|
قراءة موجزة في الناصرية ونضالاتها الوطنية والقومية |
إبراهيم ياسين، لبنان
قيادي في "التنظيم الشعبي الناصري"
إن أي تنظيم شعبي يتخيل أن واجبه هو الاحتفاظ بالأحوال كما تسلمها، إنما يفقد أصالته الشعبية والديمقراطية... علينا أن ندرك بوعي أن مهمة "التنظيم الشعبي" هي تنظيم الدفع الثوري وتجديد قواه وهي استمرار الحركة في إطار العقائد القومية نحو مزيد من العدل الاجتماعي.
جمال عبد الناصر
تصدى جمال عبد الناصر لأمور بالغة الخطورة مصريا وعربيا ودوليا، رفعت من شأنه إلى القمة. كان ألمعياً بما للكلمة من معنى، فهو ذو هيبة طبيعية بقامته المديدة، وسمرته المحببة، ووسامته الملحوظة، يزينها صوت مخملي انسيابي يعبّر عن قدرة خطابية آسرة ترتاد ميادين حساسة في السياسة المصرية والعربية والدولية، وكان قوي التأثير، ذكيا في إثارة العواطف.
لقد تعددت الآراء في تحديد مصطلح وتسمية الناصرية تيارا فكريا وسياسيا. ولكن لا شك في أن الناصرية، مصطلحا، تقترن بفلسفة ثورة 23 تموز. وهي كتسمية وتعبير ومصطلح نسبت إلى اسم عبد الناصر وانجازاته الوطنية والقومية، على الرغم من أن هذا المصطلح لم يلق قبولا، أو ارتياحا من عبد الناصر في حياته، لإصراره على اعتبار ثورته تعبيرا عن الثورة العربية الشاملة، لذلك لم تستخدم أجهزة الإعلام المصرية في عهده هذا المصطلح قط. بيد أن التسمية ترددت كثيرا في كتابات الباحثين العرب، وعلى صفحات الصحف العربية، بعد اشتهار عبد الناصر قائدا عربيا، وشخصية عالمية في معركة تأميم قناة السويس، وخلال أيام العدوان الثلاثي على مصر، وبعدها حتى وفاته، فامتد اسمه وتأثير أفكاره إلى أقصى زاوية قصية من الوطن العربي...
لم يستخدم المصطلح في مصر في حياة جمال عبد الناصر، لأنه كان يعني تقليص القضية التي تمثلها الناصرية، وربطها بالفردية تمهيدا لضربها، ذلك أن مهاجمتها تصبح أسهل حين يجري تجريدها من المبدئية، لتحويلها، بالتالي، إلى مجرد انتماء وولاء لشخص عبد الناصر. وعلى العموم ففي حياة عبد الناصر كانت الرجعية العربية، ووسائل الإعلام الغربية والصهيونية تستخدم المصطلح بكثافة في معرض الانتقاد والتجريح والتشهير، ناسبة كل ما تراه تخريبا وتدهورا وسلبيا بشكل عام، إلى شخصية عبد الناصر التي هيمنت على المسرح السياسي، وحازت احترام الجماهير العربية.
وعلى صعيد المفهوم أيضا اختلف الباحثون في تفسير الناصرية. وكان ذلك، بالضرورة، دليلا على اختلاف الرؤية الفكرية، ومنطق الاجتهاد عند واضعي ومستخدمي المفهوم. لكن الناصرية، عموما، وباتفاق الآراء لا تعدو أن تكون ظاهرة قومية واجتماعية وتاريخية، جسدها وطبعها جمال عبد الناصر بأسلوب تفكيره وعمله واستمرت من بعده ظاهرة قابلة للاحتفاظ بنتائج أسلوبه. ولم تكن الناصرية الوحيدة في هذا المضمار، بل توافقت وتزامنت معها ظواهر فكرية مماثلة عديدة في الحقبة ذاتها، أي في الربع الأول من النصف الثاني من القرن العشرين. لكن الناصرية تقدمت على معظم هذه الظواهر القومية التحررية بفعل قدرتها على التواصل على الرغم من الصعوبات والعقبات، بل إنها استمدت من هذه العقبات القوة على المزيد من الاندفاع، ونجحت في الفهم الصحيح الذي انطلقت منه.
فعلى الصعيد القومي أيقظت الناصرية روح الوطنية والانتماء القومي في الوطن العربي، وشكلت القومية والوحدة دليل عمل لها، وعنيت بالجماهير الشعبية وطورت مستوياتها الاقتصادية والسياسية والحياتية والمعاشية. وبذلت كل ما أمكنها لصالح نهوض قومي عربي، فأعادت بلورة الهوية العربية بعد عقود من العبودية والذل، رافعة من شأن الوعي القومي ودوره الكفاحي الكبير، مدركة عمق التخلف التاريخي في الوطن العربي بسبب السيطرة الاستعمارية الطويلة، و قطعها الصلات القائمة بين اقتصادات الأقطار العربية التي اتسمت، لهذه الأسباب، بالتخلف والتبعية للاقتصاد الامبريالي العالمي.
ومن أبرز النتائج التي حققتها الناصرية بالاستناد إلى الوعي القومي المتعاظم، وبلورة الإرادة السياسية الوحدوية، إقامتها أول وحدة عربية بين مصر و سورية، وهي التي عجزت الإيديولوجيات المعاصرة عن تحقيقها.
ويسجل للناصرية اعتمادها الوعي القومي ركيزة أساسية في تشييد الكيان السياسي. وهنا بالذات، يتضح أثر قراءات ناصر في الفكر والتربية والقومية الألمانية، وتأثير الفلاسفة، و أبرزهم "فيخته والمعلمين الألمان"، على حملة بسمارك التاريخية الشهيرة لفرض الوحدة الألمانية بين المقاطعات الألمانية التي تشبه إلى حد بعيد أنظمة ملوك الطوائف العرب في انعزاليتهم وتشرذمهم.
واستنادا إلى كل ما تقدم، فان الناصرية تعد ظاهرة متكاملة (إلى حد ما) في إعادة البناء الوطني والقومي، تأسيسا على ما يشكله العرب كأمة واحدة موحدة في تاريخها ولغتها وآمالها وضميرها المشترك الواحد. واستطاعت الناصرية أن توضح للعرب جميعا أن مستلزمات نهوض أمتهم تكمن أساسا في الوحدة. وعلى هذا الأساس أطلقت الناصرية شعاراتها القومية النضالية العربية عقب العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، وحسبنا الإشارة هنا إلى خطبة الوحدة. واقترن ذلك، فيما بعد، بربط حركة الوحدة العربية بحركة التغيير الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي. وهنا تنبغي الإشارة إلى خطب وبيانات التوجيه والتحليل حول التحول الاشتراكي، واعتماد إرادة الجماهير ومصالحها، أساسا ومنطلقا. وهكذا اختطت الناصرية طريقا للاشتراكية تتلاءم مع فلسفتها الاجتماعية، وتنسجم مع قيم المجتمع العربي. فاعتمدت الإنسان قاعدة ومنطلقا وهدفا، وأكدت على دور القوى الاجتماعية في رسم وتنفيذ السياسات الوطنية والقومية. وعالجت المشاكل الاجتماعية والسياسية بما ينسجم ويتساوق مع حركة التطور الحضاري للأمة.
تكون الناصرية بذلك حركة تاريخية قادها مدا وجزرا، شدا وجذبا، سلبا وإيجابا، طوال الثمانية عشر عاما من حكمه، جمال عبد الناصر "الرمز الأول لهذه الحركة التاريخية التي عرفتها مصر والوطن العربي بأكمله، بل وحتى حركات التحرر الوطني العالمية". ولم يكن عبد الناصر حين قاد ثورة 23 تموز 1952 فيلسوفا يطبق إحدى نظريات العمل الثوري، وبالمقابل لم يكن مغامرا. فقد كان أحد أبناء جيل عقد الأربعينيات في مصر، الجيل الاستثنائي في التاريخ الحديث.
وفي ضوء تداعيات ثورة 23 تموز، ومعطيات التطورات اللاحقة التي تمخضت عن عوامل داخلية موضوعية، وضغوط خارجية مفروضة يمكن أن تعرّف "الناصرية بأنها حركة ثورية اشتراكية، "أكدت، بين أمور عديدة، أهمية البعد القومي للنضال التحرري في انجاز مهماتها، فيها "بداية عمر جديد للعرب بعد زمن طويل من الموت السياسي". فالناصرية انبثقت، في الواقع، كحركة تاريخية لتغيير المجتمع العربي الحافل بالقيم الروحية، مؤكدة الترابط الجدلي بين الوحدة العربية والحرية، من خلال محاربة الاستعمار والصهيونية، فحملت على عاتقها مهمة تثوير الضمير القومي العربي لدفع العرب في حركة التاريخ، وامتلكت وعيا منسجما ومتوافقا، حسب تلك المرحلة، مع حاجات التقدم، فحاولت أن تربط الأصالة بالمعاصرة من خلال التمازج بين العروبة والإسلام، كما أنها استوعبت، بالضرورة، مصالح المجتمعات والمؤشرات الأساسية لحركة التغيير بالاعتماد على الجماهير وإرادتها وحقها في إدارة شؤونها.
ويمكن القول أيضا أن الناصرية فكرة متكاملة إلى حد واضح بمفهوم العصر، وفي إطار المكان، للعديد من جوانب الحياة، لم تتحدد بالعموميات بوضع الإطار النظري للفلسفة، بل تجاوزتها إلى التطبيق الشامل والحوار برؤية واعية ثورية حول أهم المبادئ التي شكلت نهجا فكريا وسياسيا وتنظيميا يسهم في صياغة منهاج كامل وشامل للتقدم، كان من شأنه أن يشكل رافدا أساسيا لحركة الثورة العربية، ووضع إستراتيجيتها ذات الأهداف والمهمات المحددة. وقد ساعد على بلورتها انفتاحها على الفكر الاشتراكي والإنساني والعالمي، وعدم ضيقها بما سبقها من نظريات، ومحاولة الإفادة من عطائها، بالانطلاق من أهم الثوابت المبدئية التي اعتمدتها الناصرية، والتي تقول أن الحلول الحقيقية لمشاكل أي شعب لا يمكن استيرادها من تجارب شعب غيره بشكل صنمي. لقد صاغ عبد الناصر بعد الثورة هذه الفكرة في مواقف عديدة وخلال اجتماعاته المفتوحة مع الجماهير، والمغلقة مع القادة والساسة والزعماء ورؤساء الدول. وبالطبع فان أية نظرية لا تعدو أن تكون تطويرا لخطوط فكرية عامة تتطور من خلال التطبيق، كما أنه لا يمكن، بأية حال، فصل الفكر عن التطبيق، وبخاصة بالنسبة للفكر الناصري الذي كان يتم تطبيقه في وجود وحياة القائد جمال عبد الناصر، صانعه وواضعه. وقد اكتسب الفكر الناصري مضمونا اجتماعيا تقدميا، وبعدا وحدويا عربيا بالتفاعل الحي مع التاريخ القومي تأثرا به وتأثيرا فيه نحو برنامج تفصيلي بفتح طريق الثورة إلى أهدافها اللامتناهية، أساسها الإنسان وحريته وكرامته، وسط ميدان العمل والتطبيق، وبين محاولات التجربة والخطأ في إطار النظرة التي كانت تسعى إلى الاتساع والشمول، وفي ظل ظروف صعبة بالنسبة لطبيعة الثورة ذاتها التي اندلعت دون أن ترتكز على تنظيم حزبي ثوري يسندها، ومن غير نظرية كاملة للتغيير الثوري. وعلى الرغم من ذلك استطاعت الناصرية أن تنمو، وتتكامل بالممارسة الفعلية والواقعية، وشقت طريقها الخاص منطلقة من خصوصية ظروف مجتمعها وطبيعته، ووضعت بالتالي مبادئ عامة للثورة، كانت الممارسة هي التي أكدتها وبلورت أبعادها. وكانت المبادئ الستة للثورة، وهي:
1_ القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين.
2_ القضاء على الإقطاع.
3_ القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
4_ إقامة جيش وطني قوي.
5_ تحقيق العدالة الاجتماعية.
6_ إقامة نظام ديمقراطي سليم بمفهوم جديد.
ولم تكن هذه المبادئ العامة الستة أكثر من مجرد دليل للعمل، لم تكن نظرية عمل ثوري كاملة. كانت قمة نضوج فكر عبد الناصر هي الارتقاء بالعديد من هذه المبادئ العامة، وبمعطيات التجارب المختلفة في خضم التطبيق والتفاعل مع تطورات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومتغيراتها على مدى عقد من الزمن تقريبا، وبلورتها بشكل أكثر تطورا وتقدما. وكان الميثاق .
استطاع جمال عبد الناصر أن يكتشف بحسه الثوري قوانين الصراع الطبقي في حركة المجتمع. واستطاع أن يتبين العلاقة الوثيقة بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، والترابط بين الصهيونية والاستعمار العالمي، وبدأ إيمانه يزداد رسوخا بقيمة كفاح عربي واحد مشترك في سبيل وحدة شاملة.
"ما دامت المنطقة واحدة وأحوالها واحدة ومشاكلها واحدة ومستقبلها واحدا... والعدو واحدا– مهما يحاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة– فلماذا نشتت جهودنا"؟
إذن، فان جمال عبد الناصر لم يكن فيلسوفا لثورة الأمة العربية في هذا العصر، بل كان يعيش الفلسفة إحساسا ومعاناة، ويطبقها ممارسة ونضالا. إن عبد الناصر لم يقدم إيديولوجيا، أو نظرية محددة، أو منهجا متكاملا في البحث والتفكير يقود الثورة في جميع مراحلها إلى طريقها وأهدافها، ويبين الوحدة الفكرية لطلائعها، ولكنه كان بفكره يمثل إيديولوجية ثورية في مخاض التشكيل من خلال التجربة الثورية الخاصة، والتعلم من تجارب الآخرين بما ينسجم مع مهمة تطوير نضال العرب، وحركة نهوض الآخرين.
ومن خصائص الفكر الناصري وايجابياته نشأة و تطورا، قبل الثورة كما بعدها، انه تحدد، وصولا إلى الأهداف القومية الكبرى، من خلال نضوج وتعاظم وعي الجماهير الوطني والقومي، وحركة نضالها على مدى الوطن العربي في الحرية والاشتراكية والوحدة. فالناصرية بهذا المفهوم "هي الأفكار النظرية العامة" التي توجه تلك الإستراتيجية والمضامين المحددة التي انطوت عليها تلك الأهداف القومية، أو بكلمة أخرى إنها الايدولوجيا الثورية المعبرة عن روح الأمة.
وإذا آمنا بأن الإيديولوجيا، بمفهومها العام، "إنما هي المنظور الكلي للعالم سواء بالنسبة للفرد أم للفئة الاجتماعية أم الأمة"، وكذلك بوجود شكلين للأيديولوجيا، الأول هو المنظور الضيق، أي "المذهبية الضيقة التي تفرض نفسها على الواقع بأفكار ومنظورات عامة مسبقة، بدلا من أن تستنبط معطياتها من حركة الواقع ومن حركة التاريخ"، بمعنى أنها تفرض تطابقا قسريا بين منظوراتها والواقع، والثاني نظرة مباشرة، محددة، منفتحة، تكون فيها الإيديولوجيا مجموعة مبادئ ومفاهيم وأفكار توجه العمل السياسي، و ترمي لأهداف محددة، وتصاغ على أساسها إستراتيجية عمل بعيدة المدى، وتستخلص منها تكتيكات الصراع وأساليبه وبناء النظم والدولة، وفي بناء العلاقات الاجتماعية. إذا آمنا بذلك فان الناصرية تكون قد قدمت، من خلال الشكل الثاني، وعبر تجربتها المتميزة الخاصة، إيديولوجيا معبرة عن الواقع العربي، وما زالت متقدمة على ما سبقها ومعظم ما لحقها من إيديولوجيات عربية، وذلك لأنها وليدة معاناة قوى النضال العربي وخبرة الأمة العربية ومعاناتها. من هنا فان الناصرية أصبحت، بالنسبة لوقتها، إيديولوجيا الثورة العربية الشاملة، بوصفها ربطت جذريا بين إيديولوجيتي الثورة الوطنية والديمقراطية، في إطار الوحدة القومية، كما أن مضامين الثورة وأبعادها في المنظور الناصري لم تتكامل إلا عندما التزمت بنهج تاريخي محدد، نضجت مقدماته في أوائل العقد السابع.
وإذا تجاوزنا هذا الإطار الخاص إلى إطار أشمل فيمكن تقويم الفكر الناصري بوصفه فكر الثورة الذي تشكل من انجاز إلى انجاز، فيما يسميه بعض المفكرين الماركسيين "بالثورة المستمرة" الوطنية الديمقراطية المصرية المتعددة المهمات، والمتداخلة المراحل، الآخذة ببعدها القومي العربي إطارا وهدفا وحدويا، المتوجهة باتجاه الاشتراكية عمقا ومضمونا، المنفتحة على الفكر التحرري الإنساني والاشتراكي.
كانت الثورة تتلمس دربها بطريقة الصواب والخطأ، يوما بعد يوم، ومعركة أثر معركة، ولم يوقف هذا التلمس سير الثورة، إلا أنه جعله بطيئا وطويلا ومتعرجا، فيه التواء، وفيه وقفات، وفيه مفاجآت أيضا.
كان فكر جمال عبد الناصر مرتبطا بتقدم تجربته وممارسته، وكان محكوما، في الوقت ذاته، بواقع ناصر السياسي ومسؤولياته منذ بداية تجربته، فانه، وفي كل مرحلة، وكل نقلة إلى الأمام، لم يكن يعطي نظرته الشمولية أبعادها القصوى، وكأن تلك المسؤوليات كانت قيدا عليه تطالبه بالوقوف عند حد معين من الالتزام الإيديولوجي.
وكما هو معلوم، إن الإيديولوجيا هي تلك المجموعة المنسقة من الأفكار التي تتعلق بشكل النظام الاجتماعي وغايته، وتشتمل على عنصرين: الغاية التي ينبغي للمجتمع التطلع إليها، والوسائل التي تمكن من الوصول إلى الهدف، وإن التطور الفكري لإيديولوجيا أي مجتمع، بصفة عامة، ولأية قيادة سياسية بصفة خاصة، لا يحدث من فراغ، وهو ليس عملية عقلية أو رياضة ذهنية مجردة، بل أنه يرتبط بمجمل التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العام، يؤثر فيه ويتأثر به. ولا يمكن فهم التطور الفكري فهما متكاملا إلا في الإطار العام لمسار المجتمع من حيث علاقاته ونظمه ومؤسساته. في ضوء ذلك يمكن القول أن رئيس منظمة الضباط الأحرار، ومن ثم رئيس الدولة جمال عبد الناصر، هو الذي عبر عن التطور الفكري للنظام أساسا، أما زملاء عبد الناصر من تنظيم الضباط الأحرار الذين تولوا السلطة في 23 تموز، فلم يكونوا ملتزمين بإيديولوجيا محددة، أو بمذهب اجتماعي معين، أو باتجاه واحد. وقد تبلور الحكم الناصري بما سمي "بالتجربة والخطأ"، وقد تطورت أفكار رجال هذا الحكم نتيجة خبراتهم المتراكمة، وممارساتهم العملية في الحكم. وقد اعترف عبد الناصر بذلك بالقول: "... إن قادة الجيش لم تكن لديهم فكرة واضحة عما يجب أن يفعلوه، عندما وجدوا أنفسهم فجأة في مقاعد السلطة". والحق، أن الناصرية تطورت كأيديولوجيا بشكل تدريجي، وعلى مراحل، وارتبط هذا التطور بالتغيير في طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وبتجارب التنمية الجديدة في الحكم داخليا وخارجيا.
ويسجل للفكر الناصري توجه ديمقراطي نحو القوميات الأخرى، ما أكسبه تقديرا كبيرا في صفوف شعوب العالم الثالث، وكان ذلك أمرا في المتناول بوصفه موقفا سياسيا موجها خارج حدود مصر، لم يكن بحاجة إلى مستلزمات خاصة، ولم يكن من شأنه أن يترك أي أثر على الواقع الداخلي للنظام الناصري نفسه، بل كان يكسب له الأصدقاء من دون أن يكلفه ذلك شيئا يذكر. وقد تحولت مصر عبد الناصر إلى ملجأ لكل أحرار العرب، والعالم الذين كانوا يلتقون مع الناصرية بدرجات متفاوتة، ولقد ظهرت العديد من الحركات والأحزاب في أقاصي الوطن العربي بتأثير من تلك الأفكار.
إذاً... ثورة تموز، هي ثورة وطنية معادية للاستعمار بشتى مظاهره، وبشتى أشكال نفوذه. لقد كان الاستعمار التقليدي، الانكليزي والفرنسي، هو العدو المباشر للثورة بسبب تمركزه في الخنادق الأمامية من الجبهة الامبريالية، فدخلت معه في حرب إبادة واقتلاع، لا في مصر فحسب، بل في سائر أنحاء الوطن العربي وأفريقيا والعالم الثالث. وعلى الصعيد الداخلي أنزلت الثورة ضربات ساحقة بالقوى المرتبطة بالاستعمار، عندما قضت على ركائزه الأساسية المتمثلة في العرش وقوى الإقطاع، وقوى الاحتكار في الداخل والخارج.
واقتلعت الثورة من الجذور السيطرة الاقتصادية الاستعمارية على مصر، وصادرت وأممت جميع رؤوس الأموال والشركات والمصارف الأجنبية في مصر. وحررت تجارتها من النفوذ الاستعماري، ما يمكن تسميته بالحياد الاقتصادي لكي تتخلص من تبعية السوق الرأسمالية، فوزعت صادراتها ووارداتها بصورة متوازنة ومتقاربة بين الدول الرأسمالية، و الاشتراكية، والعالم الثالث.
كانت إجراءات تموز الاشتراكية بداية الطريق. وحققت هذه الإجراءات الاشتراكية سيطرة الشعب على أهم وسائل الإنتاج بعد أن أصبح القطاع العام القوة الرئيسية الموجهة والمسيطرة على الاقتصاد القومي، وبذلك أصبح أيضا قاعدة للتحول إلى الاشتراكية. وفي هذا يقول عبد الناصر في الميثاق، الباب السادس في حتمية الحل الاشتراكي: "إن النضال الوطني لجماهير الشعب هو الذي صنع نواة القطاع العام بتصميمه على استرداد المصالح الاحتكارية الأجنبية وتأميمها وإعادتها إلى مكانها الطبيعي والشرعي وهو الملكية العامة للشعب كله...".
ولكن تطوير الاقتصاد القومي، من اقتصاد كان يسيطر عليه رأس المال الخاص إلى اقتصاد يلعب فيه رأس المال العام الدور الرئيسي والقائد، لم يكن بالأمر الهين.
لقد اقتضى ذلك سنوات طويلة من التجربة والخطأ، كما اقتضى مراحل من التغيير في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، حتى تتحول دولة الإقطاع ورأس المال إلى دولة لتحالف قوى الشعب العامل، وحتى يصبح من مهام الدولة أن تقوم بالإنتاج والتخطيط من أجل الشعب بعد أن كانت مهمة الدولة حراسة المصالح الطبقية لكبار الملاك والرأسماليين. ومنذ اليوم الأول للثورة كان المعلم جمال عبد الناصر يؤكد على وجوب منع سيطرة رأس المال على الحكم والقضاء على الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق لإقامة مجتمع تسوده الرفاهية. ثم بدأ بعدها يدعو إلى إقامة المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني، والى أن يتعاون رأس المال الخاص غير المستغل مع رأس المال العام، ثم بدأ يوسع قاعدة القطاع العام ليصبح القطاع المسيطر والقائد، وليبدأ أولى خطوات التحول إلى الاشتراكية العلمية بقوانين تموز 1961... وعلى حد تعبير الرئيس عبد الناصر: "كما مشينا في ثورتنا السياسية مرحلة مرحلة، وانتقلنا من مرحلة كفاح إلى مرحلة كفاح – ففي ثورتنا الاجتماعية نسير مرحلة مرحلة. وكل مرحلة من المراحل تحدد الالتزامات وتحدد الخطط التفصيلية التي يجب أن نتبعها في المرحلة الأخرى".
وقد أوضح الرئيس جمال عبد الناصر في ذلك الحين طبيعة الدولة في هذه المرحلة. فذكر أنه يمكن تسمية هذه الدولة بأنها دولة العمال والفلاحين كما أنها دولة الموظفين والمثقفين، وهي دولة أرباب الأعمال وأصحاب الأموال أيضا مشيرا إلى أن "الثورة إذا كانت خدمت الفلاحين بالإصلاح الزراعي، فقد خدمت أيضا رأس المال المصري الذي كان محبوسا في الأرض، ففتحت بذلك آفاقا جديدة لأرباب الأعمال بهذه المشروعات الكبرى في ميادين الصناعة وتصنيع الزراعة، فضمنت لبعض هذه المشروعات الكبرى نسبة من الأرباح وساهمت بمالها في بعضها الآخر ومنحت تسهيلات كثيرة لرؤوس الأموال التي تريد أن تفتح في الصناعة ميادين جديدة.
والواقع أن هذا الاتجاه كان هو الاتجاه السليم وقتئذ في دولة اقتصادها متخلف ويحبو نحو النمو وبحاجة إلى تجميع قوى الشعب لطرد المستعمر وتأمين الثورة نفسها. وهو نفس الاتجاه الذي سلكته من قبل جميع الدول النامية في تطورها نحو الاشتراكية.
ويمكن القول بأنه قد بدأت في هذه المرحلة اهتمامات شديدة بخلق صناعة قوية بلغ رأس المال المستثمر فيها عام 1957مبلغ 44 مليون جنيه في حين كان لا يتجاوز مليونين من الجنيهات عند بداية الثورة. كما بدأ اتجاه نحو تخطيط "الاقتصاد القوي". ولكن الدولة ظلت، حتى أواخر عام 1956، محتفظة بسمات "الدولة الإصلاحية".
والمسألة الاجتماعية تقدم بعدا آخر، فقد نص دستور 1956 أي بعد قيام الثورة بأقل من أربع سنوات على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية، ومنها حق التصويت و الترشيح للانتخابات العامة، وشغل الوظائف على المستويات كلها في جهاز الدولة. وقد يبدو هذا شيئا عاديا بمعاييرنا الآن، ولكنه كان يعتبر "ثورة مصغرة" في ذلك الحين، حيث انطوى على نسف تقاليد وممارسات لم تتغير كثيرا منذ أربعة عشر قرنا. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تحصل فيها المرأة في أي مكان من وطننا العربي، وربما في أماكن عديدة من العالم الديمقراطي المتقدم على مثل هذه الحقوق.
إن قيام الثورة بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، وطرح مفهوم الحياد الايجابي وعدم الانحياز، كان لهما وقع هائل ودوي صاخب على النظام العالمي السائد آنذاك. وكانت مصر تسير في طريق محفوف بالمخاطر والأشواك، وفي مواجهة الدولتين العظميين في الوقت نفسه. ولكن بعد خمسة عقود من الزمان كان حق الدول الصغيرة، ودول العالم الثالث في السيطرة على مواردها الاقتصادية أصبح من الأمور المقبولة عموما، وأصبحت قضية العلاقات غير المتكافئة بين الدول النامية والدول الصناعية التي طرحها جمال عبد الناصر منذ الستينات، وبالذات في خطابه أمام رؤساء دول وحكومات عدم الانحياز الذي عقد في القاهرة عام 1964، على جدول أعمال جميع المؤتمرات والمنظمات الدولية.
كانت ثورة تموز حكما ونضالا، وقد اجتمع الحكم والنضال على انتهاج سياسة الاستقلال الوطني في مصر، وهو أمر طبيعي ، فالميزة ليست هنا حتما، إنما الميزة في الرسالة التي تحملها الثورة والتي تمثلت في اليقظة السريعة إلى تحول مفهوم الاستقلال ونوعيته، ووسائل تطويره وتدعيمه، والتوسع فيه لتحقيق التحرر الشعبي. وتيقظت الثورة بسرعة إلى أن الاستقلال لا يكون في ضمانات، أو حماية سياسية، أو اقتصادية من دول الاستعمار، إنما أصبح يتدعم ويتوسع بفضل الانتماء والتعاون مع الدول والشعوب التي تناضل من أجل الاستقلال والتحرر الاجتماعي. وهذا ما دفعها إلى العمل لبناء حركة عالمية، حملت آمالا عريقة هي حركة عدم الانحياز، من أجل تدعيم النضال وتكتيل المواقف في مواجهة هجمات الهيمنة والعدوان.
إن التحرك القومي العربي كان يهدف أيضا، إلى خلق توازن جديد في العالم، لضمان السلام الحقيقي الذي يستند بالضرورة إلى عدل وتحرر حقيقي لكل شعوب العالم على قدم المساواة.
وبما أن الفكر الناصري كان حيا، وحساسا تجاه الأحداث والوقائع والتطورات، لذا فقد طرأت عليه، بعد نكسة حزيران تغيرات جعلته أكثر مرونة وواقعية وتبصرا، خصوصا في منطلقاته السياسية. فعندما هوجم، صاحبه إلى حد وصفه بالخيانة، فانه لم ينفعل ليهاجم بالنعوت ذاتها، والأوصاف المجانية، بل حاول أن يقنع المنتقدين بالجوهر الفكري لبعض تراجعاته السياسية في سياق المرونة في التكتيك، دون أن يتخلى عن المبدأ الراسخ في ذهنه حتى آخر لحظة من حياته، وظل يسعى من أجل أن يكون النقاش موضوعيا وعلى مستوى الأحداث، وأن يؤخذ ما هو ممكن، وما هو مستحيل بنظر الاعتبار، مما يؤلف انعطافة ايجابية في فكر عبد الناصر، توافقت مع روح العصر، وواقع تناسب القوى التي كان أحد أهم أقطابها، المساند للفكر الناصري، يسير نحو الانهيار دون أن يتلمس أحد منا البعد الحقيقي، والنتائج المتوقعة لظاهرة حالة الانحلال السوفيتي بإفرازاته العميقة بالنسبة لمسار مجمل حركات التحرر فكرا ونشاطا.
وعلى الرغم من أن عبد الناصر في مرحلة ما بعد النكسة بدأ يبالغ أحيانا في تحميل نفسه مسؤولية كل شيء، إلا أن فكره، في الواقع، لم يكن مثقلا بالشعور بعقدة الذنب، إنما كان مثقلا بالشعور بالمسؤولية، وهذا شعور حميد، وظاهرة صحية تماما في فكر القادة المسؤولين الجادين الرصينين، ناهيك عن أنه يترجم الشجاعة في مواجهة الأحداث، وليس الهروب منها، وتعليق مسؤوليتها على الغير. كان فكره في هذا السياق، وفي غيره، يترجم جدلية السيرة الذاتية والتفكير الثوري، أو ما يدعى جدلية التنظير والتطبيق. فعموما، ومنذ البداية حين كان يدعو بفكره إلى الزهد الثوري والعفة والنقاء للحفاظ على المصداقية الثورية، وعلى احترام الجماهير الحقيقي، ودوام إيمانها بأفكار الثورة، لم يكتف بالتنظير فحسب، بل كان يضرب المثل، وبكل تواضع، بنفسه هو. فقد كان ضد التملك المفرط، وضد الترف، وضد الفساد والاستغلال، انه كان، بتعبير أحد أصدقائه "أنموذجا في كل شيْء، ومثاليا في كل شيْ، رافضا الترف، رافضا التملك، غير قابل للفساد الشخصي، سعيدا بأن مجتمعا جديدا بدأ في مصر... لا بيت له لأنه ضد التملك، ولا سيارات له، ولا عقارات له، ولم يترك أموالا، أو أطيانا"، ولم يكن زهدا صوفيا، بل قناعة فكرية مسؤولة. فلقد كان يتصور أن الملكية موقف اجتماعي "ومع أنه لا اعتراض لديه على تملك الناس، إلا أن هذا الاعتراض كان قائما بالنسبة إلى شخصه. وكان يرى أن التملك لا يتماشى ووضعه كمسؤول عن التحول الاجتماعي في مصر... وكان مقتنعا بأن التملك بالنسبة إلى المسؤول يؤثر على رؤيته الاجتماعية".
ولم يكن جمال عبد الناصر "كسوكارنو أو نهرو أو نكروما"، مجرد زعيم وطني بارز في العالم الثالث... إنما كان بفكره وسلوكه الدولي أيضا، قائدا تاريخيا ضمن حركة التحرر الوطني العالمية، ودوره النضالي في العالم النامي لا يمحوه الزمن. إن جمال عبد الناصر، كشخص، قد مات... ولكن الناصرية كاتجاه للتقدم الاجتماعي لا تزول آثارها، فأنها بآثارها قد فعلت فعلها المحتوم، وانتهى الأمر... فأصبحت مثل خلايا الدم جزأ لا يتجزأ من نسيج الحياة...
أخيرا كان جمال عبد الناصر "تعبيرا عن القومية العربية في مرحلة من المراحل "كما قال هو عن نفسه، انه كان تعبيرا أنموذجيا في التنظير المقبول، و في جدة الأفكار وأصالتها، وفي جدلية التنظير والتطبيق، وفي عفة الثوري ونقائه ومبدأيته. لقد كان شهيد القومية العربية، وشهيد مشاكلها في المرحلة المعاصرة، انه عاش لأمته، ومات من أجلها، وكان بذلك أنموذجا لما ينبغي أن يكونه زعماء القومية العربية، والزعماء في العالم الثالث في عصرنا، لذا فان مثل هذا الرجل يمكن انتقاد أفكاره، ولكن من العيب التجريح به.
المراجع
1- جمال عبد الناصر .نشأة وتطور الفكر الناصري – د. بثينة عبد الرحمن التكريتي. مركز دراسات الوحدة العربية.
2 – ثورة 23 يوليو 1952، د.مجدي حماد، مركز دراسات الوحدة العربية.
3 – فلسفة الثورة، جمال عبد الناصر.
4 – الميثاق، جمال عبد الناصر.
5 – المجموعة الكاملة لخطب وأحاديث وتصريحات الرئيس جمال عبد الناصر: 1957، 1958، 1960، 1961.
هل كان للبعد التنظيمي دور في سقوط النظام الناصري في مصر؟
إذا كان الرئيس جمال عبد الناصر اعتمد التدرجية القائمة على التجربة في تطوير مشروعه القومي ببعديه الاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب سعيه لتحقيق الوحدة العربية، والتخلص من قوى الاستعمار والرجعية على المستوى العربي والدولي، فإنه كان على المستوى التنظيمي يفتقد الأداة المنسجمة التي تستطيع تحقيق هذه الأهداف بدءاً من مصر التي تشكل القاعدة الأساسية لنهوض المشروع القومي التحرري.
الأداة التنظيمية لم تول الاهتمام الكافي من حكم الرئيس عبد الناصر الذي اعتمد في بدايات حكمه على الأشخاص الموثوقين منه، إن كان على مستوى السلطة السياسية أو على مستوى الجيش، وهذا ما أدى إلى نشوء تباينات وصراعات بين مراكز متعددة في النظام، تتغذى من إغراءات السلطة والمصالح الشخصية، (التي أدت إلى هزيمة كبرى ليس للنظام فحسب، بل للأمة جمعاء) التي تحولت على مر الزمن لتصبح عاملا مؤثرا يعيق تقدم المشروع الناصري. وقد تدارك الرئيس جمال عبد الناصر الأمر في مراحل متأخرة، عندما عمل على بلورة إطار تنظيمي سري داخل الاتحاد الاشتراكي العربي ومؤسسات الدولة في مصر، وحتى على المستوى القومي داخل بعض الأحزاب العربية القومية والناصرية.
هذه الثغرة برزت بشكل واضح على أثر رحيل القائد المعلم جمال عبد الناصر عندما لم يكن هناك حالة تنظيمية متماسكة وممسكة بمفاصل السلطة وقادرة على إكمال نهج عبد الناصر ومنع الانقلاب عليه من قبل الفئات أو الشرائح الاجتماعية التي استفادت من وجودها في السلطة وأصبحت في تعارض جذري مع نهج عبد الناصر الاجتماعي والاقتصادي، واستطرادا الوطني والقومي، فكان الانقلاب الذي نظمته هذه الشرائح من خلال أنور السادات (مدعوما من الخارج الغربي والعربي، ومن القوى والطبقات الرجعية في الداخل) الذي أطلق يدها في السلطة من خلال اعتماد نهج الانفتاح الاقتصادي على الغرب وتدمير المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وعودة الإقطاع وكبار الملاكين، بثوب جديد هو الرأسمالية المرتبطة مصالحها بالغرب وبالولايات المتحدة الأميركية.
انطلاقا من ذلك، على كل القوى التغييرية والقومية التي تسعى إلى تغيير الواقع وتحقيق الأهداف المحقة على مختلف المستويات الوطنية والشعبية أن تلتفت، وتعطي البعد التنظيمي أولوية أساسية في عملها على قواعد وثوابت ترسخ الرؤيا البرنامجية ببعديها الوطني القومي والاقتصادي الاجتماعي، لأنه ثبت بشكل واضح بأن هناك ترابطا بين الأمرين، لا بل حالة جدلية تفرض التلازم في النضال القومي والاجتماعي. وهذا النضال لا يمكن أن يصل إلى أهدافه إلا إذا كان هناك إطار تنظيمي حزبي حديث متماسك وقادر على التعبير عن هذه الرؤية (ومتغيراتها التي تطرأ عليها بفعل الزمن أو بفعل الحالات الطارئة التي تحدث في وقتها) وتجسيدها من خلال قيادة نضالات وتحركات الجماهير على المستويين الوطني والاجتماعي. وفي ذات الوقت يمتلك صفات الديمومة التي تقوم على قيادة جماعية ديمقراطية حقيقية، وليست فردية تؤمن استمرار العمل وعدم حصول اختلالات إذا ما فقدت رمزا من رموزها الأساسية كما حصل عند استشهاد الرئيس جمال عبد الناصر.