مار مارون

بمناسبة 1600 عام على وفاته

::: مار مارون ::: 09 شباط 2010 - الإكليريكي فؤاد فهد

اليَوم هوَ عيد مار مارون، اليَوم نَذكُرُ مَن نُسَمِّيهِ »شَفيع الطَّايفة« وَ»أب الموارنة«، ونَذكُرُ أجْدادَنا، وَيَكثُر الحَديث عَن تاريخنا، وعن سبب وجودنا في لبنان، وعن أُمورٍ عَلِقَ الكَثير مِنها في أذْهانِنا ما يَتَّصِلُ بِالسِّياسَة أكثَرَ مِنها بالدِّين، بحياتنا الشّخصِيَّة، وبِخِبْرَتِنا مَعَ الله كَشَعبٍ وكَأشْخاص. ويَنتَهي العيد... و»يِنعاد عالجَميع«، ونَعودُ إلى الحَياة الطَّبيعيَّة، ننسَى العيد من دون أن نَنسَى أنَّنا مَوارِنَة. فالسّياسَة تُذَكِّرنا بذلِك، والتّيّار السّياسِيّ الذي قد ننتَمي إلَيْه يُذَكِّرنا أيْضاً بِذلِكَ، أوراقنا الثُّبوتِيَّة أيْضاً... وَبِنَظَرِنا إلى هذا المَشهَد يَظهَر لنا أنَّ مار مارون هوَ آخِر مَن يُذَكِّرنا بِمارونِيَّتِنا، ونحنُ نحمِلُ إسمَهُ... نَحمِلُ إسْمَ مَن هوَ شِبه مَجهول في التَّاريخ، لَم يَخلُد إسْمَهُ إلاَّ لأنَّهُ رَجُل... الله. فَلَولا الرِّسالَة التي بَعَثَ بِها يوحَنَّا الذَّهَبِيّ الفَم –بطرِيَرك القسطَنطينيّة آنَذاك- إلى ذاكَ الذي يَقطُنُ إحدَى الصَّوامِع في البرّيّة ويُدعَى مارون النَّاسِك، ولو لم يَنقُل تِيودوريطُس القورُشِيّ قِصَّتَهُ، وَقِصَّة رِسالة الذَّهَبِيّ الفَم، في كِتابِهِ »تاريخ الرُّهبان والنُّسّاك« نقلاً عَن تلاميذ مار مارون أنفسهم، لَما عَرَفنا أنَّ هذا الشَّخص وُجِدَ فِعلاً في التَّاريخ.

في المُناسَبَة التي نُحيي فيها 1600 سنة على وفاة مار مارون، أوَدُّ أن أطرَحَ سُؤَالاً: ما مَعنَى أن نحمِلَ اليَوم إسمَ مارون، وما مَعنَى هذا العيد بالنِّسبَةِ لنا، كَموارنة، في لبنان اليَوم؟

أستَقي إجابَتِي من ثلاث أفكار أستَوحِيها من إسم مارون، حياته، وَمَماته، مُحاوِلاً تَطبيق ذلِكَ على حياتنا.

أ- إسم مارون: هذا الإسم يَعني »السَّيِّد الصَّغير«. نعم... إنَّ مارون هوَ سَيِّد. ولكِن، سيّد على ماذا؟ لقد كانَ مارونُ سيِّداً على نَفسِهِ، فَعَرَفَ كَيفَ يَقهَرها لِمَجدِ اللهِ، في الصّوم والرُّكوع، وكُلّ ما تُخبِرُنا عَنهُ مَدارِس النُّسك التي كانَت سائِدَة آنَذاك.

ونحن؟ هَل نَحمِلُ هذا الإسم حامِلينَ مَسؤولِيَّةَ أنفُسِنا؟ هل نحنُ أسْيادٌ على أنفِسِنا؟ أسْيادٌ على أفكارِنا، ألسِنَتِنا، نَظَراتِنا...؟ هَل نحنُ أسْيادٌ على ضَمائِرِنا؟...

ولكن، إذا عُدنا إلى مَعنَى إسم مارون، نرى أنَّهُ يَعني السَّيِّد... الصَّغير. فَإذا كانَ هوَ السَّيِّد الصَّغير، فَمَن يَكونُ السَّيِّدُ الكَبير؟ بالنِّسْبَةِ لِمارون، كانَ اللهُ هوَ السَّيِّدُ الكَبيرُ والأوحَد، حَتَّى إنَّ تيودوريطُس القورُشِيّ سَمَّاه في كِتابِهِ: »مارون الإلهِيّ«، أي مارون المُنتَسِب إلى الله وحده!

أمَّا بالنِّسبَةِ لنا نحن، حَمَلَة إسم مارون،... ماذا عسانا نَقول في ذلِك؟... لَيتَنا نَكونُ »إلهيِّين« على مِثالِ مارون نَجعَل مِن الله سَيِّدَنا الأوحَد، مُعرِضينَ عَن ثَقافَة »غريزة القَطيع« و»الإستِزلام«، فَيَغتَنونَ مِن سماعِ كَلِمَة الرَّبّ على ما يَقول المَزمور 85: »إنِّي أسْمَعُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّب، إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بالسَّلامِ لِشَعبِهِ ولأصفِيائِهِ«، وَمَن مِن السِّياسِيينَ الذينَ يَعتَبِرونَ أنفُسَهُم »مَوارِنَة« يَتَكَلَّمونَ بالسَّلامِ كَما الرَّبّ؟ فَلَو جَعَلَ المَوارِنَةُ اللهَ سَيِّدَهُم، لما رَأيْنا ما نراهُ اليَوم، خاصَّةً في حقل العمل السّياسي.

ب-حياة مارون: في أيَّامِ مار مارون نشبت بينَ المَسيحيين خِلافات عَقائِدِيَّة، ونشَأت بِدَعٌ أدَّت إلى حُروبٍ وانقِساماتٍ... فكانَ المَوتُ يُهَدِّدُ الجَميع، والحَربُ كانَت بَينَ الإخوَة. الجَميعُ أخَذَ مَوقِفاً، فَتَحَزَّبَ، وَكانَ طَرَفاً حاقِداً. أمَّا مارون، فَما كانَ مَوقفهُ؟ صَعِدَ إلى البَرِّيَّة، إلى قِمَّةِ جَبَل، حَمَلَ على يَدَيْهِ وَكَتِفَيْهِ خَطيئَةَ النَّاسِ وَهَمّهُم، وتَوَجَّهَ إلى الله بالتَّضَرُّعِ والصَّلاة لِيَشفي المَسيحيينَ الإخوَة مِنَ الإنقِسام. وقد قالَ تيودوريطُس القورُشي في حياة مارون النّاسِك: »لَقَد زيَّنَ مارون، طُغمَةَ القِدِّيسِين المُتَوَشِّحينَ باللهِ وَمارَسَ ضروبَ التَّقشُّفاتِ والإماتاتِ تَحْتَ جوِّ السَّماءِ، دونَ سَقْفٍ سوى خيمَةٍ صَغيرَةٍ لم يَكُن يَسْتَظِلُّها إلاّ نادراً. وكانَ هناكَ هيكَلٌ وثَنيٌّ قديمٌ، فكرّسه مارون، كما يقول تيودوريطُس وخصّصة بعِبادَةِ الإلهِ الواحد، يُحيِي الليالي يَذكر الله وَإطالَة الرُّكوع وَالسُّجود والتأمُّلاتِ في الكمالاتِ الإلهيَّةِ، ثُمَّ يَنصَرِف إلى الوعظِ وَإرشاد الزائرينَ وتعزيةِ المُصَابينَ...« وقَد ذاعَ صيتُهُ لِدَرَجَةِ أنَّهُ اجتَذَبَ إلَيْهِ كُلّ الذينَ فَهِموا مَعنَى مَوقِفَهُ، وصاروا لهُ تلاميذ، تحتَ رايَتِهِ، على قِمَّةِ الجَبَل، وأنظارهم مَشدودَة إلى وجه الرّبّ وَحدَهُ.

ونحن، في أيَّامِنا هذه، هُناكَ ما هوَ أخطَر ممّا قَد حَدَثَ في أيَّامِ مارون. عِندَنا الإنقِسامات الدِّينيَّة والسّياسِيَّة، عِدَنا البِدَع التي بَدَأت تُفسِدُ الكَثير من المُومِنين، بَيننا شَتَّى أنواع الخِلافات، عِندَنا قِلَّة الحِشمَة وَسوء التَّصَرُّف، عِندَنا الرَّفض للسّلطة والأهل بين الشّبيبَة، عِندَنا الإنقِسام على الذّات، إذ قَلَّمَا نَجِدُ أُناسًا في عُمرِ الشَّباب يَعيشون خارج الصّراع الدّاخِلِيّ النّاجِم عَن عَدَم مَعْرِفَتِهِم لِذَواتِهِم...

ونحنُ الذينَ نَحمِلُ إسمَ مارون، ننجَرُّ وَراءَ كُلّ ذلِك، ولا مَوقِفَ لَنا! هَل لَنا -كَمَوارِنَة- أن نَأخُذ مَوقِفنا من كُلِّ ما يَجري، فَنَصعَدَ –ولو مَجازاً- إلى الجَبَل، تحتَ رايَةِ مارون، حامِلينَ بِصَلاتِنا كُلّ مَن ابتَعَدوا عن الله، مُلتَزِمين بِكُلِّ واجِبٍ يَبني الكَنيسَة والوَطَن؟

ج-مَوت مارون: عندَ وَفاة هذا النَّاسِك، تَقاطَرَ النَّاسُ مِن كُلِّ صَوبٍ لِيَتَبَرَّكوا مِنهُ، ولِحَملِهِ إلى الكَنيسَة ودَفنِهِ فيها. وَلِكَثرَةِ ما أحَبُّوهُ، نَشَبَ بَينَهُم خِلافٌ حَولَ أحَقِّيَّة الرَّعايا المُحيطَة بِصَومَعَةِ القِدِّيس بِوَضع الجُثمان في كَنائِسِها، وقد ذكَرَ كُلّ الأحداث تِيودوريطُس القورُشي في كِتابِهِ المَذكور أعلاه. وقد أحَبُّوا حَتَّى تَلاميذ مارون، لأنَّهُم كانوا يُحِبُّونَ بَعضَهُم بِحَسَبِ وَصِيَّةِ الرَّبّ.

ونحن، هَل نَجعَل النَّاس الذينَ يُحيطونَ بِنا يُحِبُّوننا؟ هل نَتَعامَل مَعَ بعضِنا على أساس الإحتِرام المُتَبادَل والتَّضامُن المُحِبّ لِنَرسُمَ عَلامات الإرتِياح على وُجوهِ مَن يُحيطُونَ بِنا، إذ يَعلَمونَ أنَّ الرَّبَّ حاضِرٌ في وَسَطِنا مِن خِلالِ مَحَبَّتِنا؟ هَلاَّ عَلِمنا أنّنا حامِلو كَلِمَة الحَقّ في هذا الشَّرق، فَنُدرِكَ أنَّهُ عَلَيْنا أن نَعرِفَ الحَقّ الذي أصبَحَ جَسَداً، لِنَتَّحِدَ بِهِ، فَنُصبِحَ أبناءَ الحَقّ، وَشُهودَهُ في هذه المِنطَقَة؟

لقد دَرَجَ المَثَل القائِل »مُرونُيي لو مطَقسِي« أي »المَوارِنَة لا يَنتَظِمون«، ما هوَ سبب بَرَكَة ولعنة في آن. فَمِن جِهَة، نحنُ لسنا حِزباً ذو رَأيٍ واحِد، نحنُ أُناس ديمُقراطيين، نَجِدُ في الإختِلافِ غِنًى كَبيرًا؛ ولكِن، مَتَى تَحَوَّل هذا الإختِلاف إلى خِلاف نَطرَح عَلامَة إستِفهام كَبيرَة حَولَ مسألة وُجودِنا كَمَوارِنَة. لِننظُر إلى مار مارون، لِنُدرِك أنَّنا أسْياد في هذا العَالَم، فلا نَستَخِفَّ بِأنفُسِنا ولا نترك أحدًا يَستَخِفُّ بِعُقولِنا لأنَّ سَيِّدَنا الأكبَر هوَ الله الحَيّ! لِنُدرِك رِسالَتنا كَمَوارِنَة، وَلنعلم أنَّ حَياتَنا إن لم تَكُن جِهادًا في مُعايَنَةِ الرَّبّ على رَأسِ الجَبَل –كَما مارون- لن نرى السَّلام! لِنُحِبَّ بعضنا، ونقبل إختِلافاتِنا، فَنَكونُ البُشرَى السَّارّة التي يَستَقي مِنها كُلُّ الشَّرق، الحَقيقَة التي يَحتاجُها!

 

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد
fouad.fahed@hotmail.com