|
زمن الميلاد
المجيد
عيد الميلاد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
- نحتفل اليوم بعيد الميلاد حيث تدعونا الكنيسة، من خلال نصّين
من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل لوقا، إلى تأمّل سرّ تجسّد الكلمة
الإلهيّ، ربّنا يسوع المسيح وتواضعه "من أجلنا ومن اجل خلاصنا".
- في الرّسالة إلى العبرانيين، يؤكّد لنا الكاتب بأنّ من تجسّد بيننا هو الابن
السماوي، الكلمة الّذي تجسد له الملائكة ومؤسّس الأرض والسماوات.
- أمّا في إنجيل لوقا فنتأمّل في تواضع الربّ الّذي تجسّد ليحوّل ضعفنا إلى
قوّة وبؤسنا إلى فرح وموتنا إلى قيامة!
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً، لنتواضع على مثال الكلمة المتجسّد من أجلنا
فيكبر الإيمان في قلوبنا لتتحوّل إلى مغارة ميلاده الدائم في حياتنا!
|
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من غمرتنا بحبّك في الخلق وفي
التجسّد وفي الفداء.
نشكرك أيّها الابن المسيح، يا من تجسّدت "من أجلنا ومن أجل خلاصنا" لتعيدنا إلى
مرتبة الأبناء.
نشكرك أيّها الروح القدس، يا من تعمّق سرّ التجسّد في حياتنا من خلال الأسرار
ومن خلال وجوه من نلتقي بهم فيعكسون على حياتنا سرّ حضورك الأزليّ.
هب لنا، اليوم، أيّها الثالوث الأقدس، في عيد الميلاد، أن نعيش الرّجاء محبّةً
متجسّدة وإيماناً عميقاً، فيتمجّد بنا وفي كلّ شيء، اسمك القدّوس، يا من تحيا
وتملك إلى أبد الدهور، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء،
مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا
لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ
قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ
الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الاسْمُ الَّذي وَرِثَهُ
أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا
اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ
يَكُونُ ليَ ابْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ ابْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول:
"فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "أَلصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا،
وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الابْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا أَلله، لِدَهْرِ الدَّهْر،
وصَولَجَانُ الاسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا
أَلله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض،
والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ
لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي
حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ
في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟
(الرسالة إلى العبرانينن - الفصل1 – الآيات 1 إلى 14)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة ::: |
ردًا على القائلين أنّ تجسّد يسوع غير حقيقيّ، إذ يعتقدون أنّ
اتّخاذ جسد بشريّ يتعارض مع السّموّ الإلهيّ وقدسيّته، وبالتّالي، يكون يسوع
الإنسان قد أصبح أدنى مرتبة من الملائكة الرّوحيّين، أجاب أحد تلامذة القدّيس
بولس، في الرّسالة إلى العبرانيّين، عارضًا حججًا مقنعة، يؤكّد من خلالها،
حقيقة يسوع المسيح، الإله، والإنسان.
يبدأ كاتب الرّسالة حجّته، مقارنًا ما بين "الإبن" وبين الملائكة، فيقول عن
الإبن:
- هو وارث كلّ شيء، وبه أنشأ الآب العالمين.
- هو شعاع مجد الآب وصورة جوهره.
- هو الجالس عن يمين ذي الجلال في العلى، وأعظم من الملائكة، بمقدار ما للإسم،
الذّي ورثه، من فضل على أسمائهم.
- له تسجد جميع ملائكة الله، وعرشه لأبد الدّهور، وصولجان ملكه، صولجان
استقامة.
أمّا الملائكة، فهم أرواح ، مكلّفون بالخدمة، يُرسَلون من أجل الذين سيرثون
الخلاص.
ثمّ يسأل كاتب الرّسالة هؤلاء المشكّكين، قائلاً: "لمن من الملائكة قال الله
يومًا: إجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك؟"، على غرار ما قاله
للإبن.
نسي المشكّكون أنّ الإبن هو البداية والنّهاية، وجعلوا خدمته الروحانيّين،
المخلوقين به، أعظم منه، تمامًا كما يحدث معنا، حين ننسى أنّنا عمّال في حقل
الرّب، فنحسب أنفسنا أسياد الحقل وأربابه، ويأتي ذكر الله في آخر سلّم
اهتمامنا.
غالبًا ما يتصارع الأخوة والأقارب وأبناء البلدة الواحدة، إذا ما تكلّم أحدهم
بالسّوء عن الزّعيم الفلانيّ، أو الحزبيّ العلتانيّ، وغالبًا ما ينتهي الصّراع
من خلال تسوية، يفرضها سفك دم وانقسام عائليّ؛ في حين نسمع، في الطّرقات،
والبيوت، والنّوادي، والمقاهي، و...، نسمع الشّتائم والكلمات النّابية بحق اسم
الله، نسمعها اليوم، ليس فقط على لسان البعض فقط، بل بتنا نسمعها على لسان
الأطفال، والـأولاد في مجتمعنا، نسمعها ونردّدها من باب الدّعابة المسلّية،
والنّكتة الفكاهيّة، نردّدها بكلّ فخر واعتزاز، فننال إعجاب النّاس، ونبدو لهم
"نهفة" و"سلبي".
نخشى أن نظنّ أنّنا أصبحنا أعظم من اسم الله، فلم نعد نبالي لأمره.
ها هو الله، تجسّد وسكن بيننا. فلنستعدّ لاستقباله، باستعدادنا لأن نكون
خدّامًا طيّعين لاسمه ولكلمته. نخدمهما، أقلّه من خلال غيرتنا عليهما، كغيرتنا
على أغلى ما لدينا من شرف وكرامة، مبتعدين عن كلّ إهانة تلحق بالإسم القدّوس،
الإسم الذي تسجد له كلّ ركبة، ويليق به كلّ مجد واحترام.
|
::: الإنجيل ::: |
1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ
قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا
على سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ،
لِيَكْتَتِبوا فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة،
إِلى اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم،
لأَنَّهُ كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ ابنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد،
لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول،
ويَسْهَرُونَ في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ
حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ
بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في
مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في
مِذْوَد!".
13 وانْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ
السَّمَاوِيِّ يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "أَلـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ
الصَّالِحُ لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا انْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ
الرُّعَاةُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى
هـذَا الأَمْرَ الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا
في الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ
هـذَا الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ
الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا،
وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على
كُلِّ ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.
( إنجيل لوقا – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 20)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
يروي لنا القدّيس لوقا رواية ميلاد يسوع، مستندًا إلى أحداث
تاريخيّة ثابتة، تضفي على النّصّ مصداقيّة، لا يمكن دحضها، ولا يمكن
تأويلها، كمثل ولاية أوغسطس قيصر على الأمبرطوريّة الرّومانيّة، وحكم
قيرينيوس على بلاد سوريا، وحدث الإحصاء الذي طال المعمورة؛ كلّ ذلك، قاصدًا
القدّيس من ذلك، تأكيد تجسّد يسوع تاريخيًّا.
وإذا كانت العادة تقتضي، في تلك الأيّام، أن تحدًّد الأزمنة والأوقات، نسبة
لحكم الأباطرة والملوك، ففي نصّ ميلاد يسوع، من كان الملك الحقيقيّ؟ أكان
أوغسطس الذي يأمر المعمورة بأسرها؟ أم يسوع، ذاك الطّفل المضجع في مزود،
الذي يحتاج إلى رعاية دقيقة، كسائر الأطفال، حديثي الولادة؟
أصدر أوغسطس قيصر أمرًا بإحصاء كلّ المعمورة؛ غير أنّ الأمبرطوريّة
الرّومانيّة، في أبهى أيّام سلطتها وجبروتها، ما استطاعت يومًا التّوسّع
أبعد من بلاد حوض البحر المتوسّط. فبقي الأمبرطور، أمبرطورًا فقط على بلاد
الحوض المذكور، وما تعدّى إحصاؤه يومًا حدود تلك البلاد.
أمّا يسوع، فبميلاده جمع حوله السّماويّين والأرضيّين، فأحصى الكون بأسره:
جنود السّماء تنشد المجد لله في الأعالي، وأهل بيت لحم ورعاتها أسرعوا إلى
المولود، وقد انطلقوا بعدها بفرح عظيم، يخبرون بما سمعوه ورأوه. ويخبرنا
القدّيس متّى عن قدوم المجوس من بلاد فارس، يحملون معهم الهدايا:
- الذّهب، ومصدره بلاد الغرب،
- المرّ، ومصدره بلاد أفريقيا،
- البخّور، ومصدره بلاد الشرق الأقصى.
وبهذه الهدايا، يكون العالم قد اجتمع بأسره أمام الطّفل المتجسّد.
حكم أوغسطس الأمبرطوريّة الرّومانيّة بجيش جرّار، أخضع به بلاد حوض البحر
الأبيض المتوسّط؛ أمّا يسوع، فقد كان عرشه مزودًا، وكان طفلاً رضيعًا،
ضعيفًا، يحتاج إلى عناية دقيقة؛ ومع ذلك، كان هو الملك، الذّي غلب الموت
بالموت، وقهر الجحيم.
لا شكّ أنّها معادلة، من الصّعب أن ندركها، بحسب منطق عقلنا البشريّ المحض.
لكنّ الرّبّ كشف لنا سرّها، في القربان.
ففي الإفخارستيّا، يتجسّد الرّبّ في "البرشانة"، التّي هي في الواقع، طحين
وماء. وإذا ما تأمّلنا في "البرشانة"، لاستنتجنا أنّها هشّة، لا تكفي
لإشباع أحد، كما وأنّها رقيقة ومعرّضة للكسر، ولا تتحمّل الرّطوبة ولا
الهواء ... إلخ؛ في المختصر، هي أضعف ما قد يصنعه الإنسان. ومع ذلك، أصبحت
جسد المسيح الذي يشبع الكثيرين، ويقوّي الضّعفاء، ويعزّي المحزونين، ويفرّح
العالم.
هذا التّأمّل السّريع حول تجسّد الرّبّ في وسطنا، يجيب اليوم على قلقنا
وإحباطنا، ويدعونا إلى الإيمان بأنّ "عمّانوئيل" الله معنا.
لقد ولد المسيح! هلّلويا!
|
::: تأمّل روحي ::: |
بُشرى!
كم من كنّارةٍ خضعت لأنامل فقيرة، فهزّت مشاعر الأغنياء وذوو المراكز
المرموقة، حتّى ذوو القلوب المتحجّرة.
كم من النّغمات الجميلة قدّمتها حناجر المُسْتَضْعفين فأطربت الملوك
والحكّام في مجامهعهم!... ونحن ما زلنا نردّد أنّ الفقر يمنع الفرح عن
أهله!
في مزودٍ بعيدٍ عن ضجيج العالم، وخارج بيته، وُلِد طفلٌ بين البهائم، وملأ
نوره الّدنيا. تصاغر على قدر ضعفنا وعاش الطفولة مع أترابه من أطفال البشر،
كي نفهم أنّنا منه وهو لنا، للكلّ سنداً على السّواء. لبس إنسانيّتنا بكلّ
ضعفها كي يجنّبنا الإحراج من موقعنا الإجتماعيّ، أيًا كانت درجته.
أليس هذا هو الإنجيل بِعينه؟ بُشرى أعلنها الملاك، بكلّ ما فيها من "حسن
ٍ"، لرعاةٍ هم أيضًا فقراء، يبشّرهم بالفرح والسّلام الّذي عمّ الأرض
كلّها؟ هل هناك أعظم من ولادة طفل فقير، ضعيف، في مزودٍ، قَلَبَ الكون
رأسًا على عقب؟ هل هناك أبلغ من أن نفتقر إلى الشّرّ والإهانة والإستغلال...في
سبيل أن نغتني بالحبّ والتواضع؟
لكم كان محترِمًا لشعور الإنسان. لقد اختار رعاة، ربّما الخجل كان قد أخذ
منهم بسبب جهلهم لأمور الثقافة والعلم الّذي أُجبِروا على التخلّي عنه
لحاجتهم إلى القوت. أو ربّما أرغمتهم اللقمة على العمل وهم ما زالوا
يانعين، وقست عليهم أحكام النّاس بسبب انتماآتهم العائليّة المعيّنة،
فأجبروا عل تحمّل البرد في الليالي القارصة، يسكتون خوفهم من الظلام، ومن
خطر الوحوش، بأنغام منجيرتهم، إلى أن آتاهم ملاك النّور يزفّ إليهم الخبر
السّار... لقد ارتاعوا ولم يستطيعوا التّغلّب على شعورهم لغرابة المشهدِ
الشديدة، فهدّأ من روعهم قائلاً: "لا تخافوا!"
هذه هي ركيزة الإنجيل: بشرى سلام وطمأنينة، بشرى تزرع الرّاحة في النفوس.
إنّها "البشرى الحسنة" لكلّ إنسان.
أليست مشهدية هذا الإنجيل ومضمونه موجّهان إلينا اليوم؟ إن تأمّلنا به،
نجده يدعونا، من جهةٍ، إلى عدم الخوفِ والعيش بسعادة، كي نتخطّى قلقنا
واضطرابنا من جرّاء واقعنا، وما يكتنف حياتنا من صعوبات ومخاطر. ومن جهةٍ
أخرى، كم يدعونا إلى احترام الآخر مهما كان متواضع الحال والمركز. كم
يدعونا إلى إشراك الضعفاء أو الأدنى منّا علمًا وثقافة وفهمًا و... في ما
لنا من خير، محترمين مواقعهم وانتماآتهم دون إحراجهم أو المساس بكرامتهم
وجرح مشاعرهم بحسن صنيعنا.
...أمّا تلك القيثارة في يد الآخر، ومهما كانت حالة اليد الّتي تعزف عليها،
فستنقلنا حتمًا وتسافر بنا إلى عالم الروعة والرّاحة والجمال، إلى عالم
الصلاة والتسبيح ِ فنجده يحدونا للقول"شبحو لهو قولو، سبحان الكلمة، سبحان
الله"! فإن كنّا من أولئك "الأغنياء" بنظر المجتمع، لكنّنا نفتقر إلى
حرفيّة العزف على أوتار المحبّة، فما حاجة النفس لنا، النّفس الباحثة عن
الله فيك وفيَّ؟ حتمًا سوف لا نستطيع أن نولّد الطمأنينة والفرح والسلام
فيها!
لنسأل الفقراء إذًا اليوم كيف تولد هذه النعمة في النفس، ولنكتشف السّر في
مغارة بيت لحم اليهوديّة حيث ولِد الإله العظيم طفلاً جميلا!...
|
::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
1- نصلّي من أجل المسؤولين في كنيستنا، مار بنديكتس السادس عشر بابا روما، ومار
نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة
والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، كي يسهروا كما الراعي الصالح، في هجعات
الليل على قِطعانهم، فيُشرق حولهم مجدك، وينالوا النعمة لِنقل بشارة الخلاص في
العالم، نسألك يا رب.
2- لقد كلّمتَ آباءنا قديمًا في الأنبياء، والآن، أنت تكلّمنا بابنك الحبيب،
شعاع مجدك وصورة جوهرك، أعطنا أذانًا تسمع وقلبًا يفهم "كلمتك"، فندرك عُمقَ
تواضعك ونحتذي به، نسألك يا رب.
3- بشارة الملاك تحقّقت، والعذراء حمِلَتْ وولدت طفلاً صولجان ملكه الاستقامة،
أهطِل علينا نعمك، فَنَفي بِما نَعِد، ونعيش الحياة بنزاهة واستقامة، مبتعدين
عن
الإثم، مُتَسَلّحين بالبرّ، نسألك يا رب.
4- التجسّد سرّ لا نستطيع إدراكه، بشفاعة مريم التي كانت تحفظ كلّ الأمور
وتتأمّلها في قلبها، أعطنا أن نشكرك دومًا على عطاياك، متأمّلين باحترام أسرار
الحياة والخلق، نسألك يا رب.
5- حروبٌ، اضطهاداتٌ، طمعٌ، ضغينة، حسد، وفقر، كلّها أمورٌ تشوّه الصورة التي
خلقتَنا عليها، وتمنعنا من استضافة سيّد العيد بالحفاوة التي تليق به؛ بذكرى
ولادة ابنك، أعطنا نحن أيضًا نعمة الولادة من جديد، فنتحوّل إلى دُعاة سلام،
ونرجو الصلاح لِبَني البشر، نسألك يا رب.
من أجل كلّ من فارق هذه الحياة، لا تنظر إلى آثامهم ، بل استقبلهم بِحَسبِ
فَيضِ رحمتك ، وأدخلهم ملكوتك المُعدَّ لهم، غافرًا لنا ولهم الخطايا والزلات.
صلاة شكر للقدّاس
مع الرعاة، نمجّدك ونسبّحك،
مع الملائكة نعلن بشرى ولادتك الخلاصيّة،
ومع الخليقة بأسرِها نعتذر منك على أخطائنا،
أيّها الإله الذي تواصلتَ مع الإنسان وأحببتَه،
أيّها الطفل الذي ارتمَيتَ في أحضان الأرض، تاركًا عرشَ السماء
أيّها الحمل الذي صرتَ مأكلاً منذ اضّجاعك في مِذود
لك الشكر والمجد والحمد لأنّك نظرتَ بؤسنا وسمعتَ صراخنا، فهرَعتَ
لِنَجدتنا،أيّها الثالوث الأقدس من الآن وإلى الأبد، آمين.
المقدّمة والصلاة من إعداد الخوري نسيم قسطون
أفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل
التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
نوايا وصلاة شكر للقدّاس |