السياسات الاقتصادية والاجتماعية من بداية التسعينيات

غالب أبو مصلح

خبير اقتصادي ومالي (لبنان)

 

 

مقدمات

خلال الحرب الأهلية المديدة، ورغم سيطرة الميليشيات على معظم أرض لبنان، ورغم الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على أجزاء واسعة من الأرض، فإن سلطة الدولة المركزية انحسرت كثيراً ولم تسقط نهائياً. فاستمر النظام اللبناني على حاله دون تحد جدي من أي جهة داخلية فاعلة أو خارجية. حتى أن تلك الأحزاب التي شكلت في الماضي بنية الحركة الوطنية، صاحبة المشاريع والبرامج التغييرية، أسقطت مشاريعها التغييرية ونقدها للنظام، واندمج بعضها فيه. فقد حافظ النظام اللبناني على بنيته التنظيمية وفكره السياسي وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية، وعلى مؤسساته المدنية والعسكرية. لقد بقي مجلس النواب الذي تم انتخابه في أوائل السبعينيات قائماً حتى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، دون تجديد شرعيته عبر انتخابات عامة، بالرغم من كل المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي مرّ بها لبنان. وكانت الحكومات المتتالية تجدد ولاية المجلس النيابي، ويجدد المجلس النيابي شرعية الحكومة، بعيداً عن هموم الجماهير ومتغيرات السياسة وموازين القوى الداخلية والخارجية. وبقيت الحكومات المتتالية تدفع رواتب وأجور موظفيها العاملين وغير العاملين، من عسكريين ومدنيين، مَن كان منهم فوق الأرض اللبنانية أو خارجها. وبقيت الطبقة الحاكمة، المتمثلة سياسياً بمؤسسات السلطة القائمة ورموزها، بفكرها وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية، وكأنها خارج إطار الصراع الداخلي أو الصراع ضد العدو المحتل.

إن الطبقة الحاكمة تاريخياً في لبنان والمتمثلة بالمجلس النيابي الذي تلون كثيراً وتمايل مع متغيرات الرياح السياسية في ظل الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، أعادت تجديد النظام اللبناني ذاته، وبإشراف وتدخل قوى إقليمية ودولية عملت على وضع حد للحرب المديدة، وذلك في مؤتمر الطائف. فالتعديلات الدستورية التي أدخلت على النظام اللبناني كانت تمثل فعلاً فكر ومصالح الطبقة الحاكمة اللبنانية، ضمن تبدل موازين القوى الطائفية، أكثر مما مثلت إرادة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المؤتمر.

وبعد استقرار نسبي في الوضع الداخلي اللبناني، وبعد إعادة توحيد المناطق اللبنانية التي تشظت، وربما كادت تتبلور ككيانات طائفية في ظل حكم الميليشيات، تم تجديد الطبقة الحاكمة بانضمام شرائح برجوازية كبيرة إليها، بنت ثرواتها بأشكال مشبوهة خارج لبنان في قطاعات الخدمات والمقاولات والسمسرات، أو في داخله عبر سلطة الميليشيات أبان الحرب الأهلية. لم تكن هذه الشرائح الجديدة غريبة عن فكر وارتباطات شرائح الطبقة البرجوازية الحاكمة، بل كانت منسجمة كل الانسجام معها، وسرعان ما احتلت مواقع أساسية في الحكومات أو في مجلس النواب. وأصبح بعض رموزها من ثوابت السلطة اللبنانية الحاكمة. وكان أبرز هذه الرموز الرئيس رفيق الحريري ونائب رئيس مجلس الوزراء النائب عصام فارس ورئيس مجلس النواب نبيه بري. لقد مثل الرئيس الحريري، من بداية التسعينيات، القائد غير المنازع لهذه الطبقة.

إن الفكر السياسي والاقتصادي لهذه الطبقة الحاكمة، والمعبر عن دورها الاقتصادي وولاءاتها وارتباطاتها الخارجية، أُضيف إليه فكر وتوجهات "إجماع واشنطن"، في مرحلة صعود الأمبريالية الجديدة وسعيها لعولمة مصالحها وهيمنتها وفكرها وثقافتها، بقيادة المحافظين الجدد في المركز الأميركي.

فالطبقة الحاكمة في لبنان كانت تدعو دائماً إلى رفع كل العقبات أمام التجارة الخارجية خاصة- ما عدا بعض القطاعات الاحتكارية للإنتاج في الداخل مثل الإسمنت والكابلات- كما تدعو إلى خفض الضرائب المباشرة أو إلغائها على الأرباح والمداخيل الرأسمالية والريعية. وكانت هذه الطبقة، وما زالت، ترفض رفضاً قاطعاً فرض ضريبة على الثروة، تلك الضريبة التي كثيراً ما تلجأ إليها الدول التي تتفاوت فيها المداخيل والثروات بشكل واسع، وخاصة بعد الحروب، لتعيد توزيع أعباء الحروب بشكل عادل. وتجربة ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية مثال جيد على ذلك.

وكانت هذه الطبقة وما زالت ضد قطاعات الإنتاج السلعي، وخاصة الزراعة والصناعة، إذ يمكن لنمو هذين القطاعين أن يقلص من أعمال وأرباح أصحاب الوكالات الحصرية في الاستيراد ولو على المدى المتوسط والقصير. فلبنان "جمهورية التجار" كما سماه "ألبرت حوراني"، يقوم على "الأعمال في الخارج وعلى العلاقات مع الخارج" كما رءاه وأراده ميشيل شيحا، وليس على الإنتاج المحلي.

 

كانت المصارف التجارية وما زالت تحتل موقعاً أساسياً ومهيمناً في "جمهورية التجار". ففي الثلاثينيات من القرن الماضي "كان بنك فرعون وشيحا... يمثل سلطة المال الفعلية في المدينة (بيروت)، كما يمول الحملات الانتخابية للكتلة الدستورية، إلى حد أن اسكندر الرياشي اتهمه بأنه يعين ثلاثة أرباع المجلس النيابي تعييناً، ويسيطر على كتلة من 24 نائباً يتقاضون منه جميعاً المرتبات الشهرية. كما اتهم الرياشي نفس المصرف بأنه كان المسيّر الفعلي لسياسة الدولة الاقتصادية، ومقرر تشريعاتها الضريبية، أيام تولي بشارة الخوري رئاسة الحكومة في الثلاثينيات" كما يذكر فواز طرابلسي. وفي الستينيات من القرن الماضي، احتل بنك أنترا موقعاً مماثلاً في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية، قبل أن يعلن إفلاسه القسري بأمر وتحريض من قوى فاعلة أجنبية. فقد كان هذا المصرف يدفع رواتب شهرية لأكثر من 65 نائباً ووزيراً.

أما على الصعيد السياسي، فإن هذه الطبقة بمعظم مفكريها ورموزها كانت ضد الاستقلال عن الدولة المنتدبة، هذا الاستقلال الذي أتى به نضال الجماهير عبر انتفاضات وثورات متلاحقة في سورية ولبنان، كما أسهمت فيه ظروف دولية دفعت بريطانيا لإنهاء الاحتلال الفرنسي بواسطة دبابات الجنرال سبيرز. ثم وقفت هذه الطبقة مع سياسة الأحلاف البريطانية الأميركية في بداية الخمسينيات. وكتب شيحا في تبرير التبعية الخارجية قائلاً: "وفي ما يتعدى الاستقلالات، توجد التبعيات في الطبيعة (ومثالنا على ذلك طبيعة الأشياء) وهي تبعيات لا يفلت منها أي تجمع بشري". وقال إدوار حنين، أحد منظري الانعزال اللبناني،: "لبنان عندما يُرتَهَن يَعتز، وعندما يستقل يهتز"[1].

لقد بنت هذه الطبقة الحاكمة دولة لخدمة مصالحها الاقتصادية، وهي دولة مهمتها الأساسية الدفاع عن أمنها ومصالحها وسلطتها، مسخرة "الاقطاع السياسي"، أو بالأحرى الأرستقراطية الريفية ذات الجذور الاقطاعية، لكبت الجماهير الريفية التي تعاني من التهميش والإفقار، ومنع تمردها على السلطة المركزية. وتتستر هذه الطبقة وراء فكر غنائي فولكلوري يرفض العلم والدراسات الاقتصادية والاجتماعية، ويرفض القيام بإحصاءات تظهر الواقع المعاش بشكل علمي، وتؤسس لسياسات عقلانية اقتصادية واجتماعية. بل إنها تتصدى لأي نهج علمي بحجة "فرادة" لبنان واستثنائيته، وبالتالي عدم ملاءمة القواعد العلمية لتسيير الحكم فيه. لذلك كان شيحا يقول بأنه يؤثِر "الاقتصاد الشعري" على "الاقتصاد السياسي". ويقول أيضاً: "نستطيع أن نحكم لبنان مغمضي العيون، مثلما نستعين بالرادار لتحط طائرة على الأرض وسط الضباب"[2]. والرادار هنا هو مصالح الطبقة الحاكمة الكولونيالية.

كان الاستثناء في تاريخ لبنان الحديث مرحلة حكم اللواء فؤاد شهاب الذي عمد إلى عقلنة الإدارة العامة والاقتصاد، أو حاول ذلك على الأقل. استقدم بعثة "إرفد" لدراسة الواقع اللبناني ووضع الحلول العلمية لمشاكله، فكسب بذلك عداء الطبقة الحاكمة التي عملت على وضع حد لهذه التجربة الرائدة، وعلى إزالة أو إجهاض الإصلاحات الشهابية والتراجع عن العقلانية في تسيير الاقتصاد، والعودة بلبنان إلى سياساته السابقة هذه السياسات التي تموه الواقع أمام الجماهير وتستر استغلال الطبقة الحاكمة وتحمي مصالحها. يقول الأب لوبريه الذي ترأس بعثة "إرفد": "إن لبنان قد باشر محاولة الفهم (فهم ذاته)، وقد كان يعتبر نفسه إلى الآن بمثابة "أعجوبة"، أي شيء قائم ومستمر بلا حاجة إلى تفسير"، كما يذكر طرابلسي.

أضيفت لهذه المنطلقات الفكرية للطبقة الحاكمة بعض أفكار "الليبرالية الجديدة" في السياسة والاقتصاد. فقد هيمنت "الليبرالية الجديدة" على توجهات "إجماع واشنطن" منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وبالتحديد مع وصول تاتشر إلى السلطة في بريطانيا عام 1979 ووصول ريغن إلى الرئاسة في الولايات المتحدة في السنة التالية. فقد أصبحت "الليبرالية الجديدة" فكر حركة العولمة بقيادة أميركية، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، هذا السقوط الذي فتح المجال واسعاً أمام الأمبريالية للهيمنة على العالم، وأمام الفكر الليبرالي الجديد في أن يصبح الفكر السائد في معظم أنحاء العالم. فالبرنامج الاقتصادي لليبرالية الجديدة يشمل تحرير الأسواق المالية وفتحها أمام حركة رؤوس الأموال الساخنة وغير الساخنة، كما أمام البضائع والخدمات. ويشمل سياسات التخصيص لإزاحة القطاع العام من نطاق الإنتاج السلعي ومعظم إنتاج الخدمات، الضروري والاستراتيجي منها، وتصغير حجم الحكومات عبر تقزيم دورها الاقتصادي والاجتماعي، وخفض معدل الضرائب المباشرة التي يقع عبؤها على كاهل الطبقات الثرية، وإسقاط هدف العمالة الكاملة نسبياً التي كانت في السابق هدفاً أساسياً للسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية.

يُضاف إلى هذه السايسات بالنسبة للدول النامية، التجارة الحرة من أي قيود أو موانع، المحافظة على (واحترام) الملكية الفكرية لشركات ومؤسسات الدول المتقدمة، والتنمية بقيادة قطاعات التصدير، وتحرير أسواق العمالة لإسقاط مبدأ العمالة الدائمة وضمانات العمل، والسياسات المالية الانكماشية حتى خلال مراحل الركود الاقتصادي، ورفع معدلات الاحتياطات النقدية لدى البنوك المركزية، وبالدولار بالتحديد.

ويمكن فهم الليبرالية الجديدة من خلال نظريتي توزيع الدخل والعمالة كما يقول توماس بالي. بالنسبة لتوزيع الدخل، فإن عوامل الإنتاج، خاصة العمالة، تأخذ الثمن الذي تستحقه عبر آليات العرض والطلب، مسقطين بذلك ضرورة المؤسسات الضامنة اجتماعياً والنقابات العمالية الضاغطة والمساومة على مستوى الأجور. ويَدعي الليبراليون الجدد أن مؤسسات الضمان يمكن أن تخفض مستوى الرفاه الاجتماعي، وأن تولد البطالة عبر تدخلها في آليات السوق.

أما في ما يختص بتوزيع المداخيل، تسعى الليبرالية الجديدة باستمرار إلى إلغاء القوانين الحامية للعمالة، مما يخفض القيمة الحقيقية للأجور ويضعف النقابات وقدرتها على المساومة مع أرباب العمل، ويشيع جواً من القلق وعدم الأمان في صفوف الطبقة العاملة.

فمكان نظرية العمالة الكاملة حلت نظرية "النسبة الطبيعية للعمالة" التي لا يمكن قياسها، ويُترك تقرير مستواها لعوامل السوق، دون تدخل الحكومات أو القوى الضاغطة لدى التنظيمات العمالية. وجنحت هذه الليبرالية لإبقاء معدلات الفوائد الحقيقية مرتفعة نسبياً، خاصة في الدول النامية، وذلك خدمة للأغنياء ولقطاع الأموال.

لم تكن هذه السياسات المفروضة في حقيقتها لخدمة الدول النامية، بل كانت تمثل مصالح الطبقات البرجوازية التابعة في تلك الدول، ومصالح شركات المراكز الأمبريالية في العالم، وعلى رأسها مصالح الشركات الأميركية العابرة للحدود الدولية. يقول الأميركي جوزف شتيغليتز (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد): "عكست الاتفاقات الدولية اهتماماتنا ومصالحنا. فقد أجبرنا الخارج على فتح أسواقه المالية لمشتقاتنا (Derivatives) ولتدفق رؤوس أموالنا المضاربة، مدركين تأثير ذلك على استقرار تلك الأسواق. ولكن وول ستريت أراد، وما أراده وول ستريت حصل على أكثر منه"[2][3]. ويقول أيضاً: "كانت نصيحتنا الثابتة، لبلد يعاني من أوقات صعبة ويواجه الركود، بضرورة خفض الإنفاق، بالرغم من أننا اعتمدنا عادة زيادة العجز في الإنفاق للخروج من الركود أو التباطؤ الاقتصادي". ويضيف متهكماً: "من خلال سياساتنا الاقتصادية، ومن خلال النفوذ الأميركي الطاغي على صندوق النقد الدولي، إن العم سام أصبح الدكتور سام، وهو يوزع وصفاته لبقية دول العالم: خَفِّض تلك الموازنة! خَفِّض تلك الحواجز الجمركية! خصص ذلك القطاع! وكبعض الأطباء، كنا منشغلين عن سماع آراء البلدان وفهم ظروفها"[3][4].

إن نهج النظام اللبناني منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي يمكن فهمه بالتالي من خلال الفكر "الشيحاوي" الذي برر نظام "جمهورية التجار" ونظّر له حتى أواخر النصف الأول من القرن الماضي، مضافاً إليه مبادئ الليبرالية الجديدة أو "إجماع واشنطن" المرتكزة إلى تنظيرات ميلتون فريدمان وجورج شنغلر وغيرهما. بل إن تبعية الطبقة الحاكمة في لبنان تفرض عليها الانضباط النسبي ضمن توجهات "إجماع واشنطن".

 

 

توجهات السياسة الاقتصادية اللبنانية خلال التسعينيات

وصل الرئيس الحريري إلى رئاسة مجلس الوزراء بصخب إعلامي كبير وبعد انتفاضة شعبية (بعضها مفتعل) نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وما أنتجه ذلك من تضخم كبير، بفعل دولرة الاقتصاد، أفقد أصحاب الدخل المحدود نسبة عالية من مدخولهم الحقيقي. وواكب وصول الرئيس الحريري إلى السلطة موجة تفاؤل اقتصادي تجاوبت معها الأسواق المالية، وانعكست إيجاباً على منحى تطور سعر صرف الليرة. فقد أمسك الرئيس الحريري، الواعد بالإنقاذ، مفاتيح السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والإعمارية، واتخذ رزمة من السياسات الاقتصادية والتغييرات الإدارية، بغية كبح التضخم وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

وبالرغم من تنكر الرئيس الحريري لفكرة التخطيط الاقتصادي (ما يعتبره فكراً شيوعياً أو يسارياً على الأقل) بغية الهروب من مناقشة خطته الاقتصادية والاجتماعية أمام مجلس النواب وعبر وسائل الإعلام، إلاّ أنه سارع بتكليف شركة بكتل الأميركية (الناشطة الآن جداً في العراق المحتل)، بالتعاون مع دار الهندسة ومجلس الإنماء والإعمار، لوضع خطة لإعادة الإعمار مع تقديرات الإنفاق عليها (حجم الإنفاق مع مصادره) ومقدار تجاوب القطاع الخاص مع إعادة إعمار البنية التحتية، ونتائج هذه الخطة على الصعيدين المالي والاقتصادي.

إن هذه الخطة المتمحورة حول مشاريع البنية التحتية، وفتح الأسواق كافة أمام الخارج، وتخفيض الضرائب المباشرة/ وسياسات التخصيص... هذه الخطة تستند إلى فرضيات سياسية واقتصادية ومالية عديدة، وإلى نموذج اقتصادي تم وضعه على عجل، ولا يستند إلى بيانات إحصائية طويلة ومتكاملة ومتسِّقة وشاملة للعديد من القطاعات الاقتصادية. وحتى لو توفرت مثل هذه اللوائح الإحصائية فإن متغيرات الظروف الاقتصادية في لبنان والمحيط والمتغيرات الاجتماعية التي مرّ بها لبنان تفقد هذه الإحصاءات المستعملة قدرتها على استشراف نتائج الإنفاق في البنية التحتية، ومدى تجاوب القطاع الخاص معه. كما اعتمدت الخطة على تقديرات سياسية، وفي ظل بقاء الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء كبيرة من جنوبي لبنان. تقول هذه التوقعات بحتمية وقرب تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وبالصلح العربي الصهيوني، وخلق نظام شرق أوسطي على أنقاض النظام العربي المنهار، يكون لإسرائيل فيه موقع أساسي، وللبنان مركز هام أيضاً، كمركز لسوق مالية قادرة على استقطاب المدخرات والفوائض النفطية العربية وإعادة توظيفها في المنطقة، وكمركز للشركات المتعددة الجنسية، وكمركز للخدمات السياحية أيضاً. وقد تجاهلت هذه التقديرات إرادة المقاومة اللبنانية والعربية للهجمة الأمبريالية الإسرائيلية، كما تجاهلت كل الأدبيات الإسرائيلية المنشورة في هذا المجال والتي لم تعطِ للبنان أي دور أساسي اقتصادي أو سياسي، بل وضعت على عاتقه أعباءً كبيرة، مثل بناء الطريق الساحلي العريض الذي يصل أوروبا بإسرائيل، والقليل من المنافع مثل الاستفادة من موسم السياحة الشتوية عند منحدرات جبل الشيخ (ولذلك هرع بعض الأثرياء من اللبنانيين إلى شراء مساحات كبيرة من الأراضي عند سفوح جبل الشيخ).

هدفت خطة "أفق ألفين للإنماء وإعادة الإعمار" (التي وضعها البنك الدولي بناء لدراسات شركة بكتل دار الهندسة وتبناها مجلس الإنماء والإعمار) إلى تحقيق نمو اقتصادي مرتفع الوتيرة نسبياً، وعلى مراحل متتالية. تمتد المرحلة الأولى، من سنة 1995 حتى سنة 1998 (أربع سنوات) تكون نسبة النمو الاقتصادي فيها 9 بالمئة سنوياً. وتمتد المرحلة الثانية أربع سنوات، لغاية سنة 2002، وتكون نسبة النمو فيها 8 بالمئة سنوياً. وتمتد الثالثة لغاية سنة 2005، ثلاث سنوات، وتكون نسبة النمو فيها 7 بالمئة سنوياً. وتمتد المرحلة الأخيرة حتى سنة 2007 وتكون نسبة النمو فيها 6 بالمئة سنوياً. كما قدرت نفقات الخطة بحوالي 13.7 مليار دولار[4][5].

لم تعرض الخطة للنقاش والتقويم، ووافقت عليها الحكومة اللبنانية وتبنتها. وكان معظم تقديرات الخطة على الصعيدين المالي والنقدي، كما على صعيدي الاقتصاد الكلي أو الجزئي، بعيدة عن الواقع والمقاييس الاقتصادية السليمة والتي ظهرت بوضوح خلال نقاش الخطة مع خبراء النقد الدولي، (وذلك بعد إقرارها ونشرها) في مصرف لبنان.

ركزت الخطة على إعمار البنية التحية، على اعتبار ذلك كفيلاً بإطلاق نشاط القطاع الخاص وزيادة توظيفاته الإنتاجية في كافة القطاعات. فما على الحكومة اللبنانية إلاّ أن توفر البيئة السياسية والاقتصادية الملائمتين حتى تتدفق التوظيفات الخارجية الكفيلة بتحقيق معدلات النمو المرجوة.

لم تنل قطاعات الإنتاج السلعي حصة تذكر في هذا البرنامج التنموي[5][6]. وتوزع الإنفاق حسب الخطة على المناطق الجغرافية بحيث احتفظت بيروت وضواحيها مع جبل لبنان بقيمة 49.7 بالمئة من مشاريع الإنفاق، أي ما يقارب نصف إنفاق الخطة المقرر.

أما تمويل هذه الخطة فقد توزع بين فوائض الموازنات العامة، 40 بالمئة، وقروض خارجية، 36 بالمئة، وقروض داخلية، 23 بالمئة، وواحد بالمئة فقط من منح أجنبية. وقدرت الخطة أن القطاع الخاص سيوظف ضعف نفقات الخطة في قطاعات الاقتصاد.

وعدت فذلكة موازنة 1995 بأن ينخفض العجز في الموازنة من 22.9 بالمئة من الناتج المحلي القائم لسنة 1995 إلى 0.4 بالمئة من هذا الناتج في سنة 2000، ثم تبدأ الموازنات في تحقيق فوائض متنامية بعد هذا التاريخ. وبذلك فإن الدين العام سيبلغ ذروته كنسبة من الناتج المحلي القائم في سنة 1999 حيث سيصل إلى 91 بالمئة من الناتج المحلي، ثم يبدأ بالإنخفاض ليصل إلى 41.9 بالمئة من هذا الناتج في سنة 2007. وقدرت الخطة أن كلفة الدين العام (أو بالأحرى خدمة الدين العام، أي الفائدة عليه) ستنخفض من 8.3 بالمئة من الناتج المحلي سنة 1995 إلى 3.5 بالمئة لسنة 2007، ومن 44.3 بالمئة من واردات الخزينة إلى 13 بالمئة من هذه الواردات خلال الفترة نفسها[6][7].

عند تنفيذ الخطة، ظهرت بوضوح أخطاء التقديرات والتوقعات. وما تم تحقيقه كان مغايراً لما تم تقديره. وكانت النتائج مغايرة لما توقعته تقديرات بكتل- دار الهندسة- البنك الدولي، وذلك حسب النماذج الاقتصادية المعتمدة. إن المبالغ التي تم إنفاقها فعلياً على المشاريع المدرجة للتنفيذ كانت أقل من نصف المبالغ المخطط لإنفاقها، بالرغم من توفر الأموال. فقد ظهر العديد من نقاط الإختناق بالرغم من أن رئيس الحكومة تخطى مع وزرائه معظم الأطر الإدارية والقوانين في توزيع التلزيمات على المقاولين المحليين والدوليين، وبأكلاف مرتفعة جداً بلغت في كثير من الأحيان أكثر من أربعة أضعاف الكلفة الحقيقية. كما عطلت الحكومة أجهزة الرقابة والمحاسبة، مثل ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، أو أهملت تقارير هذه الأجهزة. واعتمدت الحكومة في اتخاذ القرارات في الإدارات العامة وتنفيذ بعضها على فريق خاص من المستشارين، متخطية بذلك كل الأطر الإدارية والقوانين التنظيمية.

وتم التركيز في برامج الإنفاق على مدينة بيروت دون ضواحيها من أحزمة الفقر المكونة من الهجرات الريفية، وعلى حساب "الملحقات" في بقية المحافظات اللبنانية. فقد نالت بيروت من الاستثمار المقدر للفرد (حسب خطة آفاق 2000) أكثر من المقرر لها بنسبة 44 بالمئة، وعلى حساب بقية المناطق.

أما معدل النمو الاقتصادي المحقق فعلياً فكان بعيداً كل البعد عن تقدير الخطة الموضوعة، كما يبين الجدول التالي:

معدلات النمو الاقتصادي المستهدفة والمحققة حسب خطة آفاق "2000"

(الأرقام بالنسب المئوية)

السنة

1995

1996

1997

1998

1999

2000

2001

2002

معدل النمو المستهدف

9

9

9

9

8

8

8

8

معدل النمو المحقق

6.5

4

4

3

1

0

1.5

2

المصدر: وزارة الشؤون الاجتماعية و(UNDP)، مرجع سابق، ص 40

 

 

السياسة المالية

تحتل السياسة المالية موقعاً أساسياً في أي نظام اقتصادي اجتماعي. ودراسة السياسة المالية لأي دولة تدل على فكر الطبقة الحاكمة فيها وعلى توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي السياسية. وللسياسة المالية أهدافها النهائية والوسيطة. يمكن اختصار الهدف النهائي بتحقيق نمو ثابت ودائم وشامل في الناتج المحلي، كما في عوامل الإنتاج كافة. يعني ذلك ارتفاع مضطرد في معدل الدخل الحقيقي للفرد، ونمو فرص العمل وخفض معدلات البطالة إلى ما يقارب الصفر، وتطوير وتحديث وسائل الإنتاج، وتنمية كفاءة القوى العاملة، وإعطاء الإنسان حقوقه الأساسية في العمل والسكن والصحة والتعليم والحقوق السياسية، وتضييق الفوارق الطبقية والفوارق في المداخيل عبر وقع السياسة المالية (ضرائب وإنفاق).

ويتم السعي لتحقيق هذه الهداف عبر رزمة متساندة من السياسات، الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية، الهادفة إلى تحسين مجموعة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. ويمكن القول أن المؤشرات الاقتصادية الأهم، أو الأهداف الوسيطة، هي التالية: معدل نمو الناتج المحلي القائم، نسبة الدين العام للناتج المحلي وتطور هذه النسبة، معدل البطالة، معدل التضخم، معدل الفوائد الحقيقية، معدلات الإدخار الوطني الصافي، معدلات التوظيف المنتج أو المجدي، تطور سعر الصرف الحقيقي للعملة، ميزان المدفوعات، ميزان الحساب الجاري، تطور القدرة التنافسية لقطاعات الاقتصاد، توزيع الناتج المحلي القائم، توزيع القيمة المضافة على عوامل الإنتاج.

إن نظرة شاملة وسريعة على تطور الموازنة اللبنانية ووضع المسألة المالية العامة يُظهر مدى الخلل الكبير الذي أحدثته السياسات المالية في بنية الاقتصاد اللبناني، منذ سنة 1992 وحتى سنة 2004، وذلك في مقوماته الأساسية المذكورة أعلاه.

فقد نمت واردات الخزينة خلال الإثنتي عشر سنة المنصرمة بنسبة 574 بالمئة، ونمت نفقاتها بنسبة 507.6 بالمئة، ونما عجز الموازنة بنسبة 435 بالمئة، ونما الدين العام بأكثر من 1167 بالمئة، ونما الدين الخارجي بنسبة 4204 بالمئة. وبلغ الدين العام أكثر من 200 بالمئة من الناتج المحلي، كما بلغت خدمة الدين 19 بالمئة من هذا الناتج لسنة 2003.

أنتج هذا العجز الكبير في المالية العامة تراكماً سريعاً في الدين العام قارب حدود 40 مليار دولار، إذا ما احتسبنا الديون المترتبة على الخزينة لمؤسسات القطاعين العام والخاص. لم ينتج هذا الدين بنسبته الكبرى عن الإنفاق التنموي المنتج أو المجدي، بل نتج عن الإنفاق الجاري غير المنتج، وعن خدمة هذا الدين.

فبينما كان الإنفاق التوظيفي يبلغ نصف الإنفاق العام في أواسط السبعينيات من القرن الماضي (ونصف الواردات، إذ كانت الموازنات متوازنة) انخفضت نسبته عند بداية هذا القرن إلى حوالي 6 بالمئة من مجمل إنفاق الموازنة. فعندما اتجهت الحكومة إلى خفض النفقات، بعد الوقوع في فخ المديونية، بغية محاولة احتواء الدين العام، خفضت الإنفاق التوظيفي والإنفاق المجدي في العديد من الوزارات، مما أقعدها. فخلال سنتي 2001 و2002 فقط تم تخفيض موازنة وزارة الزراعة بنسبة 44 بالمئة ، وموازنة وزارة الصناعة بنسبة 35.3 بالمئة، ووزارة الطاقة والمياه بنسبة 35.9 بالمئة، وموازنة وزارة الأشغال العامة بنسبة 53.6 بالمئة، بينما ارتفعت مخصصات وزارة الداخلية على سبيل المثال.

إن تخفيض موازنات بعض الوزارات المذكورة أعلاه لم يمس بنود الرواتب والأجور طبعاً، بل خفض الإنفاق المجدي أو سقط كلياً. بالنسبة لوزارة الزراعة تم إسقاط اعتمادات المشروع الأزرق المعني بتنمية الثروة السمكية ورفع إنتاج لبنان من الأسماك خلال سنوات معدودة، وبكلفة بسيطة نسبياً من 3500 طن في السنة إلى ما يزيد عن 45 ألف طن، من المياه الحلوة والمياه الإقليمية اللبنانية. كما أقعد تخفيض موازنة هذه الوزارة المرشدين الزراعيين من مهندسين وخبراء إذ شطب اعتماد الوقود لسياراتهم، فتحولوا إلى موظفين بيروقراطيين غير منتجين. وهذا التحليل يصح بالنسبة لبقية الوزارات المنتجة مثل وزارة الصناعة ووزارة الأشغال العامة.

 

 

واردات الخزينة

نمت واردات الخزينة من سنة 1992 حتى سنة 2004، بالسعر الجاري للدولار، بمعدل 574 بالمئة، بينما نما الناتج المحلي القائم بنسبة لا تتجاوز 208 بالمئة خلال الفترة نفسها. أي أن المالية العامة رفعت نسبة اقتطاعها من الناتج المحلي بنسبة 176 بالمئة تقريباً. بلغ هذا الاقتطاع ما يقارب 24.5 بالمئة من الناتج المحلي القائم، بعد أن كان لا يتجاوز 14 بالمئة في سنة 1975.

يقول شتغلتز: "كل نظام ضريبي هو تعبير عن القيم الأساسية للدول وسياستها. فهو يترجم إلى نقد ما يمكن اعتباره كلاماً بلاغياً أو دعائياً". ومتغيرات النظام الضريبي اللبناني، ما بعد سنة 1992، تظهر قيم الطبقة الحاكمة وتوجهاتها بشكل واضح. فتحت شعار جعل لبنان جنة ضريبية خفضت حكومات الرئيس الحريري معدلات الضرائب المباشرة كافة. فقد خقضت الضريبة على أرباح الشركات من ضريبة تصاعدية تبلغ شطورها العليا 45 بالمئة إلى ضريبة مسطحة (Flat Rate) تبلغ 15 بالمئة. كما خفضت الضرائب على الشركات القابضة وعلى المداخيل الريعية والأرباح الرأسمالية الناتجة عن المضاربات إلى ما بين 10 و15 بالمئة. أما ضريبة الدخل على الرواتب والأجور فتم تخفيضها إلى ضريبة تصاعدية تتراوح بين 2 بالمئة و20 بالمئة حسب شطور الدخل. أي ان الضرائب على شرائح الرواتب والأجور أصبحت أكثر ارتفاعاً من الضرائب على المداخيل الريعية والرأسمالية في شطورها العليا. وبقيت الضرائب تحتسب على أنواع المداخل منفردة، ولا تحتسب على مجمل دخل الأفراد، وذلك خدمة لأصحاب المداخيل المتعددة والمرتفعة. كما أعفت التشريعات الجديدة الطبقة المالكة الثرية عملياً من ضريبة الانتقال والإرث، وذلك عبر تشريع سمح للمالكين بتأليف شركات عقارية (ولو لم يكونوا من العاملين في تجارة العقارات) يتم تداول أسهمها العقارية بدون أي ضريبة أو رسوم.

إن هذه التشريعات جميعها خفضت من أعباء الضرائب المباشرة التي تتحملها الشركات والمؤسسات الكبيرة والأثرياء في المجتمع. كان أحد تبريرات هذه التخفيضات الضرييبة تشجيع الشركات على عدم التهرب من الضريبة، ولكنها لم تكن فاعلة من هذه الناحية. فمعظم المؤسسات الكبرى المالية والتجارية والخدماتية قادرة دائماً على التهرب من الضرائب عبر دفع الرشاوى، وعبر وسائل وطرق محاسبية متعددة. كان بعض القيمين في وزارة المال يقول بأن الضريبة المستحقة تقسم إلى ثلاثة أقسام، ثلث يدفع إلى وزارة المال، وثلث يوزع كرشوة، والثلث الباقي يبقى لدى الشركات والمؤسسات. كما أن القوانين المعمول بها تشجع على التهرب من الضرائب. مثل على ذلك، أن قانون لجنة الرقابة على المصارف يمنع المراقبين من التطرق إلى موضوع الضرائب والتهرب منها. ولذلك وبالرغم من الأرباح الفاحشة التي تحققها المصارف وتعلن عنها في بياناتها الدعائية وتجمعها جمعية المصارف وتفصح عن مجموعها، فإن العديد من المصارف الكبيرة والأساسية لا تظهر أي أرباح خاضعة للضرائب لدى الخزينة اللبنانية.

أما نمو واردات الخزينة بنسب مرتفعة جداً، فقد تحقق عبر زيادات كبيرة في الضرائب غير المباشرة والرسوم التي يقع عبؤها الضريبي على الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود. فقد زادت الرسوم على الهاتف مثلاً بأكثر من خمسة أضعاف عام 1955 ثم تضاعفت خلال سنتي 1997 و1998، وتضاعف الرسم الثابت تقريباً خلال سنة 2003. كما ارتفعت الرسوم على الآليات سبعة أضعاف عام 1995، كما تضاعفت عدة مرات الرسوم القضائية ورسوم جوازات السفر، ورسوم المغادرة عبر المطار، وتضاعفت كذلك الرسوم على البنزين وتعرفة الطاقة الكهربائية. كما إن تعرفة باهظة جداً وضعت على الهاتف الخليوي. إن جميع الرسوم المفروضة والتي تتجاوز قيمتها سعر الكلفة هي في حقيقتها ضرائب غير مباشرة. وبعض الرسوم مثل الرسوم القضائية تشكل عائقاً كبيراً امام قدرة المواطن العادي على الوصول إلى حقه واجباره في معظم الأحيان على التخلي عنه لمن هو أقدر منه مالياً أو سياسياً. كما أن الحكومة أدخلت القيمة المضافة (هي ضريبة غير مباشرة أيضاً) بمعدل 10 بالمئة على جميع السلع والخدمات المستوردة أو المنتجة محلياً. وعند التطبيق الفعلي، وبسبب تراكمية هذه الضريبة في كثير من الأحيان، تصبح ضريبة القيمة المضافة على السلع المنتجة محلياً أعلى منها على السلع المستوردة. وتم تطبيق هذه الضريبة بشكل يتعارض مع القانون المقر في مجلس النواب. فقد طبقت ضريبة القيمة المضافة على ثمن السلعة مضافاً إليها الضرائب والرسوم السابقة، والضريبة ليست قيمة مضافة، وكذلك الرسوم على السلع والخدمات، كما يظهر واضحاً في فواتير الكهرباء والهاتف وغيرها. وتصل ضريبة القيمة المضافة على البنزين مثلاً إلى ما يقارب 100 بالمئة من ثمن الاستيراد. وبالتالي فبسبب تراكمية الضريبة المضافة وبسبب تطبيقها على جميع الضرائب والرسوم السابقة على السلع والخدمات، فقد بلغت قيمتها الحقيقية أكثر من 17 بالمئة بدلاً من 10 بالمئة المعلنة. وهذا ما يفسر "كفاءة" وزارة المال في جباية ضعف ما كان مقدراً لهذه الضريبة أن تجنيه.

إن هذه المتغيرات الضريبية وطرق تطبيقها الملتوية تدل على توجهات وقيم الطبقة الحاكمة. فهذه المتغيرات الضريبية أعادت توزيع الأعباء الضريبية لغير مصلحة الفئات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود، ولمصلحة البنوك والشركات والطبقات الغنية في المجتمع. فقد اصبحت الضرائب غير المباشرة تمثل 80 بالمئة من الضخ الضريبي بدل 30 بالمئة الموجودة في معظم دول العالم المتقدمة صناعياً.

الإنفاق العام

ارتفع الإنفاق العام بين سنة 1992 وسنة 2003 من 1.178 مليار دولار إلى 7.158 مليار دولار في السنة، وبنسبة قدرها 507.6 بالمئة. وارتفع الإنفاق الفعلي (الإنفاق ناقص خدمة الدين) من 0.875 مليار دولار إلى 3.945 مليار دولار، وبنسبة 350.8 بالمئة. أما كنسبة من الناتج المحلي القائم فإن الإنفاق الفعلي ارتفع من 15 بالمئة من الناتج سنة 1952 إلى 22.2 بالمئة من الناتج كمعدل للسنوات من 2001 إلى 2003. وقد وصل نصيب الإنفاق الجاري إلى حوالي 94 بالمئة من الإنفاق.

يظهر من هذه الأرقام ان كلفة السلطة على الاقتصاد ارتفعت من 7 بالمئة من الناتج المحلي القائم سنة 1975 إلى حوالي 15 بالمئة سنة 1992، ثم إلى حوالي 20.42 بالمئة من الناتج المحلي عند بداية القرن الحادي والعشرين. أما المعدل العالمي لكلفة السلطة هذه فلا يتجاوز 8.5 بالمئة من الناتج المحلي. فقد ارتفع عبء السلطة على الاقتصاد بالرغم من ترهلها وتراجع فعاليتها من ناحية، وزيادة أعبائها غير المباشرة على قطاعات الاقتصاد كافة. فقد ازداد فساد الإدارة العامة لأسباب عديدة أهمها تسييس الإدارة وتقاسمها من قبل القيادات الطائفية، تهميش أجهزة المراقبة والمحاسبة، تراكم القوانين والأنظمة والتشريعات التي أعطت موظفي الإدارة إجمالاً حيزاً كبيراً من الاستنساب في تطبيق النصوص القانونية، حماية السياسيين لعدد كبير من الموظفين، هذه الحماية التي تضعهم خارج نطاق المساءلة والمحاسبة. فقد احتل لبنان المرتبة الثامنة والسبعين بين الدول الأكثر فساداً من بين 133 دولة شملها تقرير منظمة الشفافية الدولية، وهو في أسفل قائمة دول الشرق الأوسط، وذلك لسنة 2004[7][8].

 

 

وقع السياسة المالية على الاقتصاد

أ‌-       الدين العام

أخذ الدين العام في التراكم السريع نتيجة السياسة المالية المتبعة. فقد أصرت الحكومات الحريرية على عدم أهمية الدين العام حتى بعد منتصف التسعينيات. فخلال سنوات الحرب، وبالرغم من انعدام معظم موارد الخزينة بقي الدين العام متواضعاً، وذلك بسبب ضريبة التضخم. كانت الأكثرية الشعبية من أصحاب الودائع والمدخرات المتواضعة غير مدركة لمخاطر التضخم، مأخوذة بوهم النقد وارتفاع الفائدة الاسمية على الليرة، غير مدركة لخطر التضخم على القيمة الحقيقية لمدخراتها. ودفعت هذه الفئات الشعبية ضريبة التضخم التي وصلت خلال سنوات الحرب إلى 12 مليار دولار تقريباً. ولذلك، وبرغم عجوزات الموازنة فقد بلغ الدين العام، مقوماً بالدولار، عند سنة 1992، حوالي 2.6 مليار دولار، بما فيه الدين الخارجي البالغ 362 مليون دولار في ذلك الحين.

ولكن وصول الرئيس الحريري إلى السلطة، مع برامجه الإنفاقية الطموحة جداً، غير النهج والصورة. فبين سنتي 1992 و1997 ارتفع إنفاق الخزينة بنسبة 409 بالمئة وارتفع العجز السنوي للخزينة بنسبة 535 بالئة وارتفع الدين العام بنسبة 484.5 بالمئة، وارتفع الدين الخارجي بنسبة 575 بالمئة، ولكنه بقي يشكل أقل من 16بالمئة من الدين العام. وبالرغم من تحذير العديد من الاقتصاديين والسياسيين للحكومة من مخاطر تفجر الدين العام، ومن مخاطر الدين الخارجي، وضرورة اختصار اللجوء إلى الدين الخارجي على تمويل المشاريع التنموية والإنتاجية القادرة على تسديد هذا الدين وكلفته من إنتاجها. إلاّ أن حكومة الرئيس الحريري لجأت إلى الديون الخارجية لتمويل إنفاقها الجاري ايضاً، حيث الفوائد على العملات الأجنبية أقل من الفوائد على العملة الوطنية. فقد أنفقت الحكومة نسبة 87.2 بالمئة من القروض الخارجية على الإنفاق الجاري أو على تمويل عجز الموازنة، وذلك حتى منتصف سنة 2004، ولم تحصل قطاعات الإنتاج إلاّ على جزء يسير جداً من هذا الدين. فقد حصل قطاع الزراعة على 0.44 بالمئة من هذه القروض، والصناعة على 0.25 بالمئة منها، والتعليم على 0.96 بالمئة، والاتصالات على 0.19 بالمئة، أما الكهرباء فقد حصلت على 4.41 بالمئة من مجمل القروض الخارجية، وذلك حسب تقارير مجلس الإنماء والإعمار. فقد نما الدين الخارجي منذ بداية سنة 1977 وحتى نهاية 2003 بنسبة 719 بالمئة، بينما نما مجمل الدين العام بنسبة 186.8 بالمئة. إن معظم هذا الدين الخارجي هو في حقيقته دين داخلي للمصارف اللبنانية، وقد تم الاكتتاب به في الخارج، وبشروط الدين الخارجي وقوانينه. فقد تم اللجوء للدين بالعملات الأجنبية بعد أن اسنفذت ديون الخزينة النسبة الأكبر من المدخرات المحلية بالعملة اللبنانية، وطردت القطاع الخاص من هذه السوق.

إن لتراكم الدين آثاراً سلبية عديدة. إنه، أولاً، يرفع معدل المخاطر على النقد الوطني من ناحية القدرة علىالمحافظة على سعر الصرف، ويخفض القدرة الإئتمانية الخارجية للبنان، أي يخفض مستوى تقويمه الإئتماني الذي وصل إلى درجة ب (-B)، أي إنه عملياً وضع لبنان خارج الأسواق الدولية. ويرتد كل ذلك على رفع كلفة الأموال،وعلى تدفق رؤوس الأموال الخارجية. ويكبح بالتالي النمو الاقتصادي إذ يرفع الفوائد الحقيقية إلى مستويات مرتفعة جداً، خاصة على العملات الأجنبية.

ثم إن آلية خدمة الدين العام المستندة إلى نظام ضريبي يضع العبء الضريبي على كاهل الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود، وإلى توزيع ظالم للثروة يجعل أقل من واحد بالمئة من المودعين (الذين يملك الواحد منهم العديد من الحسابات المصرفية) يستحوذون على أكثر من 80 بالمئة من الودائع، وسيطرة المصارف والأثرياء على معظم ريوع سندات الخزينة اللبنانية... إن هذا الواقع يجعل من آلية خدمة الدين أداة جبارة لضخ الثروة من الطبقات الشعبية إلى المصارف والأثرياء، وذلك يوسع الفروقات الطبقية والظلم الاجتماعي، فيغني الأغنياء ويفقر الفقراء.

كما أن من شأن تراكم الدين العام وسياسات الخصخصة أن يجعل الأجيال الحالية تستهلك مدخرات الأجيال السابقة، وذلك عبر تدني معدلات الادخار الوطني عن معدلات اهتلاك البنية التحتية ووسائل الإنتاج، ويمكن الأجيال الحالية من استهلاك إنتاج الأجيال القادمة المجبرة على تسديد هذا الدين العام.

 

ب‌-   وقع السياسة المالية على الرواتب

انعكست السياسات المالية (من ارتفاع معدل الضرائب غير المباشرة كنسبة من الضخ الضريبي، وكذلك زيادة الرسوم) على الأجور والرواتب الحقيقية في لبنان. فقد ارتفعت الرسوم عدة أضعاف على العديد من السلع والخدمات ذات المرونة المنخفضة من ناحية الطلب الشعبي عليها، خاصة على المديين القصير والمتوسط، وحيث من الصعب الاستغناء عنها أو إيجاد بدائل لها، مثل الطلب على المحروقات والطاقة الكهربائية والهاتف والمياه والبريد والعديد من الخدمات والسلع التي يقدمها القطاع العام والإدارات الحكومية.

فمنذ سنة 1992 حتى سنة 1999، ارتفع مؤشر الحد الأدنى للأجور بمعدل 254 بالمئة، بينما ارتفع مؤشر الرسوم غير المباشرة على الفرد بمعدل 563 بالمئة[8][9]. كما أنه لم يحدث أي تغيير على الحد الأدنى للأجر لدى القطاع الخاص منذ سنة 1996، بالرغم من أن غلاء المعيشة المتراكم منذ ذلك التاريخ والمبني على مؤشر أسعار سلع الاستهلاك الذي يعتمده مصرف لبنان قد ارتفع بنسبة 26 بالمئة. أي أن الأجر الحقيقي قد تدنى فعلاً بأكثر من هذه النسبة، لأن مؤشر التضخم المذكور يستثني بعض السلع والخدمات التي يعتبرها ثابتة، وهي ليست كذلك. يضاف إلى كل ذلك ارتفاع معدلات البطالة بنسب غير معروفة تماماً، وذلك لتَمَنُّع السلطات اللبنانية عن القيام بمثل هذه الإحصاءات. ولكن المؤشرات الاقتصادية كافة تدل على استفحال معدلات البطالة، وتدني القدرة الاستهلاكية للمواطنين. إن الاحصاءات الجمركية مثلاً تدل على تدني الواردات، حتى بالسعر الجاري للدولار، والذي يخفي نسبة عالية من التضخم، خاصة بعد تدني سعر صرفه بالنسبة لبقية العملات وبالنسبة لليورو بشكل أخص. فقد انخفضت واردات السلع الغذائية والسلع المعمرة كما مستوردات مدخلات الإنتاج. وانخفضت الواردات اللبنانية بالسعر الجاري للدولار، من سنة 1995 حتى سنة 1999 بحوالي 18 بالمئة، نتيجة تدني القدرة الشرائية، أي القيمة الحقيقية للمداخيل بالنسبة للأكثرية الساحقة من اللبنانيين. وتشير بعض الإحصاءات في قطاع الصناعة على تدني العمالة فيها بنسب مرتفعة جداً. فقد دلّت إحصاءات جمعية الصناعيين على تدني نسبة العمالة بمعدلات مرتفعة جداً في قطاع الملبوسات.تتسع طاقة هذا القطاع في مجال العمالة إلى حوالي 40 ألف عامل، بينما يستخدم في الوقت الراهن 8880 عاملاً، أي 22.2 بالمئة من قدرته التشغيلية. كما تشير هذه الإحصاءات إلى خسارة سبعة آلاف فرصة عمل منذ بداية سنة 2003 حتى نهاية الفصل الأول من سنة 2004، وإقفال 570 مصنعاً في هذا القطاع[9][10].

إن السبب الأساسي لتدني القدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية يعود إلى السياسات الضريبية المتبعة، وإلى ارتفاع كلفة الأموال، وارتفاع سعر الصرف الحقيقي للعملة الوطنية، كما إلى كشف السوق المحلية أمام مضاربات إغراقية خارجية، وذلك خدمة لكبار التجار ووفقاً لمبادئ الليبرالية الجديدة وإملاءات "إجماع واشنطن".

إن هذا الواقع المتردي والمواكب لإضعاف العمل النقابي وشرذمته، أدى إلى تدني الأجور الحقيقية وزيادة ساعات العمل، حتى في أكثر القطاعات ربحية مثل قطاع المصارف. لقد تخطت المصارف عقود العمل الجماعية وأسقطتها، من حيث الزيادات السنوية على الرواتب والأجور وتعويض غلاءات المعيشة، ومن حيث ساعات العمل الإضافية غير المدفوعة الأجر. إن ذلك يعيد توزيع القيمة المضافة في قطاعات الاقتصاد بين القوى العاملة ورؤوس الأموال، لمصلحة رؤوس الأموال وضد مصلحة الطبقات العاملة، وذلك انسجلماً أيضاً مع نهج الليبرالية الجديدة.

 

ج- النمو المتفاوت بين المناطق

يظهر قطع حساب الموازنة لسنوات 1993 و1995 و2001 أن حصة قطاعات الإنتاج السلعي في إنفاق الموازنة العامة بقي متواضعاً جداً، ويؤشر بوضوح إلى أفضليات وأولويات الطبقة الحاكمة في الإنفاق. إن الإنماء المتوازن بين المناطق يعني فعلياً الإنماء المتوازن بين قطاعات الإنتناج. إن قطاع الخدمات يتركز أصلاً في بيروت وبعض ضواحيها في جبل لبنان. وتنمية المناطق تعني عملياً وضع السياسات الملائمة وبناء البنية التحتية المطلوبة لتنمية قطاعات الإنتاج السلعي أولاً، من زراعة وصناعة يرتبط بعضها بالزراعة، وتنمية الخدمات الضرورية والمواكبة لتنمية قطاعات الإنتاج السلعي، مثل قطاعات التعليم النظامي والمهني، وسوق إقراض مدعوم للآجال المتوسط والطويلة، وخفض كلفة النقل والتبريد، وغيرها من الخدمات المواكبة لنمو هذه القطاعات. ولكن موازنات وزارتي الزراعة والصناعة، كما إنفاق خطة "آفاق 2000" على هذين القطاعين كان ضئيلاً جداً. إن موازنتي وزارتي الزراعة والصناعة لا يصل مجموعهما خلال التسعينيات إلى واحد في المئة من إنفاق الموازنة كما يتبين من الجدول التالي:

نسبة الإنفاق (بالمئة) على بعض الوزارات من مجمل الإنفاق الحقيقي

(مجمل الإنفاق ناقص خدمة الدين)

السنة

1993

1995

2001

وزارة الزراعة

0.293

0.479

0.602

وزارة الصناعة

0.029

0.039

0.052

وزارة الداخلية

12.601

12.027

9.637

وزارة الدفاع الوطني

27.341

28.99

23.017

المصدر: قطع حساب الموازنة للسنوات الثلاث المذكورة

كما أن إحصاءات مجلس الإنماء و الإعمار المتعلقة بالإنفاق التنموي الإجتماعي بين المناطق الجغرافبة اللبنانية تظهر انحياز السلطات اللبنانية إلى التوظيف الفعلي في بيروت, مركز السلطة والخدمات, وعلى حساب المناطق الأخرى, بالرغم من أن الخطة الموضوعة أصلاً هدفت إلى تحقيق نوع من التوازن في هذا الإنفاق, كما يبين الجدول التالي:

الاستثمار المرصود و الفعلي للفرد بحسب المحافظات في خطة "آفاق 2000"

(بالدولار الأميركي)

المحافظة

الاستثمار المقدر

الاستثمار المصحح

نسبة التصحيح (بالمئة)

بيروت

1515.5

2183

+44

ضواحي بيروت

1948.3

1365.1

-31.2

جبل لبنان

1460.8

1526.2

+4.5

الشمال

1647.5

1408.3

-14.5

الجنوب

1861.1

1419.2

-23.7

النبطية

2391.9

1719.9

-28.1

البقاع

2117.1

1609.1

-24

لبنان

1770.6

1544.3

-12.78

المصدر: وزارة الشؤون الاجتماعية، مرجع سابق، ص 36

أضافت السياسات الحكومية المالية واتفاق الشراكة مع السوق الأوروبية أعباء جديدة على قطاعات الإنتاج السلعي، وبالتالي على اقتصاد المناطق بشكل أساسي. فقد زادت الضرائب والرسوم من أعباء الإنتاج السلعي ولم يعوض تدني الأجور والرواتب الحقيقية أعباء زيادة الرسوم والضرائب، بل خفض الطلب على الإنتاج المحلي، حتى الضروري منه للاستهلاك الشعبي. فمعدل الأجور في الصناعة الناجحة تختلف من قطاع لآخر، ولا تتعدى نسبتها في قطاع الصناعة من 15 إلى 20 بالمئة من كلفة الإنتاج، بينما ترتفع أكلاف المدخلات من مواد خام ونصف مصنعة ومن طاقة واتصالات ومواصلات واهتلاك أدوات الإنتاج وكلفة الأموال إلى ما يقارب 70 بالمئة من كلفة الإنتاج. وتبلغ كلفة الطاقة وحدها في بعض الصناعات، مثل صناعة الورق، حوالي 35 بالمئة من كلفة الإنتاج. فالقول أن ارتفاع كلفة اليد العاملة اللبنانية هو السبب الأساسي في تدني القدرة التنافسية لقطاعات الإنتاج السلعي، قول غير صحيح بالمطلق.

إن بعض الواردات من السلع الوسطية والنهائية تخضع لضرائب جمركية أقل بكثير من معدلات دعمها في دول المصدر، ويشكل استيرادها إغراقاً ومنافسة غير عادلة للإنتاج المحلي. فالسلع الزراعية المستوردة، مدعومة عالمياً بنسبة لا تقل عن 35 بالمئة، وتصل في بعض الدول إلى 52 بالمئة (مثل الحليب ومشتقاته في سويسرا). وتنال كل بقرة في السوق الأوروبية المشتركة دعماً يومياً بمعدل دولارين أميركيين، أي أكثر من معدل الدخل الفردي لنصف سكان العالم. فهذا الإنتاج الزراعي المدعوم بنسب عالية جداً يدخل السوق اللبنانية بحواجز جمركية لا تتعدى 15 بالمئة فقط، لتنافس سلعاً لبنانية مبزولة ومرهقة بالضرائب والرسوم وبابتزاز المرابين وتجار مدخلات الإنتاج الزراعي. وكذلك إن بعض الإنتاج الصناعي المستورد تقل أسعاره عن ثمن مكونات المنتج النهائي المستوردة من المصدر نفسه. إن هذه السياسات الإغراقية المتعمدة هي لمصلحة طبقة التجار والمستوردين وتتناقض مع مصلحة المنتجين المحليين، فتبقي قطاعات الإنتاج السلعي اللبناني مشلولة، وترفع من الفوارق في التنمية بين بيروت والمناطق، وتولد موجات دائمة من الهجرات الريفية إلى أحزمة الفقر حول المدن.

د- سياسات التخصيص

منذ وصول الرئيس الحريري إلى السلطة طرحت سياسات الخصخصة كأحد أركان سياساته الاقتصادية. فقد بدأت سياسات التخصيص ضمن النهج الليبرالي الجديد في بريطانيا مع وصول تاتشر إلى السلطة، وحيث وضعت لهذه السياسات مبادئ وشروط. ومن أهم المبادئ والشروط التي حكمت عمليات الخصخصة نذكر التالية:

أولاً: على القطاعات المنوي تخصيصها أن لا تشكل احتكارات في السوق، بل يجب أن تعمل في سوق تنافسية حرة ترفع مستوى ومواصفات السلع والخدمات التي تنتجها هذه القطاعات وتحسن أسعارها.

ثانياً: أن يتم تخصيص القطاعات والمؤسسات بعد تفعيل وتعظيم ربحيتها إلى الحدود القصوى، لتأخذ أعلى سعر في السوق. ويتم ذلك عادة عبر تغيير إدارتها، على أن تأخذ الإدارة الجديدة بدل أتعابها كنسبة من تحسن سعر أسهم المؤسسة في السوق المالية نتيجة تحسن أدائها وتعظيم ربحيتها.

ثالثاً: يجب أن تعرض أسهم المؤسسات المعروضة للتخصيص للبيع عبر السوق المالية الرسمية، حيث تكون الأفضلية في الشراء للعاملين في هذه المؤسسات.

رابعاً: يجب أن تخضع هذه القطاعات التي يتم تخصيصها لرقابة هيئات حكومية دائمة، للتأكد من عدم تشكل احتكارات جديدة، وخاصة إذا كان إنتاج هذه المؤسسات من السلع الآستراتيجية والضرورية للمجتمع.

 

وبالتالي فإن الهدف الأساسي من سياسات التخصيص هو تقديم خدمات أو سلع للجمهور أعلى جودة وأدنى سعراً مما يستطيع القطاع العام تقديمه، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية على الخزينة إذا أمكن، وتصغير حجم السلطة وكلفتها على الاقتصاد، وتأمين دفق مالي غير متكرر للخزينة.

وبغض النظر عن نجاح هذه السياسات أو فشلها في تحقيق المصلحة العامة في الول المتقدمة إقتصادياً, فإن سياسات التخصيص في بلدان العالم الثالث والدول المتحولة إلى النظام الرأس مالي, لم تلتزم بأي من هذه المقاييس. فتحت تأثير الضغوطات السياسية والإقتصادية "لأجتماع واشنطن", كانت تتم عمليات التخصيص لصالح الشركات المتعددة الجنسية و لصالح الطبقات البرجوازية و المفيات المحلية, وضد مصالح الإقتصاد الوطني والفئات الشعبية. وتجارب بلدن اوروبا الشرقية والعديد من دول العالم الثالث, ومنها الدول العربية, تدل على ذلك.

وفي لبنان وبالرغم من صغر حجم القطاع العام في مجال الإقتصاد, وبالرغم من تاريخية النظام البرجوازي وطغيان القطاع الخاص, فقد توجهت الحكومة اللبنانية بحماس لتخصيص مؤسسات القطاع العام الإستراتيجية والحيوية بحيث أن معظم ما ينتجه القطاع العام من سلع و خدمات يجب أن تبقى خارج السوق اراسمالية وعوامل العرض والطلب في تحديد أسعارها. لم تلتزم الحكومة اللبنانية, بتشجيع و حث دائم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, بأي من مقاييس التخصيص الواردة أعلاه. فقد تم تخصيص قطاعات إحتكارية, و بالأحرى تم بيع إحتكارات القطاع العام إلى القطاع الخاص, خارج إطار المنافسة في السوق الحرة. وتم تخصيص القطاعات دون تعظيمها و تفعيل ربحيتها، بل مباشرة بعد رفع أسعار منتجاتها الإحتكارية في السوق, ليتحمل القطاع العام مسؤلية رفع الأسعار بدلاً من الإحتكار الخاص الجديد, و تم تحديد ثمن هذه الإحتكارات بصفقات توافقية و مزادات شكلية. و كثيراً ما تم بيع مؤسسات القطاع العام, مداورة, للبائع ذاته وبأسعار غير عادلة, وبعيداً عن آليات السوق الرأسمالية وعلم الجمهور. ولم تخضع هذه القطاعات التي تم تخصيصها لأية رقابة رسمية لاحقة, مما رفع من أرباحها الإحتكارية في السوق. ولم تتحسن سلع أو خدمات هذه المؤسسات, أو تنخفض أسعارها, بل ارتفعت الأسعار مع تدني النوعية. ولم تكسب الخزينة شيئاً من معظم صفقات التخصيص, بل استمرت الأعباء السابقة على القطاع العام, مثل أجور العمال و المستخدمين, واستحوذ القطاع الخاص على الأرباح والريوع. وتم التخصيص في أحيان كثيرة من وراء ظهر السلطة التشريعية, وبقرارات و مراسيم حكومية, مع سكوت السلطة التشريعية أو تواطئها. ولنقدم أمثلة على سياسات التخصيص هذه.

 

1-قطاع النفط ومشتقاته

منذ سنة 1992 تم تخصيص إستيراد المشتقات النفطية, وتدمير محطات التكرير في طرابلس والزهراني, وتأجير خزانات النفط للقطاع الخاص. إرتفعت أسعار المشتقات النفطية نتيجة تكوين "إحتكار نفطي" بين الشركات المستوردة, والمحمية أو المملوكة من قبل بعض قادة الطوائف, بأضعاف إرتفاع ثمن النفط الخام, وبقيت الخزينة اللبنانية تتحمل رواتب موظفي و عمال محطات التكرير المتوقفة عن العمل.

 

2-تم تخصيص لم القمامة في بيروت, ثم في ضواحي بيروت والعديد من المناطق اللبنانية لشركة سوكلين, والتي يملكها شكلياً شخص من صيدا على ما يقال, باسعار تبلغ ثلاثة أضعاف السعر العادل على الأقل[10][11], دون أن يتحقق أي دفق مالي للخزينة, بل تضاعفت الكلفة على البلديات عدة مرات, واقتطعت أموالها من قبل وزارة المالية مباشرة لمصلة شركة سوكلين, دون استشارتها في عمليات التلزيم و الدفع. وتم تلويث البيئة في المطامر, دون تقيد الشركة بشروط الطمر, ودون أي رقابة من قبل القطاع العام,ورغم كل الإعتراضات الجماهرية على هذا السلوك.

 

3-تم تخصيص تلزيم ومراقبة وتسعير كلفة إنشاء البنية التحتية في منطقة "سوليدير" لشركة سوليدير ومن يملكها من أصحاب السلطة. وتم دفع ثمن البنية التحتية بمساحات شاسعة من أملاك القطاع العام دون إجراء أية محاسبة أو رقابة, ودون دخول أي دفق مالي للخزينة اللبنانية.

 

4-تم تخصيص البريد في لبنان لشركة أجنبية, بعد مضاعفة رسوم البريد عدة أضعاف. لم يحقق هذا التخصيص أي دحخل للخزينة حسب ما نعلم. و تدنت مستويات الخدمة البريدية بشكل كبير جداً, وتقلص نطاق عملها, فانسحب من معظم الأرياف و البلدات الصغرة, وحتى الكبيرة منها, وأصبح معظم البريد يضيع في الطريق. لم تعد الخدمات البريدية، الحيوية و الإستراتيجية, حقاً للمواطن اللبناني ولا من يسأل أو يحاسب و بقيت الخزينة تدفع رواتب الموظفين العاطلين عن العمل.

 

5-تمت خصخصة صيانة المعامل الحرارية المولدة للطاقة الكهربائية, وكان هؤلاء يقومون بواجبات الصيانة على أكمل وجه. كما ن عقود بناء وإنشاء المعامل الحرارية كانت تنص على أن تتولى الشركات المصنعة تدريب المهندسين والفنيين اللبنانيين للقيام بكامل مهمات الصيانة. فنتيجة تخصيص الصيانة تحملت مؤسسة كهرباء لبنان, أي الخزينة, أي المواطن اللبناني, نفقات إضافية كبيرة, دون تخفيض عدد العاملين في المؤسسة.

ولا ننسى في هذه العجالة محاولات تخصيص الهاتف و شركات المياه, و مستشفى بيروت الحكومي, وشركة حصر التبغ والتنباك, وغيرها من المؤسسات, و بشروط مجحفة جداً بحق الخزينة و الأمن الإجتماعي , ومصلحة المواطن.

يمكننا القول بإختصار شديد أن سياسة التخصيص في لبنان كانت خارج جميع المقاييس الإقتصادية والعقلانية والقانونية المعمول بها في البلدان المتقدمة. فقد انتقلت احتكارات القطاع العام للقطاع الخاص. فاحتكار القطاع العام كان يعمل عادة لمصلحة الخزينة و(أو) لمصلحة المواطن, بينما احتكار القطاع الخاص يعمل لمصلحة أصحاب الإحتكار من أبناء الطبقة البرجوازية الحاكمة, و ضد مصلحة الخزينة و المواطنين. وأنتجت هذه القطاعات المخصخصة سلعاً و خدمات أكثر سوءً وأعلى ثمناً من السابق.

 

 

السياسة النقدية

تشارك السياسة النقدية السياسات الإقتصادية كافة, والسياسة المالية بشكل خاص في الأهداف النهائية, عبر أهداف بسيطة وآليات محددة للوصول إلى الأهداف النهائية. وتهدف معظم السياسات الوسيطة للمصارف المركزيةإلى تحقيق الإستقرار النقدي, والتمويل الملائم، من حيث الكلفة والآجال وشروط الإقراض, لقطاعات الإنتاج كافة, بحيث يحقق هذا التمويل الحد الأقصى من النمو والعمالة, في ظل معدلات منخفضة من التضخم. وفي الممارسة العملية, تستهدف معظم المصارف المركزية, توسعاً محدوداً و ضمن هوامش, للكتلة النقدية, أو تستهدف معدلات التضخم, وذلك للمساهمة في تخقيق الهدف النهائي.

سعت السياسة النقدية في لبنان, منذ سنة 1992 إلى الحد من معدلات التضخم, والتي بلغت معدلات جد مرتفعة أبان الحرب الأهلية و حتى بدايات التسعينات كما يدل الجدول التالي:

معدلات التضخم خلال التسعينيات (نسب مئوية)

السنة

1991

1992

1993

1994

1995

1996

1997

1998

1999

معدل التضخم

50.1

99.85

24.74

8.23

10.28

8.88

7.75

4.55

0.24

يظهر بشكل واضح نجاح السياسة في كبح معدلات التضخم. كان السبب الأساسي الكامن وراء المعدلات المرتفعة للتضخم, إنهيار سعر صرف الليرة اللبنانية, في إقتصاد "مدولر" وشديد الإنكشاف على الخارج بحيث تبلغ تجارته الخارجية ما يقارب نصف ناتجه المحلي القائم. وعندما حافظت العملة اللبنانية على سعر صرفها, بل تحسن سعر صرفها بالنسبة للدولار, والذي بدوره كان يرتفع سعر صرفه بالنسبة للعملات الأساسية في العالم, تم كبح جماح التضخم. غير أن نسب التضخم المسجلة لم تعكس فعلياً تحسن سعر الصرف الحقيقي للعملة اللبنانية و يعود ذلك لثلاثة أسباب, أولاً الإرتفاع الكبير في الرسوم والضرائب غير المباشرة, والثاني إرتفاع الفوائد الحقيقية في السوق اللبنانية, و الثالث لتوسع الإحتكارات و ارتفاع الأرباح الإحتكارية في العديد من القطاعات كما سنرى لاحقاً.

كانت السياسات النقدية إلى حد بعيد, ترجمة أمينة لتوجهات الطبقة الحاكمة ورؤيتها الاقتصادية. فقد شكل دعم القطاع المصرفي وتنمية الأسواق المالية إحدى الأهداف الأساسية في برنامج إعادة تنمية الاقتصاد اللبناني. فقد اعتبر العديد من منظري الطبقة الحاكمة أن تنمية الأسواق النقدية والمالية كفيل بتمكين لبنان من استرداد دوره كسوق مالية للمشرق العربي، وأن ذلك كفيل باستعادة التدفقات المالية من دول الجوار، خاصة في ظل التخفيضات الكبيرة في الضرائب المباشرة، وتوظيف بعض هذه التدفقات في قطاعات الاقتصاد. وقدر برنامج "آفاق 2000" أن هذه التوظيفات من قبل القطاع الخاص، ستصل إلى ضعفي ما توظفه الخطة في البنية التحتية، وبذلك تتحقق معدلات التنمية الاقتصادية المقدرة.

وتم الحديث من قبل بعض المسؤولين في مصرف لبنان في بداية التسعينات عن "دولار بيروت"، على غرار اليورو دولار، لتمويل برامج التنمية في المشرق العربي، أو بالأحرى في منطقة الشرق الأوسط، كبديل للنظام العربي.

نجح مصرف لبنان في تقوية القطاع المصرفي، وليس في تحديثه. فبفضل الفوائد الأسمية والحقيقية المرتفعة جداً التي شكل المردود الفعلي لسندات الخزينة اللبنانية عمودها الفقري، استطاعت المصارف أن تراكم أرباحاً مرتفعة، وأن تنمي أموالها الخاصة، وبالتالي أن ترفع ملاءتها التي انهارت أبان الحرب الأهلية.

لم تَنْمُ رساميل المصارف نتيجة ضخ أموال جديدة فيها من قبل أصحابها بل نتيجة إعادة تقويم موجوداتها الذاتية المقومة أصلاً بالليرة اللبنانية التي انهار سعر صرفها، ونتيجة عدم السماح لها بتوزيع أرباحها، وبالتالي أضافت الأرباح المحققة إلى أموالها الخاصة. كما ساهم الدعم الكبير والمباشر لعمليات "الاستحواذ" على المصارف الضعيفة أو المتعسرة من قبل المصارف السليمة في تنمية الأموال الخاصة للمصارف. إن قروض "الدمج المصرفي"، كما سميت من قبل مصرف لبنان، ونتيجة شروط وآليات التمويل، حولت معظم القروض إلى هبات مالية ضخمة للمصارف "الدامجة". فقد نال قطاع المصارف من دعم القطاع العام ما لم يحصل عليه أي قطاع آخر في الاقتصاد اللبناني. لذلك نجد أن أرباح المصارف ونمو رؤؤس أموالها قد تضاعف عدة مرات خلال التسعينيات كما يبين الجدول التالي[11][12]:

تطور ربحية المصارف وأموالها الخاصة خلال التسعينيات

(بملايين الدولارات)

السنة

1993

1994

1995

1996

1997

1998

1999

ربحية المصارف السنوية

99

182

206

314

429

503

437

الأموال الخاصة

260

410

718

1252

1958

2400

2660

فخلال ست سنوات ارتفعت الأموال الخاصة للمصارف بنسبة 925 بالمئة، وارتفعت أرباحها السنوية حتى سنة 1998 بنسبة 408 بالمئة، ثم انخفضت قليلاً في السنة التالية.

والسؤال الذي يطرح باستمرار: من يحدد مستوى الفوائد في السوق اللبنانية؟ هل هي آليات السوق الحرة وعوامل العرض والطلب، أم جمعية المصارف التي تشكل احتكاراً كبيراً ومعلناً، وبالتشاور والتنسيق مع مصرف لبنان؟ أم مقومات الاقتصاد الكلي الأساسية التي تشير إلى مستوى المخاطر؟ أم جميع هذه العوامل مجتمعة؟

من ناحية المبدأ، إن آليات العرض والطلب في السوق المالية متعددة. أهم الفرقاء الفاعلين ثلاثة. أولاً، مصرف لبنان القادر على ضخ السيولة في السوق وتحديد مستوى المضاعف، وسعر الحسم، أو سحب السيولة عبر استدعاء قروضه من السوق أو عبر تدخله في السوق الثانوية مشترياً سندات الخزينة أو بائعاً للعملات الأجنبية. ثانياً، المصارف التي يمكن أن تمتنع عن شراء سندات الخزينة دون مستوى معين من الفوائد، وأن تحدد معدلات الفوائد على الحسابات المدينة، كقوى احتكارية في عمليات الوساطة المالية. ثالثاً، وزارة المالية التي تمثل أكثر من نصف الطلب على الأموال في السوق المالية وبالعملات الوطنية والأجنبية، فهي أحد الطرفين الأساسيين في السوق المالية، كما أنها تستطيع ممارسة ضغوط كبيرة على مصرف لبنان لتحديد سياساته ومدى تدخله في السوق. وعلى جميع اللاعبين الأساسيين في السوق مراعاة أمور عديدة وهي انفتاح السوق اللبنانية وحرية تحويل الأموال منها وإليها، وحرية الصرف، ومستوى الدولرة في الودائع والتسليفات ومعدلات التضخم، وأهم من ذلك مستوى المخاطر في السوق التي تفرض هوامش مرتفعة في الودائع والإقراض بين السوق الداخلية والأسواق الخارجية. غير أن التناقض بين اللاعبين الثلاثة قد انتفى كلياً منذ وصول الرئيس الحريري إلى السلطة.

ربما وُضع المصرف المركزي منذ سنة 1993 أمام مهمات وأهداف متناقضة. إن قانون النقد والتسليف مثلاً يحدد الهدف الأساسي للسياسة النقدية في تحقيق نمو اقتصادي ثابت ودائم، كما يشدد على استقلالية مصرف لبنان. لكن مصرف لبنان لم يكن مستقلاً في الواقع، في أي يوم من الأيام. ومدى استقلاليته النسبية كان يحددها الحاكم ومدى قدرته على تحمل الضغوطات أو ربما التهديدات. وقد تضع السلطة الحاكمة بالتالي أهدافاً مغايرة للهدف النهائي للمصرف، مثل رفع أسعار الفائدة الحقيقية إلى معدلات تكبح التوظيف المنتج في قطاعات الإقصاد, و بالتالي تعيق التنمية, وذلك لمصلحة المصارف والأثرياء.

وعندما وصل الرئيس الحريري إلى السلطة، دفع بحاكمية مصرف لبنان إلى الاستقالة رغم حصانتها النظرية، ليعين حاكمية جديدة تنسجم مع رؤيته وتوجهاته، وطبعاً مع توجهات القطاع المصرفي، وكان له ذلك. وبالتالي فإن السياسة النقدية فقدت استقلاليتها، وأصبحت تابعة لسياسات الحكومة وتوجهاتها الاقتصادية والمالية.

كان دعم القطاع المصرفي أحد أولويات السياسة الحريرية، وذلك عبر زيادة ربحيته وعبر إبقاء معدلات الفائدة جد مرتفعة وأكثر مما تتطلبه مخاطر السوق المالية، وسد عجز الموازنة العامة، ولو على حساب قطاعات الإنتاج، وإبقاء كلفة الوساطة المالية مرتفعة جداً،ولو أدى ذلك إلى كبح معدلات النمو الاقتصادي، وبالتالي هزيمة الهدف الأساسي للسياسات النقدية. فالفوائد المرتفعة هي لمصلحة المصارف والطبقات الغنية في المجتمع، ويبين الجدول التالي تطور بنية الفوائد.

جدول تطور بنية الفوائد

السنة

94

95

96

97

98

99

معدل الفائدة على الودائع

12.79

17.12

14.7

12.97

12.61

11.25

معدل الفائدة المدينة

21.28

28.99

24.68

20.28

20.4

18.33

المردود الفعلي لسندات الخزينة (سنة)

14.73

18.26

17.02

15.2

14.84

13.43

معدل غلاء المعيشة

8.23

10.28

8.88

7.75

4.55

0.24

الفائدة الحقيقية المدينة

13.05

18.71

5.8

12.53

15.85

18.29

الفائدة الحقيقية لسندات الخزينة (سنة)

6.5

7.89

8.14

7.45

10.29

13.19

حاول مصرف لبنان خفض نسبة الدولرة في الودائع والتسليفات، ولكن هذه النسبة أثبتت عدم مرونتها أمام متغيرات الفوائد والمخاطر. وظهر أن جميع الإغراءات لم تكن كافية لعودة مستوى الدولرة لما كان عليه قبل الحرب الأهلية، أي حوالي 20 بالمئة.

وكان من مهمات مصرف لبنان تامين تمويل عجز الموازنة بأقل الآثار سلبية على التضخم وحقق مصرف لبنان هذا الهدف، وأعطى فرصة طويلة جداً لتصحيح السياسة المالية واحتواء الدين، غير أن الحكومة لم تستطع أن تعالج مشاكل المالية العامة كما اتضح أعلاه. وكان الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة من المهمات التي حققها مصرف لبنان نسبياً، إذ أن الاستقرار الفعلي يُقاس بمدى استقرار سعر الصرف الحقيقي، وليس بالنسبة للدولا الأميركي. واستقرار سعر الصرف الحقيقي يُقاس بسلة من العملات الأجنبية المتصلة بنسب الاستيراد والتصدير إلى بلدان شركائنا التجاريين. وارتفاع سعر الصرف الحقيقي، ورغم الدولرة في السوقين التجارية والمالية، ينعكس على القدرة التنافسية لقطاعات الإنتاج. فقد ارتفع سعر الصرف الحقيقي لليرة خلال التسعينيات بأكثر من 71 بالمئة.

واستطاع مصرف لبنان أن يراكم احتياطاً نقدياً كبيراً خلال التسعينيات، مما خفف من مخاطر تقلبات سعر صرف الليرة ومن الضغوطات التي يمكن أن يتعرض لها سعر الصرف.

 

إن المحصلة النهائية لسياسات مصرف لبنان تظهر أنه فشل في السعي نحو الهدف النهائي المحدد له في قانون النقد والتسليف، كما فشل في الحفاظ على استقلاليته. وكانت الأهداف الوسيطة التي سعى إلى تحقيقها تتناقض بمعظمها مع الهدف النهائي. إن تحقيق نمو ثابت ودائم في الاقتصاد يحتاج إلى توفر شروط عديدة مطلوبة من مصرف لبنان ومن السياسات المالية والاقتصادية للحكومة. وفي ما يختص بمهمة مصرف لبنان فإن عليه أن يبقي الكلفة الحقيقية للأموال، أي الفائدة الحقيقية على الإقراض، قريباً من الصفر، لتحفيز التوظيف المنتج. ولكن هذه الفائدة الحقيقية كانت مرتفعة ومعيقة للنمو في سنة 1994 إذ بلغت 13.5 بالمئة، وازدادت ارتفاعاً إلى 18.29 بالمئة في سنة 1999، وكان معدلها للسنوات الست 15.7 بالمئة. إن هذه المعدلات المرتفعة للفوائد أخرجت الليرة اللبنانية من سوق إقراض القطاع الخاص المنتج للسلع بشكل خاص. إن العائدات المنتظرة للتوظيف في قطاعات الاقتصاد كانت أقل من كلفة الأموال، وذلك بجانب مخاطر التوظيف.حتى الفوائد الحقيقية على سندات الخزينة، حيث تنتفي مخاطر تسديد القروض، كانت مرتفعة. فقد ارتفعت من 6.5 بالمئة في سنة 1994 إلى 13.19 بالمئة لسنة 1999، وكان معدلها خلال السنوات الست 8.91 بالمئة.

 

هل كان تمويل عجز الخزينة يفرض هذه المعدلات المرتفعة جداً؟ بالرغم من تهور السياسة المالية وانعدام المسؤولية في ضبط الإنفاق، فإن سياسة مصرف لبنان مكنت الحكومة من زيادة عجز الموازنة إلى مستويات خطرة جداً. ولكن هذه الفوائد الفاحشة خلقت فوائض كبيرة في حسابات الخزينة الدائنة لدى مصرف لبنان. فقد ارتفع حساب الخزينة من ما يوازي 240 مليون دولار في نهاية سنة 1994 إلى 824 مليون دولار في نهاية سنة 1995 ثم إلى 1543 مليون دولار في نهاية السنة التالية، ليعود إلى الإنخفاض بعد ذلك. فنتيجة ضخ مصرف لبنان كميات كبيرة من النقد في السوق لتلبية الطلب المرتفع على الليرة اللبنانية وبغية توظيفها في سندات الخزينة، استعمل مصرف لبنان سندات الدين العام كأحد أدوات التدخل في السوق، لامتصاص السيولة الفائضة ومراكمة احتياطات مرتفعة من النقد الأجنبي، مما ولد فائضاً مالياً كبيراً في حساب الخزينة الدائن. إن هذه الفوائض المالية الكبيرة تظهر أن معدلات الفوائد على سندات الخزينة كانت أكثر ارتفاعاً مما يتطلبه تمويل عجز المالية العامة.

أما على صعيد الفوائد على الدولار في سوق بيروت، فإن معدل الفائدة الدائنة في الفترة بين سنتي 1994 و1999 كانت 5.77 بالمئة، وكان معدل الفائدة المدينة 11.62 بالمئة، مما جعل كلفة الوساطة المالية لدى المصارف التجارية 585 نقطة أساسية، وذلك دون احتساب كلفة خدمة الحساب المدين، التي تبلغ 200 نقطة أساسية أو أكثر في معظم المصارف، مما يرفع كلفة الأموال إلى 13.62 بالمئة، وكلفة الوساطة إلى 785 نقطة أساسية. هذه الكلفة تساوي أكثر من خمسة أضعاف كلفة الوساطة المالية لدى المصارف في الأسواق الناضجة، وأكثر من 15 ضعف كلفة الوساطة في السوق المالية الرسمية (البورصة) في دول تلك الأسواق الناضجة.

ولمعرفة أهمية ارتفاع معدلات الفائدة بالنسبة للتنمية الاقتصادية يمكننا مقارنة هذه الفوائد الحقيقية المرتفعة في سوق بيروت مع مثيلاتها في الأسواق الناضجة، حيث ارتفاع الفائدة الحقيقية إلى 4 بالمئة يُعد كبحاً للنمو الاقتصادي، ويمكن الوصول إلى هذا المعدل عند استشراء معدلات التضخم أو توقع انفلات هذه المعدلات. وتخفض الفوائد الحقيقية إلى ما يقارب الصفر في أوقات الركود الاقتصادي، بهدف تحفيز النمو. أما القول بتحفيز النمو عند معدلات للفائدة الحقيقية تصل إلى أكثر من 10 بالمئة ففيه تناقض شديد.

 

استطاعت سياسة الفوائد المرتفعة أن تستقطب تدفقات مالية خارجية، ولكن ليس من أجل التوظيف المنتج بل من أجل المضاربات الضارة بالاقتصاد، ومن أجل اصطياد المردود المرتفع للتوظيف بسندات الخزينة لآجال قصيرة. فسرعان ما فرّت هذه الأموال إلى الخارج أبان أزمة الأسواق الآسيوية في سنة 1997، خوفاً من امتداد هذه الأزمة إلى كافة الأسواق الناشئة، ومنها السوق اللبنانية.فقد نجحت هذه الأموال الساخنة في أن تحقق ريوعاً في سنة 1995 مثلاً يصل معدلها إلى 21.36 بالمئة مقارنة بريوع لا تتجاوز 5 أو 6 بالمئة على التوظيف بالدولار في الأسواق الناضجة.

 

 

البنية الاحتكارية للسوق اللبنانية

بالرغم من الكلام الشائع عن تميز السوق اللبنانية بالحرية والشفافية والانفتاح، فإن تكاتف الاحتكارات تبقى السمة الأساسية لهذه السوق وللنظام الاقتصادي اللبناني.فمنذ تأسيس دولة لبنان الكبير، كانت الحرية فيه تعني حرية المعتقد الديني وحرية التجارة. فقد تشكلت الاحتكارات الكبيرة على مرّ السنين في ظل "جمهورية التجار". ويساعد ضيق السوق الاقتصادية اللبنانية على تشكل الاحتكارات. كما أن النظام العالمي في عصر العولمة اتجه إلى خلق احتكارات كبيرة في قطاع المعلوماتية والمال والصناعة والتجارة والإعلام، وانعكس ذلك على توسع الوكالات الحصرية المسيطرة على السوق والطاردة لبضائع غيرها المنافسة والبديلة عبر احتكار شبكات التوزيع والعرض، وعبر المضاربة الشرسة والإغراقية، بغية التفرد في السوق وفرض احتكارها عليه. فتشكلت في السوق اللبنانية احتكارات جديدة، وتعمق القديم منها.

ربما كان لبنان الدولة الوحيدة في العالم التي وضعت تشريعات تحمي الوكالات الحصرية بها. فالدول الرأسمالية الكبرى في العالم، تمنع إعطاء وكالات حصرية، ناهيك عن حماية هذه الحصرية بالقوانين. وربما كان لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح وتشرع لقيام سوق مالية احتكارية، عبر الترخيص لجمعية المصارف والتي توزع تعليماتها على المصارف، محددة معدلات الفوائد في السوق، وتجري مشاورات ومساومات جماعية، وتقدم طلبات جماعية إلى مصرف لبنان والحكومة، بدل المنافسة بينها في سوق حرة، وترك آليات السوق والمصلحة الوطنية العليا التي يمثلها ولو نظريا المصرف المركزي في حقل السياسة النقدية، لتحديد معدلات الفائدة وشروط الإقراض وتوجيهه نحو قطاعات الإنتاج.

وقد نمت الاحتكارات وتوسعت منذ انتهاء الحرب الأهلية، وإضيف إليها احتكارات جديدة في ظل المبادئ اللبرالية الجديدة وسياسات التخصيص. ولا تقتصر البنى الاحتكارية على قطاع التجارة، بل تتعداها إلى معظم القطاعات الأخرى. يمكن القول أن القوى الضاغطة الممثلة للاحتكارات الكبرى، هي التي تحكم لبنان فعليا، وتمارس دكتاتورية الطبقة البرجوازية الكولونيالية, على الصعد السياسية والإعلامية، وتفرغ النظام اللبناني من أي محتوى ديمقراطي.

كما أن هذه البنى الاحتكارية، تزرع الفساد في الحياة السياسية وتمول هذا الفساد للحفاظ على استغلالها واستبدادها وتعيق البنية الاحتكارية التطور الاقتصادي، وخاصة توسع وتنمية قطاعات الإنتاج بمنعها للمنافسة الحرة، وتوسع الفروقات ودائرة الفقر، وتسرع وتائر الهجرة الدائمة والمؤقتة. وهذه بعض الأمثلة على البنية الاحتكارية في بعض القطاعات وآثارها على الاقتصاد.

 

1-البنية الاحتكارية للسوق المالية

عند بحث السياسة النقدية أعلاه، تبين لنا كيف تم تسخير السياسات المالية والنقدية لخدمة قطاع المصارف، وذلك عبر تحديد معدلات الفائدة المرتفعة على سندات الخزينة، بأعلى من المعدلات التي يتطلبها سد عجز الخزينة من السوق. وكيف فرض على المالية العامة الإكتتاب بسندات تفوق حاجاتها التمويلية، فتراكم في حسابها لدى مصرف لبنان أموال كبيرة، وبكلفة عالية، وكيف تعارضت هذه السياسات مع متطلبات التنمية، وساهمت في تخفيض معدلات التوظيف المنتج، وخفضت بالتالي معدلات النمو الاقتصادي، حتى وصلت هذه المعدلات إلى السلبية عند بداية القرن الحالي، وكيف وسعت المصارف كلفة الوساطة المالية لديها، وعلى حساب قطاعات الاقتصاد.

يمنع هذا الاحتكار المصرفي أي مزاحمة داخلية أو خارجية له ولسياسته. فعندما حاولت المصارف إبان الحرب فرض كلفة مرتفعة جدا لتسويق سندات الخزينة، عمل مصرف لبنان في ذلك الحين على فتح الباب أمام الجمهور للإكتتاب بسندات الخزينة، إذ أن هذا النوع من التمويل للعجز في المالية العامة, هو الأقل تأثيرا على معدلات التضخم، رفضت جمعية المصارف هذا الأمر بشدة، وعملت على إبقاء الجمهور خارج هذه السوق إلا عبرها وبشروطها، ورفضت فتح شبابيكها لتسويق السندات للجمهور بالشروط التي وضعها مصرف لبنان. لكن مصرفا صغيرا متخصصا وعلى حافة الإفلاس، وتابعا لشركة أنترا للاستثمار، وافق على القيام بهذه المهمة، فقاطعته جمعية المصارف بعد رفضه الالتزام بموقفها، وتم عزله عن السوق. كما حاولت المصارف، وعبر تفسيرها لقانون النقد والتسليف، منع مصرف لبنان من فتح أبوابه أمام الجمهور للاكتتاب بسندات الخزينة، وذلك بحجة أنه لا يسمح له بالاكتتاب بسندات الخزينة في السوق الأولية، بل يحق له فقط العمل في السوق الثانوية، وبالتالي عبر المصارف أو شركة لبنان المالية لشراء سندات الخزينة وبيعها من الجمهور. ولكن مصرف لبنان في ذلك الحين، وبقيادة الدكتور إدمون نعيم، لم يخضع لهذه الضغوطات، وأجبرت جمعية المصارف على العودة عن مواقفها.

ونتيجة تطور الاقتصاد اللبناني في ظروف محيطة ملائمة في أواخر الستينات من القرن الماضي، برزت الحاجة إلى توفير قروض متوسطة وطويلة الأجل لتمويل قطاعات الإنتاج السلعي خاصة. ولكن هذا التمويل يتعارض مع ثقافة المصارف التجارية وبنيتها. فعمدت الحكومة إلى الترخيص لعدة مصارف متخصصة، منها بنك التمويل، وبنك الإنماء الصناعي والسياحي وبنك التسليف الزراعي. ولكن، ونتيجة ضغوط المصارف التجارية، منعت هذه المصارف المتخصصة من تلقي ودائع يقل أجلها عن السنتين، في سوق آجال الودائع فيه قصيرة جدا، ولا يتجاوز الشهرين كمعدل عام، وبذلك ولدت هذه المصارف ميتة، ومنعت من مزاحمة المصارف التجارية على ودائع الجمهور، وبالتالي من بناء قدراتها التسليفية. وأتت ظروف الحرب، ومتغيرات السوق كما الفكر المصرفي المتخلف لدى المشرفين عليها لتدفع هذه المصارف إلى الإفلاس. فقد أعطت هذه المصارف قروضا طويلة الأجل بفائدة ثابتة وبالليرة اللبنانية، دون التحوط ضد مخاطر متغيرات مستوى الفوائد وسعر الصرف، عن قصد أو عن جهل. وعند انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع معدلات الفائدة، تحولت هذه القروض عمليا إلى هبات، وفقدت هذه المصارف رؤوس أموالها المكتتب بمعظمه من القطاع العام.

وفي التسعينيات من القرن الماضي، حاول مصرف لبنان تطوير بنية المصارف التجارية ودفعها للتحول إلى مصارف شاملة، لمواكبة العصر، وللقيام بواجبات التمويل التنموي المتوسط والطويل الأجل. ومن أجل هذا الهدف أصدر مصرف لبنان العديد من التعاميم ودفع إلى تشريعات جديدة وبنى الأطر القانونية والإدارية والتنظيمية، مثل "مدكلير"، لتمكين المصارف من إعطاء مثل هذه القروض التنموية، وتشميلها وتوريقها ومن ثم بيعها في السوق الثانوية ووضعها خارج موازنات المصارف. ولكن المصارف التجارية جميعها رفضت التعاطي مع هذه الآليات إذ أنها ربما خفضت من كلفة الوساطة المالية وبالتالي من أرباح المصارف.

كما عارضت جمعية المصارف قيام سوق مالية رسمية فاعلة (بورصة) تزاحم المصارف التجارية في سوق الوساطة المالية. وبقي مشروع قانون هذه السوق الذي أنجزه مصرف لبنان منذ أواسط التسعينيات، نائما في أدراج وزير المالية، ولا يسمح باللإفراج عنه. فالسوق المالية الحديثة تكسر احتكار المصارف لسوق الوساطة المالية، وتجبرها عبر المنافسة على تخفيض كلفة الوساطة لديها، كما هي الحال في دول العالم. أما السوق المالية الحالية القائمة، وغير الرسمية، والتي بنتها وتديرها المصارف التجارية، فلا تتمتع بمواصفات السوق المالية الرسمية، ولا تقوم بأعمالها على الإطلاق.

 

2-سوق المشتقات النفطية

منذ بداية التسعينيات، وفي سنة 1992 تم تخصيص قطاع النفط فعليا في لبنان، فأصبح استيراد المشتقات النفطية بمعظمه من مهمات القطاع الخاص. فخلال الحرب الأهلية، استولت الميلشيات الطائفية على الموانئ، أو بنت موانئ عديدة لها على امتداد الشاطئ و أقامت في بعضها خزانات للوقود، واستولى بعضها الآخر على خزانات قائمة. وازدهرت بالتالي التجارة بالمشتقات النفطية من قبل هذه الميليشيات او بعضها على الأقل. وفتحت هذه التجارة شهية أصحاب الميليشيات للسيطرة على قطاع النفط في لبنان. فبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، تنازلت السلطات اللبنانية، بعد ضم قيادة الميليشيات إليها، عن حقها الحصري في استيراد المشتقات النفطية إلى شركات النفط السابقة، التي كان دورها ينحصر في إطار التوزيع الداخلي، وإلى شركات مستحدثة, وتم تدمير محطات التكرير في طرابلس والزهراني. "فقد توقفت مصفاة الزهراني عن العمل سنة 1989، ثم "أعيد تشغيلها بشكل خاطئ سنة 1993 مما ألحق بها أضرارا جسيمة أوقفتها عن العمل" وتعتبر الآن غير صالحة، وغير قابلة للإصلاح بكلفة اقتصادية مقبولة. أما محطة التكرير في طرابلس، فتوقفت وحدة التكرير فيها عن العمل سنة 1984، وتوقفت بقية منشآتها عن العمل سنة 1992، "ولم يتم وضع هذه المنشآت في حالة توقف فنية صحيحة بحيث تحفظ تجهيزاتها من التآكل لمدة طويلة"، ومن الاقتصادي اعتبارها مستهلكة وغير صالحة نهائيا، كما يقول الخبير النفطي المهندس غالب على أحمد في تقريره عن وضع محطتي التكرير.

كانت تكاليف إعادة تأهيل المحطتين في سنة 1993، وبعد وصول الرئيس الحريري إلى السلطة، تقدر بأقل من 150 مليون دولار لمنشآت قيمتها حوالي مليار دولار، ولكن "تم تدمير تجهيزات محطات التكرير بسبب الاهتراء... وذلك لأسباب سياسية حتى يتمكن البعض من استيراد النفط من الخارج، وبيعه محليا عبر السيطرة على السوق والتحكم بالأسعار التي يريدون" كما يقول غالب علي أحمد.

إن أي تحليل لبنية أسعار المشتقات النفطية، يظهر أن ضريبة الاحتكار على صفيحة البنزين أو المازوت أو ما يوازيها من الغاز المنزلي، يتجاوز الخمسة آلاف ليرة لبنانية، يدفعها المواطن لهذه الاحتكارات. وتمنع هذه الاحتكارات بناء محطة تكرير جديدة قادرة على تلبية حاجات لبنان الاستهلاكية من المشتقات النفطية والمقدرة بمئة ألف برميل يوميا. وتظهر دراسات الجدوى الاقتصادية، ربحية بناء محطة للتكرير. ويمكن تمويل هذه المحطة من رؤوس أموال محلية عامة أو خاصة، أو من الخارج، ومن دول النفط العربية، وخاصة تلك التي تستطيع نقل نفطها إلى الشواطئ اللبنانية عبر الأنابيب القائمة[12][13].

هذا الاحتكار النفطي كان يدفع حصصا مقطوعة من ريوع الاحتكار إلى بعض كبار النافذين في السلطة. وبحجة حماية البيئة تم منع عمل السيارات الصغيرة والمتوسطة العاملة على المازوت، بالرغم من جميع الدراسات العلمية، والتجارب المعاشة في البلدان الأوروبية الأكثر نموا وحفاظا على البيئة، تعمل معظم وسائط النقل فيها على المازوت، مثل إلمانيا، والذي يقل تلويثه للبيئة عن البنزين، ويعطي كفاءة أعلى بكثير في الاستهلاك. لكن تحول وسائل النقل أو بعضها في لبنان إلى المازوت يقلل من أرباح الشركات المستوردة، كما من الضريبة التي تجنيها الخزينة من المحروقات. فمعدل الرسم على البنزين يصل إلى 94 بالمئة من الثمن، بينما لا تتجاوز 10 بالمئة على المازوت.

 

3-سوق الدواء

يمثل سوق الدواء في لبنان أهم البنى الاحتكارية وأوسعها نفوذا، وقد سبق وأسقط في الماضي من مجلس الوزراء أحد أهم وزراء الصحة في تاريخ لبنان، أعني الدكتور آميل بيطار، في عهد الرئيس سليمان فرنجية.

يمثل سوق الدواء أكثر من 40 بالمئة من كلفة الاستشفاء والتطبيب في لبنان. وقد بلغ حجم هذا السوق أكثر من 550 مليون دولار في سنة 2001، ويبلغ الآن حوالي 650 مليون دولار في السنة. ولا يصنع لبنان إلا نسبة متواضعة جدا من الأدوية التي يستهلكها. ولا تتجاوز هذه النسبة 7 بالمئة، ويستورد الباقي، أي أكثر من 93 بالمئة من الأدوية، من أسواق أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، وعبر 7 شركات أساسية تملك المئات من الوكالات الحصرية في الدول المصدرة.

وتشكل نقابة مستوردي الأدوية، وكذلك نقابة الصيادلة المرتبطة بها، قوة ضغط كبيرة. فالبرغم من صدور قانون مكتب الدواء، التابع لوزارة الصحة، سنة 1973، بهدف استيراد الأدوية وتوزيعها إلا أن المكتب منع من القيام بمهماته، بضغط من احتكار الدواء، وتم إقفاله فعليا دون قانون، وتوزيع محتوياته على بقية أقسام وزارة الصحة. وقامت مؤسسة الضمان الاجتماعي في السبعينات من القرن الماضي، باستيراد الأدوية للمضمونين، وكانت توزع على المنتسبين للضمان عبر الصيدليات، وبنصف ثمن الأدوية ذاتها التي تباع لغير المضمونين. وبضغوطات من احتكار الدواء أوقف الضمان استيراد الأدوية كذلك. كان من المنتظر أن تنخفض كلفة الدواء بحوالي 60 بالمئة، وأن تتحسن نوعية الدواء، نتيجة عمل مكتب الدواء.

وعند بحث موضوع الوكالات الحصرية عامة، في سوق الدواء خاصة، تسرع هذه الاحتكارات للقيام بحملات إعلامية واسعة لإيهام المواطنين أن هذه الاحتكارات هي لمصلحتهم ولحمايتهم من الأدوية "الفاسدة" أي الأدوية غير المستوردة من قبلهم. وعندما أخذت التعاونيات الاستهلاكية في بيع الأدوية المرخص بها والمستوردة عن طريق احتكار الدواء، ولكن بحسومات تصل إلى 20 بالمئة، سعت هذه الاحتكارات لمنع التعاونيات من بيع الأدوية ولو من قبل صيادلة مجازين، وتم لهم ذلك. وبسبب غلاء الأدوية في لبنان، وإفقار الأكثرية الساحقة من أبنائه، أخذ العديد من الأطباء غير المرتبطين باحتكار الدواء، إرشاد أصحاب الأمراض المزمنة إلى شراء أدويتهم من السوق السورية المجاورة. وتقوم احتكارات الدواء في التحريض لمنع إدخال هذه الأدوية، حتى المستوردة منها من نفس الشركات التي يتستورد منها لبنان، بحجة أنها أدوية مهربة.

وبالرغم من أن وزارة الصحة اللبنانية تعطي شركات استيراد الدواء أرباحا لا تتجاوز العشرة بالمئة، إلا أن الأرباح الحقيقية تصل إلى أضعاف أضعاف هذه النسبة، ويتجاوز المردود السنوي على رأسمال الشركات في هذا القطاع 55 بالمئة حسب تصريح إحدى هذه الشركات للمصارف التي تتعامل معها.

وبسبب ضغوطات احتكار الدواء وسيطرته على اللجنة الفنية في وزارة الصحة، المسؤولة عن أذونات استيراد الأدوية وتصنيعها، أبقيت صناعة الأدوية المحلية ضعيفة جداً ومهمشة لا تتجاوز 7 بالمئة من الأدوية المستهلكة محلياً، رغم أن هذه النسبة تصل في سورية إلى أكثر من 80 بالمئة، وبمواصفات عالمية معترف بها. مع العلم أن في لبنان صناعات كيماوية عريقة قادرة إذا ما سمح لها على تصنيع النسبة الكبرى من الأدوية محليا، إذ أن معظم الأدوية المستعملة، وخاصة الأدوية الأساسية، جنريك، لم تعد خاضعة لحماية الملكية الفكرية بعد مضي فترة الحماية لهذه الملكية. كذلك تمنع اللجنة الفنية الاستيراد من دول الجوار رغم تطابق مواصفات هذه الأدوية مع المواصفات الأوروبية و الأميركية، وذلك بسبب تدني أسعارها وقرب سوقها من السوق اللبنانية، بحيث يسهل على المواطن العادي مقارنة الأسعار.

نتيجة هذا الاحتكار فإن معدل استهلاك الدواء للفرد في السنة، يصل في سوريا إلى تسع دولارات، وفي دول شمال إفريقيا إلى 25 دولارا، وفي دول الخليج العربي الغنية إلى أربعين دولارا، بينما يصل في لبنان إلى 138 دولارا في السنة.

 

4-سوق مدخلات البناء

يشكل قطاع البناء في لبنان قطاعا أساسيا وقائدا للنشاط الاقتصادي، من حيث حجمه وانعكاسه على بقية القطاعات، من ناحية الطلب على مدخلاته كافة، ومن حيث انعكاس كلفته على كلفة السكن والانتاج في قطاعات الخدمات، وفي قطاع الصناعة بشكل خاص. فقد وصلت كلفة العقار المبني للصناعة، بما فيها ثمن الأرض، إلى نصف التوظيفات الثابتة في هذا القطاع، وهذه النسبة تعتبر مرتفعة جدا بالنسبة إلى المستوى التقني لمعدات الإنتاج المستخدمة في لبنان.

تشمل هذه الاحتكارات معظم مدخلات البناء مثل الإسمنت، حديد التسليح، حديد صناعي، الأخشاب، الحصى، الرمول، وغيرها من المدخلات. فقد بلغ ثمن طن الإسمنت في السوق اللبنانية حوالي 85 دولارا للطن بينما لا يتجاوز سعره في معظم أرجاء العالم ال30 دولارا. وسبق لمصانع الإسمنت قبل أقل من سنتين أن باعت بعض إنتاجها للخارج، بسبب تدني الطلب الداخلي، بأسعار تتراوح بين 18.5 و20 دولارا للطن الواحد. وتدفع صناعة الإسمنت ضريبة للخزينة. كانت الضريبة 9 دولارات للطن، فخفضت في التسعينات إلى 7 دولارات بجانب ضريبة العشرة بالمئة على القيمة المضافة. بذلك تبلغ ضريبة الاحتكار على الطن الواحد من الإسمنت حوالي خمسين دولارا أميركيا لا غير.

ولا تقل معدلات الضريبة الاحتكارية عن هذه النسبة في بقية المدخلات فثمن طن حديد التسليح لا يصل في الأسواق الخارجية إلى 200 دولارا للطن، ويباع في السوق المحلية بحوالي 600 دولارا، ويباع الحديد الصناعي بأكثر من 800 دولارا للطن. ويكلف المتر المكعب من خشب السنديان الأبيض، من أوكرانيا، مشحونا بالحاويات، حوالي 370 دولارا في مرفأ بيروت. ويباع في السوق المحلية ب1500 دولارا.

كما أن ثمن الرمول والحصى ارتفع بأكثر من هذه النسب مؤخرا. فبحجة الحفاظ على البيئة أوقف العديد من المحافر والمقالع، مع أن قانون المحافر والمقالع يفرض على أصحابها استصلاح الأرض بعد استعمالها، تجليلها وغرسها. وبالتالي فإن المحافر والكسارات لا تشوه الطبيعة إذا تم الالتزام بالقوانين، وبإمكان السلطة إجبار أصحاب هذه المشاريع على الالتزام بالقوانين المرعية. ولكن الحكومة عمدت إلى منع الكسارات والمحافر، ووزعت رخصها على القيادات الطائفية وأصحاب السلطان بحجة الحفاظ على البيئة، ورفع هؤلاء سعر المتر المكعب من 5 دولارات إلى حوالي 20 دولارا فقط، لا غير.

 

5-الإعلام

يحتل الإعلام أهمية متزايدة مع تطور وسائل الاتصال في الحياة السياسية والاقتصادية لشعوب العالم كافة. لم يعد باستطاعة أي طبقة حاكمة أو حاكم مستبد عزل شعبه عما يجري في العالم أو حجب الأفكار الجديدة عنه. وتلعب وسائل الإعلام الحديثة دورا أساسيا في تسويق المبادئ والأفكار الاقتصادية والسياسية، والتبشير بالقيم الاجتماعية وأنماط الاستهلاك السائدة في مراكز النظام الرأسمالي العالمي، وبالتالي في صناعة الرأي العام، وسلوك قسم كبير من الجماهير.

وأصبحت وسائل الاتصال الفاعلة القادرة على صناعة الرأي العام، لا تقتصر على صحيفة أو مجلة أو إذاعة أو محطة تلفزة، بل أصبحت تشكل إمبراطوريات إعلامية تتكون من شبكات متكاملة من وكالات الانباء والصحف والمجلات والاذاعات ومحطات التلفزة منتشرة في معظم ارجاء العالم، ويرفدها العديد من مراكز البحوث الجامعية المستقلة. وتخوض هذه الأمبراطوريات الإعلامية حملات متناسقة لبيع الافكار والتوجهات السياسية وانماط السلوك والاستهلاك. وتتوجه وسائل الاعلام في حملاتها المركزة لكسب طبقة الانتلجنسيا أو المتنورين الى آرائها وتوجهاتها، وتضع امبراطوريات الاعلام في خدمتهم للترويج لهذه المبادىء والأفكار يقول (Irving Kristol) "نسطيع ان نهزم فكرة بفكرة أخرى فقط، وحرب الافكار والايديولوجيات يمكن كسبها أو خسارتها داخل الطبقة الجديدة"، وتتألف هذه الطبقة الجديدة من البيروقراطيين الحكوميين والأكاديميين والصحافيين الذين يعملون بالافكار[13][14]. ولذالك أخذت الطبقات البرجوازية تولي أهمية أكبر وتنفق أموالا طائلة للسيطرة على امبراطوريات الاعلام وأبناء "الطبقة الجديدة" الصانعة للرأي العام. إن وسائل الاعلام في الولايات المتحدة مثلا استطاعت أن توصل اليمين المتطرف الى السطة السياسية، والذي تتناقض مبادئه ومصالحه وقيمته مع مصالح الاكثرية الساحقة من الجماهير. يقول شارون بدر: "استطاع تكتل رجال الأعمال اليمينيين من اتباع المدرسة الليبرالية الجديدة الذين مولوا ووجهوا مراكز البحوث المستقلة والجامعية ووسائل الاعلام ايصال اليمين المتطرف الامريكي (الريغنيين) الى السلطة في بداية الثمانينيات"[14][15].

حتى في ايطاليا ورغم التراث الاوروبي اليساري الديمقراطي المتميز والحياة السياسية النشطة فأن رجلاً مثل برلوسكوني، الذي تثقل كواهله سلسلة طويلة من الشبهات، ويحمل أفكار اليمين المتطرف أو الليبرالية الجديدة, استطاع الوصول الى السلطة بفضل امتلاكه امبراطورية اعلامية ضخمة قادرة على صناعة الرأي العام.

 

أما في لبنان، ومنذ عهود طويلة، لعب الاعلام دورا مهما في صناعة الرأي العام اللبناني والعربي. واستطاع كبار الاثرياء الوصول الى السلطة السياسية عبر تسخير وسائل الاعلام أو شرائها. وربما كان آميل البستاني أول هؤلاء.

ومنذ أوائل التسعينيات، وبعد سقوط أكثرية الانظمة العربية الراديكالية أو محاصرتها، والتي كانت تمول وسائل الاعلام اللبنانية وتسمح لقوى الحركة الوطنية بالتعبير عن رؤيتها وتوجهاتها، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي سيطرت دول النفط العربية والتابعة للمركز الاميركي على وسائل الإعلام العربية عامة واللبنانية بشكل خاص، وبنت شبكات اعلام متكاملة ومترابطة فيما بينها، ومع مراكز البحوث الغربية الأميركية والأوروبية، او مراكز البحوث الممولة من الخارج، للترويج لمبادئ الليبرالية الجديدة.

منذ امد طويل (منذ الخمسينيات من القرن الماضي) لم يعد اصدار صحيفة سياسية امرا يسيرا. فقد اوقف الترخيص للمجلات الأسبوعية والصحف اليومية السياسية، وذالك للحد من حرية الرأي في لبنان. وبالرغم من وجود حوالي مئة امتياز وامتياز (101) لصحف ومجلات سياسية, فإن 12 منها فقط يتم اصداره. و بلغ ثمن الامتياز لصحيفة سياسية يومية ما بين 250 و800 ألف دولار امريكي، وثمن امتياز مجلة أسبوعية سياسية ما بين 75 و300 ألف دولار. ويملك معظم هذه الامتيازات نقيبا الصحافة والمحررين، المزمنان في مناصبهما، وبعض كبار الرأسمالين، وذلك بغية منع الاخرين من اصدار هذه الصحف والمجلات، وللحفاظ على الاثمان الباهظة للامتيازات. لقد اصبح امتلاك امتياز اسبوعية أو يومية سياسية خارح متناول معظم الاحزاب والنقابات والتجمعات الثقافية والاكاديمية والانتلجنسيا المستقلة وغير المرتهنة. أي ان حق التعبير السياسي أصبح عمليا حكراً على الطبقة البرجوازية. وامتلاك امتياز لا يكفي لاصدار مجلة أو صحيفة يومية في سوق ضيق مثل السوق اللبنانية. ويلعب الاعلان الدور الرئيسي في تمويل وسائل الاعلام كافة. والاعلان قوة ضاغطة في يد المؤسسات الرأسمالية الكبيرة في كافة القطاعات, وفي يد شركات الاعلان التابعة أيضا لهذه المؤسسات، وقد تم تقزيم أو تغييب وسائل الاعلام الرسمية المفتوحة مبدئيا أمام مروحة واسعة من الاتجاهات السياسية والفكرية (أو لمصلحة من كان في السلطة) و ذلك لمصلحة وسائل الاعلام الخاصة التابعة لقيادة الطبقة البرجوازية اللبنانية.

وقد بنت رموز الطبقة الحاكمة مثل الرئيس الحريري امبراطورية اعلامية. فهو يملك صحيفة يومية واذاعة ومحطة تلفزة، ويمول العديد من الصحف والمجلات والاذاعات ويشارك في ملكية محطة (NBN) ويملك سيطرة كبيرة على معظم شركات الاعلان، كما يمول العديد من الأندية والجمعيات والتجمعات الثقافية التي تروج لسياساته وتساعد في خلق رأي عام موال له يبقيه في السلطة السياسية أو على رأسها.

هذه بعض الأمثلة على البنية الاحتكارية للنظام اللبناني والتي تطال جميع القطاعات الاقتصادية، وتتحكم بالتوجهات السياسية والاقتصادية للنظام تحت يافطة الديمقراطية والحرية.

 

[1] فواز طرابلسي، المصدر السابق، ص 244- 245.

[2] نفس المصدر ؟

[3] راجع: Joseph STIGLITZ, The Roaring Nineties, Alen Lane- Perguin Books England, 2003, p. 22

[4] المرجع السابق، ص 23

[5] الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، واقع وآفاق، وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، سنة 2004، ص؟

[6] تم تخصيص 8 بالمئة للزراعة والري والصناعة والنفط والمرفأ والمناطق الحرة والسياحة وخدمات القطاع الخاص. بينما تم تخصيص 37 بالمئة للكهرباء والاتصالات والطرقات، و25 بالمئة للبنية التحتية الاجتماعية.

[7] المصدر السابق، ص 33.

[8] جريدة السفير، تاريخ 8-7-2004.

[9] وزارة الشؤون الاجتماعية...، مرجع سابق، ص 550.

[15][10] جريدة الحياة، 4-3-2004.

[11] تم تلزيم جمع القمامة في بيروت لشركة سوكلين بمبلغ 35 مليون دولار سنوياً، وتقدمت شركة بريطانية يملكها لبنانيون بعرض لالتزام جمع القمامة في بيروت بالباطن من شركة سوكلين بمبلغ 12 مليون دولار، فرفضت سوكلين العرض واقترحت التلزيم بالباطن بمبلغ سبعة ملايين دولار فقط لا غير.

[12] إن جميع الإحصاءات المالية والنقدية والجداول التي لا يذكر مصدرها هي من إحصاءات مصرف لبنان المنشورة وغير المنشورة.

[13] لمزيد من التفاصيل راجع مجلة "فكر"، العدد 82، كانون الأول 2003، ص 26.

[14] راجع: Sharon Beder, Global Spin, G. Books, USA, 1998, p. 19

[15] المرجع السايق، ص 20.

 

غالب أبو مصلح

خبير اقتصادي ومالي (لبنان)