Back to Table of Contents

الجزء الأول:

ـ الفصل الأول : نشأة الشيخ أنطونيوس
ـ الفصل الثاني : زعيم في القبيات وعكار
ـ الفصل الثالث : عمله السياسي
ـ الفصل الرابع : مـواقفه خـلال أزمـة
1985 وحرب السنتين (1975 ـ 1976)
ـ الخاتمة
ـ
المراجع

الجزء الثاني: الوثائق (المنشورة لأول مرة)

الجزء الثالث: شهادات خطية وأقوال عن الشيخ أنطونيوس

القامة... والقيم - الفصل الثاني

زعيم في القبيات وعكار

"عرفته شيخاً للقبيات، وزعيماً مرموقاً من زعماء منطقة عكار، بيته مفتوح أمام كل زائر وطالب مساعدة...".

السفير هنري أبو فاضل

 

" كان ركناً سياسياً على صعيد السياسة في الشمال. وكان مرجعية سياسية أساسية، في القبيات دائماً. ولما كان مرجعية وحيدة، سنة 1958..."

المؤرخ الدكتور فؤاد سلوم

 

الزعامة السياسية التي كان يمارسها اغناطيوس أفندي آلت بالوراثة إلى نجليه الشيخين سليم وانطونيوس. وكانا قد استحقاها عن جدارة، ومارسا السياسة معاً. يعضد احدهما الآخر، على أساس الاحترام الكبير المتبادل والثقة الكبيرة المتبادلة. وهذه العلاقة كانت أحد أسباب نجاحهما في العمل السياسي. وحيث أننا نتناول سيرة حياة الشيخ أنطونيوس، فمن الطبيعي أن يتم التركيز على شخصيته، وسنتكلم عن دور وموقع الشيخ سليم كلما شاركا بالقيام بعمل ما.

إذاً استحق الشيخ أنطونيوس الزعامة عن جدارة بعد أن ظهرت ملامح شخصيته القوية وذكائه وقدراته، في سن مبكرة، وكما ستزيدها الأيام وضوحاً، حيث أضاف إلى مضمون الزعامة أبعاداً جديدة. وكان الشيخ أنطونيوس قد وعى الحياة السياسية على أخبار والده وجده طنوس أفندي، ومن الخبرة العملية التي اكتسبها من وجوده اليومي مع أهله في ما كان يدعى «المنزول»، حيث كانوا يستقبلون ضيوفهم وزوارهم، يناقشون قضايا ومشاكل وشؤون تهم الجميع ـ من خدمات وحاجات الأهالي، إلى علاقاتهم مع بقية الزعماء في القبيات وعندقت والبيرة وعكار العتيقة وعيدمون وشدرا ومشتى حمود، وكل عكار. هذا بالإضافة إلى العلاقات مع القيادات الدينيّة والمسؤولين والموظفين الرسميين... في المنطقة...، وغيرها من المواضيع التي تمس حياة الجميع. وفي فترة لاحقة قرر فتح منزله الخاص للضيوف والزوار وذوي الحاجة، وآزرته في ذلك زوجته السيدة نزها، إذ كانت تشاركه الترحيب وتتولّى تكريم كل من يقصدهم، بما يليق به وبهم. في شهادته في الشيخ انطونيوس كتب السفير هنري أبو فاضل «عرفته شيخاً للقبيات، وزعيماً مرموقاً من زعماء منطقة عكار، بيته مفتوح أمام كل زائر، وطالب مساعدة. تعاونه في حياته زوجة فاضلة لم تكن يوماً تتأفف من استقبال زائر أو طالب عون...»[22].

وفي مقابلة لنا مع العميد المتقاعد فهمي حمدان، الذي كان أحد مسؤولي مجموعة الجيش اللبناني المتواجدة في القبيات عام 1958، بادر إلى الكلام عن دور «الشيخة» التي كانت تساعد الشيخ أنطونيوس وتعاونه. إذ غالباً «ما كان يدعو ضيوفاً إلى العشاء بموعد أو بدونه. ولم نرَ الشيخة تتذمر أبداً، بل كانت تظهر بعد فترة من الوقت، وكأنها كانت مستعدة لأن البيت كان مفتوح ومضياف»[23].

كان الشيخ انطونيوس يحترم كل إنسان، ويبادر إلى السلام على الجميع، ولو كانوا اصغر منه سناً، أو كانوا لا يشاطرونه رأيه وسياسته. كان يحترم حتى خصومه السياسيين، فاكتسب احترام الجميع، لا بل تعاونهم في بعض المناسبات. الشيخ اسكندر غصن، احد خصومه السياسيين السابقين، يقول عنه "أتمنى أن يكون هناك مثله عشرة زعماء على الأقل. أولاً كان ذكياً. ثانياً كان ابن بيت. ثالثاً كان مشغولاَ بالسياسة الصحيحة التي ليس فيها طلعات ونزلات. كان يخدم الجميع وكان عنده حب كبير لصداقاته. حتى خصومه السياسيين كانوا أصدقاءه"[24] وتضيف زوجته السيدة حواء فرنجية التي شاركت في الحديث "إن الشيخ انطونيوس أودم شخص. لأنه صديق جدي. وإذا تكلمت معه تصل إلى نتيجة .. لم أكن اعرفه، إنّما المكتوب يقرأ من عنوانه. الذي عرفته عنه كان من يوسف (الشيخ يوسف سليم غصن) ومن اسكندر (زوجها)، اللذان كانا يقدرانه جداً. كان يوسف يقول لي أن من يضع يده بيد الشيخ انطونيوس يكون محظوظاً. كان يعامل الناس بأسلوب يحبه الجميع...كان مقنعاً في كلامه. وعندما كانوا يتكلمون في عائلتنا (آل فرنجية) عن آل الضاهر كانوا يذكرون الشيخ انطونيوس أولاً[25] ". في أكثر من مناسبة روى الشيخ انطونيوس لنا ولزوّاره ما حصل له مرّة مع خصمه السياسي الشيخ يوسف سليم غصن قائلاً: حضر ذات يوم الأب لوران فارس لزيارتنا أثناء فترة انتخابات، وطلب مقابلتي على حدة، فدخلنا إلى الصالون، حيث جلسنا معاً. بعدها قال لي الأب لوران إنّ الشيخ يوسف يهديك السلام، وقد أرسل لك هذه الصورة. فتناولها منه وتطلعت إلى صاحبها ثم قلبتها لأرى ما هو مكتوب على ظهرها، فعرفت أنها موقّعة مني وان خطأ قد حصل، إذ سجلت أسماً غير أسم صاحب الصورة. وفوراً رديتها له دون أن اذكر شيئاً. وإزاء تعجبه وسؤاله عن عدم اهتمامي بهذا الموضوع، رديت بسرعة "لو كان الشيخ يوسف يريد الأذى لما أرسلها لي". وهذه الحادثة يعرفها العديد من أبناء القبيات.

حادثة أخرى نوردها هنا لأنها بالغة الأهمية في نظرنا.في لقاء لنا مع السيد رزق الله حنا، أحد مؤيدي الشيخ يوسف سليم غصن، والذي كان يرافقه في زياراته للشيخ انطونيوس، قال لنا "أثناء ثورة 1958 تسربت أخبار إلى الشيخ يوسف أن الثوار كانوا سيهاجمون القبيات، وأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا زعماء القبيات، وخاصة الشيخ انطونيوس، كرهائن، لتقوية مواقعهم قبل الهجوم، والمساومة مع أهالي القبيات على هذا الأساس. فقال لي أن أذهب إلى الشيخ انطونيوس مساء ذلك اليوم وأخبره بما سمعه، وأطلب إليه عدم مغادرة البيت. فذهبت وكان المرحومان مخول عيسى الشدياق ويوسف مارون في زيارته، فنقلت إليه الخبر. وبعد يومين طلب الثوار لقاءً مع مشايخ القبيات، في مكان قرب المطحنة، على طريق حي القطلبة. لكن ذلك اللقاء لم يتم.". وأنهى السيد حنا حديثه بالقول: "كان الاثنان (الشيخان يوسف وانطونيوس) على علاقة جيدة، لكن في السياسة كان كل واحد يذهب في طريقه"[26]، وحيث أن فترة الثورة تلك كانت حبلى بالأحداث الهامّة، نرى من المناسب أن نذكر هنا ما اخبرنا به نائب عكار السابق الصديق عبد الكريم بك القدور عن إحدى مفارقات تلك الفترة. وكان له كما قال لنا، "شرف قيادة الثورة.." روى أن الثوار أوقفوا الشيخ يوسف سليم غصن في المنية بعد أن وجدوا معه كمية كبيرة من المال، كانت مرسلة من أبناء القبيات في الجيش إلى عائلاتهم. وأخذه هؤلاء إلى مكتب عبد الكريم بك في سهل عكار، فأكرم وفادته. وودعه بكل احترام. وفي هذه الأثناء وصل خبر توقيف الشيخ يوسف إلى الشيخ انطونيوس، فكتب لنا على الفور رسالة يستغرب فيها هذا العمل (الذي لم يكن مسؤولاً عنه عبد الكريم بك، وإنمّا المجموعة التي احتجزته) ويعاتبه بأسلوب ذكر الصديق النائب السابق)، كما قال لنا[27]، بقول الشاعر:

"علمتـه رمـي السهام    فلما اشتد ساعده رماني"

وربطته أيضاً علاقة صداقة مع خصمه السياسي الآخر الشيخ فريد عبدو، استمرت حتى وفاته وكان يحرص هو وعائلته على المحافظة على تلك الصداقة، من خلال الزيارات المتبادلة، وخاصة من خلال مشاركتهما في الشؤون الخاصة لكليهما. فمثلاً في صيف كل عام عندما كان يحضر أبناء الشيخ فريد من فنزويلا الشيخين إيليا وراجي، لزيارة لبنان، كان الشيخ انطونيوس وعائلته يذهبون إلى منزل العائلة في حي مرتمورة للسلام عليهم، والاطمئنان عن أحوالهم.

وكان الزعيمان يلتقيان باستمرار، مع أصدقائهما، في مقهى السادة "طنوس وأديب ديب" في ساحة القبيات، كما سنرى لاحقاً. ويوم انتقل الشيخ انطونيوس إلى رحمته تعالى ونقل جثمانه إلى القبيات يوم الاثنين في 6 كانون الأول 1982، كان الشيخ فريد _ رحمه الله _ أول المستقبلين في ساحة القبيات، والحزن بادٍ على وجهه.

في إطار هذه العلاقة الطيبة التي ربطت بين العائلتين، لم نفاجأ أبداً بالموقف الايجابي اللافت الذي يستحق كل ثناء، وشكر الذي اتخذه الشيخ إيليا عندما اتصلنا به هاتفياً في أواخر صيف 1998 وسألناه إذا كان لديهم وثائق وصور عن بعض جوانب العلاقة بين والدينا، فكان جوابه العفوي والفوري انه سيطلب من ابن شقيقه الشيخ أميل أن يضع تحت تصرفنا أوراق المرحوم والده. وهذا ما تم بالفعل. فلهما شكرنا وتقديرنا.

ويقول السيد يوسف الزريبي عن العلاقة بين الشيخ انطونيوس وشقيقه من جهة، وآل عبدو من جهة ثانية "كان هنالك خصومة دائمة بين والدكم وعمكم سليم، وبين آل عبدو. ومرة كان شخص من آل مارون يعمل في منزل الشيخ جواد عبدو في حي الزواريب. وبينما كان يدق البارود في الجرن، انفجر البارود وقتل. وكان والدكم وعمكم في طرابلس، فدعت جدتكم وامرأة عمكم (لم يكن والدكم قد تزوج بعد) المستنطق على الغداء. ولما علم والدكم وعمكم عادوا فوراً إلى القبيات. عندما دخل الشيخان سليم وانطونيوس، قالت الناس في القبيات إنهم سيخربون بيت جواد عبدو. وبعد خروجهم قالوا لهما لقد سنحت الفرصة لترتاحوا منه. فرد الشيخان قائلين الخصومة لا تعني الانتقام. نحن نتخاصم لمصلحة القبيات، وليس لإلحاق الضرر لبعضنا". وعلق السيد الزريبي على تلك الحادثة قائلاً:

"أنا أقدر هذا العمل كثير كثير. إن الشخص الذي لا يضر خصمه تكون نفسه عالية"[28].

من هذه الأمثلة وغيرها، من الطبيعي أن يلاحظ الباحث أن زعماء القبيات الراحلين كانوا بعيدين عن إلحاق الأذى بعضهم ببعض وبالمؤيدين لكل منهم. لا بل كانوا يبادرون إلى المساهمة في حماية بعضهم البعض عندما تستدعي الظروف ذلك.

كان لصيقاً بأبناء منطقته وشاركهم أفراحهم وأتراحهم. وكان يحرص على القيام بواجباته الاجتماعية، خاصة أثناء التعازي بموت أحد أبناء المنطقة. فهو أحب القبيات وأهلها وكان يعتز بانتمائه إليها وبعلاقة المحبة والصداقة التي ربطته بأبنائها. ولم يكن ميالاً لمغادرة القبيات، ولو مؤقتاً، إلا عند الضرورة، وخاصة عندما تستدعي قضايا وحاجات ومشاكل الأهالي منه أن يذهب إلى حلبا وطرابلس وبيروت، لمراجعة المسؤولين المعنيين. وعندما ذهب أولاده لمتابعة دراساتهم الجامعية في العاصمة، في العام 1969، اضطر مرغماً على الانتقال إليها مع عائلته وكان يعود إلى القبيات، في الأعياد وطوال فصل الصيف. وبقي على اتصال دائم بأهلها، أما بزيارة أبناء القبيات القاطنين في بيروت لمنزلة في الأشرفية، وأما بلقاء الذين يزورون العاصمة، في مقهى "الجمهورية" أو "البرازيلية" في ساحة البرج، وأما بالهاتف. لم يكن الشيخ انطونيوس يستسيغ نسق الحياة في بيروت، والتي تختلف إلى حد كبير عن حياة القبيات، من حيث العلاقات الاجتماعية والصداقات، وغيرها: وما خفف عنه وطأة الحياة الجديدة، طبعاً بالإضافة إلى عائلته، وأبناء القبيات بشكل عام، هو وجود أقرباء وأصدقاء له كان يراهم باستمرار وفي مقدمتهم ابن عمه العقيد المتقاعد خليل ضاهر، وصديقه القديم الأستاذ وديع عطيه من بينو..

كان الشيخ انطونيوس يحظى باحترام الزعماء والأهالي على السواء. وكانت كلمته يركن إليها في اتخاذ القرارات التي تمس المصلحة العامة، وفي أكثر من مرّة، كان يكتب بخط يده الاتفاقات بين الزعماء والأهالي أو باسمهم، فيوافقون على مضمونها ويوقعوها، كما تشير العريضة المرفوعة إلى "رئيس وأعضاء مجلس بلدية القبيات" عن موضوع "جر المياه التي يستفيد منها ملاك الأراضي في أحياء "الغربية ومرتمورة والذوق وقسم من الضهر"[29]. والأمثلة الأخرى عديدة، لكننا سنكتفي بمثلين فقط، رواهما لنا السيد يوسف سركيس الزريبي الأول يتعلق بموضوع شق طريق عام القبيات، قائلاً "كان هناك مشروع لشق طريق من البيرة إلى حي مرتمورة وصولاً إلى حي الضهر في حوالي العام 1926. وقد عقد اجتماع في دير الآباء الكرمليين، من أجل هذه الغاية. وعندما علم الشيخ انطونيوس بالأمر، لم يوافق على ذلك. واقترح أن تشق الطريق من الغربية مروراً بمرتمورة، حتى حي الذوق، ومنه إلى الضهر لأنها تكون أفضل كذلك. ويمكن بلدة عيدمون أن تستفيد منها أيضاً، وهذا ما تم بالفعل"[30].

والمثل الثاني يتناول موضوع توزيع المياه بين أحياء القبيات، إذ قال "كانت تحدث مشاكل بين الغربية والذوق والضهر حول توزيع المياه.. وكان والدكم يحل الإشكالات دائماً[31].

قدم الشيخ انطونيوس كل طاقاته العقلية والسياسية والمادية لخدمة أبناء القبيات وعكار. وكان لديه إحساس مرهف بالمسؤولية تجاه من وضعوا ثقتهم، فكان يحرص على حملها بأمانة ودقّة، لذلك كان يبادر إلى مساعدة الأهالي أصحاب الحاجة، على اختلاف فئاتهم. وطوائفهم، مسلمين ومسيحيين وتأمين الخدمات لهم.

 

ماذا كانت تشمل تلك الخدمات؟

طبعاً كانت، بشكل عام، تمس حياة الناس ومشاكلهم اليومية. وكان الكثير منها مرتبط بإيجاد فرص عمل أو وظائف لأبناء المنطقة، في مؤسسات الدولة. وكان يشجع أبناء القبيات والمنطقة على الانخراط في الجيش لايمانه الكبير بدوره الوطني والأمني. والأوفياء لا يزالون يذكرون حتى اليوم مساعدة الشيخ انطونيوس لأنسبائهم، ونذكر منهم مختار عكار العتيقة السيّد محمد المصري وابن بلدته السيد احمد الأسعد. ومما كان مرتبطاً بمشاكل الأهالي اليوميةن نورد حادثة ذكرت لنا في أكثر من مقابلة، وهي تتعلّق بتوقيف مكارية من القبيات في سوريا،  على الأرجح في بداية الأربعينات، وكان هؤلاء ينقلون كميّة من الأخشاب على البغال إلى سوريا فضبطهم رجال الجمارك السوريين وأوقفوهم، وكانوا معظمهم من أحياء ذوق التحتاني وغوايا. فلما علم الشيخ انطونيوس بتوقيفهم، بادر إلى الاتصال بأصدقائه من اجل المساعدة على إطلاقهم. وقد حمل رسالة من صديق له إلى مطران الروم الأرثوذكس في الشام من اجل هذه الغاية، وهذا الأخير كلف نائبه بالذهاب مع الشيخ انطونيوس إلى مكتب الوزير المختص. وفور وصولهما استقبلهما الوزير بالترحاب. ولما لاحظ هذا الأخير أن نائب المطران لم يظهر عليه إمارات الارتياح الكامل قال له: "يا محترم، ارتاح ويللي بدك ياه بيصير. أنت في حضرة تلميذك في الصف الثالث" عندها انشرح صدر الاثنان نائب المطران والشيخ انطونيوس.. ووفى الوزير بوعده وقام بإطلاق أبناء القبيات الموقوفين، وبعد حوالي الأسبوع اصطحبهم الشيخ انطونيوس معه من دمشق إلى القبيات حيث استقبلوا استقبالاً منقطع النظير وتروي لنا الوالدة أن أبناء غوايا ألهبوا جبل الراس ليلتها.

ثمة نوع آخر من الخدمات، ربما يلقي مزيداً من الضوء على شخصية الشيخ انطونيوس. وهذا النوع يكمن في مصالحة الناس المتخاصمين، قبل وصولهم إلى المحكمة،[32] التي كانت موجودة في حلبا، قبل أن يتخذ قرار بتأسيس محكمة في القبيات. كما كان يساهم في تأمين السكن للموظفين من مدنيين كانوا أم عسكريين، في القبيات، كما قال لنا المؤرخ الدكتور فرج زخور[33].

هذه الأعمال أو الخدمات والتي ذكرنا أمثلة قليلة جداً عنها، كان الشيخ أنكونيوس يعتبرها، هي وغيرها، "واجباته" تجاه أهله وإخوانه الأهالي في القبيات وعكار، وهي كانت تعكس القيم والتقاليد اللبنانية والعربية، التي تربى على احترامها والالتزام بها.

وكانت صداقاته ومعرفته بالعديد من المسؤولين والموظفين، على المستويات كافّة، تتيح له أن يحقق رغبته في تقديم المساعدة للناس. ومعارفه وصداقاته كانت تشمل الموظفين، وبعضهم عملوا في القبيات، مروراً ببعض المدراء العامين وطبعاً نواب ووزراء في محافظة الشمال. من الأمثلة المهمة نذكر اتصال الشيخ انطونيوس في العام 1948 بمدير عام وزارة التربية الوطنية السابق المغفور له الأستاذ جورج حيمري، الذي ربطته به علاقة احترام وتقدير، من أجل تعيين الأستاذ انطونيوس سلوم نجل صديقه السيد يوسف مخول سركيس مدرساً في مدرسة عكار العتيقة. وبتاريخ 10 أيار 1948 أصدر الأستاذ حيمري قراراً بتعيينه في المدرسة المذكورة[34].

ولم يكن يتردّد هو وبقية زعماء القبيات في الاتصال برئاسة الجمهورية عندما كانت مصالح وظروف القبيات تستدعي ذلك. وهذا ما حدث فعلاً من خلال زيارة الرئيس فؤاد شهاب قام بها وفد مؤلف من السادة: الشيخ ميشال ضاهر، الشيخ انطونيوس، الشيخ قيصر قسطون، رئيس البلدية الأسبق، الشيخ فريد عبدو، مختار حي الغربية السيد طنسه المطران ومدير مدرسة مرتمورة الأسبق الأستاذ جبرائيل دميان، كما تظهر الصورة المنشورة.

لم يكن يكترث لمال أو رفاه، بل على العكس من ذلك اضطر لبيع قسم كبير من أملاكه في القبيات (مثلاً ارض القجية في الضهر، ودوارة الأعرج قرب عين الست ـ غوايا، والكرم في مرتفعات مرتمورة ـ عيدمون.. وفي كرم شباط)، من أجل الاستمرار في تأمين الخدمات للناس، ومتطلبات العمل السياسي. إنّ العديد من أبناء مدينته يعرفون ذلك، وحتى الذين هم خارجها. فصديقه طلعت بك المحمد، ابن عم الوزير والنائب السابق بشير بك العثمان، أكّد خلال حديثه عن الشيخ انطونيوس انه "باع أملاكه في كرم شباط لخدمة الناس"[35].

تمتع الشيخ انطونيوس بمصداقية في القول والفعل، في علاقاته مع الزعماء والأهالي. وكان يهتم بالعلم والمتعلمين ويتودد إليهم، على أساس احترامه، طبعاً بالإضافة لشخصهم، لعلمهم. وكان يردد أمامنا أنه يسبق المتعلمين فبي إلقاء التحية عليهم، قبل أن يلقوها هم عليه. وكان تصرفه هذا من جملة الأسباب التي حملت الكثير من أصحاب الشهادات، على مبادلته الاحترام والود. والمثل الذي ساقه الدكتور فؤاد سلوم في شهادته[36] عن موقف مدير ثانوية القبيات السابق ورئيس دائرة المعادلات في وزارة الثقافة والتعليم العالي الأستاذ نديم جبور له أهمية خاصة، ويحل محل أمثلة أخرى.

وبالرغم من العلاقات الطيبة، لا بل المتينة، التي كانت تربطه بمعظم زعماء عكار والشمال، لم يكن يوافق، إلا مضطراً، على تدخل الغير في الشؤون الداخلية للقبيات. وقد اتخذ أكثر من مرّة مواقف عملية واضحة وضعته في مواجهة بعض السياسيين.

وفي العام 1934 تشاور هو وشقيقه الشيخ سليم ومؤيديهما، واتفقوا على ترشيح شقيقه لانتخاب رئاسة المجلس البلدي في القبيات، بالتعاون مع بقية المرشحين. وقد انتصروا هم وحلفائهم في تلك المعركة. ونظراً للعلاقات الطيبة التي كانت تربطهم بخصومهم الشيخين جواد عبدو وفريد عبدو ومؤيديهما، قام هؤلاء بزيارتهم للتهنئة، كما روى لنا الشيخ انطونيوس أكثر من مرّة وكما كرّرها لنا أبن شقيقه الشيخ جودت. وفي فترة لاحقة قام هو وشقيقه بزيارة آل عبدو في مرتمورة لتهنئتهم بالفوز في انتخابات البلدية[37].

وتشبّث الشيخ انطونيوس بكرامته وعزة نفسه واستقامته، بالرغم من صعوبة الظروف التي مر بها. وكان يعتز بالمواقف التي اتخذها، والتي تعكس حرصه الكبير على كرامته. نذكر هنا، على سبيل المثال، ما حصل بينه وبين رجل دين كان مسؤولاً في إحدى الرهبنات، عندما كان أبناؤه يدرسون في المدرسة التي تشرف عليها هذه الرهبنة. وكان رجل الدين هذا فظ الطباع. وذات يوم التقى الشيخ انطونيوس صدفة مع هذا الرجل أمام المدرسة، فقال له إنه يود التحدث إليه. فأجاب رجل الدين بشكل جافٍ، فانتفض الشيخ أنطونيوس، وقال له أمام الحضور: "بئس الظروف التي تحملني على الحديث مع شخص مثلك ولولا هذه الظروف، لو قدمت لي الملايين، لما كنت قد ألقيت التحية "على شخص مثلك".

هذا التصرُّف اللائق، وبالتالي تعاون زعماء القبيات ـ رغم خصومتهم السياسية فيما بينهم ـ حملنا في أيار 1998، وبمناسبة انتخابات المجالس البلدية والاختيارية، على الإدلاء بكلمة نشرتها صحيفتا "النهار"[38] و"الديار"[39]، "شددت فيها على أن أهلنا في مدينة القبيات سينهلون من تراث الآباء والأجداد، وذلك بتشبثهم بروح الألفة والتسامح ووحدة المجتمع، خصوصاً في مثل هذه المناسبات، كما تمّ فعلاً في فترة الثلاثينات والأربعينات، ومن خلال تنافسهم الايجابي البنّاء، من اجل الخدمة العامّة".

كان الشيخ انطونيوس في بداية أو منتصف العشرينات من عمره، عندما أصبح مختار أول للقبيات، بعد والده إغناطيوس أفندي. وإحدى الوثائق المتوافرة بين أيدينا والمؤرخة في 21 أيلول 1926 تحملنا على قول ذلك[40]. ولاحقاً في العام 1928، وتحديداً بتاريخ 13 كانون الثاني، أصدرت الحكومة قانوناً دعي "قانون المختارين"، كما تُعلمنا رسالة محافظ الشمال آنذاك، الموجّهة إلى الشيخ انطونيوس بتاريخ 2 نيسان 1928[41]. ونص هذا القانون على انتخاب المختارين والمجالس البلدية التي كان يجب أن يكون عدد أعضائها متلائماً مع عدد سكان القرية، من اثنين على الأقل في القرى التي يزيد عدد سكانها عن 50 نسمة، ومن ستة إذا زاد عددهم عن 1500 نسمة. أما البلدات التي يزيد عدد سكانها عن 3000 نسمة، فقد اعتبر كل حي منها بمثابة قرية، تنطبق عليها نفس الشروط المدوّنة أعلاه. ولم يستفد من أحكام هذه الفقرة في عكار، سوى بلدة القبيات، بحيث قسمت إلى خمسة أحياء، لكل منها مختارها ومجلسها الاختياري. وبناء على أحكام هذا القانون، جرت انتخابات صدّقت من قبل "لجنة تقييد اللوائح الانتخابية في محافظة طرابلس[42]، كما كتب محافظ الشمال آنذاك في رسالته إلى الشيخ انطونيوس بتاريخ 2 نيسان 1928، يعلمه فيها بنتائج الانتخابات[43] وحسب سجل مقررات المجلس البلدي في القبيات 1934 ـ 1938، فإن المخاتير في أحياء القبيات الخمسة في العام 1934، كانوا كما يلي:

ـ حي الأذواق: المختار الشيخ انطونيوس ضاهر.

ويشير الدكتور فرج زخور في هذا الإطار إلى مكانة المختار في المجتمع فيقول أنه "للمختار مقام مرموق بين قومه، نظراً لما أناط به القانون من مهام ومشاغل هامّة، وثيقة الصلة بالحياة اليومية للأهالي[44].

موقع الشيخ انطونيوس كمختار للقبيات ـ الذوق كان قد أضاف إلى مسؤولياته كزعيم في القبيات وعكار، مسؤوليات اخرى محددة منها: مساعدة الأهالي على انجاز معاملاتهم بالسرعة الممكنة، وتقديم المعلومات الحقيقية للجنة المساحة لتتمكن من تحديد أسماء مالكي الأراضي وتثبيتها لأصحابها الحقيقيين، دون أي استغلال لمركزه. وكان مسؤولي هذه اللجنة يقيمون في منزله.

وقد فاز معه أعضاء المجلس الاختياري. وهم، كما وردوا في رسالة المحافظ السادة إبراهيم سركيس قسطون وإبراهيم يوسف الياس وإبراهيم خطار وطنوس عبدو[45].

 

أول زيارة لرئيس جمهورية إلى القبيات

وعندما قرّر رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق الشيخ بشارة الخوري زيارة حلبا والقبيات في 8 تشرين الأول 1945، اختار الشيخ انطونيوس أن يتم الاستقبال في باحة منزل ابن عمه الشيخ انطونيوس مخول ضاهر. وهذا ما حدث بالفعل، مع أن مرجعاً دينياً شمالياً كان له رأي آخر. وساهم الشيخ انطونيوس في تحضير الاستقبال اللائق بمقام رئيس الجمهورية. ولدى وصول الرئيس الخوري إلى القبيات كان في مقدمة المستقبلين. وشجع مؤيديه، والأهالي بشكل عام، على تكريم صديقه الوزير حميد بك فرنجية، الذي كان يرافق الرئيس الخوري في تلك الزيارة. في مذكراته "حقائق لبنانية" كتب الرئيس الأسبق عن زيارته إلى القبيات قائلاً": "ثم مضينا إلى القبيات وقد زحفت الجهات المجاورة كلها للاستقبال، والفرح بادٍ على الوجوه. وأكد لي كبار المستقبلين أنه لم يسبق لهذه المناطق أن زارها الحكام. وتركنا القبيات عند الغروب إلى بيروت"[46].

 

أول زيارة لرئيس وزراء سابق إلى القبيات

في بداية العام 1947 دعا صديق الشيخ انطونيوس الزعيم العكاري محمود بك الخالد المرعبي رئيس الوزراء السابق الزعيم عبد الحميد أفندي كرامي، على الغداء إلى مائدته، في مسقط رأسه بلدة البيرة، جارة القبيّات . وكان محمود بك قد وجه الدعوة لزعماء وأعيان عكار، للمشاركة في المأدبة. وكان من الطبيعي أن يكون الشيخ انطونيوس مدعواً في بيت صديقه الكبير. وفي اليوم المحدد أوعز لسائق البوسطة (كانت تلك وسيلة النقل المتوافرة) آنذاك السيد يوسف إبراهيم (أبو إبراهيم) من بلدة الحميرة، أن يأتي لعنده حوالي الظهر، ليقله إلى البيرة. وهكذا صار. فركب الشيخ انطونيوس البوسطة، وكان لوحده، قرب أبو إبراهيم، وتوجّها معاً إلى منزل صديقه، وكان محاذياً للطريق. وما أن رآه محمود بك، وكان المنزل يعج بالضيوف والمدعوين، حتى نظر إلى عبد الحميد أفندي كرامي وقال له بصوتٍ عال: "يا أبو رشيد، انظر، أن السلطان عبد الحميد كان يأخذ القطار لوحده"، والشيخ أنطونيوس يأخذ البوسطة لوحده، وتقدم لاستقبال الشيخ انطونيوس على مدخل المنزل وسار معه حتى صافح عبد الحميد أفندي، وسائر المدعوين. وبعد قليل فاتح الشيخ أنطونيوس صديقه محمود بك برغبته بدعوة دولة الرئيس كرامي إلى العشاء عنده في القبيات. فسر محمود بك بهذه الفكرة، وقال للشيخ انطونيوس أن يدعوه. ففعل، فرد الرئيس كرامي شاكراً دعوته، ومعتذراً عن عدم تمكنه من تلبيتها، لأنه مرتبط بموعد في طرابلس ذلك المساء فتوجه الزعيم محمود بك الخالد إلى الرئيس كرامي قائلاً: "يا أبو رشيد نتمنى ألا تخجل صديقنا الشيخ انطونيوس". فكان جواب الرئيس كرامي الفوري: "إكراماً لك وله فإننا نود رد الزيارة له الآن، مع انه لم تمضِ على وصوله سوى دقائق، وسنعود بعدها لتناول الغداء"، فعبّر الشيخ انطونيوس عن ترحيبه الكبير بالرئيس كرامي، واستأذن،الجميع ليذهب ويقوم بما يمكن عمله خلال الوقت القليل المتبقًي، قبل وصول أول رئيس وزراء سابق إلى القبيات. وبسرعة لافتة اتصل الشيخ انطونيوس بالكهنة والأهالي، ودعاهم للمشاركة في استقبال الضيف الكبير وصحبه. كما أوعز بدق أجراس الكنائس احتفاءً بهم. ولما وصل الرئيس كرامي أمام المنزل، وسط قرع الأجراس، تقدم الشيخ انطونيوس جموع المستقبلين، والكهنة في الصف الأمامي، ورحب الجميع به ودخلوا معاً. إلى قاعة الاستقبال.

وهناك عاد الشيخ انطونيوس وجدد ترحيبه بالزعيم الكبير وتأييده لمواقفه. وبعد تناول الضيافة، عادوا جميعاً إلى البيرة. وعلى مرأى وسمع المدعوين عبّر الرئيس كرامي عن سروره بتلك الزيارة قائلاً لمحمود بك "إني أهنئك على هذا الصديق".

 

العلاقات مع البلدات المجاورة

نظراً لموقعه وعلاقاته الوثيقة مع زعماء البلدات المجاورة، كلف الشيخ انطونيوس أكثر من مرة من قبل كبار المسؤولين في الدولة بالمشاركة في حل مشاكل عالقة بين القبيات وجيرانها، أو في إعطاء رأيه في قضايا تهم قضاء عكار ككل..

على سبيل المثال نذكر أنه في العام 1956، وبناء على اقتراح محافظة لبنان الشمالي، صدر مرسوم جمهوري رقم 1275 موقّع من رئيس الجمهورية كميل شمعون، ومن رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي، كلّف بموجبه هو والشيخ يوسف نفاع، مختار عندقت، القيام بمعاملات معرفة الحقوق المكتسبة على مياه ينابيع عودين (قضاء عكار) ونبع الجوز (في القبيات/عكار)..." كما نصّ المرسوم[47].

وفي مرحلة لاحقة، أي في العام 1965، كلفته قائمقامية عكار أن يكون عضو لجنة اختيار الشعار الخاص بقضاء عكار[48].

عن هذين المثلين لم يتح لنا الحصول على معلومات وافية تسمح لنا. بالحديث عنهما أكثر مما كتبناه.

ومن ناحية أخرى فإن مسؤوليات موقعه كزعيم في القبيات كانت تفرض عليه أعباءً عدّة،... وحتى الدخول إلى السجن. ففي الأربعينات على الأرجح، قطع أحدهم شريط الهاتف في القبيات. فتحركت أجهزة الدولة المختصة لمعرفة الفاعل، ولكنّها لم تفلح. وبعد فترة قرّر القاضي المسؤول في طرابلس في تلك الفترة توقيف زعماء القبيات، من أجل المساعدة في معرفة هوية الفاعل! وإنفاذاً لذلك القرار أوقف الشيخان انطونيوس ضاهر وجواد عبدو، وبعض الأهالي في السجن عدّة أيام. فوقفت القبيات كلُّها موقف الرافض لهذا القرار. وشاءت الصدف أن يكون الشيخ سليم ضاهر خارج القبيات، فلم تستطع الأجهزة الأمنية إلقاء القبض عليه. ولذلك جند كل صداقاته وعلاقاته من أجل إطلاق الموقوفين، وخاصة شقيقه الشيخ انطونيوس. ولهذه الغاية زار كل من البطريرك الماروني والزعيم حميد فرنجية. وأثناء زيارته لهذا الخير تقدّم الشيخ سليم منه وقبل الجزء الأعلى من ربطة عنقه وقال له "صديقك الشيخ انطونيوس في السجن". هذه الاتصالات، وغيرها التي بذلها الشيخ فريد عبدو وأقربائه، بالإضافة إلى موقف القبيات الرافض كلياً لهذا القرار المستغرب، حمل السلطة المختصة على اتخاذ قرار إخلاء سبيلهم.

لعب الشيخ انطونيوس دوراً سياسياً بارزاً في القبيات وعكار. وقد أفردنا في هذا البحث فصلاً خاصاً تناولنا فيه عمله السياسي. وما نود الإشارة إليه هنا هو انه وشقيقه الشيخ سليم، كانا يدعمان مؤيديهما من المرشّحين لمركز المختار في أحياء القبيات، ولمركز عضوية المجلس البلدي، وقد فازوا هم وحلفائهم في أكثر من معركة. ونذكر على سبيل المثال، ومن فترة الستينات، أنه عندما اجتمعت عائلة آل ضاهر في منزل قريبهم السيد يوسف هاشم ضاهر، قبيل انتخابات المجلس البلدي في العام 1966، للاتفاق على مرشحهم لرئاسة البلدية، تولى الشيخ انطونيوس ترشيح ابن عمه الشيخ طنوس إبراهيم ضاهر. فتمت الموافقة على ترشيحه. وفي أثناء تلك الانتخابات لعب الشيخ أنطونيوس دوراً مهماً في تأمين نجاح لائحة حلفائه، وانتخب الشيخ طنوس رئيساً لبلدية القبيات في ذلك العام، وبقي يمارس مهامه حتى العام 1971.

وبحكم موقع الشيخ انطونيوس السياسي والاجتماعي، كانت بعض الاجتماعات الهامّة تعقد في منزله. نذكر منها الاجتماعات التي عقدت خلال ثورة 1958، وخلال العام 1975. وسوف نتكلم عن هذين الاجتماعين في إطار تناولنا لمواقفه خلال هاتين الفترتين.

وكان الشيخ انطونيوس يحرص كثيراً على استمرار وتنمية العلاقات الجيدة مع البلدات المجاورة للقبيات، أي عندقت وعيدمون وشدرا والمشتى والبيرة وعكار العتيقة، بالإضافة إلى علاقته الجيدة مع آل جعفر. وكان مهتماً بشكل بارز بالعلاقات مع الجارة الأقرب، عندقت، وسهره على المساهمة في تنميتها وإبعاد ما يعكر صفوها. وآمن الشيخ انطونيوس أن العلاقة بين البلدتين عضوية ومصيرية في آن، ولا يمكن أن تنفصم عراها. ولذلك كان حريصاً على التشاور المستمر مع مشايخ عندقت، وعلى دعوتهم لحضور الاجتماعات العامة، التي كانت تعقد أما في منزله، وأما في دير الآباء الكرمليين، أو في أي مكان آخر.

وقد ربطته علاقة صداقة مع مشايخها وأعيانها، ومع راهبات القلبين الأقدسين فيها. من مشايخ عندقت نذكر المشايخ هاني مسعود ويوسف مسعود ووحيد نصار ويوسف نفاع ورشدي فخر وفخر فخر وعارف وجوزف البيطار وأمين عوض وجوزف شاهين ويوسف البيطار. وكان الشيخ انطونيوس يعتز بصداقة الشيخ يوسف مسعود (أبو عادل) منذ أيام شبابه. والحرص على استمرار علاقات الأخوة بين البلدتين عبّر عنه زعماء البلدتين في أكثر من مناسبة. فمن رسالة موقّعة من مشايخ عندقت حفظها الشيخ انطونيوس، نعلم أن مشايخ القبيات وجّهوا كتاباً بتاريخ 26 أيلول 1958 إلى مشايخ عندقت يعلموهم فيها بحادث حصل مساء اليوم السابق. هذه الرسالة وقّعها المشايخ يوسف نفاع ورشدي فخر وهاني مسعود، وهناك توقيع رابع لم نعرف من هو صاحبه، وفيها يؤكّدون أسفهم لوقوع الحادث واستعدادهم لتأنيب الفاعل متى عرفوه، وهو "ما تقتضيه الجيرة" حسب ما نصت الرسالة. كما شددوا على أنه "مهما حاول المغرضون التفريق بيننا لن ندع لهم سبيلاً إلى ذلك[49].

أما من حيث العلاقة مع راهبات القلبين الأقدسين، فقد كان الشيخ انطونيوس وعائلته يكنون موّدة واحتراماً خاصين للأخت مونيك باسيل رئيسة المدرسة سابقاً، وشقيقتها الراحلة الأخت جان موريس. وكان يعرب في أكثر من مناسبة عن تقديره لهن، لتشجيعهن ابنتيه نهاد وماري تريز على الدراسة في مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في الميناء ـ طرابلس. والحديث عن "راهبات عندقت" يشدنا إلى الكلام عن موضوع علاقته برجال الدين المسيحيين والعلماء المسلمين.

 

علاقة الشيخ انطونيوس مع رجال الدين والعلماء.

فقد كان يحيط هؤلاء باحترام ومودة كبيرين. وهذا الشعور تجاههم نشأ وتنامى، في رأينا، في أحضان عائلته، حيث تربى تربية مسيحية حقّة. وكان يواظب على تأدية واجباته الدينية، فيسمع القداس كل يوم أحد. وكان هو وزوجته يشجعان الأولاد على الصلاة والالتزام بتعاليم الإنجيل. وفي أحيان كثيرة كان يرتّل أمامهم ترتيلة "يا مريم البكر.." ومن ثمار هذه التربية المسيحية الحقّة، نظرته إلى الآخرين نظرة الاحترام والود..

في أقدم وثيقة متوافرة بين أيدينا حول هذا الموضوع، نرى أن اغناطيوس أفندي، والد الشيخ انطونيوس، وأشقاؤه، أبناء طنوس ضاهر، وجّهوا رسالة للبطريرك يوحنا الحاج، (في 25 آذار 1895 أي قبل ولادة الشيخ انطونيوس بأربع سنوات) ينعون فيها والدتهم (..) ولما جلس على كرسي بطريركية إنطاكية وسائر المشرق للموارنة البطريرك الكبير الباس الحويك في العام 1899 (العام نفسه الذي ولد فيه الشيخ انطونيوس) أقام اغناطيوس أفندي علاقة بنوية جيدة معه. وكان يعتز بتعليق صورة البطريرك الحويك على حائط قاعة الاستقبال في منزله. وحافظ الشيخ انطونيوس على هذه "الوديعة". وبقيت هذه الصورة تزين أحدى جدران صالون المنزل، وهي ولا تزال معنا حتى اليوم.وفي العام 1908 عند شغور مركز مطران طرابلس، بوفاة راعي الأبرشية المطران اسطفان عواد، وبمناسبة تكليف البطريرك الحويك المونسنيور اسطفان الشمالي والخوري الشلفون، بالإشراف على انتخاب خلف له، وجّه اغناطيوس أفندي وأشقاؤه وأبناء عمه رسالة للبطريرك الحويك، بتاريخ 27 أيار من تلك السنة، يعلمونه فيها أنهم كانوا مع "تسليم الإدارة وتفويض ذلك لحكمتهم".. وأنهم قرّروا ترشيح بعض الآباء وفي مقدمتهم المونسنيور انطون عريضة. وهذا الأخير انتخب مطراناً على الأبرشية، فرقّاه البطريرك الحويك إلى درجة الأسقفية وسامه في بكركي يوم عيد الجسد الإلهي في 28 حزيران 1908، وبقي رئيساً لأبرشية طرابلس حتى العام 1932 حيث انتخب بطريركاً. وفي هذا الموقع توثّقت علاقات اغناطيوس أفندي، ونجليه سليم وانطونيوس مع راعي الأبرشية المطران عريضة، فكانوا يستشيرونه في القضايا الهامة. وخلال زياراته الرعائية، كان يزورهم في منزلهم حيث يحيطونه بكل التقدير والاحترام. وكثيراً ما كانوا يرافقونه في زياراته الرعائية للموارنة في البلدات والقرى الأخرى، ولبعض زعماء المسلمين في عكار. وهذا ما أعلمنا به السادة يوسف سركيس الزريبي من القبيات ت مرتمورة وعلي عبدو آغا الأسعد والحاج معين الأسعد من عكار العتيقة. وروى لنا الحاج معين، بحضور ابن عمه علي آغا، إنه أثناء إحدى زيارات المطران عريضة لأعمامه عبدو آغا "وكنجو آغا، زعيمي عكار العتيقة توفي والده أسعد آغا. فطلب شقيقه عبدو من زوجته ألا تخبر أحداً بالوفاة، طالما بقي صديقهم المطران في ضيافتهم. وهكذا صار. فودعوا سيادته والشيخ انطونيوس والوفد المرافق، بكل التقدير والاحترام. ومّا أن وصل هؤلاء إلى القبيات، حتى وصلهم نعي أسعد آغا، فعادوا فوراً إلى عكار العتيقة،  وشاركوا أصدقائهم في مصابهم، وقدّموا لهم التعازي بفقيدهم[50]. وبعد انتخابه بطريركاً للموارنة تابع الشيخ انطونيوس وشقيقه، التعبير عن تعلقهما ومحبتهما لرئيس كنيستهما.

هذا العمل الأخوي الجميل يحملنا على تذكر مبادرة أخرى كتب لنا عنها الأب يوحنا حبيب البيسري، كاهن رعية سيدة الغسالة في القبيات ـ الذوق، بتاريخ 12/8/1998، قائلاً "في شهر تموز سنة 1944 قرّرت رعية الذوق في القبيات بناء كبلا (كنيسة) صغيرة على مدخل مجال الكنيسة الحاضرة قبل أن تبنى. والكبلة هذه تحتاج إلى كمية من الخشب المبروم، وهذه لا يتوافر منها إلاّ في عكار العتيقة مركز الزعيمين عبدو آغا وكنجو آغا. للتوصل إلى المطلوب راجعت اللجنة الشيخ انطونيوس اغناطيوس الضاهر لأنه الصديق الحميم للزعيمين المذكورين. وعلى الفور قام الشيخ انطونيوس باتصالاته، فسُمح بما لزم من الأخشاب، ونقلت إلى الكنيسة وتم المشروع"[51].

وفي القضايا الشائكة والحساسة التي كانت تخصهما ومؤيديهما، لم يكونا يتردّدا في طلب المساعدة من سيد بكركي، كما رأينا مثلاً عندما زار الشيخ سليم البطريرك عريضة طالباً إليه المساعدة في إطلاق شقيقه انطونيوس من السجن، يوم قطع شريط الهاتف في القبيات. وفي إحدى المرات وصل الشقيقان متأخرين إلى بكركي، وقد حلّ المساء. فقرعا الباب الخارجي، ولكن لم يفتح لهم بسرعة، فتابعا حتى فتح لهما. وإذا بصوت البطريرك عريضة يسأل من الطبقة الثانية، عن الزائرين، فلما أطلعه القيّمون على البطريركية، أعطى تعليماته فوراً بدعوة الشيخين إلى المائدة، وتجهيز غرف النوم لهما.

وبعد العشاء استقبلهما، وبعد أن اطلع منهما على ما يريدانه، وعدهما بإجراء اتصالاته في الصباح. وهكذا صار. وحصلا على ما كانا يطالبان به.

أما علاقة الشيخ انطونيوس بالمطران انطون عبد، الذي خلف المطران عريضة في أبرشية طرابلس، فكانت أيضاً جيدة ومتينة. إذ كان يحرص على دعوته إلى منزله، خلال الزيارات الرعائية ويحيطه بالاحترام والتقدير، وكان يواكبه في زياراته للبلدات المجاورة، وخاصة إلى عكار العتيقة، حيث كان يلتقي أبناء بلدة المراحات الموارنة، في منزل عبدو آغا الأسعد، ويقيم لهم القدّاس الإلهي في قاعة الاستقبال، كما أكد نجله علي عبدو الأسعد مؤخراً[52] كما كان الشيخ انطونيوس حريصاً على استقبال المطران عبد شخصياً في المناسبات العامة في القبيات، إذ يتقدّم من سيارته ويفتح له الباب ويلقي التحية عليه، ثم يسيران معاً، والشيخ انطونيوس حاملاً الشمسية فوق رأسيهما، اتقاءً من الشمس أو المطر. وفي فترة رئاسته لابرشية طرابلس كان يعاون المطران عبد عدّة كهنة أفاضل وغيورين على خير أبناء الكنيسة، تعرّف عليهم الشيخ انطونيوس وأصبح على علاقة صداقة ومودّة معهم. نذكر منها بشكل خاص أمين سر البطريركية المارونية الحالي الأب ميشال عويط، الذي نشر عدّة كتب عن تاريخ الموارنة، وقضايا دينية هامة.

كما نذكر منهم راعي الأبرشية السابق المطران جبرايل طوبيا رحمات الله عليه، الذي عرف الشيخ انطونيوس. عن قرب. لذلك استهل كلمة رثائه لنجله الشاب منير الذي توفي في 19 أيار 1996 في حادث سيارة مروع، في قداس الأربعين، قائلاً بأسلوبه البسيط والعفوي والصادق: "الفقيد الغالي هو أبن الشيخ انطونيوس ومن منا لا يعرف الشيخ انطونيوس؟".

وعديدون هم الآباء الموارنة واللاتين الذين بادلهم الشيخ انطونيوس الود والاحترام. وما نعلمه نحن هو علاقة الصداقة القوية التي تنامت بينه وبين الآباء يوسف حنا من القبيات ـ الضهر، وبولس شحادة من بقرزلا (الذي هاجر إلى إستراليا) في الخمسينات على ما نعتقد، والراهبين الكرمليين غسطين الشدياق (القبيات).وجان طنب (دير القمر) اللذين أقاما في دير مار ضومط للآباء الكرمليين في القبيات وفي أديرة أخرى. وكان حريصاً على زيارتهما في الدير أثناء فترة وجودهما فيه، أو لدى زياراتهما للقبيات، بعد انتقالهم إلى أماكن أخرى. وحفظ الشيخ أنطونيوس في ملفاته الصورة التي وزعت في صيف العام 1963 في دير مار ضومط، بمناسبة اليوبيل الفضي لكهنوت الأب غسطين، وكثيراً ما استشاره حول قضايا عامة وخاصة، نظراً لتقديره الكبير لراهب الله وصفاته العديدة وكفاءاته.

وفي مناسبات عديدة أعرب عن تقديره لرعاية الأب طنب لأبنائه الثلاثة، عندما كان رئيساً لمدرسة مار الياس للآباء الكرمليين في طرابلس، وكانوا هم من تلاميذها.

لم تقتصر علاقات الشيخ انطونيوس مع القيادات الدينية على الطائفة المارونية، بل تعدتها طبعاً إلى مطارنة وكهنة، الروم الأرثوذكس في عكار، الروم الكاثوليك، وأئمة المساجد المشايخ المسلمين في المنطقة، وخاصة في عكار العتيقة. فقد ربطت الشيخ أنطونيوس علاقات مودة واحترام متبادل مع مطران عكار السابق للروم الأرثوذكس ابيفانيوس زائد، ومطران طرابلس للروم الكاثوليك اغسطينوس فرح، والأب نقولا خوري كاهن بلدة شدرا. ولا نزال نذكر الكلمات الطيبة التي قالها عنه سيادة المطران زائد عندما زارنا في القبيات، يرافقه الأب نايف اسطفان أمين سر المطرانية، صباح يوم الثلاثاء في 7 كانون الأول 1982، للتعزية بوفاة الشيخ أنطونيوس، في اليوم الثاني بعد دفنه. وكان حضوره معزياً لنا وللقادري الوالد، عندما رأينا أن هذا المطران الجليل الطاعن في السن (كان في الثانية والتسعين، كما علمنا من المؤرخ الأب نايف) كان حريصاً على المشاركة في التعزية بمن كان يقدّره في حياته. هذا المطران الشيخ انتقل إلى رحمة الله بعد مرور حوالي ثلاثة أسابيع على وفاة الشيخ أنطونيوس.

وقد شارك الأب نقولا الخوري أو خوري، شدرا كما كان يحلو للكثيرين أن يسموه، في عدّة مناسبات وقضايا عامة، هو والشيخ أنطونيوس، نذكر منها على سبيل المثال اجتماع 11 تشرين 1975 الذي عقد في منزل هذا الأخير، والذي سنتناوله في مكان آخر.

وما نعلمه عن العلاقة التي ربطت الشيخ انطونيوس بالمطران أوغسطينوس فرح هو أنها كانت علاقة ود وتقدير متبادل. وقد زاره الشيخ أكثر من مرة في دار المطرانية في شارع الفرير في طرابلس. وفي عصر ذات يوم، زار سيادته، يرافقه الأستاذ غابي زهر وعقيلته، الشيخ أنطونيوس في منزله، حيث استقبله هو وعائلته وأصدقاء له، بما يليق بمكانة هذا الأسقف الفاضل وبطائفته الكريمة. وقد توفي سيادته في مدينة زحلة في 31 آذار 1983.

تربّى الشيخ انطونيوس في عائلته، على احترام الدين الإسلامي، ومعتقدات ومشاعر إخوانه المسلمين. وكان حريصاً على أن يروي لنا، ولزواره، أكثر من مرة ما سمعه من أهله عن هذا الموضوع قائلاً.، أنه ذات يوم كان محمد رشيد بك الياسين (المرعبي) في ضيافة والده الذي كانت تربطه به صداقة قديمة, وعند الظهر سأل الضيف أغناطيوس أفندي أين يمكنه أن يصلي صلاة الضهر، فتردد هذا الأخير بعض الشيء، فسأله الضيف: أليس لديكم كنيسة؟ فأجب المضيف: طبعاً. عندها سال محمد رشيد بك: هل بإمكانكم أن تأخذوني إليها، لأؤدي صلاتي فيها؟ إنها بيت الله. فتجاوب أغناطيوس أفندي مع تمني صديقه، ورافقه إلى كنيسة دير الآباء الكرمليين، حيث أدى صلاته. وفي اليوم التالي ذهب لعند المطران وأخبره بما حصل، طالباً رأيه. فسأله المطران: "وهل بدر منه شيء مسيء، لا سمح الله؟" فلما أجاب أغناطيوس أفندي بالنفي طبعاً، قال له المطران: ـ "هذا شيء طبيعي. صحيح أن الكنيسة هي للمسيحيين، لكن يمكن لمسلمين أن يصلوا فيها، لأنها بيت الله". هذه الحادثة تذكرنا بما رواه الصحافي الأستاذ بشير العوف في كتابه "التعاون والتعاطف بين المسلمين والمسيحيين" أن البطريرك الماروني بولس المعوشي استضافه في بكركي، يوم كان ملاحقاً لأسباب سياسية، وكان يدعوه وهو المسلم للصلاة في كنيسة الصرح البطريركي[53].

في أجواء الانفتاح والأخوة التي تربى في ظلها الشيخ أنطونيوس، كان من الطبيعي أن تشمل العلاقة المتينة التي ربطته بزعماء ووجهاء عكار العتيقة، أئمة المساجد المشايخ من آل الزعبي، الذين كان يلتقيهم في منازل أصدقائه من آل الأسعد (عبدو آغا، وكنجو آغا، والحاج هاني، وصبحي آغا رئيس البلدية). ولا يزال أنجاله يذكرون من طفولتهم صورة الشيخين الجليلين عثمان وعبد المجيد: وقد ذكرنا الصديق علي عبدو آغا الأسعد، أنه أثناء فترة التعازي بوفاة شقيقنا المرحوم منير في أيار 1996، زار منزلنا وفد كبير من عكار العتيقة تقدّمه الشيخ عبد المجيد الزعبي، إمام مسجد البلدة[54]. ولما لبّى سماحة الإمام موسى الصدر في العام 1969 دعوة النادي الثقافي الرياضي في القبيات لإلقاء محاضرة فيها، كان الشيخ انطونيوس في مقدمة الحضور في قاعة السينما، حيث ألقى سماحته تلك المحاضرة. وبعد انتهاء اللقاء تقدّم الشيخ وألقى التحية على الإمام. وكان جد مسرور لاستماعه إلى ما قاله رئيس المجلس الشيعي الأعلى, كما كان سعيداً أن يقدمه للحضور نجله سليم. ومما قاله هذا الأخير في كلمته: "والمنبر اليوم إذ يحن للقاء كبير من كباره، لبى سماحة العلامة النداء، ورنا ببصره إلى جيل العشرين إلى ـ علة شباب تفتح على حضارة المادة، فكان البون شاسعاً بينه وبين عالم الروح...".

علاقات الود والاحترام التي كان يكنّها الشيخ أنطونيوس لرجال الدين المسيحيين والعلماء المسلمين، كانت علاقات متبادلة. نذكر على سبيل المثال، ما كتبه الأب الفاضل أوغسطين شدياق في شهادته عنه، قائلاً "تعرفت عليه وقد أصبحت راهباً في دير الآباء الكرمليين ـ القبيات. كانت العلاقة أكثر من ودّية بينه وبين الآباء الذين كانوا بأكثريتهم من الشبيبة الإيطالية، وأضاف أنه كان "شخصية فذّة، شجاعة، مقدامة لا تتراجع أمام الصعوبات والملمات مهما كثرت وتعدّدت. شخصية تريد ما تفعل وتفعل ما تريد. طلبه يجب أن ينفّذ مهما كلّف الأمر، وكلمته مسموعة لدى الجميع لدى السلطات والدوائر المختصة. لأنه كان رجلاً مستقيماً وأميناً، يسعى فقط لإعطاء كل صاحب حق حقه... الرجل الكريم، كريم الخلاق، كريم التصرف... من لا يعرفه؟ من لا يذكره؟..."[55].

 

صداقاته

آمن الشيخ أنطونيوس بالصداقة، وكان يقدّرها حق قدرها. وكان يعتز بأصدقائه العديدين في القبيات وعكار، ومعظم مناطق لبنان، وكان يبذل كل الجهود الممكنة ليس فقط للمحافظة عليهم والإخلاص لهم، لا بل ولتنمية تلك الصداقات وكان يسعى دائماً إلى زيادة عدد أصدقائه، الذين كان دقيقاً في اختيارهم. فكان يبادر إلى التعرف إلى أشخاص جدد كلما رأى ذلك مناسباً، ويبادلهم الحديث، ويدعوهم إلى منزله لتكريمهم وتوثيق علاقته معهم.

وهو كان ورث من والده صداقات كان يعتز بها، وتابعها معهم ومع أبنائهم. وقد تولى بدوره تعريف أنجاله على أصدقائه، تمهيداً لمد جسور الصداقة مع أبنائهم وكان قد أوصى أولاده بالمحافظة على الصداقة والأصدقاء، لأنهم كثيرين في هذه الحياة. وكم كان يردد أمامنا وأمام أصدقائه، القول المأثور "محبة الآباء تتصل بالبنين" ونحن أولاده نشعر بأهمية الأمانة الغالية التي أودعها الوالد بين أيدينا. ونحن حريصون على بذل المستطاع من أجل المحافظة على أصدقائه وعلى صداقة أبنائهم.

 

كيف كان يعامل أصدقاءه؟

بالود والمحبة والاحترام المتبادل، فيزورهم في بيوتهم في الأفراح والأتراح، ويحرص على اصطحاب أولاده معه لدى زيارتهم. وكان يطلعهم على بعض همومه ومشاكله، ويسألهم النصح. وقد ثابر على القيام بزيارة أصدقائه حتى بعد أن تقدم بالسن. وكان لا يرى مانعاً في سؤال أي شخص يعتبر أنه من الممكن أن يقدم معلومات أو مساعدة حول موضوع يثير اهتمامه. ولم يكن يتردد في استشارة بعض أصدقائه حول قضايا عائلته الخاصّة. خاصة صديقيه الكبيرين ماجد بك القدور والدكتور توفيق فرح، الذي سينتخب فيما بعد نقيباً للأطباء في لبنان الشمالي.

كان يفرح برؤية الأصدقاء وتبادل الأحاديث معهم. وأصدقاؤه في القبيات لا يمكن تعدادهم والحمد لله لكثرتهم. ونأسف أشد الأسف إذا لم نتذكر بعضهم في هذه الدراسة. إنما من الذين ثابروا على زيارته في منزله حتى آخر أيامه، أو اللقاء معه في المقهى في ساحة القبيات بشكل مستمر، نتذكر: الشيخ فريد عبدو والسادة مخول سركيس سلوم وشكري فهد وسركيس زهر وجبور جبور وحنا حنا وأبن شقيقه الشيخ جودت ويوسف فارس وديب ديب وديب فارس وراجي جبور ومالك زهر. ومن أصدقائه القدماء الخلص نذكر السادة يوسف سركيس سلوم ورؤوف بطرس ومخول جروج زيتوني ومطانيوس حنا الضاهر ويوسف إبراهيم انطون ومخول شاهين حاكمة ويوسف مخول وهبة، الذين كان يضع ثقته الكبيرة بهم، ويستشيرهم في الشؤون السياسية، ويكلّفهم القيام بمهام محددة، مع الأصدقاء والخصوم. ومن جيرانه الذين كانوا قريبين إلى قلبه نذكر السادة نسيم فارس ويوسف جرجس فارس وحبيب موسى ديب وسركيس ضاهر وفريد هواش ضاهر ويوسف مارون وحبيب يوسف نادر ويوسف إبراهيم عبود وزوجته السيدة هند قبل أن يهاجروا إلى البرازيل.

ومن الذين كانوا يزورونه في منزله عند الفجر، حيث كان من عادته أن يستيقظ باكراً جداً، ويغلي القهوة بيده على الفحم، المعاون في الدرك أيوب عازار (أبو ميلاد) من بكاسين، والسيدين مالك الخوري (منجز) وكامل يوسف خليل (القبيات الذوق).

وفي عكار كان أصدقاؤه من كل الطوائف ـ مسلمون ومسيحيون، ومن المناطق الجغرافية الأربعة في القضاء، أي من الدريب والشفت والجومة والقيطع. ونذكر من هؤلاء الدنادشة وخاصة السادة مصطفى ونسيبه أحمد الدندشي (أبو حسام) ومحمد الدندشي (أبو شريف) آغا العلي الدندشي ونجله رشاد والحاج حسين وديبو آغا وسري آغا والمحامي شوقي دندشي. وفي شدرا المختار السابق السيد دعاس خليل، وفي عيدمون آل حداد، وفي منجز. مختارها السابق السيد يوسف سليم إبراهيم، والسيد مالك الخوري وفي البيرة محمود بك الخالد الذي كانت تربطه به علاقة أخوية والذي حفظ صورته التي نشرتها الصحف يوم مقتله في العام 1954، في مفكرة جيبه التي كان يحملها دائماً. وأيضاً عبد الحميد بك العمر وياسين بك الرشيد. وفي دارين سعد الله بك الرشيد وفي العبودية مصطفى بك عبد الرازق، وفي حلبا أحمد بك اليوسف والأستاذ مسعود بطرس، وفي منيارة الطبيب الدكتور رياض الصراف الذي كان يمحضه ثقة كبيرة. في معالجته. وفي ببنين بشير بك وعزمي بك العثمان وطلعت بك المحمد، وفي بقرزلا الأستاذ أنيس نعمة والمختار البير ماضي، وفي عيون الغزلان خالد بك عبد القادر. وفي برقايل محمد بك العبود.

وعلى صعيد الشمال كان من بين أصدقائه الدكتور رئيف قليمه من المنية، والسيد محمد نور عدره من طرابلس، والدكتور توفيق فرح من حامات، والأستاذ عمر فلو وأشقاؤه من القلمون، والشيخ ميشال أبو صعب من مزرعة أبي صعب.

ومن خارج لبنان الشمالي: أصدقاؤه: الشيخ سامي عطا الله (عين داره ـ الشوف)، والسفير السابق هنري أبو فاضل (عاليه) والسيد حسن الخطيب (شحيم ـ الشوف) والسيد محسن الأمي (شقرا ـ الجنوب) والسيد كامل جهجاه (الشويفات) والمعاون أول في الدرك أيوب عازار (أبو ميلاد) من بكاسين والسيد اسعد الكوش (أبو حربه) من الجنوب والأستاذ أسد السكاف من زحلة، ابن شقيق الشيخ مخايل السكاف الذي كان يسكن في القبيات ـ الذوق، والأستاذ إدوار داغر الذي كان جاره في السكن في الأشرفية، والذي أمضى وإياه حوالي الأثنتا عشر سنة (1970 ـ 1982) أي حتى وفاة ـ الشيخ أنطونيوس، تحاب الرجلان وتصادقا، لما لمساه عند بعضهما البعض من قيم وعادات إنسانية متطابقة، في مقدمتها محبة الله والقريب، والاستقامة والنزاهة والاهتمام بشؤون الناس وقضاياهم، أكان ذلك في بلدة المروج مسقط رأس الأستاذ إدوار، أم في القبيات أو في العاصمة بيروت. وكثيراً ما كانوا في العاصمة بيروت. وكثيراً ما كانوا يشاركون معاً في اجتماعات عامة تتناول قضايا الناس وهمومهم.

وكانت صداقات الشيخ انطونيوس نشمل كل الفئات الاجتماعية، وبعضهم كانوا إخواناً غير لبنانيين، أمثال التاجر السوري الكبير الحاج رشيد الأتاسي في حمص ونجله الحاج محمد رشيد الأتاسي (أبو رشيد) الذي عرفه منذ العام 1935، كما كتب لنا مشكوراً في شهادته.

وثمة صديق سوري آخر عاش في القبيات حتى وفاته، هو السيد إبراهيم ونوس وكان جديراً بالثقة الكبيرة التي وضعها الشيخ انطونيوس في شخصه، عندما أسكنه في منزله وكلّفه السهر على شؤونه، أثناء غيابه في فصل الشتاء في بيروت. كان الشيخ يحرر رسائل له بشكل مستمر.

في نهاية هذا النص ربما كان من المفيد أن نستشهد بقول مختار القبيات ـ الذوق السيد عيسى الشدياق، أن صداقات الشيخ انطونيوس مع أعيان ووجهاء البلدات المجاورة، قد أثمرت نتائج إيجابية لجميع أبناء المنطقة. وفي شهادة الأستاذ أنطوان ملحم، أمين سر معهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف، نقرأ أنه "... كان هناك ثلاثة زعماء أقوياء في منطقة الدريب في عكار. وكان هؤلاء الزعماء يحظون بالتقدير والاحترام. وكانت كلمتهم مسموعة لدى الشعب، كما لدى المراجع الرسمية في الدولة. والزعماء الثلاثة كانوا الشيخ انطونيوس ضاهر ومحمود بك الخالد والشيخ وحيد نصار..."[56] ويذكرنا الدكتور جوزف الفاضي أن الأب الفاضل يوحنا حبيب البيسري كاهن رعية سيدة الغسالة في القبيات، عندما حضر للتعزية مع أبنه الأستاذ شارل للتعزية بشقيقنا منير، في منزل ابن عمنا الشيخ جودت ضاهر، قال أمام المعزين "بيت الشيخ انطونيوس في أساس القبيات".


[22] ـ راجع: شهادة السفير هنري أبو فاضل.

[23] ـ مقابلة مع العميد فهمي حمدان في الحمام العسكري في بيروت بتاريخ 25/8/1999.

[24] ـ مقابلة مع الشيخ اسكندر غصن في منزله في زغرتا، بحضور زوجته السيدة حواء، بتاريخ 25 أيار 1999

[25] ـ مقابلة مع الست حواء فرنجية غصن، في منزلها في زغرتا بتاريخ 25 أيار 1999.

[26] ـ مقابلة مع السيد رزق الله حنا في منزله في القبيات_ الضهر بتاريخ 1999.

  [27] ـ مقابلة مع النائب السابق عبد الكريم بك القدور في منزله في طرابلس بتاريخ 2 أيلول 1998.

[28] ـ مقابلة مع السيد يوسف سركيس الزريبي في منزله في القبيات بتاريخ 9 أيلول 1999.

[29] ـ راجع: الوثيقة رقم 4.

 [30]ـ مقابلة مع السيد يوسف سركيس الزريبي بتاريخ 9/9/1979.

 [31] ـ مقابلة مع الشخص نفسه.

[32] ـ مقابلات مع السيد يوسف الزريبي ومع الشيخ محمود الشيخ بتاريخ 17 آب 1999.

[33] ـ مقابلة مع د. فرج زخور بتاريخ 17 أيلول 1999.

[34] ـ راجع: الوثيقة رقم 5.

[35] ـ مقابلة مع طلعت بك المحمد في منزله في طرابلس بحضور نجله حيدر بك، بتاريخ 21 تشرين الثاني 1998.

[36] ـ شهادة الدكتور فؤاد سلوم.

[37] ـ مقابلة مع الشيخ جودت ضاهر بتاريخ 12 أيلول 1998.

[38] ـ كلمة الدكتور سليم ضاهر المنشورة في النهار ص 3 في 15 أيار 1998.

[39] ـ كلمة الدكتور سليم ضاهر المنشورة في الديار ص7 في 17 أيار 1998.

[40] ـ راجع: الوثيقة رقم 6.

[41] راجع: الوثيقة رقم 7.
[42] ـ د. فرج زخور "تاريخ عكار" ص. 126.

[43] ـ راجع: الوثيقة رقم 7.

[44] ـ د. فرج زخور، "تاريخ عكار"، ص. 127.

[45] ـ راجع: الوثيقة رقم 7.

[46] ـ الرئيس بشارة الخوري، "حقائق لبنانية".

[47] ـ راجع: الوثيقة رقم 8.

[48] ـ راجع: الوثيقة رقم 9.

[49] ـ راجع: الوثيقة رقم 10.

[50] ـ مقابلة مع السيدين علي عبدو آغا الأسعد والحاج معين آغا الأسعد، في منزل الأول في عكار العتيقة بتاريخ 14 أيلول 1999.

[51] ـ راجع: الوثيقة رقم 11.

[52] ـ مقابلة مع السيد علي عبدو آغا الأسعد.

[53] ـ بشير العوف، "التعاون والتعاطف بين المسلمين والمسيحيين"، بيروت 1993.

[54] ـ مقابلة مع السيد علي عبدو آغا الأسعد.

[55] ـ راجع: شهادة الأب أوغسطين شدياق.

[56] ـ راجع: شهادة الأستاذ أنطون ملحم.

 

Back to Table of Contents