Back to Fouad Salloum Page

الدكتور جوزف يوسف مخايل طنوس ضاهر شاهين سعد

مترهّب من غير كهنوت، مُرسَل من غير تكليف، مُثقّـف بلا حدود.

بقلم الدكتور فؤاد سـلّوم (2012)

تم النشر لأول مرّة في 30 مارس 2025 (Kobayat.org)

 

1. طفولة ٌ ليست كالطفولة
وُلِدَ في القبيّات سنة 1929، وفي فمه ملعقة ٌمن ذهب. لا عجب فهو سليل جاهٍ ونفوذ وثراء! مات والده، يوسف، سنة 1930، وطفله لا يزال في قِماطه، لم يكمل سنته الأولى، فأخذ الطفلُ اسمَ أبيه كما يصرّ أهل المدينة على تسميته، بينما هو يحمل على بطاقة الهويّة اسم جوزف. تزوّجت والدته قبل أن يكمل الثلاث سنين من عمره. مع ذلك بقي الطفل الملوكيّ ملوكيّـًا. بقيت له أمّان: عمّته هنّود وعمّـته ليلى العازبتان. وبقي له أب يرعاه، عمّه وديع الذي بقي عازباً من أجله، ربّما.
نما الطفل اليتيم في دارة جدّه الفخمة، جدّه مخايل أفندي ضاهر، هذه الدارة المشهورة باسم "الكنادور" (تحريف corridor نسبة إلى بهوه الطويل). في هذه الدارة عاش طفولته، برفاه ودلال كبيرين، أحاطه بهما أهله البُدلاء، فلو أراد نجمة ً قُطفت له! إذا رغب بالقمر كـُسِر من أجله. عمّته ليلى كانت له أكثر من أمّ فكان تعلّقه بها شديدا.ً كرّست نفسها لتربيته ونجحت لأنـّها كانت تتمتّع بشخصيّة محبّبة، وكانت دائمة َالابتسام، ودودة ً، متفتـّحة.
لكن هذه الطفولة الملوكيّة بقيت تحتاج إلى شيءٍ ينقصها. كانت حسرة ٌما تَخِزها، خصوصًا عندما كان الصبيّ يسمع أترابه يقولون بشغف: أمّي. ويقولون باحترام وتهيّب: أبي. يتكلّمون عن إخوة يصطحبونهم، يداعبونهم، وحتـّى، يتشاجرون معهم. ويتكلّمون عن أخوات يعطفن بدفءٍ، يلاعبنهم، يشاكسنهم، يَغبْن، يحضرْن... بينما هو لا يستطيع أن ينادي: أخي! أختي! وكم كان يتمنـّى لو يستطيع!

2. زمن الطلب
سنة 1931، وبإشارة من مطران أبرشيّة طرابلس المارونيّة أنطون عريضة (بطريرك فيما بعد)، أُنشئت مدرسة "سيدة الغسّالة في القبيّات"، وعلى طراز حديث، داخليّة وخارجيّة، واستـُقدِم لإدارتها شاعر مطبوع، مشهور، هو الخوري يوحنـّا طنـّوس، وساعده معلـّمان من القبيّات، هما الاستاذ جبرائيل دميان والشدياق حبيب البيسري، (الخوري يوحنـّا الحبيب فيما بعد). وكان من الطبيعيّ أن يؤمَّ الطالبُ يوسف هذه المدرسة بحكم الجوار، لا سيّما وهو طفل طريّ العود، يحرص أهله على أن يكون في رعايتهم المباشرة.
بقي يوسف في مدرسته الأولى، هذه، حتـّى الصفّ الابتدائيّ الثالث ريثما اشتدّ عوده، وتأسّست معارفه جيّدًا بفعل المدرسة من جهة، وبفعل المتابعة البيتيّة من جهة ثانية. عندئذ انتقل إلى مدرسة "الفرير" في طرابلس، وكان يعود في العطلات المدرسيّة الطويلة، لا سيّما عطلة الصيف، إلى القبيّات، يُمضي أيّامه في كنف عمته وعمّه.
كان يُمضي يوسف في ربوع بلدته أيّامًا وادعة، دافئة، هانئة، يتجذّر أثناءها انتماؤه إليها، ويتعمّق في ترابها، فيتملـّكه حبّها تملـّكـًا شديدًا، ليصير حرصه على ناسها وعلى ترابها قويّـًا.
تابع علومه في مدرسة "الفرير"، في طرابلس، حتـّى نهاية الصفوف الثانويّة، متخرّجًا منها بشهادة البكالوريا في قسمها الثاني.

3. في الجامعة
كان توجّهُ يوسف، ككل أبناء الطبقة البورجوازيّة الكبرى، إلى أن يحصّل مركزًا حكوميّـًا بارزًا، فتقدّم من إدارة الأمن الداخليّ بطلب ترشيح لدخول المدرسة الحربيّة ليصير ضابطًا في "الجندرمة". قـُبِل طلبه، وتقدّم من الامتحان، ونجح، وطـُلب إليه الالتحاق بالمدرسة الحربيّة. هنا كان من الطبيعيّ أن تجري مداولات بين الأهل، في الوطن والمهجر، لا سيّما مع عمّه سعد في فنزويلاّ، ليقرّ الرأي، نتيجةً لذلك، على أن يذهب إلى باريس ليدرس الطبّ في إحدى جامعاتها، فكان له ذلك.
بعد تجربة جامعيّة قصيرة في فرنسا، لم ترق له الأجواء فيها، رغم تمكّنه من اللغة الفرنسيّة، عدل عن متابعة الدراسة فيها، بعد زيارة له إلى روما، وبعد سماعه عن الأجواء المريحة والجذّابة في جامعاتها، فانتقل إلى هذه، وتابع دراسة الطبّ في جامعاتها. راق له الجوّ، هناك، فبنى صداقات كثيرة مع زملائه، ومع الأساتذة، لا سيّما أحدهم الـّذي شجّع توجّهه للتخصّص في الطبّ الداخليّ خصوصًا الكبد.
هنا، في روما، التقى والدته للمرّة الأولى، وتعرّف إليها، بعد أن تركته صغيرًا لا يتجاوز عمره الثلاث سنين، وكان قد صار في الواحدة والعشرين من العمر. لقد وجد الشابّ أمّـًا، فعاد ليبني علاقة بنويّة مع أمّ كان قد خسرها وهو طفل. كذلك وجدت الأمّ في طفلها يوسف، بعد زمن، شابّـًا وسيمًا، ناضجًا، أسعدها أن تفخر به. وهكذا نشأت بينهما صداقة قويّة. وتعرّف إلى إخوته، من أمّه، فتأسّست بينه وبينهم، أيضـًا، صداقة ودودة دامت مدى العمر.
أمّا جميلة، زوجته، فكان يسمع بها منذ الصغر من غير أن يراها. كان يسمع الأهل يقولون: جميلة ليوسف! يوسف لجميلة! إلى أن كان صيف، في لبنان، وعندما عاد يوسف من روما ليمضي عطلته في القبيّات. وجاء عمّه سعد ليزور الوطن مصطحبًا جميلة والعائلة، فتعارف ابن العمّ مع ابنة عمّه، وصار كلام، قام على إثره يوسف إلى فنزويلا ملتحقـًا بابنة عمّه، حيث تزوّجا وعادا، معًا، إلى روما ليتابع تحصيله الجامعيّ حتـّى تخرّج حاملا ًً شهادة الدكتوراه في الطبّ، وجاء إلى لبنان معها ليبقيا معًا أبدًا.

4. حياته المهنيّة
تخرّج يوسف طبيبًا من جامعات روما ومستشفياتها، وعاد إلى القبيّات ليبدأ فيها حياته المهنيّة سنة 1969، فلم يبرحها إلاّ في فترة استجمام، إثر عودة الهدوء إلى لبنان، سنة 1979، إذ غاب مدّة سنة ونصف في فنزويلا، عند أهله وأنسبائه، ليعود بعدها إلى الديار، إلى حبّه الأوّل، منزله الأوّل، في القبيّات التي أحبّها بشغف، ما بعده شغف، مصمّمًا أن يبقى، مع شريكة عمره، أبدًا.
تعب الحكيم يوسف كثيرًا خلال سنتي الحصار على المدينة. في فترة الهجوم، ربيع سنة 1976، بقي خمسة أيّام، بلياليها، قائمًا لا ينام، محتذيًا، مرتديًا ثيابه، لا يأوي إلى فراش، يعالج المصابين في المعارك، يداوي المنهارين والمرضى، يعزّي الحزانى، فاستحقّ أن يستجمّ قليلاً بعد أن استتبّ السلام.
بقي يوسف الطبيب الوحيد في القبيّات مدّة طويلة من الزمن قبل أن يبدأ أطبّاؤنا الشباب بالتخرّج والعودة، واحدًا بعد واحد، يفتتحون العيادات بالتدريج. مارس الطبّ العامّ، وتميّز ببراعته في الطبّ الداخلي، لا سيّما أمراض الكبد، عالج أمراض الناس في المدينة والجوار، كلّ الأمراض، فسرعان ما اكتسب ثقة الجميع، فسمّوه بالحكيم، ليس لبراعته في التشخيص وفي وصف العلاج وحسب، بل لهدوئه وجدّيته وتفهّمه نوازع المريض وأحاسيسه، ولذهابه إلى أبعد من المعالجة الجسديّة، إلى تقديم النصح في حسن السلوك العامّ، وفي دعم المعنويّات، ممّا يخفّف الأوجاع ويعيد الثقة إلى النفوس، فأحبّوه واحترموه وارتاحوا إليه.

5. شخصيته
شخصيّة فذ ّة بما وُهِب وبما اكتسب. متميّز عن عامّة الناس، لكنـّه قريب كلّ القرب من الناس، مكرّس نفسه لهم.
فما ملامح تلك الشخصيّة؟

a. مترهّب بغير كهنوت.
يَنذُر الرّاهبُ العفـّة والفقر والطاعة. أمّا الطاعة فقد نذرها الدكتور يوسف لإيمانه بالله ولضميره. اتقى الله مؤمنـًا بوعي عميق، وملتزمًا بالكنيسة كابنٍ بارّ، فهو قد نشأ في عائلة قبيّاتيّة مارونيّة تعيش حياتها، كسواها من أهل البلدة، في ذلك الزمان، بورع وغيرة. مدرسته الأولى كانت تابعة للكنيسة وبإدارة كهنوتيّة. مدرسته الثانية، وحتـّى نهاية الدروس الثانويّة، نقصد مدرسة "الفرير" في طرابلس، كانت تحرص على سماع طلبتها القدّاس كلّ صباح، وعلى التعليم الدينيّ بدرجة أولى، ممّا عمّق الإيمان في قلب الصبيّ يوسف، فصار هذا الإيمان كالحبّة التي وقعت في أرض خصبة.
في الجامعة في أوروبا عاش، كزملائه الطلاب، فورة الفكر الاشتراكيّ الذي كان سمة ذلك الزمان، حتـّى أنّ الشاب الجامعيّ يوسف عندما زار قبر السيّد المسيح في مدينة القدس، لم يشعر أمامه بإحساس الحاجّ المسيحيّ، إنـّما بإحساس السائح.
لكنـّه لمّا عاد إلى القبيّات سنة 1969 رأينا فيه ذلك المؤمن الملتزم الذي أمطرت السماء على تربة إيمانه الخصبة فنبت الزرع وسنبل، وأعطت الحبّة آلاف الحبّات، فصرنا نراه لا يفوّت قدّاس الأحد أبدًا، ويحضر قدّاس كلّ يوم إذا سمحت له ظروفه كطبيب، فيدهشنا فيه ذلك الخشوع الثابت. وغالبًا ما يتحدّث مع زوّاره بالإيمان لأنـّه يعيش في ظلال الإنجيل المقدّس.
أمّا العفـّة، فما عرفنا، منذ عرفناه، إلا النقاء صفة ً تلازمه. رصين، حتـّى في مزاحه، لا يتبذ ّل، ولا يقرب موضوع الدنس. متعفّف في ألفاظه، في جسده، في طعامه، في لباسه. محافظ، يكاد يكون متزمّتـًا.
أمّا الفقر فهو النذر الأكثر بروزًا في شمائل هذا الثريّ المتربّع على ثروة. يعيش الدكتور يوسف حياة متواضعة كأيّ إنسان عاديّ. تواضعه تراه في رياش بيته إذ يقتصر فيه على الضروريّ اللائق والمريح لأهله ولمن يستضيف. لا يتأنـّق في ملبس إلا في حدود اللياقة وحسن المظهر، فهو كلاسيكيّ في ذوقه هنا. يأكل ما يطيب له ليعيش ولا يعيش ليأكل. مطبخه مطعمه، فقلّما يرتاد المقاصف إلا لضرورة. لا يبخل، لكنـّه يأخذ حقـّـًا ويعطي حقـّـًا. في تقاضي أتعابه ينصف المقتدر ويسامح المحتاج. ولكم عاينته، في مثل هذه المواقف، ولكم رافقته في عيادات منزليّة مجانيّة لغير المقتدرين على دخول المستشفى... باع غيره الأراضي القليلة ليكنزوا مالاً في البنوك، أو ليسرفوا في نهب ملذّات الدنيا، ولم يبع حبّة تراب من أراضيه الوفيرة، حتـّى في البراري البعيدة التي لم يعد بإمكان أحد أن يفيد منها، لأنـّه يعتبر أنّ هذا التراب هو ملك القبيّات، فبالتالي، لا يحقّ له أن يبيعه، أمّا سندات الملكيّة التي في يده فيعتبرها ضمانة لعدم البيع. هكذا تبقى تلك الأراضي الوفيرة، ملكا ً للأجيال القبيّاتيّة. يمنح أرضاً في نطاق المدينة لمن يشاء أن يفلح ويزرع، ولا يطالب بحصّـته في الغلال، لكنّه لا يرفض إذا أعطي.
أفلا يكون الفقر نذراً عن اقتدار؟

b. مُرْسَل من غير تكليف
كان باستطاعة الدكتور يوسف أن يمارس مهنته في أيّ بلد يشاء، لا سيّما إيطاليا، وكان في مُكنته أن يقتني عيادة في أرقى أحياء المدن، لكنـّه أبى إلا أن يعود إلى القبيّات. كان دافعَه اثنان: الأوّل وجود عمّه العازب وعمّتيه العازبتين. الثاني: الإقامة حيث تكون إليه حاجة، فيؤدّي منفعة ذات بال. بلدته القبيّات كانت آنئذ بحاجة إليه. أهلها بحاجة إلى طبيب حيث لم يكن طبيب. إذًا هما قيمتان أخلاقيّتان دافعتان: الوفاء وروح الخدمة!
أمّا الأخلاقيّة الرائعة فتمثـّلت في ذات زوجته جميلة، إبنة عمّه، الفنزويلّيّة المولد والنشأة، فرغم أنـّها لا تجيد اللغة العربيّة، ولا تعرف أحدًا في القبيّات، حتـّى أنسباءها، ولا أصدقاء لها، فطاوعته وجاءت لتقيم معه هنا، فكأنـّها راهبة الدير، راهبة دار الحكيم يوسف.
مات عمّه وعمّتاه واحد بعد آخر، ولم يبرح! وبقيت جميلة! كان حزنه مؤثـّرًا، لا سيّما على عمّته ليلى التي كان يكنّ لها حبّـًا كبيرًا. رأيته يبكي بغزارة وبحسرة ولمرّة وحيدة. ورأيت جميلة تتأبّط ذراعه، ترافقه من البيت إلى الكنيسة، على غير عادة النساء في بلادنا، إذ كان يمشي الرجال وحدهم خلف النعش، وتمشي النساء خلف الرجال، لا يختلطن بهم، ما عدا جميلة، فكأنـّها تقول ليوسف: بقينا وحدنا، لكن بقينا معًا. أنا أهلك. أنت وطني.
أراد الدكتور يوسف أن يكون للقبيّات مستشفى بعد أن خبر الضرورة الماسّة إليها أثناء قيامه بالواجب يوم الحصار على القبيّات. قدّم لذلك أرضـًا واسعة في موقع مناسب جدّا ً. سوّى الأرض وسجّلها، وسعى جاهدًا، مع الأب ريمي صفتلي، لحث راهبات الصليب لتبنـّي المشروع، فكدن يباشرن لولا أن لعبت السياسة دورها، ومدّ صاحب نفوذ إصبعه، فتبدّد الأمل الذي طالما راود الدكتور يوسف، وتعطـّل المشروع ممّا ترك حسرة في نفسه. حاول أن يعوّض قليلا بإنشاء مستوصف مجّانيّ، بالتعاون مع الصليب الأحمر، في دير الآباء الكرمليّين، فتمّ له ذلك، ورعاه مدّة من الزمن، حتـّى جاءت الرّاهبات اللعازاريّات فتحوّل معهنّ إلى مستوصف "فرسان مالطا"، اليوم، والذي ما زال يقدّم خدمات صحّيّة مجّانيّة واسعة.

c. مثقّـف بلا حدود
لم تقتصر مطالعات الدكتور يوسف، يومًا، على المراجع الطبّيّة، بل هو يتابع جميع أنواع القراءات، الفكريّة منها بشكلٍ أخصّ، فتراه يحدّثك عن أيّ ٍ من المواضيع الفكريّة واللاهوتيّة والاجتماعيّة بتمكـّن وثقة. ولا تخلو جعبته في كلّ فترة من كتاب جديد يقرأه، ويستعيد على مسمعك بعضـًا من مضامينه التي لفتته وأثارت فكره. كذلك لا تخلو مكتبته من كتاب، أو أكثر، ينتظر القراءة ريثما يفرغ من الذي بين يديه. هو زبون مواظب للمكتبات، يقرأ يوميّـًا جريدة L’orient- Le jour وكلّما قصد المدينة يقصد مكتباتها، يحمل منها مؤونته من الكتب المختارة. إنـّه يفضـّل رفقة الكتاب، يصادقه، ويعتبره "خير جليس في الأنام" على ما يرى المتنبّي.

في الخلاصة:
الدكتور جوزف يوسف ضاهر رجل من مدينتنا القبيّات، تمرّد على إغراءات العالم المتطوّر، وأصرّ على البقاء في الأرض التي ربّته ليخدم ناسها، وليتنشـّق نسيمها، وليصلّي في كنائسها.

بقلم الدكتور فؤاد سـلّوم (2012)

تم النشر لأول مرّة في 30 مارس 2025 (Kobayat.org)