|
الاقتصاد العراقي تحت الاحتلال |
غالب أبو مصلح
في ظل الاحتلال الأميركي للعراق، إن المحتل هو الذي يضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية وينفذها بناء لمصالحه، وضمن رؤيته لمنطقة الشرق الأوسط، في إطار الإستراتيجية الشاملة الأميركية.
وتشكل السياسة الاقتصادية أحد الأركان الثلاثة المتساندة والمتشابكة للسياسة الأميركية، ذات الأهداف المحددة في العراق، والمحكومة بالرؤية الإستراتيجية للوطن العربي وبعض الدول الإسلامية التي تشكل ساحة عمل واحدة لمخطط أميركي شامل.
والأركان الثلاثة للسياسة الأميركية، كما حددها "مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" هي: أولا، الركن الأمني العسكري؛ ثانيا، الركن الاقتصادي السياسي الاجتماعي؛ ثالثا، الصلح العربي الإسرائيلي(1). أي إن السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي تمارسها أميركا في العراق، هي في خدمة الأمن الأميركي بمعناه الواسع، ولإبقاء الهيمنة والتفوق الإسرائيلي المطلق في الشرق الأوسط.
وقد ارتفعت منطقة الشرق الأوسط ضمن الرؤية الإستراتيجية الأميركية إلى مصاف الأولويات، مثل أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا، منذ منتصف السبعينيات، وكنتيجة للحظر النفطي العربي في أعقاب حرب تشرين، ثم أصبحت الأولوية المطلقة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي.
كان لا بد من أن تولد الهجمة الإمبريالية مقاومة شاملة على كافة الصعد من شعوب المنطقة وبعض دولها. فوصمت أميركا هذه المقاومات بالإرهاب الإسلامي الذي "يجب قتاله على عدة مستويات: بالسلاح، بالمخابرات، بالدبلوماسية، بالتجارة، بالأفكار، بالسياسة، بالثقافة، وبإرادة سياسية، جميعها في الوقت نفسه"، كما يقول مركز دراسات واشنطن السابق ذكره في تقرير فريق الدراسات للرئاسة(2). ويقول التقرير ذاته أن الهم الأميركي يجب أن يتركز على منطقة الخليج الذي ينتج أكثر من ربع إنتاج العالم من النفط.
فأميركا تملك أقل من ثلاثة في المئة من احتياطات النفط في العالم، وتستهلك ربع إنتاجه، وستكون أكثر اعتمادا على نفط الشرق الأوسط في المستقبل. فقد أصبحت السيطرة على منابع النفط وطرق إمداده الهدف الإستراتيجي الخارجي الأول لأميركا، وخاصة بعد وصول "زمرة النفط الأميركية" إلى السلطة كما تقول مجلة النيوزويك. فقد صرح ديك تشيني في أعقاب حرب الخليج سنة 1992 قائلا: "إن كل أهدافنا هي بقاؤنا المسيطرين الأوائل في الشرق الأوسط، والحفاظ على مصالح الولايات المتحدة والغرب النفطية"(3). ويقول الباحث الإستراتيجي الأميركي مايكل كلارا في كتابه "النفط والدم": "إن الحروب الإستباقية العسكرية هي استباقية للحفاظ على النفط وانحدار إنتاجه الكوكبي، وبأن السعي وراء الطاقة هو السبب الأول لعسكرة السياسة الخارجية، وانتشار هذه الحروب الإستباقية والعمل على إنشاء قواعد عسكرية جديدة(4). ويقول المحلل النفطي جان لودنبرج إن الإنسان استهلك أكثر من نصف النفط في الأرض، والنصف الثاني "لا يمكنه تغطية مرحلة انتقالية دموية، قد تشعل الحروب من جهة، وتسبب ارتفاعات فلكية في أسعار الطاقة، وانهيار مؤسسات ودول كاملة في الأرض"(5).
والسيطرة على النفط في العراق، الذي يملك ثاني أكبر احتياطي مؤكد للنفط في العالم، هو الهدف الأساسي من الحروب المتتالية والتدمير المنهجي له، طيلة أكثر من أربعة عشر عاما. والسيطرة على نفط العراق لا يمكن أن تتم إلا عبر أسر العراق وشعبه في إطار التخلف والجهل والفقر، وشل إرادة المقاومة فيه، وهذا ما هدفت وتهدف إليه مجمل السياسات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية التي يتبعها الاحتلال في العراق. ففي حرب الخليج الثانية، تركز القصف والتدمير على البنية التحتية في العراق، من إنتاجية وصحية وعلمية، وكذلك الحصار المديد الذي هدف إلى شل قطاعات الاقتصاد كافة، وخاصة قطاعي الزراعة والصناعة، من خلال منع استيراد المعدات الصناعية قطع الغيار، الحواسيب، الأدوية الزراعية والبذور. وعمدت الطائرات البريطانية والأميركية إلى إحراق المزروعات والبساتين، لتجويع الشعب العراقي، وقد حققت نجاحات كبيرة في ذلك.
وبعد احتلال العراق، كانت خطوات الاحتلال الأولى تتمثل في تحطيم الدولة وحل الجيش، وفتح المجال للعصابات المحلية والمستوردة لاستباحة جميع المؤسسات العامة الإدارية والإنتاجية ذات التراث العميق، ما عدا وزارة النفط. ونتيجة كل هذه السياسات، انخفض الناتج الوطني العراقي إلى أقل من عشرة في المئة مما كان عليه قبل سنة 1980. وهذا الكم من التدمير والإفقار لم يحدث في أي دولة في العالم منذ تدمير ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. ويقول الدكتور همام الشماع، أستاذ الاقتصاد والمال في جامعة بغداد أن الاقتصاد العراقي بحاجة إلى أكثر من 200 مليار دولار للوصول إلى ما كان عليه قبل سنة 1980. وإذا كان الهدف إزالة الفجوة بين الواقع الحالي والمستوى الذي كان يمكن أن يكون عليه الاقتصاد العراقي لو لم تقع الحروب، ولو اتبعت سياسات اقتصادية حكيمة، فإن حجم الموارد المطلوبة هو بقدر الموارد المهدورة بشكل مباشر أو غير مباشر، أي بما يمكن أن نصفه بالفرص الضائعة للاقتصاد، ونقدر هذه الموارد المهدورة ب1250 مليار دولار(6).
ولكن إعادة قدرات الاقتصاد العراقي إلى ما كان عليه قبل سنة 1980، أو الوصول به إلى ما كان يمكن أن يكون عليه لولا الحروب المتتالية، يحتاج إلى أكثر من ضخ رؤوس أموال هائلة فيه وغير متوفرة. فهو يحتاج إلى إصلاح واستعادة بنية مادية بيئية وبشرية وصحية، لا يمكن التعويض عنها بضخ رؤوس الأموال فقط، وفي سنوات معدودة. فالتدمير الذي أصاب هذه البنية يحتاج إلى عشرات السنين، وأهم هذه البنى التحتية هو الآتي:
البيئة: فقد نتج عن حرب الخليج الثانية المسماة حرب تحرير الكويت، وهي في حقيقتها حرب تدمير العراق، تلوث إشعاعي نتيجة استعمال القوات الأميركية وحلفائها ذخائر اليورانيوم المستنفذ، يعادل نحو سبعة قنابل ذرية من النوع الذي استخدم في هيروشيما وناغازاكي، مما سبب كارثة بيئية وصحية، خاصة في جنوب العراق، وذلك بجانب تدمير شبكات المياه والصرف الصحي. فقد ارتفعت حالات الإجهاض لدى الحوامل في العراق ثلاثة أضعاف، وازدادت حالات الإصابة بالسرطان سبعة أضعاف، وظهر تلوث إشعاعي في التربة وفي بعض النباتات، وأفرز ذلك ظهور حالات مرضية غامضة، منها التشوهات الخلقية والاعتلال العصبي والعضلي والإجهاض، والأمراض السرطانية(7).
وفي حرب احتلال العراق واستباحته، تم استخدام ذخائر اليورانيوم المستنفذ من جديد بكميات فاقت ما استخدم عام 1991 بأربعة إلى ستة أضعاف، أي ما يعادل ما بين 28 و 42 قنبلة ذرية من حجم قنبلة هيروشيما، فاقمت انتشار الولادات الميتة والتشوهات الخلقية والأمراض السرطانية وغيرها، ولكثرة انتشار مرض السرطان بين العراقيين، بات هذا المرض يعرف اليوم في العراق باسم "الإنفلونزة الجديدة" (8).
إن معالجة المشاكل البيئية والصحية الناتجة عن التلوث الإشعاعي بحاجة إلى أموال وجهود وعشرات السنين. وهذا التلوث يشكل إعاقة كبيرة على المديين المتوسط والطويل لإعادة تنمية العراق.
البنية العلمية: وكانت أحد ركائز نمو العراق وتقدمه هي البنية العلمية والتقنية التي استطاع بناءها حتى سنة 1980. كان العراق الدولة العربية الوحيدة التي استطاعت أن توطن التكنولوجيا وتربي وتدرب آلاف العلماء في جميع الاختصاصات العلمية، مما مكنها من بناء قاعدة صناعية صلبة وعريضة. وكان القضاء على هذه القاعدة العلمية أحد أهداف العدوان الأميركي. نتيجة العدوان الأميركي، توقف 80% من المصانع عن العمل في التسعينيات بسبب التلف والتدمير، وتدنت العمالة في الصناعة إلى 22% من مجمل العمالة في العراق، وتم تدمير معظم ما تبقى من البنية الصناعية عند الاحتلال سنة 2003 وما تلاه من إجراءات. وتجري عملية تصفية القاعدة العلمية العراقية عن طريق تشريد العلماء العراقيين ودفعهم إلى الهجرة إلى أوروبا الغربية وأميركا بالتحديد عن طريق التجويع والإرهاب.
فقد اعتبر وزير التعليم العالي العراقي، طاهر البكاء، أن عمليات اغتيال العلماء وأساتذة الجامعات التي تفاقمت خلال فترة الاحتلال ناتجة عن "حملة منظمة مشبوهة تهدف إلى إفراغ العراق من الطاقات العلمية". فقد بلغ عدد أساتذة الجامعات الذين اغتيلوا منذ سقوط النظام السابق وحتى أوائل شهر أيلول من عام 2004، خمسة وثلاثون أستاذا، وتم معظم عمليات الاغتيال خارج الحرم الجامعي. ويلاحظ أن قسما كبيرا من هؤلاء لم يكونوا من أتباع النظام السابق. وتساءل الوزير "كيف يمكن أن تستقيم الحياة العلمية أمام عمليات الاغتيال والخطف والتهديد لأساتذة الجامعات"(9).
وفي هذا المجال أيضا يتحدث الدكتور مسلم العامري، الاستشاري في المركز الوطني لعلاج سرطان الدم في بغداد، عن تجربته عندما تلقى دعوة لحضور مؤتمر علمي في بيروت: "أنا قدمت طلبين للحصول على الفيزا لكنهما رفضا من قبل السلطات اللبنانية"، و يتحدث عن حالات اغتيال العلماء العراقيين الآخذة في الانتشار في ظل الاحتلال: "هي حالة رعب يعيش فيها علماء العراق في ظل الاحتلال" وتحدث عن رسائل تهديد تصل إلى بعض العلماء، وعن محاولات لجوء كثيرة نحو دول مجاورة تبوء غالبا بالفشل، ويستعيض عنها الكثيرون بالانتقال إلى اليمن، ومنها يحصلون على فيزا إلى الدول الغربية. ويقول الدكتور: "فالدول العربية ترفض استقبال العلماء العراقيين ولو بعقود استضافة محدودة، مما يجعل من السهل تسربهم إلى أوروبا"(10).
وتعمل قوات الاحتلال الأميركي علنا على تقويض البنية العلمية العراقية. فقد حولت هذه القوات جامعة الأنبار إلى ثكنة لها، وقتل القناصة الأميركيون أربعة من أساتذتها. وفي ذلك يقول مدير كلية الإعلام، عبد الستار حميد، "لم تسلم كليات الجامعة من عمليات الدهم كما حصل لكليتي الطب وطب الأسنان، إذ حطمت القوات الأميركية الأبواب والأجهزة المخبرية وأجهزة الحاسوب،" واستولت القوات الأميركية على الكليات وطردت كوادرها وحولتها إلى ثكنة عسكرية، كما حصل لكلية الزراعة"(11). كما توفي عالم الكيمياء منعم الإزمرلي في السجن الأميركي في العراق، بعد سجنه بتسعة أشهر، نتيجة إصابته برضوض عنيفة في الرأس حسب تقرير منظمة العفو الدولية.
كما دمر الاحتلال الأميركي قاعدة الإنتاج الزراعي عن طريق تلويث البيئة ومنع استيراد الآلات والمعدات في السابق، وتراجع منسوب المياه، وقلة الأسمدة والبذور، وحرق المحاصيل وتجريف البساتين، مما تسبب في هجرات كثيفة من الريف إلى المدن. فحتى التمور أصبحت لا تكفي الاستهلاك المحلي، وكان العراق المنتج الأول للتمور في العالم. وبذلك انخفضت نسبة العمالة في قطاع الزراعة إلى 13% سنة 1995 وإلى 10% سنة 2000(12). حتى الآثار العراقية، والتي تمثل أحد أعرق الحضارات العالمية، وتشكل قاعدة علمية وسياحية مهمة جدا، تعرضت للتدمير المنهجي والمتعمد. لم يكن ترك المتاحف العراقية مشرعة الأبواب أمام اللصوص و العصابات عملا غير مقصود. وليس تدمير المواقع الأثرية العراقية عملا عفويا أيضا. فقد عمدت القوات الأميركية والبولندية في مدينة بابل الأثرية إلى العبث بمواقع الآثار. يقول جان كرتس، المسؤول عن دائرة الشرق الأوسط القديم في المتحف البريطاني: "إن المركبات العسكرية الأميركية والبولندية سحقت أرصفة عمرها 2600 عام في المدينة التي تعد مهدا للحضارة. إن الجنود حفروا الخنادق في الموقع واستخدموا شظايا أثرية لملئ أكياس الرمل. وتم انتزاع أحجار من تسعة من الرؤوس التي تمثل تنينا محفورا على بوابة عشتار، بينما انهار جزء من سقف معبد نيتما". ويقول كرتس: "بابل هي واحدة من المواقع الأثرية الأكثر أهمية في العالم، والأضرار الجسيمة التي ألحقتها بها الثكنة العسكرية، تشكل ضربة إضافية للتراث الثقافي العراقي"(13).
وإذا أضفنا إلى ما سبق بحثه من تحطيم الدولة وأجهزتها الإدارية، وحل الجيش العراقي، تصبح الصورة واضحة عن تحطيم البنية التحتية العراقية التي لا يمكن إعادة بناء العراق اقتصاديا واجتماعيا دونها في المدى المنظور، أما على صعيد إعادة بناء ما هدمته الحروب المتكررة والاحتلال، فإن إعادة الإعمار متعثرة، بل متوقفة عمليا.
فقد تم عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار العراق، تقرر فيه تقديم مساعدات، معظمها تبرعات، تصل إلى 33 مليار دولار أميركي. فما الذي تم تقديمه فعلا من هذه الأموال حتى منتصف سنة 2004؟ يقول وزير التخطيط العراقي، مهدي الحافظ، إن المانحين الدوليين لم ينفذوا تعهداتهم إلا بضخ مليار دولار من المعونات المقررة(14). أما الأموال العراقية، فيتم هدرها وسرقتها بشكل فاضح من قبل قوات الاحتلال وأعوانها المحليين. يقول خبير اقتصادي عراقي يبقي اسمه سرا أن مجموع الأموال العراقية في صندوق تنمية العراق تبلغ 25 مليار دولار تم إنفاقها بالكامل، ويتواصل العمل على إنفاق أموال الصندوق بشكل أحيط بسرية تامة منذ وقت ليس بقصير، مؤكدا تخصيص مبالغ من الصندوق لفرق عسكرية أميركية اشتهرت في العراق بالدفع الفوري للمقاولين الأميركيين برزم من الأوراق النقدية من فئة مئة دولار عبر البنك الفيدرالي في نيوجيرسي. ويقول هذا الخبير: "إن عائدات العراق من النفط للفترة الماضية، أي حتى شهر تموز 2004، بلغت أكثر من 11 مليار دولار، إضافة إلى 8 مليار دولار كانت لدى الأمم المتحدة متبقية من برنامج النفط مقابل الغذاء، و4 مليارات دولار مبالغ عراقية مجمدة في أميركا منذ سنة 1991... وقيل إن هذه الأموال أنفقت على أعمال مجابهة العنف والإرهاب"(15).
وفي تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، تبرز أرقام مختلفة وأنواع مخلفة من الهدر والسرقة. يقول التقرير: "إن ما يزيد عن عشرين مليار دولار من ثروة العراق النفطية، وثلاثة مليارات دولار من أموال الضرائب الأميركية، صرفت على أعمال بناء وتنمية وهمية في العراق، ولكنها في الواقع بددت سرقة ونهبا ورشوة." ويظهر التحقيق أن العراق هو، بشهادة مدققي حسابات انتدبتهم الأمم المتحدة، البلد الوحيد المنتج للنفط في العالم الذي لا تستخدم فيه سلطات الاحتلال عدادات لقياس كميات النفط المستخرجة والمصدرة، وتسجيلها. وأنه ما زال يضخ النفط دون عدادات، ولا أحد يدري ما هي كمية الإنتاج. ويقول التقرير أن غياب العدادات كان الطريقة التي اختفى بها الجزء الأكبر من الأموال العراقية المنهوبة. ووجد مدققو حسابات من الحكومة الأميركية أن 8.8 مليار دولار من الأموال مفقودة، ولا توجد سجلات حسابات تشير إلى أوجه صرفها أو الجهات التي تلقتها أو أخذتها(16).
ويقول الدكتور الشماع إن "التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار لم تتحركا قيد أنملة، حيث أن خراب الحرب لا يزال على حاله، ولم تحدث أية استثمارات جديدة محلية أو أجنبية(17).
أما على صعيد القوانين والتشريعات الجديدة، فقد فرضت قوات الاحتلال رؤيتها أو برامجها الاقتصادية عبر العديد من القوانين التي حولت العراق إلى اقتصاد آليات السوق، وحسب أفكار الليبرالية الجديدة التي يتبناها المحافظون الجدد في أميركا ويفرضها على الدول النامية ما يسمى بإجماع واشنطن، أي صندوق النقد والبنك الدوليين والخزانة الأميركية.
فبجانب تخصيص القطاع العام، أعطى قانون الاستثمار الجديد للمستثمر الأجنبي حقوقا لا تقل عن تلك التي يتمتع بها المستثمر العراقي، وسمح بتدفق جميع أنواع الأموال و الاستثمارات الأجنبية، وحرر أسعار الفائدة. كما أصدر قانونا أعطى مهلة 18 شهرا للمصارف العراقية التسعة عشر لتأمين رأس مال لا يقل عن خمسة ملايين دولار للمصرف الواحد، الأمر الذي دعا المصارف إلى عقد شراكات مع المصارف الأجنبية، بحيث تتملك تلك المصارف 49% من أسهم المصارف العراقية.
كما حددت وزارة المالية السقف الأعلى لضريبة الدخل ب15% مع إعفاءات ضريبية عديدة. وحددت الضريبة الجمركية ب5% على جميع السلع المستوردة باستثناء المواد الغذائية والأدوية والقرطاسية والملابس المعفية من الضرائب. كان لهذه السياسات آثار جد سلبية على قطاعات الاقتصاد العراقي.
فسياسات التخصيص في ظروف العراق، كما كانت في ظروف سياسات التحول في روسيا ومعظم بلدان أوروبا الشرقية، تعني سرقة القطاع العام من قبل المافيا المحلية والدولية، وزيادة نسبة البطالة وانهيار الناتج المحلي. فبرامج التخصيص يجب أن تكون جزءا من برنامج أكثر شمولية، كما يقول جوزيف ستيغلتز، الاقتصادي الأميركي المرموق، والذي يتضمن خلق فرص عمل جديدة بالتلازم مع تقليص فرص العمل التي تسببها عادة عملية التخصيص. كذلك يجب تبني السياسات الكلية، بما فيها معدلات الفوائد الأكثر انخفاضا، التي تساعد على خلق فرص عمل جديدة(18). و يعلق ستيغلتز على سياسة فتح أسواق الدول النامية مثل التي فرضها الاحتلال على العراق، فيقول: "اليوم، قليلون هم الذين يدافعون عن الدجل في الإدعاء بخدمة مصالح البلدان النامية، عبر إجبارها على فتح أسواقها أمام بضائع البلدان الرأسمالية المتقدمة، في حين يبقون أسواقهم الخاصة محمية، هذه السياسات التي تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وأكثر غضبا"(19).
ويقول الدكتور همام الشماع "إن الإجراءات التي اتخذت مثل إلغاء الرسوم الجمركية، أدت إلى تدمير الكثير من الصناعات والنشاطات الاقتصادية، الصناعية والزراعية، والقطاع العام الذي أصيب بالشلل نتيجة الحرب والقلق الذي يعتريه من احتمالات التخصيص وغياب الدعم الحكومي له"(20).
ونتيجة هذه السياسات، ارتفع معدل البطالة إلى نسب هي الأعلى في العالم قاطبة، تتراوح بين 60 و70%، وذلك بجانب البطالة الخفية. وبلغ عدد الفقراء في العراق أكثر من تسعة ملايين، لا يتسلمون غير البطاقة التموينية كدعم من الدولة، وهو دعم كان يعمل به منذ ثلاثة عشر عاما، وقد خفضت سلطات الاحتلال الحصة التموينية، وأزالت منها على سبيل المثال، حليب الأطفال. كما تفاقمت أزمة السكن، وأصبح حوالي 7.5 مليون عراقي دون مساكن.
ويقول الاقتصادي العراقي فاضل حسون أنه رغم رفع الحصار الاقتصادي، فالظروف المعيشية تزداد سوءا، وتتفاقم المشاكل الاقتصادية للأسرة العراقية التي تعيش تحت وطأة ظروف ضاغطة وارتفاع شديد في الأسعار وزيادة غير متوازنة في معدلات الأجور.
أما الكلام عن إشاعة الديمقراطية في العراق، فهو خرافة أيضا. كيف يمكن أن تكون الديمقراطية في ظل سياسات التدمير والتجويع والقتل اليومي. أما قصة اقتراع العراقيين في الانتخابات، فيقول فيها الكاتب الصحفي باتريك سيل: "كان العديد من العراقيين يخشون ألا يحصلوا على بطاقات التموين الشهرية إذا لم يشاركوا في الانتخابات، وقال بعضهم أنه طلب إليهم التوقيع على سجل اقتراع الناخبين قبل أن يتسلموا حصتهم التموينية"(22).
هذه صورة جزئية عن الاقتصاد العراقي ونتيجة العدوان والاحتلال الأميركي. إن شعوب المنطقة كلها مرشحة للمصير ذاته نتيجة الهجمة الإمبريالية الصهيونية على الوطن العربي وبعض دول العالم الإسلامي، أما الأوهام التي يبشر بها بعض الجهلة أو العملاء عن الخلاص على يد أميركا ومخططاتها وبرامجها الإصلاحية والديمقراطية، فلن تقنع الجماهير العربية.
إن الإمبريالية الأميركية سمحت لبعض الدول في أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا بالنمو تحت هيمنتها في ظروف كانت تواجه بها المعسكر الاشتراكي وتسعى إلى احتوائه وهزيمته. وكانت بالتالي بحاجة إلى تقديم واجهات خادعة للازدهار الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي والتبعية لأميركا، وبحاجة إلى حلفاء لها في منطقتي المواجهة الأساسيتين. أما السياسات الحقيقية للإمبريالية الأميركية فقد تجلت في أميركا اللاتينية والوسطى، وبما أصاب تلك الشعوب والدول من ظلم ودمار وإفقار نتيجة الهيمنة الأميركية. إن الازدهار الأميركي وما يسمى باستمرار طريقة الحياة الأميركية، مرهون باستمرار الفقر والتخلف على نطاق واسع في العالم، إذ أن المواد الخام المتوفرة في الكرة الأرضية غير كافية لتأمين هذا المستوى المرتفع جدا من أنماط الاستهلاك السلعي السائدة في أميركا ومعظم الدول الرأسمالية لجميع شعوب العالم. وبالتالي، فإن الهدف الإستراتيجي الإمبريالي الأميركي هو إبقاء شعوب العالم الثالث في بؤرة الجهل والفقر والعوز، وذلك من أجل استمرار نمط الحياة الأميركية.
وقد كتب على الشعب العربي أن يقاتل بيد ويبني باليد الأخرى، حتى يستطيع الخروج من دائرة الفقر والعجز والتخلف والتبعية.
إن الأمن القومي أساس للتنمية المستدامة. ذلك لا يعني أن جميع الأقطار العربية ليست بحاجة ماسة إلى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، خارج وصاية وتوجيهات إجماع واشنطن، وأنها ليست بحاجة ماسة إلى إشاعة الديمقراطية القادرة على إطلاق طاقات الجماهير، الكفيلة وحدها بإلحاق الهزيمة بالهجمة الإمبريالية الصهيونية وبناء مجتمعها العادل الموحد الحر المنيع والمزدهر.
(1) The Washington Institute For Near East Policy، Report of the Presidential Study Group، Security، Reform، and Peace
(2) Ibid
(7) جريدة الحياة في 17/3/2005 (8) نفس المصدر (9) جريدة الحياة في 9/9/2004
(10) جريدة السفير في 6/7/2004 (11) جريدة الحياة في 11/3/2005
(12) جريدة الحياة في 23/7/2004 (13) جريدة السفير في 17/1/2005
(14) جريدة الحياة في 16/5/2004 (15) جريدة الحياة في 8/7/2004
(16) جريدة الحياة في 8/2/2005 (17) جريدة الحياة في 9/4/2005
(18)
(18) Stiglitz، Joseph; Globalization and its Discontents، Penguin Books، London، 2002، p.57
(19) Ibid، p.XV
(21) نفس المصدر
(22) جريدة الحياة في 4/2/2005