تلك الكتابات مرجعاً أوّلياً للاّهوتيين والمعلّمين الروحيين، وخصوصاً للمهتمين بالدراسات والحالات الصوفية التي عاشتها شعوب الشرق والغرب، خصوصاً في الهند والصين واليابان. وهذا ما حدا بالبابا بولس السادس إعلانها ملفانةً ومعلّمةً للكنيسة الجامعة في 27 ايلول 1970. وهكذا أصبح لدى الكنيسة ثلاث نساء يحملن لقب معلّمات الكنيسة: تريزا الأفيلية وكاترين السيانية وتريز الطفل يسوع.

واليوم ما زال لتعليم تريزا ولحياتها ولكتاباتها ذلك الإنتشار الواسع، وذلك التأثير العميق في معاصريها، وفي الأجيال اللاّحقة، حتى أيامنا هذه. وقد قال عنها شارل دي فوكو: "إن القديسة تريزا هي من هؤلاء المؤلفين الذين يجعلهم المرء خبزه اليومي...

الكتب التي تأثّرت بها تريزا

كثير من القديسين درس على ذاته أو بالأحرى تعلّم على سراج الأنوار العليا التي تضيء النفس وتنير زواياها المُعْتِمَة. وتريزا غاصت على تلك الحقائق الإنجيلية رغم عدم تخصّصها بأية دراساتٍ عليا... ذلك لأنها تشرّبت القداسة منذ صغرها، بفضل والدين تقيين، وبفضل إقبالها على مطالعة سير القديسين. أجل، لقد طالعت تريزا وتأثرت ببعض الكتب التي تأتي على ذكرها في كتاباتها. نذكر منها في الدرجة الأولى:

الكتاب المقدّس الذي تستشهد به دوماً؛ ورسائل القديس ايرونيموس؛ كتاب "الإقتداء بالمسيح"؛ وكتاب "أخلاقيات" للقديس غريغوريوس، وغيرها.

وطبعاً، المطالعة بالنسبة لتريزا، تعني تحويل ما طالعته إلى عناصر حيّة في حياتها كما تعني ارادة الهضم والصَّهر والتطبيق في الحياة. وقد اقتبست تريزا ما احتوته تلك الكتب من روحانيات تعلّمتها وعاشتها ووضعتها في كتب لكي تصبح لنا طريقاً يقودنا إلى الله.

كتاباتها

تركت لنا تريزا مؤلفات عديدة هي ثمرةُ خبرةٍ روحية غنيّة، أرادت من خلالها أن تعبّر عنها تعبيراً بسيطاً صادقاً وحيّاً. من كتاباتها نذكر:

كتاب "السيرة": الذي يحتوي على سيرة حياتها وقد كتبته بخط يديها سنة 1562 تلبية لأمر الأب غارسيا. وأكملته سنة 1565.

"طريق الكمال": كتاب قيّم جداً. كتبته تريزا سنة 1566 تلبية لإلحاح الأب بانييس الدومينيكي وأعادت كتابته سنة 1576 ليكون نافعا لجميع المسيحيين.

كتاب "التأسيسات". بدأت بكتابته سنة 1574 نزولاً عند طلب الأب ريبالدا، وأنجزته شهرين قبل وفاتها نظراً لأشغالها الكثيرة.

"المنازل": كتبته سنة 1577 واستغرقت ثلاثة أشهر في كتابته وذلك نزولاً عند طلب الأب غراسيان. وهذا الكتاب هو تُحفة من اللاهوت الصوفي. وهو بمثابة خلاصة لتعاليم تريزا الروحية. إنه دروس خِبرة عميقة في التأمّل والحياة الروحية. وهذا الكتاب هو بحق أروع ما خرج من قلبها وما خطّه قلمها.

هناك كتابات أخرى نذكر منها: "الأحاديث الروحية" و"أفكار حول محبّة الله" وكتابات غيرها نثراً وشعراً.

أمّا "رسائلها" فعديدة جداً. وهي موجّهة إلى مختلف الأوساط. وهي إنْ دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على تطلعات تريزا واهتماماتها بالحياة الإنسانية والروحية والمادية وكيفيّة التعاطي مع الأشخاص.

أخيراً، إن الملاحظة التي لا بدّ من قولها هي أن تريزا لم تكتب شيئاً إلاّ بأمر رؤسائها ومرشديها ومعرّفيها.

روحانية تريزا

قلنا إنّ تريزا عاشت روحانية هي نتيجة خبرة روحية حاولت أن تعبّر عنها في كتاباتها، ونلخصها بالأفكار التالية:

الله وحده يكفي: الإنسان الذي يعيش في دوّامة التمزّق والأنانية ويجد نفسه أمام حائط مسدود، إنّما ذلك نتيجة حتمية لولوج هذا الإنسان الخطيئة، وغياب الصلاة عن حياته.

ولكنّ الخطوة الحاسمة الأولى، تقوم على العودة إلى الذات، وتركها تتمركز في الله الذي يستحوذ على النفس، ويمتلك كلّ طاقاتها، فيحرّرها ويضعها في دوّامة حياة إلهية جديدة.

روحانية تريزا تدور بمجملها حول حياة جديدة متجدّدة باستمرار في المسيح:

قال بولس: "لست أنا الحيّ بل المسيح هو الحيّ فيّ". وتريزا اختبرت ذلك وعرفت أن الحياة الجديدة في المسيح لا تقوم إلاّ على نعمة الموت والولادة والقيامة على حياة جديدة، تماماً على مثال المسيح.

الصلاة حديث مع الله: تريزا هي محترفة صلاة. ففي أسفارها وأشغالها كانت تصلّي. وفي سكون الليل كانت تصلي. ومن خلال كتاباتها نستشف أن الصلاة كانت محور حياتها ورفيقة أعمالها ونجاح مشاريعها...

من أقوالها

أَنْ أموتَ، نعم. أن أُهزم أبداً.

لا يُقلقك شيء ولا يُرْهِبُك شيء. فكلّ شيء يزول، الله لا يتغيّر. وهو وحده يكفي.

الصبر ينال كلّ شيء ومن له الله لا يعوزه شيء.

فلتكن رغباتك أن ترى الله، وليكن خوفك أن تخسره، وليكن غمّك عدم امتلاكه، وليكن فرحك بالذي يقودك اليه، عندها فقط تحيا بسلام.

خلاصة

أجل هذه هي تريزا الأفيلية. هذه هي الراهبة الفذّة التي عرفت كيف تملأ حياتها وأيامها من العمل لبناء ملكوت الله على الأرض فتدَفَّق عملُها حبّاً عارماً لله وللكنيسة وللقريب. هذه هي شخصية تلك المرأة "المغرمة بالله" التي حلّقت في سماء الكنيسة، فعاشت بانيةً، مصلحةً، معلّمةً، تحت تأثير الروح والفرح والحرية والعطاء.

وهذا ما حدا باللاهوتي والمؤلف والشاعر الإسباني الأب لويس دي ليون الأغسطيني أن يكتب عنها فيقول:

"انا ما عرفت الأم تريزا ليسوع، ولا رأيتها أثناء حياتها على الأرض. أمّا الآن وهي حيّة في السماء، فإنني أعرفها وأكاد أراها دائماً في صورتين حيّتين تركتهما لنا عن ذاتها هما: بناتُها ومؤلّفاتها".

ونحن أبناء القرن الحادي والعشرين نقف اليوم حيارى أمام هذه الراهبة الجبّارة ونتعرّف إليها من خلال بناتها وأبنائها المنتشرين اليوم في كلّ بقعة من الأرض، يتابعون رسالتها. ونتعرّف إليها أيضاً من خلال مؤلّفاتها، وسيرة حياتها، إذ استطاعت من خلال صلاتها، وتسليمها المطلق لإرادة الله، وثقتها بنفسها وصبرها وفضيلتها وأشغالها وأسفارها وإنشاءاتها أن تقوم بوضع منهجيّة جديدة للرهبانيّة الكرمليّة. وعملها هذا يَعْجَزُ عنه جمهور من الرجال والنساء مجتمعين. فكيف بتريزا تناضل لوحدها! ولكنّها لم تكن لوحدها، بل الروح الكامن في أعماقها كان يُلهمها ويلهبها طيلة مسيرتها، فكانت المرأة والراهبة والرئيسة والمصلحة والمؤلفة والمؤسسة والمعلّمة الصوفية والإنسانة المغرمة بالله وبالكنيسة. وقد قيل عنها بأنّها أعظم امرأة في التاريخ بعد مريم العذراء. إن الله لعجيب حقاً في قديسيه!

اعداد الأب ميشال حداد الكرملي

للاستعلام الاتصال على العنوان الآتي: ndcarmel@yahoo.com

 

الطوباوية فرانسواز دامبواز

B. Françoise d'Amboise

1427-1485

عيدها في 5 تشرين الثاني

 

ولدت فرانسواز سنة 1427 في فرنسا من عائلة عريقة في الحسب والنسب. منذ نعومة أظفارها اقتيدت الى قصر يوحنا الخامس دوق بريطانيا حيث تولّت امر تربيتها زوجته الفاضلة شقيقة ملك فرنسا. برعايتها وإرشادها نجحت فرنسواز نجاحاً باهراً في ممارسة الفضائل حتى انها وهي في الخامسة من عمرها وُجدت أهلاً للدنو من مائدة الخلاص الامر الذي كان نادر الحدوث في ذلك الزمن. ولمّا بلغت فرنسواز الخامسة عشرة من عمرها اقترنت ببطرس ثاني أولاد الدوق يوحنا، دوق مقاطعة بروتانيو Bretagne. وكانت فرنسواز في حياتها الزوجية مثالاً للفضيلة وخاصة الصبروالتواضع. ولقد قاست فرنسواز من قبل زوجها ما قاسته إذ كان يسيء الظن بها فينهال عليها بالشتم والضرب. وأما هي فكانت تحتمل كلّ شيء حبّاً بيسوع المصلوب وتقابل بعلها الشرير بأنواع المجاملة ومظاهر الاحترام والخضوع. فتأثر زوجها في نهاية الأمر من عِظَم فضيلتِها، فعدل عن فعلته السّيئة وتاب الى الله. وأخذ الزوجان يتسابقان في مضمار التقى والفضيلة وتعاهدا حفظ العفة الكاملة او اعتناق الحالة الرهبانيّة في حال وفاة أحدهما. هذا ولما لبس زوجها التاج الدوقي (على اثر وفاة شقيقه البكر) أصبحت فرنسواز ايضاً دوقة وعلا مقامها جداً. فاتخذت من هذه الرفعة وسيلةً لعمل الخير بنوع اوفر وهداية النفوس الى الله بمثلها الصالح. فأبعدت عن قصرها ملاذ العالم الخطرة وأفراحه الملوّثة. وكانت تقضي نصف نهارها في الصلاة ومزاولة أعمال البر ومؤاساة الفقراء البائسين وتلبس المسح وتقهر جسدها وتذلّه بالأصوام والمجالد. كما كانت محتشمة في ملبسها حتى ان المقاطعة بأسرها اتّعظت بمثلها، واقتفت آثارها.

ولما توفّي بعلها الدوق، وهي في الثلاثين من عمرها، حاول ذووها أن يقنعوها بالزواج ثانيةً فلم يفلحوا. فهجرت فرنسواز العالم وهي الاربعين من عمرها ودخلت دير الكرمل. وكان لها لقاءات وأحاديث متعدّدة مع الطوباوي جان سوريت، رئيس الكرمليّين العام، وله الفضل في بلورة دعوتها الرهبانيّة. دخلت أولاً في دير بوندون Bondon، الدير الذي أسسته بذاتها، وانتقلت بعدئذٍ إلى دير نانط Nantes الذي عملت على تأسيسه أيضًا، وأصبحت رئيسة عليه، باذلةً كلّ ما بوسعها في خدمة ورعاية أخواتها الراهبات. فعاشت بقية حياتها ممارسةً شتّى أنواع الفضائل الرهبانيّة. توفّيت سنة 1485 مكررةً على مسامع أخواتها الراهبات كلامها العذب: "هيّا، هيّا. يا أخواتي العزيزات إعمَلنَ على أن يكون الربّ محبوباً فوق كلّ شيء". وبعد وفاتها شرّف الربّ قبرها بشتى العجائب.

الطوباوية جوزيفا نافال خيربس

B. Josefa Naval Girbés

1820-1893

عيدها في 6 تشرين الثاني

 

ولدت جوزيفا نافال خيربس في مقاطعة فالينسيا الإسبانية في 11 كانون الأول 1820. وكرّست ذاتها للرب بنذر العفّة منذ فتوّتها الأولى. وانتهجت طريق الصلاة والفضائل الإنجيلية بحياةٍ من البساطة والمحبّة المتّقدة. كما واظبت على أعمال الرسالة ضمن رعيتها. وجعلت من بيتها مشغلا ومدرسةً للصلاة والتمرّس على الفضائل الإنجيلية، حيث نشأ عدد لا يُستهان به من الشباب مكتسبين حكمة إنسانية وروحيّة على السواء، كانت عضوا ناشطًا في الرهبنة الثالثة لمريم العذراء سيّدة الكرمل، وفي أخوية القديسة تريزا الأفيلية.

أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في 29 أيلول 1988، جاعلا إياها مثالا لأشخاصٍ يعيشون الشهادة الإنجيلية ليس وسط حرم الدير وحسب، إنما وسط العالم ومشاغله.

الطوباوي فرنسيس بالاو إي كير

B. Francesco Palau y Quer

1811-1872

عيده في 7 تشرين الثاني

ولد فرنسيس بالاوّ إيكير في أيتونا من أعمال إسبانيا في 29 كانون الأول 1811. دخل الرهبانيّة الكرمليّة منذ سنة 1832وهو بعمر 21 سنة. سيم كاهنًا سنة 1836، غير أنّ أحداث الحرب الأهلية الإسبانية، أرغمته على الخروج من حرم الدير والعيش في المنفى.

أسّس في برشلونة سنة 1851 "مدرسة الفضيلة"، كنموذج لتدريس التعليم المسيحي. أُلغيت المدرسة وتمّ احتجازه ظلمًا في أيبيزا Ibiza، مدّة ستّ سنوات، حيث عاش الوحدة، وحيث انكبّ على خدمة الكنيسة والغوص في سرّها.

أسّس في بالياري Baleari جمعيّة الإخوة والأخوات الكرمليّات، وعمل واعظًا شعبيًّا وناشراً في كلّ مكان التعبّد لمريم العذراء.

 

 

UNE VISION DE FOI

L’icone du bx. Francisco Palau y Quer

L’icône est une initiation au mystère de la Foi. Elle est ne « mystagogie » en lignes et couleur. Expression privilégiée de la Foi, elle communique ce que l’Eglise touche, voit, entend et comprend du Verbe de vie et des élus qu’Il sanctifie. Toute icône appartient, dès lors, au monde sacramentel.

Vision de Foi qui s’adresse à la Foi, l’icône du Bx. Francisco Palau y Quer a un rôle éminemment « anagogique » : elle « élève vers le haut », vers la Cité future qui est notre Demeure permanente. En cette tension ascensionnelle, propre à la spiritualité carmélitaine, le Bienheureux est notre guide, « l’anagogos » qui nous fait monter à la suite d’Elie sur le char de feu de la Foi, clamant avec St Jean de la Croix :Alto a vida eterna ! »

(Atelier du Carmel- Harissa Liban- Pour toute information)

أعلنه البابا يوحنا بولس الثاني طوباويًا في 24 نيسان 1988، وقدّمه كمثال للراهب الكرملي في أيامنا المعاصرة إذ عرف كيف يجمع ما بين حياة الصلاة والتأمّل، وحياة العمل والرسالة وخدمة الكنيسة والإخوة.

القديس روفائيل كالينوفسكي

St. Raphaël kalinowski

1835-1907

عيده في 19 تشرين الثاني

مَن هو رفائيل Kalinowski؟

ضابط مهندس، وطني وثائر، أسيرٌ ومنفيّ، رجلُ علم وصلاة، مرشد نفوس جائعة وعطشى إلى الله، مصلحُ الكرمل في وطنه بولونيا. جوزيف، واسمه في الرهبانيّة روفائيل، هو واحدٌ من بين تسعة أولاد، نشأ في جوٍّ من البحبوحةِ والرّفاهيّةِ والسعادة. ولا عجب في ذلك، إذ إن الوالد André، قد جعل من بيتِه بيتَ محبةٍ وتقوى وسلام، ممّا تركَ أثراً بعيداً في نفوس أولاده جميعاً، لاسيما في نفس ولده جوزيف الذي عاش وديعاً متواضعاً، مفضلاً الغير على نفسه، محاولاً أن يكون منسيّاً، بعيداً عن الأنظار. ولكنّه فشل في أن يعيش منسيّاً لأنه خُلِقَ ليكون "زعيماً" و"قائداً". والإناء ينضح بما فيه، والوردة لا تستطيع أن تُخفيَ عطرها.

ولد جوزيف سنة 1835 في Vilnious عاصمة ليتوانيا الحالية، في عائلة نبيلة من العائلات البولونية. والدُه أندريه، استاذُ الرياضيات في معهدٍ للنبلاء في العاصمة. والدته جوزفين التي لم يتعرّف إليها الطفل جوزيف، لأنها توفّيت بعد ولادته بشهرين. تزوج والده مرة ثانية من سلفته فكتوريا التي ربّت جوزيف ورعته، ولكنّها توفّيت هي أيضاً وجوزيف في التاسعة من عمره. لقد تركت شريك حياتها وتركت خمسة أطفال في رقبته (اثنان من زواجه الأول وثلاثة من زواجه الثاني) وكيف السبيلُ إلى تربيتهم وإعالتهم! لهذا عزم على الزواج للمرة الثالثة من صوفيا التي يدعوها جوزيف "ماما"، وله من العمرِ تسعُ سنين، ولها من المقدرة على تربية تسعةِ أولادٍ، تمحضهم المحبّة والرعاية، محوّلة بيتها إلى مدرسةٍ للتربية المسيحية والتنشئة الوطنية...

بهذا العمر دخل جوزيف إلى معهدِ النبلاء حيث كان والده أستاذاً ثم ناظراً فمديراً. وقد تميّز بحدّة ذكائه وبمثله الطيّب، كما كان مجلاًّ في دروسه وحائزاً على جوائزَ عدة. وفي نهاية تلك المرحلة، حصل على الميدالية الذهبية وحُفر اسمه على رخامةٍ في المعهد، تخليداً لذكره.

ضابط مهندس وثائر:

إن عائلة كالينوفسكي Kalinowski قد تميّزت بحبّها للعلم والدين والوطن. وها هو جوزيف شابٌ وله من العمر سبع عشرة سنة، يدخلُ إلى مدرسةِ الهندسةِ العسكرية، حيث أتمّ دروسه وتخرّج برتبة ضابط. ولكنّه ما لبث أن اقتنع أن مكانه، لا ولن يكون في جيش "التساري" الـ"Tzary"، هذا الجيش الذي يضطهد الكنيسة الكاثوليكية ويحتقر البولونيين ويسفك دماءهم! أليس حريًّا به أن يثور على المستعمر والمحتل والمتسلّط! ولكنّ، ما العمل والبولونيون ضعفاء، غير مسلحين وجيش التساري الTzary قويّ مدججٌ بالسلاح!! "لا! لن أقف مكتوف الأيدي أمام مذلّة شعبي! فالقضية الوطنية هي قضيتي في الدرجة الأولى"... وهكذا التحق جوزيف بالثوار، وما لبث، لشدة حماسته وتفانيه، أن أصبح وزير الحرب عن منطقة Vilnious العاصمة.

لم يكن الضابط جوزيف، مقتنعاً بجدوى الإنتفاضة والوقوف في وجه المحتل. فالجيش الروسيّ أقوى بكثير، وإمكاناتُ البولونيين الدفاعية ضئيلةٌ وشبهُ معدومة. ولكنّ التخاذل والتراجع والاستسلام، كان أشدَّ وطأة عليهم من الصمود والمجابهة... والحال، فإنَّ جيش الTzar ما عتّم أن انقضَّ على العاصمة فيلنيوس بكلّ قواه، حيث حوّل الأديار إلى سجون، وأوقف أسقف العاصمة، وحكم بالإعدام على ثمانية عشرَ ثورياً، وأرسل العديد من سكان القرى إلى المنفى في سيبيريا أرض الجليد وتجميد العروق. وتعقّب جيش الTzar جوزيف، إلى أن قبض عليه وأودعه مؤقتاً في دير الدومينيكان الذي حُوّل إلى سجن، والتهمة الموجهة إليه خطيرة جداً: "أنتَ الذي كنتَ ضابطاً في جيشنا التساري، تنقلب لتصبح وزير حرب ضدّنا! إنها جريمة وخيانة!" لذا حكمتْ عليه المحكمة العسكرية بالإعدام! ولكنّ الضغوط الشديدة من عائلته، والإحترامَ والنبلَ الذي كان يتمتع به: كلّ هذا عمل على تبديل الحكم من الإعدام إلى عشر سنواتٍ من الأشغال الشاقة في سيبيريا.

في الطريق إلى سيبيريا:

ها هو بين صفوف المنفيّين الطويلة. تسعة أشهر من الأسفار والتنقّلات والعذاب: في القطارات البدائية، في الزوارق، في العربات، سيراً على الأقدام، في الوحل والجليد. ولا تسل عن الحُرمان من الراحة، من الأكل والشبع، من الأدوية، من الإستحمام، من النوم المريح، من لقاء المعارف والأصحاب... إنه لمن العسير وصف مراحل تلك الطريق إلى المنفى... وكم من الرفاق سقطوا صرعى في الطريق ! والذين وصلوا أحياء إلى مكان التجمع الأول في Perm، ربما وصلوا ليُدفنوا بعشرات الألوف في الصحراء السيبيرية، بعيداً عن أرض الوطن.

أمّا جوزيف كالينوفسكي فقد كان وسط هذا الجحيم من العذاب والموت، تماماً كالملاك روفائيل الذي أرسله الله يوماً إلى طوبيا، فرافقه في سفرٍ مليءٍ بالأخطار والأمراض... هكذا كان جوزيف الرفيق والصديق، باعثاً في نفوس الجميع ابتسامة الأمل والجَلَدِ والرجاء. يحيا إيمانه بصلابةٍ، مؤمناً أنَّ الله هو ربُّ الحياة والموت، والمنقذ من الأسر. وكان قد اصطحب معه كتاب الإنجيل، وكتاب الإقتداء بالمسيح، والصليب: أشياءُ ثلاثة، يستلهم منها القوّة والشجاعة والصبر وتحمّل العذاب... كان ذلك في 29 حزيران 1864 حيث بدأت مسيرة الجلجلة. ونقرأ في مذكراته ما يلي: "في عيد الرسولين بطرس وبولس، وعند الظهيرة، بدأت مسيرتنا نحو محطة السكك الحديدية حيث كدّسونا فوق بعضنا البعض. ولما انطلق القطار، كان الشعب الطيّب يرش الزهور على نوافذ القطار كما يرشونها على القبور يوم تذكار الموتى".

دامت المسيرةُ عشرة أشهر، قطعوا خلالها ثمانية آلاف كلم، حتى وصلوا إلى قرية Usolé الفقيرة، مكان الإعتقال والموت. وكان عليهم ان يعملوا بمناخ جليدي تصل درجة البرودة فيه ما بين 30 و 45 تحت الصفر... طبعاً، في الطريق وفي المعتقل مات عشرات الآلاف من البولونيين الأبرياء.

وقد احتمل جوزيف العذاب والبرد والعوز، كما كان لجميع المنفيين مثلاً في الشجاعة والصبر والإحتمال. يقول في مذكراته:"ما كان لديَّ سوى الصلاة أرفعها لربي. فمن المستحيل أن أصوم، ولا أقوى على العمل. تبقى لي الصلاةُ واحتمالُ العذاب. ما حصلت على كنوزٍ اثمن من هذه، كما ولا أريد كنوزاً سواها". عشرُ سنوات قضاها كالينوفسكي في المنفى ولم تَخُرْ عزيمته، ولم يَضْعُفْ إيمانُه. وها هي ساعة الفرج تُطلُ عليه من فوق إِثرَ عفوٍ صدر عن بعض المعتقلين، وبينهم جوزيف.

العودة من المنفى، والطريق إلى الكرمل:

عاد جوزيف من المنفى وتسلّم وظيفة تربويّة ألا وهي تثقيف وتربية الأمير الشاب August Tsartoriski. فرافقه في أسفاره حتى إلى أوروبا، وعلّمه وخدمه أيضاً. لأنّ هذا الأخير أصيب بمرض السل. ووظيفته هذه، كانت الطريق الذي قاده إلى الكرمل. فقد تعرّف إلى راهبة كرمليّة هي عمّة للأمير الشاب August. تعرّف إليها في دير كراكوفيا سنة 1857، وكان هذا اللقاء حاسماً... فقد أمضت تلك الراهبة سنواتٍ تصلي من أجل أن ينتعش الكرمل في بولونيا، وأن ينهض من كبوته، بعد أن أغلق جيش التسار Tzar عدداً كبيراً من الأديار، وتضاءل عدد الرهبان والراهبات! وكما وجدت تريزا الأفيلية في يوحنا الصليب الكاهنَ المساعد والمصلحَ المطلوب، كذلك وجدت هذه الراهبة في جوزيف، الرجلَ المناسب لإنعاش الكرمل البولوني.

وهكذا أيضاً انفتحت أمام المعلّم وتلميذه أوغست August، آفاق جديدة. فها هو الأمير August يدخل في رهبانيّة القديس يوحنا بوسكو "السالزيان" (1887) حيث توفّي سنة 1893، وتعترف به الكنيسة "خادماً لله" "Serviteur de Dieu". أمّا جوزيف فبدأ يختمر في نفسه مشروعٌ جديد: تكريسُ الذات نهائياً للربّ، في حياة كهنوتية رهبانيّة. كان ذلك جوابُه بفضل صلاة تلك الراهبة... وقد كتب جوزيف في رسالة إلى ذويه يقول فيها: "منذ سنة، ومن خلف مشبّك الكرمل، كنتُ أسمعُ نداءً يشبه الصدى البعيد، ما لبث أن أصبح صوتاً جلياً، فتلقيته كنداءٍ شافٍ آتٍ من رحمة الله الواسعة! ولم يكن بوسعي إلاّ أن أردد: سأترنم بمراحم الربّ إلى الأبد، ولم يبق لي سوى طلب الرضى منكم"...

الإبتداء والكهنوت:

سنة 1877 إتشح جوزيف بثوب الكرمل وأصبح إسمه الأخ رفائيل للقديس يوسف... هذا المبتدىء له من العمر 42 عاماً. وقد كتب في هذه المناسبة إلى ذويه في فيلنيوس يقول لهم: "تبارك الربّ الذي وضعني تحت السقف المضياف لإخوة مريم، فها أنا منذ اليوم لم يبق لي سوى عملٍ واحد: أن أكرّس ذاتي ليسوع، وألاّ أبتعد عنه أبداً".

وبالفعل فقد أمضى الأخ رفائيل سنةً من الصمت والهدوء والصلاة، واظب خلالها على مطالعة كتابات تريزا الأفيلية ويوحنا الصليب. وفي نهايتها نذر نذوره الرهبانيّة. وأُرسل إلى دير غييور Gyôr في هنغاريا لمتابعة دروس الفلسفة واللاهوت، عاد بعدها إلى الدير الوحيد، الذي لا يزال مفتوحاً في بولونيا، والقريب من كراكوفيا، دير تشيرنا Tzerna.

وسنة 1882، سيم كاهناً وله من العمر 46 عاماً ثم ما لبث أن عُيّن رئيساً على دير تسرينا Tzerna، ومستشاراً إقليمياُ، ومن ثم مؤسّساً ورئيساً لدير فادوفيتش Vadovitch.

لقد كان قائداً حربياً وها هو اليوم يصبح قائداً روحياً ممتلئاً غيرة واندفاعاً...

ملامح شخصيته الروحية:

وُصف رفائيل بأنه مثالُ المتصوّف المستغرق في التأمّل والصلاة.  هذا لا يعني أن رجلَ الصلاة والتأمّل يجبُ أن يظلَّ قابعاً في غرفته أو وراء مكتبه، بل عليه واجبُ الإنطلاق أيضاً إلى إخوته الناس واعظاً راشداً هادياً. وهذه من مواصفات الرسول الحق. فما يجنيه بصلاته من الربّ، يوزّعه كنوزاً إلى إخوته البشر. بهذه الذهنية عاش رفائيل، ليس فقط عندما دخل الدير، بل وفي منفاه في سيبيريا، كما رأينا آنفاً... فقد تميّز بغيرته على إرشاد النفوس والعملِ على إرجاع الخطأة إلى التوبة.

وقد اتخذ من كرسيّ الإعتراف منذ سيامته وحتى وفاته، مكاناً مفضّلاً لعمله الرسولي، يُمضي فيه ساعاتٍ طوال، منصتاً، مؤنّباً، ناصحاً عدداً كبيراً من النفوس، واضعاً إياها على طريق القداسة... وقد وهبه الله نعمةً استطاع بها أن يردّ إلى التوبة حتى أولئك الناس المتحجري القلوب... وقد يبدأ الناس بالتهافت على كرسيّ الإعتراف حيث الأب رفائيل، منذ ساعات الصباح الأولى، سعياً وراء سرّ المصالحة والولادة على حياة جديدة من مراحم الله الغزيرة. فالتوبة النصوح يقول رفائيل، تطهّر النفس وتشفيها وتقوّيها وتجمّلها.

وفي مجال آخر فتح رفائيل بيتاً في Vadovitch لإستقبال الدعوات الرهبانيّة، فزاد عدد الدعوات وازدهرت الرهبانيّة الكرمليّة في الإقليم البولوني، إذ ضخّ فيه دماً جديداً.

وعن تعبّده لمريم العذراء، فحدّث ولا حرج. فقد كان مغرماً بالحديث عنها والصلاة إليها وقد اتخذ شعاراً له يقول: "مريم، دائماً وفي كلّ شيء"...

وبما أننا في صدد الحديث عن ملامح من شخصيته الروحية، وَجَبَ أن ننوه كمْ كان رفائيل منذ نعومة أظفاره يحنُّ إلى رؤية جميع المسيحيين مجتمعين في كنيسة واحدة: معمودية واحدة، ايمان واحد، اسرار واحدة، تجمعهم محبّة واحدة ليسوع المسيح فتتحقق إرادة المسيح فيهم! وبوسعنا اختصار شخصية رفائيل بأربع نقاط رئيسية:

كرسي الإعتراف؛ الإهتمام بالدعوات الجديدة وإصلاح الرهبانيّة التي تضعف إبّان الحروب؛ تعبّده لمريم العذراء؛ وعمله على وحدة المسيحيين...

مرضه الأخير وموت قديس:

إنه خريف سنة 1907. رفائيل رئيس دير Vadovitch قد أنهكه العمل والمرض. وقد عانى في الأشهر الأخيرة الكثير من الأوجاع المبرّحة. وقد كتب إلى راهب كبوشي من أصدقائه ما يلي: "غداً الثاني من تشرين الثاني هو تذكار جميع الموتى المؤمنين، وأنا لمّا كنتُ فتىً حلمت أني سأموت في ذلك اليوم، سواءَ متُّ غداً أم لم أمت، فالإعتراف شيءٌ حسن لديّ... أسلم عليك من كلّ قلبي وأطلب منك أن تصلّي على نيتي مزمور: "من الأعماق صرختُ إليك يا رب".

توفّي في 15 تشرين الثاني، وتقيم الرهبانيّة الكرمليّة في هذا اليوم تذكاراً للإخوة والأخوات من أبنائها الكرمليّين الراقدين، طالبة من الآب السماوي ان يجمعهم مع القديسة مريم وسائر القديسين في أورشليم السماوية... وما إن شاع نبأ وفاته حتى تقاطرت الجماهير من كلّ حدب وصوب إلى الدير لوداع هذا الراعي الحق. كما انهالت البرقيات على العائلة الكرمليّة معبّرة عن تقديرها ومحبّتها وخسارتها لهذا الراهب الكرملي المثالي... وقد جاء في برقيةِ رئيس أساقفة Lvov: "إنّ وفاة الأب المحترم رفائيل للقديس يوسف، تركت عند الجميع أسىً بالغاً. ولكنّ عزاءَنا كبير أن يُحصى في عداد القديسين وأملنا يقوّينا إذ أصبح لنا شفيعاً عند الله".

شهادة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني:

سنة 1920 وبعد 13 سنة من وفاة رفائيل كالينوفسكي، ولد في فادوفيتش Vadovitch "كارول ووتيلا" الذي أصبح قداسة البابا يوحنا بولس الثاني... وقد عبّر البابا سنة 1980 عندما وقّع على مرسوم يشيد بفضائل الأب وفائيل البطولية، راحَ يُذَكّر بالروابط الروحية التي تشدّه إلى خادم الله، الذي توفّي في مدينته مسقِط رأسه. وقد أخبره والداه ومواطنوه، لمّا كان صغيراً، عن قداسة هذا الكرملي البولوني... وكرئيس أساقفةٍ لكراكوفيا، كان يأتي على ذكر ابن مدينته رفائيل، ويصلّي من أجل إعلان قداسته. ولم يكن يتصوّر آنذاك أنه سيكون هو نفسه البابا الذي سيرفعه إلى مجد المذابح... "لقد شاءت العناية الربّانية، - يقول البابا -، أن أكون أنا من سيطوّب خادمَ الربّ الكبير هذا في كراكوفيا بالذات.

وقد أجرى الله بشفاعة رفائيل كالينوفسكي Kalinouski أعجوبة باهرة أثبتها الأطباء واللاهوتيون والمستشارون والأساقفة والكرادلة المولجين تقصّي الحقائق وذوو الطفل الكسندر رومان Alexandre Roman الذي تعرّض لحادثٍ لا مجال للشفاء منه إلاّ بأعجوبة، إذ أصيب بصدمة في الجمجمة نتج عنها كسرٌ في العظام وكدمة دماغية واندلاق بعض من المادة الدماغية وحالة خطيرة من الغيبوبة. وقد شُفي بطريقة عجائبية سريعة، تامة وثابتة. وقد حضر الفتى الكسندر بصحبة والدته وذويه احتفال إعلان قداسة من شفاه بأعجوبة.

أخيراً لقد ترك لنا القديس رفائيل مواعظ ورسائل وكتاباتٍ نستشف عبر مطالعتها أنّ كاتبها كان رجل الله حقاً في حديثه ومواقفه، في منفاه وعذاباته، في غيرته وتضحياته، في صلاته وامّحائه، في حياته العلمانية والرهبانيّة.

الخاتمة:

تلك كانت لمحة سريعة عن ضابط في الجيش، عن وطنيّ ومنفيّ، عن رجل علم وصلاة، عن مرشدٍ للنفوس ومصلح للكرمل البولوني، عن شخصٍ رفعته الكنيسة إلى مجد المذابح في 17 تشرين الثاني 1991 وقد عرف كيف يعيش ليصبح قديساً.

وها هو رفائيل الذي ظنناه من الماضي يُطلُّ علينا اليوم في لبنان والشرق ليذكّرنا أنه من معاصرينا، في الجهاد والنضال، في الخدمة والمحبّة والتضحية. لقد أضحى لنا قدوة وشفيعاً لنصل إلى القداسة كما وصل إليها رفائيل Kalinowski

الطوباويان ديونيسيوس للميلاد وريدنتوس للصليب

B. Denis et Redempt

+1638

عيدهما في 29 تشرين الثاني

 

ولد ديونيسيوس في هونفلور Honfleur –فرنسا، في 12 كانون الأول 1600. كوزموغرافي، عمل بحّارًا وقبطانًا في الخامسة والثلاثين من عمره. وفي سنة 1635، دخل الكرمل في غووا Goa (الهند) وتميّز بانكبابه على حياة الصلاة والتأمّل. إختير كمرشدٍ ومترجمٍ، ليرافق بعثة برتغالية ذاهبة لمقابلة السلطان في سوماترا. وصحبه كرملي آخر برتغالي الجنسية وكان جنديّا سابقًا، وهو الأخ ريدنتوس للصليب. وما إن وصلا إلى تلك البلاد حتى أُلقي القبض عليهما وسجنا. وجرت محاولات لجرّهما إلى نكران إيمانهما بالمسيح. ولمّا عاندا ورفضا، حُكم عليهما بالموت، فسقطا شهيدين، في 29 تشرين الثاني 1638.

أعلنهما طوباويين، قداسة البابا ليون الثالث عشر، في 10 حزيران 1900.

الطوباوي برتلماوس فانتي

B. Bartolemeo Fanti

1428-1495

عيده في 5 كانون الأول

 

ولد برتلماوس في مانتوفا Mantova –إيطاليا، سنة 1428. سيم كاهنًا سنة 1452. أمضى ثلاثًا وثلاثين سنة يخدم كنيسة الكرمليّين في بلدته، فكان أبًا روحيّا ومرشدًا ورئيساً لأخويّة مريم العذراء، التي سنّ لها قانونًا ورسومًا.

إمتاز بحبّه للإفخارستيا. توفّي سنة 1495.

القديسة ماريا مارافيلياس ليسوع

S. Maria Maravillas de Jésus

1891-1974

عيدها في 11 كانون الأول.

 

ولدت ماريا مرافيلياس في مدريد، في 4 تشرين الثاني 1891. دخلت دير ايسكوريال El Escorial  للراهبات الكرمليّات المحصّنات في 12 تشرين الأول 1919. أسّست سنة 1924 ديرًا للكرمليّات في سرّو دي لوس أنخلس Cerro de los Angeles. وتبع هذا التأسيس، تسع تأسيسات أخرى للراهبات المحصّنات في إسبانيا، وواحدة في الهند. كان همّها الكبير إعطاء الأوّلية لحياة التأمّل وتقديم الذات، كما كانت تتحمّس لكلّ ما من شأنه إنّ يمجّد الله ويساعد على خلاص النفوس.

من حرم الدير، كانت تعيش نذر الفقر، فتمدّ يد المساعدة للناس الأكثر فقرًا، كما كانت تقوم بمبادرات رسولية وبأعمال اجتماعية، تحمل في مضامينها محبّة كبيرة للمحتاجين.

ساعدت بشكل خاص الرهبانيّة الكرمليّة والكهنة ومختلف الجمعيات الرهبانيّة.

توفّيت برائحة القداسة في 11 كانون الأول 1974، في دير ألدهوالا La Aldehuela في مدريد، وهو الدير ما قبل الأخير الذي أسّسته.

أعلنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني طوباوية في 10 أيار 1998 في روما، وقديسة في 4 أيار 2003 في مدريد.

القديس يوحنا الصليب

1542-1591

معلم الكنيسة الجامعة

 

عيده في 14 كانون الأول

أهم الأحداث في حياة القديس يوحنا الصليب

1542: 24 حزيران ولد في فونتيبروس  Fontiveros(آفيلا) خوان دي يبس  Juan de Yepesمن غونسالو دي يبس وكتالينا ألفارث.
1544: مات والده إثر مرضٍ أقعده سنتين.
1548: انتقل مع أمه وأخوته إلى أَرِيفَلو.
1551-1562: انتقل إلى مدينا دِل كمبو طلباً للرزق، وعمل ممرِّضاً في أحد المستشفيات.
1562: 24 آب بداية إصلاح كرمل الراهبات في آفيلا.
1559-1563: تابع الدروس الانسانية (الثانوية) في معهد اليسوعيين في مِدينا.
1563: دخل دير الكرمليّين في مِدينا وباشر الابتداء باسم يوحنا للقديس متِّيّا.
1564-1568: تابع الدروس الفلسفية واللاهوتية في جامعة سلمنكا.
1567: سيم كاهناً في سلمنكا. احتفل بقداسه الأول في مدينا خلال الصيف. أيلول: التقى الأم تريزا الآفيلية، مصلحة الكرمل، فربحته الى قضية إصلاح الرهبانيّة الكرمليّة للرجال.
1568: عند إنهاء الدروس في سلمنكا عاد إلى مِدينا. 9 آب : رافق الأم تريزا الآفيلية لتاسيس دير فاليادوليد، حيث ظلّ حتى نهاية شهر أيلول. في شهر تشرين الأول انتقل إلى دورويلو لتهيئة دير الرهبان. 28 تشرين الثاني : تأسيس دير دورويلو، وبداية الاصلاح الكرملي للرجال. فاتخذ اسم يوحنا الصليب: Juan de la Cruz
1568-1571: يوحنا يقوم بوظيفة معلِّم المبتدئين.
1571: 25 كانون الثاني، حضر إلى جانب القديسة تريزا الآفيلية تأسيس دير ألبا دي تورميسAlba de Tormes . نيسان: عيّن رئيساً على معهد ألكالاAlcala  للدروس اللاهوتية، وهذا المعهد هو الأول في فرع الإصلاح.
1572-1577: طلبته تريزا إلى دير التجسد للراهبات اللواتي ما زِلْنَ على النظام القديم.
1577: ليل 3 كانون الأول: خُطِفَ الأب يوحنا وسيقَ إلى توليدو لدى الكرمليّين القدامى، وسُجِنَ تسعة أشهر على أنه ثائر. كتابة القصائد الكبرى في السجن.
1578- آب، هرب يوحنا من سجنه وحضر اجتماع ألمودوفار. تشرين الأول: عُيِّن رئيساً على دير "الجلجلة" في خابين.
1579- 14 حزيران، أسس معهد بإييثا وعُيِّن رئيساً عليه.
1581: آذار عُيِّنَ مدبِّراً ثالثاً للرهبانيّة المُصلحة. تشرين الثاني: زار القديسة تريزا في آفيلا ليُعِدَّ معها تأسيس دير غرناطة.
1582- 20 كانون الثاني، دشَّن دير غرناطةGranada  مع الأخت حنة ليسوع (طوباوية). كانون الثاني: رئيس على دير غرناطة للرهبان.
1583: أيار انتخب من جديد رئيساً على دير غرناطة. تشرين الأول : حضر اجتماع باسترانا وانتخب نائباً اقليمياً لمقاطعة الاندلس.
1584: شرحَ النشيد الروحي صيغة أولى.
1585: صعود جبل الكرمل، الليل المظلم، والشعلة صيغة أولى.
1586: 18 أيار أسس دير قرطبة للرهبان. 12 تشرين الأول: أسس دير لابانويلا للرهبان(خايين). 18 كانون الأول: أسّس دير كارافاكا للرهبان (مُرسيه).
1587: نيسان، انتخب رئيساً على دير غرناطة للمرة الثالثة.
1588: حزيران، حضر الاجتماع العام الأول في مدريد، وانتخب مدبّراً أولا، ومستشاراً في مجلس الشورى، ورئيساً على دير سيغوفيا.
1590: حزيران، حضر الاجتماع العام الثاني.
1591: حزيران، حضر الاجتماع العام الثالث، حيث جُرِّد من جميع مسؤولياته بسبب معارضته لتصرّفات نائب الرئيس العام، الأب نقولا دوريا. 28 أيلول : انتقل، وهو مريض، إلى دير أوبيدا 14 كانون الأول. توفّي في نصف الليل محاطاً بإخوته الرهبان.
1593: أيار، نُقِل جثمانه إلى سيغوفيا حسب نبوءته.
1618: الطبعة الأولى لكتاباته، باستثناء النشيد الروحي.
1622: الطبعة الأولى في باريس لكتابه النشيد الروحي، مترجماً إلى الفرنسية.
1627: الطبعة الأولى لكتاب النشيد الروحي بالقسشتالية الاسبانية.
1675: في 25 كانون الثاني، أعلنه البابا اكلمضس العاشر طوباوياً.
1726: في 27 كانون الثاني، أعلنه البابا بندكتوس الثالث عشر قديساً.
1738: ابتداء الاحتفال بعيده في 24 تشرين الثاني.
1926: 24 آب أعلنه البابا بيوس الحادي عشر "معلّماً للكنيسة جمعاء".
1952: 21 أذار، إعلانه شفيعاً للشعراء الاسبان.
1972: نقل يوم عيده إلى يوم ذكرى وفاته في 14 كانون الأول.
1991: الاحتفال العالمي بالذكرى المئوية الرابعة لوفاته.[2]
 

 

 

"عند الغروب ستُحاسَب على الحب"

القديس يوحنا الصليب

 

مقدمة:

وحدها النفوس الكبيرة تتعشّق تسلّق الجبال، وتستهويها القمم. والقديس يوحنا الصليب هو من تلك النفوس الكبيرة ومن العمالقة الذين حملوا الصليب وصعدوا جبل الجلجلة كما صعدها المسيح، ووصلوا خلفه الى القِمّة. إنّه قدّيس لكلّ العصور وخاصة لعصرنا الذي طغت عليه المادّة... فهو صوفيّ ٌ ومرشدٌٌ ومبشّرٌ وشاعرٌ ومصلوب وقدّيس ومعلّمُ الكنيسة الجامعة.

أجل! لقد عاش في القرن السادس عشر، ولكنّنا بالرغم من ذلك، نخاله من المعاصرين لنا، ذلك لأنّ حياته وتعاليمه وروحانيّته تظلّ أكبر أمثولة وموعظة لعالمٍ كعالمنا حقّّق المعجزات في التكنولوجيا ووصل الى القمر ولكنّه فَقَدَ بعضاً من نفسه وروحانيّته المسيحيّة الإنجيليّة.

خلاصة تعاليمه:

- أيّها الناس، أيّها المسيحيّون: أنتم خُلقتم لله. لماذا تتلهّون إذاً بالدناءات والمقتنيات ؟ (النشيد الروحيّ39/1).

- وحدها محبّة الصليب تقود الى عرش الله، وعلى هذه المحبّة سوف نُحاسَب عند الغروب.

- وحيث لا محبّة، ضع محبّة، فتلاقي محبّة.

عاش يوحنا حياة المحبّة والتضحية، حياة التقشّف والإماتة والتجرّد عن كلّ شيء فعشق الصليب وبه وصل الى القداسة...

حداثته

في بيتٍ فقيرٍ غنيّ بالحبّ الزوجي ّ، وُلِد يوحنا سنة 1542 في بلدة Fontiveros من أعمال إسبانيا. توفّي والده وهو في الثانية من عمره. فشمّرت والدته كاترين عن ساعدَيها، وأخذت تعمل في الحياكة من الصباح حتى المساء، لكي تربح خبز عائلتها بعرق جبينها.

وكان يوحنا الصغير ينظر الى أناملها والى خيوط الكتّان تروح وتجيء وتتشابك، ومنها تعلّم يوحنا أنّ حياتنا على الأرض تُحاك يومًا بعد يوم كنسيج الكتّان، وحين يتمزّق ذاك النسيج، ستحظى النفس برؤية الله وجهًا لوجه.

كان يوحنا في طفولته يحبّ اللهو كسائر الأولاد. وقد ذهب يومًا مع بعض رفاقه للّعب قرب مستنقعٍ، فإذا بقدمِه تزلُّ فيسقط في المستنقع... فيغمره الماء الآسن. فإذا بالرفاق يهرعون لطلب النجدة. وبينما يوحنا لا يزال في المستنقع، إذا به يرى سيّدة جميلة تنحني نحوه وتقول: أيّها الولد الصغير أعطني يدك وأنا أنتشلك من الماء... مدّ يوحنا ذراعيه وما لبث أن أعادهما، إذ كيف سيضع يديه المتّسختين بالوحل في يديّ ملكة السماء الطاهرتين. كلا! فمن الأفضل له أن يغرق.

ومرَّ من هناك احد القرويين الذي مدَّ اليه "مسّاسه" فتعلّق به يوحنا وخرج الى اليابسة.

ولمّا بلغ الثانية عشرة من العمر، أخذ يوحنا يَبرزُ بين الطلا ّب كتلميذٍ له عقلٌ رشيد وعينان ذكيّتان.

وفي سنّ الرابعة عشرة عمل ممرّضًا في إحدى المستشفيات، فكان يقوم بهذا العمل بكلّ محبّة وتضحية. يتفقّد غرف المستشفى، مسرعًا الى حيث يتعالى أنين المرضى وحشرجة المنازعين. فكان يغسل القروح الكريهة والجروح المعفّنة بكلّ غيرةٍ وحماسةٍ ومحبّة... وما كان يربحه من عمله كممرّض، كان يُنفقه على دراسته. فدرس الفلسفة عند الآباء اليسوعيين، وغالبًا ما اضطرّ الى دراستها في الليل على لهب شمعة...

يوحنا الراهب

كان قلب يوحنا يصبو دائمًا الى فوق، الى الله. فلماذا لا يترك كلّ شيء في سبيل محبّته وخدمته ! لماذا لا يترك ذاته برمّتها بين يديه !

ألم يقل المسيح: مَن أراد أن يتبعني فليزهد بنفسه ويحمل صليبه كلَّ يومٍ ويتبعني... ناداه المسيح فلبّى يوحنا النداء. وهذه هي الدعوة. ولربما يسأل أحدنا وأيّ فائدةٍ من شابٍ ينزوي في دير مقفل ! أليس من الأفضل أن يتابع عمله كممرّض مثلاً، ويتجنّد طيلة حياته لأعمال الرحمة!

الجواب هو أنّ لكلّ انسان طريقاً ودعوة... ولكلّ انسان أعطى الربّ عددا ٌ من الوزنات عليه استثمارها.

فإنّ الله كان يدعو يوحنا الى قمّة الجبل، ولبلوغ القمّة، كان عليه السير حثيثٌا في طرقاتٍ وعرةٍ وتضحياتٍ جسيمةٍ وتجرّدٍ مُضنٍ ومُكلف. فإمّا الحصول على كلّ شيء أي الله، وإمّا اللا شيء.

"وهل من المعقول مِمَّن يريد أن يتسلّق جبلاً شامخًا أن يُبحر وراءه مركبة ً ثقيلة ً مكدّسة ً بالأحمال"!!! يسأل يوحنا. ويوحنا هذا، عندما قرع باب الدير، لم يكن له مطمعٌ آخر إلا َّ السير َ والصعودَ في تلك الطريق العارية والوعرة، الشبيهة بطريق الجلجلة، حاملاً على مثال معلّمه، الصليب. فالصليب وحده يقوّي ويُوصل الى قمّة الكمال. فتوكّأ عليه يوحنا ومشى. وغالبًا ما رزح تحت الصليب على مثال معلّمه.

دخل يوحنا الدير، ففُوجىء بسهولة العيش فيه: فالقوانين سهلة وخفيفة. والرهبان يعيشون حياةالرخاء والإكتفاء: مآكل، اجتماعات، زيارات... وبكلمة مختصرة، حياتهم تُشبه حياة َ أيّ مسيحيٍّ تقيٍّ. وكلّ ما يميّزهم عن غيرهم هي حياة البتوليّة...

فأخذ يوحنا يتساءل في نفسه تماماً كما تساءلت من قبله تريزا الأفيلية: أين التجرّد في الحياة الرهبانيّة، أين الإماتة والتواضع، أين التفرّغ المُطلَق لله والصلاة، أين الفقر الرهباني ّ !!!

إنّ حياة ً كهذه لم تكن لتُشبعَ ظمأه الشديد الى حياة الكمال وحمل الصليب... لذلك أخذ يمارس وهو في الدير، حياة الشدّة، متّبعًا القانون الرهبانيّ المتشدّد، الذي لم يكن الرهبان يمارسونه نظراً الى صعوبات كثيرة، ونظراً لانتشار الأوبئة وتسرّب عاداتٍ دنيويّةٍ كثيرةٍ الى الأديار، فأثّرت فيها كما يؤثّر التآكل في الصخور الجبليّة. او كما ينخر الماء في الصخور العاتية.

وبدأ يوحنا يدرس اللاهوت لمدة أربع سنوات في جامعة  سلمنكا Salamanca. وكان من المتفوّقين. وترقّى بعدها الى درجة الكهنوت سنة 1567.

تريزا ويوحنا: التحوّل الكبير- الإصلاح

وحدث ان التقت تريزا الكبيرة بيوحنا. وكانت قد عملت منذ سنوات على إصلاح الكرمليّات وأعربت له عن تصميمها على إصلاح حياة الرهبان الكرمليّين ايضًا. واثناء الحديث، اكتشفت تريزا أنّها وجدت في يوحنا حجر الزاوية في عمليّة الإصلاح هذه.

إنّه الراهب المطلوب الذي سيقوم بهذا العمل. فهو يتمتّع بذكاءٍ حاد، ونظرة نقيّة، وصفاءِ نفس، وثبات عزيمة. كيف لا وقد عانت الكثير من اجل الإصلاح، وما زالت تعاني. ويوحنا سوف يمرّ بالصعوبات نفسها، لأنّ المعركة التي سوف يخوضها مع إخوته الرهبان، لن تكون سهلة. والصليب الذي سيحمله سيكون ضخمًا وثقيلاً.

وعُيّن يوحنا الكاهن الشاب معلّمًا للمبتدئين من الرهبان الشباب. وكان همّه أن يقود إخوته الشباب في طريقٍ يكون فيها الدرس والصلاة متضامنين. فهم رهبان ودارسون، ولكنّهم رهبان اولاً. وفي الوقت ذاته طلبت منه تريزا ان يأخذ على عاتقه إرشاد الراهبات، فقام بالمهمّة على أكمل وجه. فكان المعرّفَ والمرشدَ والدلا ّل َ الى الله. وقد شهدت بذلك القديسة تريزا نفسها إذ قالت عنه:

« إنّه من غير الممكن ان تتكلم معه عن الله من دون ان يُخطف بالروح في الحال، ويختطفَ معه الآخرين»

هبوب العاصفة واعتقال يوحنا

إنّ حالة الإصلاح الكرمليّ التي سار بها يوحنا وتريزا، أخذت تلقى بعض التوتّر من فئةٍ من الكرمليّين الذين كانوا يفضّلون القوانين الملطّفة والسهلة، وينفرون من كلّ إصلاحٍ ويعارضون كلّ عملٍ تشدّديّ وإصلاحيّ يأتي من هذين الشخصين المزعجين.

وأخذ يوحنا يتابع بصمتٍ وببصيرةٍ نيّرة هبوب العاصفة القادمة. وكما قلنا كان يوحنا قد بدأ حياة ً صارمة ً في الطعام واللباس، وفي ساعتيّ تأمّل عقليّ في اليوم، وفي حياةِ عملٍ وصلاةٍ متواصلين، وفي السكن في منزلٍ خشبيّ فقير، فاعتُبر هذا من قبل بعض الكرمليّين تمرّدٌ لا يجوز التساهل فيه.

وفي احد الأيام، وما إن خيّم الظلام حتى أقبل رجالٌ مسلّحون مع بعض الكرمليّين الرافضين عمليّة الإصلاح هذه، فهجموا على مسكنه الخشبيّ، وألقوا القبض عليه وعلى راهب آخر هو الأب جرمانوس، وساقوهما كمجرمين الى السجن... فما كان من يوحنا إلا َّ ان لزم الصمت واستسلم لهم بكلّ طواعيّة، تمامًا كما حدث يومًا ليسوع في بستان الزيتون...

وبعد ان عصبوا عينيّ الأبوين وقادوهما الى دير طليطلة، حيث أنزلوا بهما القصاص الأول. فجلدوهما جلداً قاسيًا داميًا وبعدئذٍ حبسوا كلاً منهما في غرفةٍ منفردةٍ، وأوصدوا عليهما الأبواب.

مضى شهر على تلك الليلة المشؤومة، وتريزا مشغولة ُ البال بشأن يوحنا: أين هو. فلا خبر عنه ولا إشارة ولا رسالة...

لقد كان في دير طليطلة، في غرفة مظلمة ولن يُفرجوا عنه إلا َّ إذا أقلع عن تجنّده لعمل الإصلاح. وهذا الشيء الوحيد الذي لن يسلّم به الأب يوحنا !...

ولمّا لم ينفع التهديدُ ولا السجن، لجأوا الى الوعود والمغريات، فرفضها كلّها... فإعتُبِر كمتمرّدٍ عاصٍ متعجرف. إذن! فليبقَ في السجن. وإنّه لَباقٍ. وغرفة سجنه أشبه بمستودعٍ. مساحتها ثلاثة أمتار بمترين. لا ينفذ اليها الهواء إلا َّ من طاقة صغيرة في أعلى الحائط. طعامه شبه تافه...

وهو على مثال معلّمه يسوع المسيح، كان يلزم الصمت ولا يفوه بكلمة إلا َّ عندما يُضطرُّ للدفاع عن نفسه، عن أمورٍ زيّفتها الأهواء وشوّهتها الأكاذيب.

وكان يوحنا يعلم أن لا ورد من دون أشواك ولا ربيع من دون شتاء ولا قيامة من دون جلجلة ولا قداسة من دون حمل الصليب وعشقه...

وكما أنّ إخوة يوسف بن يعقوب، لمّا أسلموا أخاهم يوسف الى تجّارٍ اسماعليين، لم يدركوا في الحال أنّهم كانوا أداة ً في يد الله. إذ إنّ ذاك الذي باعوه بخبثٍ ونيّةٍ شريرة سوف يكون هو نفسه المنقذ في أيام القحط، هكذا كان لا بدَّ ليوحنا من أن يدخل في جوف الليل المُظلم، بعدما أعرض عنه اخوته الرهبان، وبعدما صرخ من أعماق ليله: «إلهي! إلهي! لماذا خذلتني؟» وكأنّ الله قد انحاز الى مضايقيه وتركه وحده. فلا يحقّ له إقامة القدّاس ولا الإعتراف ولا التناول. وكأنّه ساقط في حرمٍ كنسيّ.

لم يُسمح له إلا َّ بكتاب الصلاة، فكان رفيق وحدته الموحشة.

ونزولاً عند طلب الأب يوحنا اعطاءه قلمًا وبعض الأوراق، لبّى راهبٌ شابٌ محبٌ يقوم بحراسته، لبّى طلبه وأتحفه سرًّا ببعض الورق والحبر. وفي سجنه المظلم أخذ يوحنا يكتب مقاطعَ وأبياتٍ شعريّةً. فكتب «الليل المظلم» و"النشيد الروحيّ" وهي قصائد روحيّة مصبوغة بالصبغة الإلهيّة والروحانيّة الصوفيّة الإنسانيّة...

النجاة

عزم يوحنا على الفرار من سجنه بعد تردّد وقد مضى على سجنه تسعة أشهرٍ . فَصَنَعَ حبل النجاة من غطائيه بعد شقّهما وفتلهما رابطًا الأطراف بعضها ببعض. ثم حلّ البراغي عن شباك السجن وتدلّى منه ولاذ بالفرار. وتوجّه الى دير الراهبات الكرمليّات المحصّنات، وأخبرهنّ أنّ العذراء سيّدة الكرمل هي التي سمحت له بالفرار، لأنّ أعمالاً عظيمة تنتظره في سبيل الإصلاح...

ويمّم الأب يوحنا شطر الأندلس وبلغ دير الجلجلة حيث رحّب به إخوته الرهبان الذين صمّموا على إتّباع القانون المتشدّد والسير على خطاه والإرتقاء الى قمّة الكمال الشاقّة. (وكما انتشلته العذراء، وهو صغير، من مستنقع Fontiveros، هكذا ايضًا قد نجّته من سجن طليطلة.)

العمل الرسوليّ

أنشأ الكرمليّون المتشدّدون معهداً خاصًأ بهم في مدينة بِيَاثْ Beas، وعيّنوا الأب يوحنا رئيسًا عليه. فغادر دير الجلجلة، دير العزلة والصمت، وبدأ يعمل على خطين متوازيين: حياة تأمّلٍ وصلاةٍ، من جهة، وحياة رسالةٍ ووعظٍ وإرشادٍ، من جهة أخرى.

وعندما سُئل يوحنا عن قدرته على التوفيق بين هذين الخطّين أجاب: « إنّهما مرتبطان معًا أشدّ الإرتباط، لا بل يُصبحان وحدة  لا تتجزّأ. والبرهان أنّ المسيح نفسه اختار وعاش هذا النمط من الحياة على أنّه الأكمل ». وهكذا تلميذ المسيح الحقّ، لا يعمل على أن يذهب وحده الى السماء بل يصطحب معه عدداً من النفوس ايضًا. وعمله هذا ناتج ٌ عن محبّته لله الذي يريد أن يخلص جميع الناس ويصلوا اليه.

وفي هذا الدير كان يوحنا يقوم بجميع الخدمات الشاقّة من كناسةٍ ومسحٍ للأرض وغسلٍ للصحون وعنايةٍ بالمرضى. وهذه الأعمال والتضحيات مصحوبة بصلاته اليوميّة. وكان يوحنا يقدّس نفسه ويسعى الى تقديس نفوس إخوته...

كتاباته

بلغ يوحنا دير غرناطة فاستقبله الإخوة بكلّ ترحابٍ وسرورٍ. وكان قد وطّد العزم على أن يقود كلّ راهبٍ في طريق الروح والإتّحاد بالله. فشرع يوحنا يخط ّ القسم الأكبر من تآليفه الروحيّة الأربعة التي استحقّت له لقب « ملفان الكنيسة الجامعة » فكتب: القصائد والأقوال والحكم والرسائل (الأعمال الصغرى) صعود جبل الكرمل، الليل المُظلم، النشيد الروحيّ، شعلة الحبّ الحيّة.

أمّا «النشيد الروحيّ» فهو نشيد صوفي يشبّه مسيرة المسيحيّ الروحيّة بمغامرة تجعل النفس المجروحة بالحبّ، تبحث عن حبيبها في كلّ مكان، الى أن يتمّ اللقاء بينهما. وهذه هي الخطوبة الروحيّة وبعد الخطوبة يأتي القِران الروحيّ... ومن ثم يُصبح الإتّحاد بالحبيب هو الهدف وهو الغاية والمعنى.

تعبّر كتابات يوحنا عن العمق والتعطّش الى الماء الحيّ الذي قال يسوع عنه للسامريّة: « مَن كان عطشانًا فليأتِ اليَّ » (يوحنا7/27)، فإلى هذا الينبوع دعا يوحنا كلَّ إنسانٍ يبحث عن السعادة...

السلطة الكنسية تُثبّت فرع الرهبان المُصلحين الحُفاة

عُيّن يوحنا نائبًا إقليميًّا على الأندلس، أي مسؤولاً روحيًّا وماديًّا عن جميع الأديار الكرمليّة المنتشرة في الأندلس، سواءً كانت للرهبان او للراهبات... فكان يزور كلّ ديرٍ مهيّئًا لتأسيساتٍ جديدة، محتملاً مشقّات الأسفار في ذلك العصر، في البرد وفي الحرّ.

وفي سنة 1588 تمَّ افتتاح أول مجمع عام للرهبان الحُفاة او المتشدّدين، نالوا على أثره اعترافًا وتثبيتًا لرهبانيّتهم من البابا سكستوس الخامس. فقُسّمت الرهبانيّة الى فرعين: فرع الرهبان المُلطّفين. وفرع الرهبان المُصلحين أو الحُفاة.

وكان على يوحنا أن يقوم بأعمالٍ جديدةٍ شاقّة منها: كيفيّة قبول المبتدئين وكيفيّة النذور وتعيين إقامة الرهبان وانتخاب الرؤساء. وقد كانت صعبة عليه، حتى إنّه صارح يومًا أحد إخوته فقال: « حيثما أتعامل مع الناس أجدني أكثر تعثّراً منه مع بناء دير من الحجارة.

مرضه ووفاته

أمضى يوحنا سنواته الأخيرة في دير منعزل في Penuela، التي هي واحة السلام والطمأنينة والاستراحة اللذيذة، قبيل الأسابيع الأخيرة التي ستسحق الجسد بأشدّ أنواع العذاب حتى تتمّ مشابهته ليسوع المصلوب...

اشتدّت الحمّى على يوحنا وأنهكت قواه، وهو في دير Penuela البعيد عن كلّ وسيلةٍ طبيّة. فاضُطرّ أن يركب حماراً ويذهب الى المدينة للإستشفاء... ولمَّا عاينه الطبيب لأول مرّةٍ ذُهِلَ عندما رأى دمامل خمسة خطيرة في رجله... إذاً لا بدَّ من أن يُجري له على الفور عمليّاتٍ جراحيّةٍ مؤلمةٍ علمًا بأنّ تخدير الأعصاب أي « البنج » لم يكن معروفًا في تلك الأيام. فقاسى يوحنا أشدّ الآلام وخصوصًا ألم الكيّ بحديدٍ محمّى. فكان يقدّم لله ما يتحمّله من عذابٍ، متذكّراً آلام يسوع على الصليب. كما كان يضمّ وهو على فراش الألم، تمثال المصلوب الى صدره.

وعلم يوحنا أنّ ّساعة موته قد أصبحت وشيكة، رغم العلاجات المتواصلة. واشتدّت عليه وطأة الحمّى. فأخذ يردّد المزمور القائل: « فرحتُ بالقائلين لي، الى بيت الربّ أنطلق » !

ومُسِحَ بالزيت المقدّس. وكإبنٍ بارّ للعذراء سيّدة الكرمل، هو الذي حمل ثوبها المبارك طيلة حياته، هتف قائلاً: لتكن مباركة ً السيّدة العذراء التي تشاء أن أغادر هذه الحياة يوم هذا السبت بالذات. عندئذٍ دعا الإخوة الرهبان، وطلب اليهم أن يتلوا معه المزمور: « من الأعماق صرختُ اليك يا ربّ ». ثم المزمور: « إرحمني يا الله كعظيم رحمتك ».  ثم طلب الزاد الأخير. ولمّا أحضروه هتف قائلاً: « من الآن يا ربّ سوف لا أراك بعينيّ الجسد بل وجهًا لوجه ».

وسأل يوحنا كم الساعة فقيل له: قبيل منتصف الليل ـ فقال: « عند منتصف الليل سأكون أتلو صلاة الصبح في السماء بحضرة يسوع المسيح ». ثم هتف قائلاً: يا ربّ في يديك أستودع روحي. وأسلم الروح وكان ذلك في 14 كانون الأول 1591 وله من العمر 49 سنة.

يوحنا الصليب قديس وشفيع ومعلّم

دُفِنَ يوحنا في مدينة "عبيدة" Ubeda. ونُقِلَ جثمانه بعد سنتين الى مدينة Segovia. وسنة 1594 عُقِدَ مجمع رهبانيّ عام أُعلن فيه أنّ يوحنا الصليب هو أولُ راهبٍ كرمليّ حافٍ .

والبابا كليمنضس العاشر أعلنه طوباويًّا سنة 1675.

والبابا بينيدكتس الثالث عشر أعلنه قدّيسًا سنة 1726.

والبابا بيوس الحادي عشر أعلنه معلّمًا للكنيسة جمعاء سنة1926.

والشعراء الإسبان أعلنوه شفيعًا خاصًا بهم سنة1952.

خاتمة

الطوبى لك أيّها القدّيس العظيم يوحنا الصليب، الذي تمثّلت فيك حياة المسيح، فصارت حياتك شبيهة ً بحياته المقدّسة بالأوجاع والآلام والإضطهاد. ولكنّك فزتَ ووصلتَ. فاغتبط الآن بسعادتك الغير متناهية، وأذكرنا بصلاتك وأدعيتك لنحظى يومًا بما حظيتَ به في ملكوت سيّدك. آمين

 

الأب ميشال حداد الكرملي

للاستعلام عن القديس يوحنا لصليب وروحانيته أو عن كتاباته باللغة العربية

الاتصال بالعنوان الآتي: ndcarmel@yahoo.com

الطوباوية مريم للملائكة

B. Marie des Anges

1661-1717

عيدها في 16 كانون الأول

 

مريم للملائكة هي ابنة عمّ القديس لويس دي غونزاغا. ولدت في تورينو في 7 كانون الثاني 1661. دخلت كرمل تورينو في الرابعة عشرة من عمرها. اختبرت ليل الإيمان ومارست تقشّفات قاسية. اشتهرت بصلاتها المستمرّة وبعطفها على الجميع. شديدة التعبّد للقديس يوسف الذي أسّست على اسمه ديرًا في مونكاليري Moncalieri. صارت محجًّا للذين يسألون نعمة الله ومشورة الروح.

أعلنها البابا بيوس التاسع طوباوية في 25 نيسان 1865.



[1] نقلاً عن كتاب السيرة، تريزا الأفيلية، تراث الكرمل ، بيروت 1986
[2] نقلاً عن الأعمال الصغرى يوحنا الصليب، تُراث الكرمل 11