زمن الميلاد
أحد بشارة زكريا
(15 تشرين الثاني 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

- أحد بشارة زكريّا هو الأحد الأول من زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل روما ومن إنجيل لوقا، إلى تأمّل قدرة الله ومنطق الله اللذين يتخطّيان منطق البشر وقدرة البشر.
- ففي الرسالة إلى أهل روما يدعونا مار بولس إلى فحص حياتنا ومواقفنا على ضوء التأمل بشخصيّة وإيمان إبراهيم "البار" و"أبو المؤمنين".
- أمّا في إنجيل لوقا فنتأمّل في حنان الله الّذي أعاد الدفء إلى حياة وقلوب ونفوس وبيت زكريا وإليصابات من خلال البشارة بميلاد يوحنا (ومعناه الله تحنّن)!
- ففي هذا الأحد، تدعونا الكنيسة، لندخل في منطق الرّجاء مهما أظلمت الدنيا واغلقت الأبواب لأنّ الربّ حاضرٌ لينشلنا متى أبقينا قلوبنا مستعدّة كما تقول ترنيمة الأطفال: "قلبي مهيّا مغارة، ربّي عمللي زيارة"!

 

::: صلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، في كلّ حين، على سخائك علينا بنعمة الحياة، من خلال استمرار الخليقة في الوجود.
نشكرك أيّها المسيح يسوع، في كلّ وقتٍ، على إنعامك علينا بسرّ البقاء بتجسّدك وبموتك وبقيامتك من أجلنا ومن أجل خلاصنا.
نشكرك أيّها الروح القدس، في كلّ آنٍ، على صبرك على شكّنا وقلقنا، المتجلّي في إشعاع نورك الدائم علينا.
نشكرك أيها الثالوث القدّوس على محبّتك الدائمة لنا ونسألك أن تثبّت الإيمان في نفوسنا وتدعّم الرّجاء في قلوبنا وترسّخ المحبّة في حياتنا لنرفع إليك، في كل لحظةٍ، نشيد تسبيح وتمجيد، إلى الابد، آمين.

 

::: الرسالة :::

13 فَالْوَعْدُ لإِبْرَاهيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ بِأَنْ يَكُونَ وَارِثاً لِلعَالَم، لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ الشَّرِيعَة، بَلْ بالبِرِّ الَّذي نَالَهُ بالإِيْمَان.
14 فلَوْ كَانَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ هُمُ الوَارِثِين، لأُبْطِلَ الإِيْمَان، وأُلْغِيَ الوَعْد؛
15 لأَنَّ الشَّرِيعَةَ تُسَبِّبُ غَضَبَ الله؛ وحَيْثُ لا شَرِيعَة، فَلا تَعَدِّيَ لِلشَّرِيعَة.
16 لِذلِكَ فَأَهْلُ الإِيْمَانِ هُمُ الوَارِثُون، لِكَي تَكُونَ الوِرَاثَةُ هِبَةً مِنَ الله. وهـكَذَا تَحَقَّقَ الوَعْدُ لِكُلِّ نَسْلِ إِبْرَاهيم، لا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِيْمَان، إِيْمَانِ إِبْرَاهِيم، الَّذي هُوَ أَبٌ لَنَا أَجْمَعِين؛
17 كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "إِنِّي جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَة". فَإِبْرَاهِيمُ الَّذي آمَنَ باللهِ هُوَ أَبٌ لَنَا أَمَامَ الله، الَّذي يُحْيي الأَمْوَات، ويَدْعُو غَيْرَ الـمَوْجُودِ إِلى الوُجُود.
18 وقَدْ آمَنَ إِبْرَاهيمُ رَاجِياً عَلى غَيرِ رَجَاء، بِأَنَّهُ سَيَصيرُ أَباً لأُمَمٍ كَثيرَة، كَمَا قِيلَ لَهُ: "هـكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ".
19 ولَمْ يَضْعُفْ بِإِيْمَانِهِ، بِرَغْمِ أَنَّهُ رأَى، وهُوَ ابنُ نَحْوِ مِئَةِ سَنَة، أَنَّ جَسَدَهُ مَائِت، وأَنَّ حَشَا سَارَةَ قَدْ مَات.
20 وبِنَاءً عَلى وَعْدِ الله، مَا شَكَّ وَلا تَرَدَّد، بَلْ تَقَوَّى بالإِيْمَان، ومَجَّدَ الله.
21 وأَيْقَنَ مِلْءَ اليَقِينِ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُنْجِزَ مَا وَعَدَ بِهِ.
22 فَلِذلِكَ حُسِبَ لَهُ إِيْمَانُهُ بِرّاً.
23 ولَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ "حُسِبَ لَهُ بِرّاً"،
24 بَلْ كُتِبَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا بِرًّا، لأَنَّنَا نُؤْمِنُ بِالَّذي أَقَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يَسُوعَ رَبَّنَا،
25 الَّذي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ زَلاَّتِنَا، وأُقيمَ مِنْ أَجْلِ تَبْريرِنَا.

(روما 4/13-25)

 

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

في مطلع زمن الميلاد، وتحديداً في أوّل أحد منه، نتوقّف على مقطعٍ من الفصل الرابع من الرسالة إلى روما، حيث:
1- يُبرِزُ مار بولس إيمان إبراهيم، "أبو المؤمنين"، الّذي "حسبَ لهُ إيمانهُ برّاً".
2- ويدعو المؤمنين إلى أن يكونوا من الوارثين لنَسْلِ إِبْرَاهيم "...لا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا لِلنَّسْلِ الَّذي هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِيْمَان، إِيْمَانِ إِبْرَاهِيم، الَّذي هُوَ أَبٌ لَنَا أَجْمَعِين"
لا شكّ بأنّ شخصيّة ابراهيم تدعو إلى الإعجاب فهو انطلق، في سنٍّ يتقاعد فيها النّاس، في مغامرةٍ لا يجرؤ الكثيرون بيننا على خوض غمار جزءٍ بسيط منها!


فمن يقرأ سيرة هذا الرجل، في سفر التكوين، يجد أنّ هذا الشخصُ هو:
1- نموذجٌ للإيمان: فقد قبل كلمة الله وعمل بها، واثقاً بها فقط ودون طلب أيّة ضمانات أخرى، في حين أن معظمنا يضع الشروط على الله قبل الإقدام بأيّة خطوة في حياته! (تكوين 12)
2- نموذجٌ للرجاء: فقد أتاه الله بخبر حبل زوجته في سنّ يعجزُ الطبّ، حتى في أيامنا، على مداواة عللها فكيف بنا بموضوع الحبل والولادة"؟! (تكوين 17 و 18 و 21)
3- نموذجٌ للمحبّة: وقد برزت في علاقاته مع أنسابئه وتضحياته الكبيرة في سبيل الحفاظ على الوئام في محيطه بينما نرى، في محيطنا، ما يجري من مناكفات ومشاكسات بين ذوي القربى أو الدمّ أو الدين! (تكوين 13)
4- نموذجٌ للصلاة وللشفاعة: فقد اعتاد على مخاطبة الله بدالّة الأبناء بينما نغرق نحن، أحياناً في رتابة التكرار! (تكوين 18)


فتأمّل شخصيّة هذا "البارّ" تدعونا إلى فحص ضميرٍ عميق حول مدى انتسابنا فعلياً إلى نسل ابراهيم، نسل أهل الإيمان؟!
فعلاقاتنا مع الله ومع الناس معظمها محسوبٌ وخاضعٌ لمقاييس وعناوين ضيقة، لا تترك مجالاً لمبادرات المحبّة إذ يتصدّر القانون أو تتحكّم العادات أو التقاليد بمعظم تصرّفاتنا وخياراتنا الحياتيّة أو العائليّة! وكثيراً ما تسيطر علينا الحسابات المنطقيّة والماديّة فتخنق ما تبقّى من روح الإيمان فينا!


تأتي هذه الرسالة، في هذا الأحد، لتدعونا إلى إعادة الاعتبار إلى روح المبادرة التي يزرعها فينا الروح القدس لنعيد وصل ما انقطع مع الله ومع الناس بسبب ضعف الإيمان وضمور الرجاء وجمود المحبّة.
فالله لا يتحرّك وفق توقيتنا بل وفق عنايته ومشيئته وما تعتبره يا أخي أسوأ الأوقات قد يكون، بنظر الله، هو "الوقت المفتدى" أو "الساعة" التي سيتمجّد فيها الله في حياتنا أو في حياة من حولنا.
هذا ما فعله الربّ مع الكاهن زكريا وزوجته أليصابات بعد سنين من اليأس والقنوط، ليفهمهم وليفهمنا "أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!"(لو 1\37).


لذا نحن مدعوون في هذا الأحد، لنفتح آذاننا وقلوبنا ونفوسنا أمام صوت الله وكلمة الله الّذي "صار جسداً وحلّ فينا"، ولنجدّد مع كلّ "آمين" نصرخها، ثقتنا وإيماننا ورجاءنا بالله، آمين.

 

::: الإنجيل :::

1 بِمَا أَنَّ كثيرينَ أَخَذُوا يُرَتِّبونَ رِوَايةً لِلأَحْدَاثِ الَّتي تَمَّتْ عِنْدَنا،
2 كَمَا سَلَّمَها إِلَيْنَا مَنْ كَانُوا مُنْذُ البَدْءِ شُهُودَ عِيَانٍ لِلْكَلِمَة، ثُمَّ صَارُوا خُدَّامًا لَهَا،
3 رَأَيْتُ أَنا أَيْضًا، أَيُّهَا الشَّرِيفُ تِيُوفِيل، أَنْ أَكْتُبَها لَكَ بِحَسَبِ تَرْتِيِبهَا، بَعْدَما تَتَبَّعْتُهَا كُلَّها، مُنْذُ بِدَايَتِهَا، تَتَبُّعًا دَقيقًا،
4 لِكَي تَتَيَقَّنَ صِحَّةَ الكَلامِ الَّذي وُعِظْتَ بِهِ.
5 كَانَ في أَيَّامِ هِيرُودُس، مَلِكِ اليَهُودِيَّة، كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا، مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، لهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ اسْمُها إِليصَابَات.
6 وكَانَا كِلاهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ الله، سَالِكَيْنِ في جَمِيعِ وصَايَا الرَّبِّ وأَحْكَامِه بِلا لَوْم.
7 ومَا كَانَ لَهُمَا وَلَد، لأَنَّ إِليصَابَاتَ كَانَتْ عَاقِرًا، وكَانَا كِلاهُمَا قَدْ طَعَنَا في أَيَّامِهِمَا.
8 وفِيمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُومُ بِالـخِدْمَةِ الكَهَنُوتِيَّةِ أَمَامَ الله، في أَثْنَاءِ نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ،
9 أَصَابَتْهُ القُرْعَة، بِحَسَبِ عَادَةِ الكَهَنُوت، لِيَدْخُلَ مَقْدِسَ هَيْكَلِ الرَّبِّ ويُحْرِقَ البَخُور.
10 وكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلِّي في الـخَارِج، في أَثْنَاءِ إِحْرَاقِ البَخُور.
11 وَتَراءَى مَلاكُ الرَّبِّ لِزَكَرِيَّا وَاقِفًا مِنْ عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ البَخُور،
12 فَاضْطَرَبَ زَكَرِيَّا حِينَ رَآه، واسْتَولَى عَلَيْهِ الـخَوف.
13 فقَالَ لهُ الـمَلاك: "لا تَخَفْ، يَا زَكَرِيَّا، فَقَدِ اسْتُجيبَتْ طِلْبَتُكَ، وَامْرَأَتُكَ إِلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا، فَسَمِّهِ يُوحَنَّا.
14 ويَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاج، ويَفْرَحُ بِمَوْلِدِهِ كَثِيرُون،
15 لأَنَّهُ سَيَكُونُ عَظِيمًا في نَظَرِ الرَّبّ، لا يَشْرَبُ خَمْرًا ولا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ بَعْدُ في حَشَا أُمِّهِ.
16 ويَرُدُّ كَثِيرينَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ إِلى الرَّبِّ إِلـهِهِم..
17 ويَسيرُ أَمَامَ الرَّبِّ بِرُوحِ إِيلِيَّا وقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلى الأَبْنَاء، والعُصَاةَ إِلى حِكْمَةِ الأَبْرَار، فيُهيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُعَدًّا خَيْرَ إِعْدَاد".
18 فقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاك: "بِمَاذَا أَعْرِفُ هـذَا؟ فإِنِّي أَنَا شَيْخٌ، وامْرَأَتي قَدْ طَعَنَتْ في أَيَّامِهَا!".
19 فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لهُ: "أَنَا هُوَ جِبْرَائِيلُ الوَاقِفُ في حَضْرَةِ الله، وقَدْ أُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وأُبَشِّرَكَ بِهـذَا.
20 وهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا، لا تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّم، حَتَّى اليَوْمِ الَّذي يَحْدُثُ فِيهِ ذـلِكَ، لأَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِكَلامِي الَّذي سَيَتِمُّ في أَوَانِهِ".
21 وكَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظرُ زَكَرِيَّا، ويَتَعَجَّبُ مِنْ إِبْطَائِهِ في مَقْدِسِ الـهَيْكَل.
22 ولَمَّا خَرَجَ زَكَريَّا، لَمْ يَكُنْ قَادِرًا أَنْ يُكَلِّمَهُم، فأَدْرَكُوا أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في الـمَقْدِس، وكَانَ يُشيرُ إِلَيْهِم بِالإِشَارَة، وبَقِيَ أَبْكَم.
23 ولَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ، مَضَى إِلى بَيْتِهِ.
24 وبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّام، حَمَلَتِ امْرَأَتُهُ إِلِيصَابَات، وكَتمَتْ أَمْرَهَا خَمْسَةَ أَشْهُر، وهِيَ تَقُول:
25 "هـكَذا صَنعَ الرَّبُّ إِليَّ، في الأَيَّامِ الَّتي نَظَرَ إِليَّ فِيهَا، لِيُزيلَ العَارَ عَنِّي مِنْ بَيْنِ النَّاس!".
(لو 1\ 1-25)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

بعد أن دخلت الكنيسة في مسيرة التقديس والتجديد، ها هي تدخل في عالم البشارات، الخبر المفرح بدأ يظهر مع من هو السابق ليسوع أي يوحنا .
هذه البشارة الأولى التي ستهيؤنا إلى البشارة العظمى. لقد بدأ وعد الله يتحقق، إنه زمن الإنتظار.
إن بشارة زكريا تُحضِّر بطريقة مباشرة لبشارة مريم. فلا يمكن فهم أهميتها إلا بارتباطها الوثيق بالبشارة بيسوع. بشارة زكريا يمكن اعتبارها بشارة صغيرة في خدمة البشارة الكبرى. فهي في مضمونها تختصر مفاجآت الله للبشر في العهد القديم، كما حدث مع ابراهيم، وتضعنا في جو المفاجأة الكبرى، البشارة بالمخلِّص. هكذا مع زكريّا لانتوقف فقط عند البشارة بيوحنا بل أيضاً عند كل الوعود التي كانت للعهد القديم وبخاصة عند الوعد الأول لإبراهيم. من هنا نفهم أهمية ما يقوله لنا الرسول بولس. فابراهيم أصبح لنا أباً بالإيمان، ليس لأننا ننتمي الى ذرّيته بالجسد، بل لأننا مدعوون لنؤمن بالله على مثال إيمانه هو. إذاً بشارة زكريا هي بالنسبة لنا حدث خلاصي يدعونا اليوم الى تجديد ايماننا وعدم الشك بقدرة الله .
إن زكريا الذي نظر الى ضعف الطبيعة البشرية وعقر زوجته، جعله عاجزاً عن النظر الى قدرة الله وقوَّة كلمته، فوقع في الشك. لقد شكّ الكاهن معتبراً كلام الملاك كلاماً بشرياً، دون أن يترك للإيمان في قلبه مجالاً فعليّاً. وهو الكاهن البار والخبير بالكتب الإلهية. إن برَّ زكريا توقف عند الممارسات والشعائر التقوية ولم يصِل الى عمق الإيمان الذي يطال الكيان البشري في الصميم. أنّ برَّ زكريا لم يكن كافياً لإستقبال الأحداث الإلهية، ولا يفتح قلب الإنسان على عمل الله وقدرته. لذلك أعطى الله لزكريا، من خلال ملاكه، فرصةً من الصمت لكي يفتح قلبه الى الآية.
هذا ما كان ينقص زكريا وينقص الكثيرين من الناس الذين يتوهَّمون أنهم مؤمنون لأنهم يمارسون الطقوس والشعائر الدينية... كلّ هذه الأمور ليست إلا طرقاً ووسائل لتغذية الإيمان والتعبير عنه.
إن ما كان يحتاجه زكريا ونحتاجه نحن اليوم هو ذرّةٌ من الإيمان. لأن بالإيمان يتحرر الإنسان ليدخل في شراكة مع الله عندها يصبح كل شيء في الحياة مجالاً لتعميق خبرة الإيمان ولإكتشاف وجه الله المحب والمعزّي.
وهنا نسأل أنفسنا:
• هل نؤمن بقدرة الله وما يريده لنا أم نؤمن بقدرة الآخرين وما يريدوه لنا؟
• هل تؤمن بوعد الله الذي حققه لك، أم تؤمن بوعود الناس التي هي في الغالب وعود كاذبة؟
• هل تثق بالله أم لديك إلهٌ آخر تثق به...؟
• هل تؤمن بأنك مع يسوع الحي ، قادر على أن تغيِّر واقعك: من واقع الموت الى واقع الحياة ؟
كلها أسئلة مطروحة على ضمير كل واحد منّا.
ويبقى أن نطلب من الله في هذا الأحد المبارك أن يلبسنا ثوب الإيمان، ويُغّطينا بغطاء البرارة، ويعطينا نعمة الصمت بها نغوص الى عمق القلب فنسمعه يتكلم فينـــــا. آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

 

"أومن" عيشٌ وثبات؟

 

في ذلك الزمان، يوم دخل زكريّا، الكاهن العجوز، قدس الأقداس، ذَهِل عند بشارة الملاك له بأنّه سيرزق بطفلٍ - طفلٍ لطالما انتظره مع زوجته كي يمحو عنهما عار العقم - وساوره الشكّ في إعطاء الربّ له ما حرمته منه الطبيعة البشريّة، وربّما أخفى بسمةً ساخرة، ساذجة، تحمل في طيّاتها تساؤلاتٍ كثيرة عن سبب عجزه طبيعياً في الإنجاب عند سماع البُشْرى.


في تلك اللّحظة نَسِيَ ما حدث لِسَارة وإبراهيم، وكيف أنّ الله رزقهما ولداً في شيخوختهما. نَسِيَ إيمانهما المطلق بالله وقدرته، وهو من أهل الفِقْهِ ودارسيّ الشريعة والكتاب، فأدخله الله، لشكّه، في صمتٍ طويلٍ كي يغوص في أعماق الإيمان ويتأمّل فيه، لعلّه يدرك فَيَفْهَم أكثر معنى الإنتظار، ومدى خوف الله على سيرة أبنائه وحفاظه على أحاسيسهم، فيثبت، ويصبح "بِرّهُ برًا" (الرسالة إلى أهل روما)، أي إيماناً مطلَقًا بالله وقدرتة.


إنّ الآب الذي نَفَخَ فينا نفحة منه و"طبعنا على كفّه قبل أن نولد"، مدركاً تمامًا كلَّ مرارةٍ وألمٍ نحسّ بهما، لن يتركنا نتخبّط في الفشلِ ونغرقَ في اليأس حتّى موت النّفْس ونحن ما نزال على قيد الحياة. هذا إن قبلناه في حياتنا، وآمنّا بأنّ عنده وحده الخلاص.


ربّما تساءل الزوجان، زكريّا وأليصابات، كما نتساءل نحن اليوم: إذا كان الله، محبّاً ورؤوفاً، فلماذا إذاً تركهما يعانيان من تلك المرارة، وذلك الألم النفسيّ؟ لماذا لم يُكْرِمْهُما بولدٍ في صباهما كي يكون لهما علامة رضى؟ هل كان من الضّروريّ أن ينتظرا كلّ تلك السنوات كي تحلّ مشكلتهما؟


إن الله هو الأب الساهر" الذي لا ينعس ولا ينام". إنّه المقدِّرُ الأكبر لأحاسيسنا بِمّا يفوق بكثير احترامنا لذواتنا، رغم ضعفنا وتزمّتنا أحياناً، وعدم إدراكنا لمفهوم" الكلمة". لكنّ جلّ ما يريده منّا، ألاّ نقيّده بمحدوديتنا، أو ننظر إليه بِعَيْن " الأنا"، ونقيس أعماله بمقياس الإفادة الشخصيّة، ونكيلها بمكيال إمكانياتنا التي تكاد لا تضاهي حبّة رملٍ في بحر كَرَمِه وحبّه وسخائه.


يريدنا أن نَصْمُت كي نصغي إلى همساته الرقيقة، أنْ نُسْكِتَ هَزْرَ الكلماتِ وتكرار الآياتِ المحفوظة؛ أن نُوقِفَ تزاحم أفكارنا، كي نتأمّل في عطاياه ومواهبه، التي خصّ بها كلّ إنسانٍ بشخصه، وجعله فريدًا. يريدنا أن نؤمن بوعده لنا، عندما نرفع أيدينا متضرّعين كي يزيل كُرْبتنا، ويخفّف همّومنا وآلامنا.


هو أحبّنا حتّى إنّه سكن بيننا وحمل أثقالنا وافتدانا، لذلك يريد منّا التواصل معه بصلاةٍ مفعمة بالحبّ والإيمان كحبِّ وشغفِ الحَبِيبَين للتحدُّث عن عشقهما، لا بصلاةَ "طلبيّةِ مطعمٍ" ساذجة، تحدّها شروط الزمان والمكان والطريقة و"السِعْر"، إلى ماهنالك... يريدنا أبراراً نَزْهُو في خضمّ رياض الحياة وصَخْبِها، كالوردة الجميلة العَطِرَة بين "الهشير"، تبقى على كَرَمِها في العطاء بما امتلأت به مِن نِعَمٍ، مؤمنةً بانّها سَتُرزَقُ ﺒ"أبناءٍ صالحين" ينتظرون فيض عطرِ الروح في نفوسهم العَطْشَى للحب
ّ.

 

المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

تأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة سيّدة الانتقال – القبيّات، الضهر)

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com