زمن الميلاد المجيد
الأحد الثاني - أحد بشارة العذراء
(22 تشرين الثاني 2008)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

- أحد بشارة العذراء هو الأحد الثاني من زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل غلاطية ومن إنجيل لوقا، إلى تأمّل سرّ الخلاص الّذي يتخطّى كلّ الشرائع وكلّ الاعتبارات البشريّة ليتبقّى فقط فكر الله وتصميم الله النابعين من محبّته المطلقة للإنسان.
- ففي الرسالة إلى أهل غلاطية يدعونا مار بولس إلى تجاوز منطق "الشريعة" نحو منطق "الإيمان" اللامحدود بقوانين أو أطر أو نظم، مهما علا شأنها أو نجح تطبيقها!
- أمّا في إنجيل لوقا فنتأمّل في صدق الله الّذي حقّق وعده بالخلاص من خلال البشارة إلى العذراء مريم بتجسّد المخلّص في أحشائها!
ففي هذا الأحد، تدعونا الكنيسة، لندخل في منطق التجسّد الّذي يدفعنا إلى النّظر إلى ما يتخطّى حدود الزمان والمكان، ﻓ"الكلمة صار جسداً" ليبقى معنا (عمّانوئيل = ألله معنا)، إلى الأبد، بجسده ودمه في سرّ القربان، وبروحه في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا!

 

::: صلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، على تحقّق وعدك بالخلاص من خلال تجسّد الابن، يسوع المسيح، في حشا العذراء مريم، بقوّة الروح القدس، ، "قوّة العليّ"، ونسألك أن تظلّلنا بهذا الرّوح عينه لنبقى على الدوام، أمناء لهذا الخلاص، ولنساهم، كلّ واحد فينا، على قدر استطاعته، وحيث شئته أن يكون، في تحقّقه، فنسيرَ بخطًى راسخة، نحو الملكوت السماوي، ملكوتك، ونجعل من حياتنا، عرشاً لسكناك، يا من يليق بك كلّ مجدٍ وإكرام، إلى أبد الدهور، آمين.

 

::: الرسالة :::

15 أَيُّهَا الإِخْوَة، كَبَشَرٍ أَقُول: إِنَّ الوَصِيَّة، وإِنْ كَانَتْ مِنْ إِنْسَان، إِذَا أُقِرَّتْ، لا أَحَدَ يُبْطِلُهَا أَو يَزِيدُ عَلَيْهَا.
16 فالوُعُودُ قِيْلَتْ لإِبْراهِيمَ وَلِنَسْلِهِ. ومَا قِيْلَتْ: "ولأَنْسَالِهِ"، كأَنَّهُ لِكَثِيرِين، بَلْ "وَلِنَسْلِكَ"، كَأَنَّهُ لِوَاحِد، وهُوَ الـمَسِيح!
17 فأَقُولُ هـذَا: إِنَّ وَصِيَّةً سَبَقَ اللهُ فأَقَرَّهَا، لا تُلْغِيهَا شَرِيعَةٌ جَاءَتْ بَعْدَ أَرْبَعِ مِئَةٍ وثَلاثِينَ سَنَة، فَتُبْطِلُ الوَعْد.
18 وإِذَا كَانَ الـمِيرَاثُ مِنَ الشَّرِيعَة، فَهُوَ لَمْ يَعُدْ مِنَ الوَعْد؛ والـحَالُ أَنَّ اللهَ بِوَعْدٍ أَنْعَمَ بِالـمِيرَاثِ على إِبرَاهِيم.
19 إِذًا فَلِمَاذَا الشَّرِيعَة؟ إِنَّهَا أُضِيفَتْ بَسَبَبِ الْمَعَاصِي، حَتَّى مَجيءِ النَّسْلِ الَّذي جُعِلَ الوَعْدُ لَهُ. وقَدْ أَعْلَنَهَا مَلائِكَةٌ على يَدِ وَسِيطٍ، هُوَ مُوسى.
20 غيرَ أَنَّ الوَاحِدَ لا وَسيطَ لَهُ، واللهُ واحِد!
21 إِذًا فَهَلْ تَكُونُ الشَّرِيعَةُ ضِدَّ وُعُودِ الله؟ حاشَا! فَلَو أُعْطِيَتْ شَرِيعَةٌ قَادِرَةٌ أَنْ تُحْيي، لَكَانَ التَّبْرِيرُ حَقًّا بِالشَّرِيعَة.
22 ولـكِنَّ الكِتَابَ حَبَسَ الكُلَّ تَحْتَ الـخَطِيئَة، لِكَيْمَا بالإِيْمَانِ بيَسُوعَ الـمَسِيحِ يُعْطَى الوَعْدُ للَّذِينَ يُؤْمِنُون.

(غلاطية 3/15-22)

 

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

في رسالة اليوم، أحد بشارة العذراء، نلاحظ تواتر الكلماتِ التالية: الوصيّة، الشريعة والوعد.
يتأمّل مار بولس أوّلاً في قوّة الوصيّة. فالناس، مهما قسا قلبها، لا تجرؤ على مخالفة الوصيّة التي تجسّد أماني ورغبات إنسان لم يعد أصلاً موجوداً ليشهد تحقّقها أو مخالفتها! وحتى القانون لا يخالف الوصيّة إلا إذا تضمنّت مسّاً بجوهره!
يا لها من رهبة أمام وصيّة لم يعد بمقدور صاحبها الاعتراض أو الاقتصاص! وحتى الملحدون لا يخافون محتواها رغم يقينهم بعدم وجود "الحياة الثانية"!
وهنا نطرح أوّل سؤالٍ لليوم: إذا كان أغلبنا لا يجرؤ على "كسر" الوصيّة التي وضعها بشريٌ مثلنا، إنسانٌ مثلنا، فكيف نجرؤ كلّ يوم، بل قلْ في كلّ حين، على كسر وصايا من لا يقوى عليه الموت أي الله، وخاصّةً وصيّة يسوع المسيح "الجديدة": " وَصِيَّةً جَديدَةً أُعْطِيكُم، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا. أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم" (يو 13/34)، والتي تكاد تُحَطَّم الأرقام القياسيّة في عدد المخالفات لها رغم ادّعاء أغلبنا راحة الضمير بكونهم لا يخالفون "بالمعنى الحرفي" هذه الوصايا!


في الحقيقة، نحن نعبد مع الله المال والزعيم والشهرة والشهوة ولم يعد للّه حتى ساعة واحدة من حياتنا فالأحد أضحى للنوم والسّكَر والولائم ولكن حين يتعلّق الأمر بالذبيحة الإلهية، فنحن لا وقت لدينا. وحدّث قدر ما تشاء عن تفكّك العائلات فلا إكرام ولا احترام للأهل ولا تربية للأولاد. كذلك القتل أخذ أشكالاً أحدث كالنميمة والاغتياب وتلفيق الأحاديث... فضلاً عن زنا القلب والعين والجسد ... وما "أشطرنا" في اختلاق الحجج والتبريرات لمخالفاتنا فتارة ضعفنا وتارة محدوديتنا وغالباً حريتنا وبئس الحريّة!
هذا ينطبق على المستهترين بوصايا الله ولكن تتطرّق الرسالة إلى خطرٍ آخر هو خطر التزمّت الّذي ميّز مقاربة الفرّيسيين لمسألة احترام نصوص الشريعة بحذافيرها ولو على حساب روحها وهو ما دفع مار بولس إلى تأكيد عجزها عن منح الحياة والتبرير متى اكتفينا بالمظهر دون الجوهر!


فالشريعة وُضِعَت لتنظيم وتسهيل تنفيذ الوصايا الإلهيّة ولكن التشدّد الّذي أضفاه الفرّيسيّون على ممارستهم لها جعل يسوع يهاجمهم مطالباً بتصحيح المسار عبر العودة إلى روح الشريعة دون أن يدعو إلى التخلّص منها أو إلى مخالفتها كما قد يظنّ البعض! فلقد أكّد يسوع: "ما جئت لأبطل بل لأكمّل" (متّى 5/17) ولكنّه أضاف: "أريد رحمةً لا ذبيحة" (متى 9/13). والمقصود هو أن الإنسان المؤمن يستند إلى الشريعة ليصل إلى الله ولكنّه، إذا اكتفى بتطبيقها حرفيّاً دون التعمّق في مضمونها، تتحوّل حياته، تدريجياً، إلى ممارسة سطحيّة تكتفي بتطبيق "الواجبات الدينيّة"، هذه الكلمة البغيضة التي تتصدّر معظم "نعواتنا".
فمتى صار الإيمان "واجباً" نقوم به بروح "الوظيفيّة" أو "الخوف من العقاب" نفقد أهمّ ما ميّز علاقتنا بالله وهو "المحبّة" فالمحبّ لا يخالف الوصيّة أو الشريعة حرصاً منه على عدم جرح محبوبه أمّا الخائف فيتحيّن اللحظة التي يتمكّن فيها من المخالفة وشتّان ما بين الاثنين!


والمحبّ يؤمن بوعود محبوبه موقناً بتحقّقها وهو ما أشار إليه مار بولس حين أكّد أن مجيء يسوع المسيح تمّم وعود الله المتكرّرة بالخلاص!
فالعهد القديم حافلٌ بالمواقف التي ذكّر فيها الله الإنسان بقرب تحقّق وعوده وأهمّها الفداء من الخطيئة وذلّ "المجرّب" الّذي أطلق عليه يسوع لقب "كذّاب وأبو الكذب" (يو 8/44) بالمقارنة مع الآب السماوي الصادق بوعوده والوفي لمحبّيه.
 

وهنا نسأل ذواتنا:
كم وعدٍ نطلق في النهار الواحد دون أن نلتزم بأيٍّ منها؟
كم وعدٍ قطعنا على الله دون أن نلتزم بأيّ منها وخاصّة أبسطها، حين نؤكّد أن علاقتنا بالله قائمة على المحبة وليس ... "طمعاً بالنعيم أو خوفاً من الجحيم"؟!
 

في هذا الأحد، تذكّرنا الكنيسة بالتزام الله بوعوده التي حقّقها من خلال تجسّد الكلمة الإلهي في حشا من تجرّأت وقالت: "نعم"، فكان لنا الخلاص والفداء. فمتى يأتي دورنا يا ترى لنلتزم بما قطعناه من وعود أمام الله وأمام الناس؟ سؤالٌ برسم الإجابة...

 

::: الإنجيل :::

26 وفي الشَّهْرِ السَّادِس، أُرْسِلَ الـمَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الـجَلِيلِ اسْمُهَا النَّاصِرَة،
27 إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ اسْمُهُ يُوسُف، واسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم.
28 ولَمَّا دَخَلَ الـمَلاكُ إِلَيْهَا قَال: "أَلسَّلامُ عَلَيْكِ، يَا مَمْلُوءَةً نِعْمَة، أَلرَّبُّ مَعَكِ!".
29 فَاضْطَربَتْ مَرْيَمُ لِكَلامِهِ، وأَخَذَتْ تُفَكِّرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا السَّلام!
30 فقَالَ لَهَا الـمَلاك: "لا تَخَافِي، يَا مَرْيَم، لأَنَّكِ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ الله.
31 وهَا أَنْتِ تَحْمِلينَ، وتَلِدِينَ ابْنًا، وتُسَمِّينَهُ يَسُوع.
32 وهُوَ يَكُونُ عَظِيمًا، وابْنَ العَليِّ يُدْعَى، ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلـهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيه،
33 فَيَمْلِكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلى الأَبَد، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَة!".
34 فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلمَلاك: "كَيْفَ يَكُونُ هـذَا، وأَنَا لا أَعْرِفُ رَجُلاً؟".
35 فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لَهَا: "أَلرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، ولِذـلِكَ فالقُدُّوسُ الـمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ الله!
36 وهَا إِنَّ إِلِيصَابَاتَ نَسِيبَتَكِ، قَدْ حَمَلَتْ هيَ أَيْضًا بابْنٍ في شَيْخُوخَتِها. وهـذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتي تُدْعَى عَاقِرًا،
37 لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!".
38 فقَالَتْ مَرْيَم: "هَا أَنا أَمَةُ الرَّبّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ!". وانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِها الـمَلاك.
(لو 1\ 26-38)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

إنطلاقاً من تحديد عيد الميلاد في 25 كانون الاول وُضع عيد البشارة في 25 آذار. هذا التحديد يركز على المشابهة التامة بين ولادة يسوع وولادة اي طفل آخر.
أما أحد البشارة، في تسلسل آحاد المجيء، فيركز على تطوّر الأحداث التي سبقت ميلاد يسوع والتي تدخل في تصميم الله الخلاصي.
لقد انتهى تاريخ ليبدأ مع هذه الرواية تاريخٌ جديدٌ، انتهى عهد الهيكل القديم وكهنته الشيوخ وبركته التي لم تصل الى الشعب..
انتهى عهد الإنتظار وبدأ عهدٌ جديدٌ.
انتهى الشهر السادس الذي نرى فيه عدد النقص (6) ليبدأ الشهر السابع الذي يأخذنا نحو الكمال (7) و ملء الزمن، عندما تدخّل الله بمبادرته بطريقة غير منتظرة، فبدل أن يختار أورشليم "موطئ قدميه ومدينة السلام" ، اختار الناصرة القرية التي لم يسمع أحد بها وهي التي يصحّ فيها هذا القول"أيخرج من الناصرة شيء حسن؟". وبدل أن يختار إحدى النساء المعروفة اسماؤهنَّ عند عظماء الشعب وأقويائه، اختار فتاة عذراء اسمها عادي، لا بل تحمله الآلاف من بنات أمتها، وهذه الفتاة مخطوبة تتحضر للزواج لتعيش حياةً مستورة مع زوجها.


لكن الله يتدخل بمنطق مختلف عن منطق البشر، ويُدخِل الى تاريخنا ما هو غير عادي. إن السلام الملائكي لمريم كان كافياً لتفهم أن هناك أمراً ما ينتظرها وينتظر العالم من خلالها. نعم تفاجأت مريم من كلام الملاك لكنها كانت أرضاً طيّبة لتدخل الى أحشائها كلمة الله، واستفهمت مريم عن حملها وهذا طبيعي لأنها لا تعرف رجلاً لكنها عرفت أن لا شيء مستحيل عند الرب، فكانت الأمة للكلمة المتجسد .
لقد خضعت مريم لإرادة الله بأن تكون أماً لإبن وحيد سماوي، بدل أن تخضع لإرادتها هي وتكون زوجة ليوسف وأم لأبناءٍ كثيرين أرضيين.


بهذا الإيمان وهذه المحبة أذعنت مريم لإرادة الله جاعلة نفسها له خادمة. وها هي تضع في خدمته وخدمة التجسد كل ما هي وكل ما لها . هذه هي دعوتها التي اكتشفتها من بشارة الملاك لها، التي جعلتها تستسلم كليّاً لمشيئة الله وتعمل إرادته. وما يلفت نظرنا هو أن مريم بقبولها البشارة صارت هي الملاك الذي سينقل الكلمة الى الآخرين ، صارت هي حاملة الإله الى شعبها، لقد تحوّلت الى بيت قربان تحمل الله في أحشائها لتُقَدِّمه للبشرية كلها . إن مريم بقولها نعم (ن- ع- م) نالت:
• (ن) نعمةً عند الله لتكون شريكة له في مشروع الخلاص،
• وقطعت (ع)عهداً على عاتقها لتكون أمينة حتى النهاية،
• وبدأت (م) مسيرة جديدة بحياتها هي مسيرة العهد الجديد مع ابنها يسوع.


واليوم علينا ألا نستخف بدورنا فدور كل واحد منا لا يقل أهمية عن دور العذراء. كل واحد منا باستطاعته أن يعرف الى أين وكيف يمكنه أن يحمل يسوع. والمهم أن نعرف أن الله معنا في كل عمل صالح نقوم به.
ويبقى ألأساس في دورنا، يسوع المسيح، فكما حملته مريم في أحشائها نحمله نحن في قلوبنا عند اشتراكنا في القداس. هل نشعر به وبحضوره بيننا؟ هل نترك نوره يشع في داخلنا لكي يراه الآخرن؟
لنصلِّ إخوتي قائلين: "أعطنا يا رب أن نعيد النظر بدورنا على هذه الأرض وبأعمالنا وببشارتنا وبصلاتنا... عارفين أن عطاء الذات لك يأتي نتيجة عطائك الأساسي لنا، آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

 

اختارها حرّة ومسؤولة

 

يوم رأى ابن الله تسلّط الإنسان على البشر والحجر، مستخدماً مفهوم الحريّة الخاطئ، في تغذية أنانيّته، واطئاً بجهله قيمة الإنسان، مشوّهاً وجه الله في أعماله الدونيّة؛ تألّم الخالق لما حلّ بمن أمّنه على ما صنعته يداه، فقرّر، لفرط حبّه لمن خلقه، أن يترك بيت أبيه وينزل إلينا متجسّداً، كي يخبرنا بالممارسة، أنّ الحرّية هي فعل عطاءٍ مجّانيّ كامل، وإرادة خيّرة نابعة من القلب والفكر بحبٍّ ويقين: "ما من أحدٍ يأخذ حياتي منّي، بل أنا أضحّي بها راضيا" (يو10/18).


لذلك، إنتقى شخصاً يشبهه بالاختيار الحرّ والتصميم، يلتقي معه على إتمام مشروع الخلاص"بحرّية أبناء الله"، فكانت مريم ذلك الشخص المختار.
فتاة متواضعة وشجاعة في آن، عرفت ما تريده منذ أن فتحت عينيها على الله، وآمنت بأنّ الحرّية تكمن في تقدمة الذات حتّى الثمالة؟!
فتاة، ما كانت أعوامها السّتّة عشَرَ إلاّ عدداً دُوِّنَ في سجلّها الزمنيّ، جعل مراهقتها تمرّ سريعاً "مرور الأمس الغابر"، لتصبح راشدةً ناضجةً، صاحبة قرار واعٍ، واثقةً ملتزمة بمن اختارته لها نصيباً(الروح القدس).


فلو عدنا إلى سؤال مريم الملاك:" كيف يكون لي ذلك..؟" ، لَخَطَرَ ببالنا عدم ثقتها بالله، ولكن، أليست هذه "الكيف؟" ما كانت تشغل بال تلك الفتاة النّاصريّة، طول السّنوات التي سبقت البشارة حتّى خطبتها على يوسف؟


كانت تعلم في قرارة نفسها، أنّها مدعوّة إلى تكريس ذاتها، نفساً وجسداً، بالبتوليّة، للآب، إنّما كان من الصعوبة بمكان، أن يتمّ ذلك في مجتمع متزمّت، لا يرى في الفتاة إلاّ امرأة عاملة في الحقل والمنزل، تنجب وتربّي... وإلاّ كانت عاراً عليه وعلى أهلها؛ فراحت تطيل الصّلاة والتأمّل، وتَغْرف من كلام الله والمزامير كلّ ما ينير لها السّبيل للخروج من تلك "الأحجية" سليمة معافاة، غير ملطّخة السّمعة بافتراءات أهل السّوء. لذلك لم يتركها الله في حيرة من أمرها، فأتى جوابه لها بالكامل على لسان ملاكه، مظهراً ثقته الكبرى بها، كاشفاً للبشريّة جمعاء وجه مريم الحقيقي:
* المرأة المسؤولة: أعطاها الحقّ في تسمية المولود القدّوس ("سوف تسمّينه يسوع") على عكس عادة المجتمع الذكوريّ اليهوديّ الذي كان يعطي الحقّ للوالد، فقط، في تسمية مولوده.
* حوّاء الجديدة: المسؤولة عن تقديم الخلاص، بافتتاح صفحة جديدة من تاريخنا، خُطَّتْ فيها معاهدة صلحٍ أبديّة بين الله والإنسان وخُتِمَت بكأس الحبّ الإفخارستيّ.
* الأمّ البتول الشجاعة: مؤمنة بمحبّة الله وخوفه على أبنائه، فهمت قَصْده (قصد الله) من البشارة، بعد أن أنار لها السبيل الذي تبحث عنه، كي تبقى أمينة على الوعد ببتوليّتها ("إنّ الروح يحلّ عليك وقدرة العليّ تظلّلك")، فتجلّى ذلك في إجابتها المقتضبة الواثقة، المتضمّنة قبولها مشروع الله بإيمان مطلق بما قاله لها، دون أن تطلب مزيداً من التفاصيل:" ها أنا أمة الرّب، فليكن لي بحسب قولك"، وانتهى البيان الكلاميّ.


لقد وافقت بكلّ تواضع وطواعية، مُطْلِقَةً يدَيْها مستسلمة إلى حرّية الله كي تبدأ العمل معه، دون أن تُؤرِقَه بتساؤلاتها: لقد فهمت أنّ إرادة الله تقتصر على رؤية الإنسان صورته فيه، مكتشفاً من"هُوْ"، وأن ندرك أيضاً مدى أهمّيتنا في عينيه، وما علينا القيام به من أجل اسمه كي نرث معه إلى الأبد، دون أن يجبرنا على اختيار ما نريد.


فهل نحن على استعداد كي نكون شركاء في هذا المشروع الخلاصيّ؟ إن قبِلْنا، يعني أنّنا تَبَيّنّا فسحة الإيمان والثقة بين ما يعمله الله وما علينا فعله كأبناء، إذ في ذلك تتجلّى مسؤوليتنا في إحياء علاقتنا به.
إنّه حاضرٌ دوماً كي يسندنا " فلا نَخَفْ"، لأنّ في "زيارته" لنا، يتجسّد فينا النضج، ويكبر الإيمان، فنَجِد المعنى الحقيقي لحياتنا، ونولد فيه من جديد في سرّه الفصحيّ.

 

المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

تأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة سيّدة الانتقال – القبيّات، الضهر)

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com