|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
الأسابيع الممهّدة للصوم |
|
::: مقدّمة ::: |
• بعد أن تأمّلت الكنيسة في
مدى أمانتها للوكالة المعطاة إليها في أحد الكهنة، تتأمّل في هذا الاسبوع،
أسبوع الأبرار والصدّيقين، في مدى برارتها وفي مدى التزامها بالسعي إلى هذه
البرارة.
• في المقطع من الرّسالة إلى العبرانيّين، يدعونا
الكاتب إلى الانتقال من مخافة الله إلى محبّة الله...
• أمّا في مقطع الإنجيل، فيفسّر لنا القدّيس متى
أنّ من أراد أن يحبّ الله ما عليه سوى الالتفات إلى إخوته البشر...
في هذا الأحد، نحن مدعوّون للولوج في مسيرة
البرارة خلف قوافل الأبرار والصدّيقين الّذين سبقونا إلى ديار بيت الآب وإلى
الانطلاق، كلّ من موقعه، في تحقيق هذه البرارة عمليًّا، غارفين من إنجيل هذا
الأحد العبر والطرق.
|
::: صــلاة ::: |
أيّها الآب السماوي، يا من دعوتنا من العدم إلى الوجود فأشركتنا في مخطّطك الخلاصيّ، أعطنا اليوم أن نتمثّل برارة ابنك يسوع المسيح الّذي حمل آثامنا ومات وقام من أجل أن يجدّد شراكتنا، فنفتح قلوبنا لفيض الرّوح القدس فتبصر عيوننا حاجات إخوتنا ونبادلك المحبّة من خلالهم، فيتمجّد بنا وبهم اسمك القدّوس مع اسم ابنك وروحك القدّوس، إلى الأبد، آمين.
|
::: الرســالة ::: |
18 فَإِنَّكُم لَمْ
تَقْتَرِبُوا إِلى جَبَلٍ مَلْمُوس، ونارٍ مُتَّقِدَة، وضَبَابٍ وظَلامٍ
وزَوبَعَة،
19 وهُتَافِ بُوق، وصَوتِ كَلِمَاتٍ طَلَبَ
الَّذِينَ سَمِعُوهَا أَلاَّ يُزَادُوا مِنهَا كَلِمَة؛
20 لأَنَّهُم لَمْ يُطِيقُوا تَحَمُّلَ هـذَا
الأَمْر: "ولَو أَنَّ بَهِيمَةً مَسَّتِ الـجَبَلَ تُرْجَم!".
21 وكانَ الـمَنْظَرُ رَهِيبًا حَتَّى إِنَّ
مُوسَى قال: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!".
22 بَلِ اقْتَرَبْتُم إِلى جَبَلِ صِهْيُون، وإِلى
مَدِينَةِ اللهِ الـحَيّ، أُورَشَلِيمَ السَّماوِيَّة، وإِلى عَشَرَاتِ
الأُلُوفِ منَ الـمَلائِكَة، وإِلى عِيدٍ حَافِل،
23 وإِلى كَنِيسَةِ الأَبْكَارِ الـمَكْتُوبِينَ
في السَّمَاوَات، وإِلى اللهِ ديَّانِ الـجَمِيع، وإِلى أَرْواحِ الأَبْرَارِ
الَّذِينَ بَلَغُوا الكَمَال،
24 وإِلى وَسِيطِ العَهْدِ الـجَدِيد، يَسُوع،
وإِلى دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!
(الرّسالة إلى العبرانيين – الفصل 12 - الآيات
18إلى 24)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
تقيم الرسالة إلى العبرانيين
مقارنة ما بين العهدين: القديم والجديد، معيدة إلى أذهاننا العلامات التي كانت تشير
من قبل إلى حضور الرّبّ وسط شعبه، كالجبل المقدّس في سيناء، والنّار المتّقدة في
العلّيقة، والضّباب الذي كان يلفّ خباء المحضر، والظّلام، والزّوبعة، وهتاف البوق؛
كلّ تلك العلامات التي سرعان ما تحوّل مفهومها لدى شعب الله إلى مجرّد عناصر مهابة
ورعدة، تقيم مسافة بين الله المتعالي وشعبه المرتعد، تعيق تواصل المخلوق مع
خالصضه..
غير أنّ العهد الجديد، متمّم العهد القديم، أعاد
الأمور إلى نصابها، رافعًا كلّ مسافة بين الله وشعبه: عندها، ما عادت القداسة بعيدة
عن أحد، بل أصبحت مع يسوع المسيح ملاصقة لكلّ منّا، بل غاية جوهريّة لنا.
في يومنا، تكثر النّعم التي يفيضها الله علينا
لتمجيده، غير أنّنا نحوّلها، عن سوء استعمال، ولربّما عن طيش، إلى عوائق تمنعنا عن
مشاهدة وجه الله.
- أعطانا الله الصّحّة السّليمة، فرحنا نعمل دون كلل
في سبيل تأمين لقمة العيش، ونسينا حجز موعد مع الله.
- أعطانا الله العقل المفكّر، فانهمكنا في أبحاث
علميّة ونسينا البحث عن الله.
إختار الأبرار والصّدّيقون، الذين نعيّد معهم هذا
الأسبوع المبارك، العمل بحسب إرادة الله، وقد اختبروا عظمة الإقتراب من المسيح بشوق
ولهفة، لا بخوف ورعدة، فعكسوا للجميع نموذج قداسة بصدق وأمانة.
وبما أنّ شهادات الأبرار كثيرة، لا تحصى ولا تعدّ،
فهذا يشير إلى أنّ مشروع البرارة ليس بالأمر المستحيل، بل من الأمور الأكثر سهولة،
سيما وأنّنا سنكون في حضرة إلهنا القريب، وهو يمسك بيدنا ليعبر بنا من ضفّة الضّيق
إلى ميناء الخلاص.
|
::: الانــجيل ::: |
31 ومَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ
في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ الـمَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ.
32 وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم، فَيُمَيِّزُ
بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الـخِرَافَ مِنَ الـجِدَاء.
33 ويُقِيمُ الـخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالـجِدَاءَ
عَنْ شِمَالِهِ.
34 حِينَئِذٍ يَقُولُ الـمَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ
يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا الـمَلَكُوتَ الـمُعَدَّ لَكُم
مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛
35 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ
فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني،
36 وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا
فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ.
37 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا
رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟
38 ومَتَى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو
عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟
39 ومَتَى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا
فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟
40 فَيُجِيبُ الـمَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: أَلـحَقَّ
أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هـؤُلاءِ الصِّغَار،
فَلِي عَمِلْتُمُوه!
41 ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ: أذهبوا
عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الـمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ
وجُنُودِهِ؛
42 لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ
فَمَا سَقَيْتُمُوني،
43 وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي، وعُرْيَانًا
فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي!
44 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هـؤُلاءِ أَيْضًا قَائِلين:
يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا أَو مَريضًا
أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟
45 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: أَلـحَقَّ أَقُولُ
لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هـؤُلاءِ الصِّغَار، فلِي لَمْ
تَعْمَلُوه.
46 ويَذْهَبُ هـؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ،
والأَبْرَارُ إِلى الـحَيَاةِ الأَبَدِيَّة".
(إنجيل القدّيس متّى – الفصل 25 - الآيات31 إلى 46)
|
::: أفكار على ضوء الإنجيـل ::: |
في سياق حوار ممهّد لموته
وقيامته، كشف يسوع لتلاميذه عن سرّ الملكوت الأبديّ، حيث سيأتي ابن الإنسان في
مجده، وسط حشد من الملائكة، ليجلس على عرش مجده، فيدين الأمم، كلّ بحسب أعماله.
في هذا الإستحقاق المهيب، يميّز الإنجيلي متّى، نقلاً
عن المسيح، بين مجموعتين من النّاس: مجموعة تعرّفت إلى يسوع، ومجموعة ظنّت خطآً
أنها تعرفه. في مطلق الأحوال، يبدو غريبًا أمر المجموعة الأولى التي يبدو من
أسئلتها: "متى رأيناك جائعًا فأطعمناك؟ ..." أنّه لعلّها لم تكن تعرف يسوع بقدر ما
يجب، ومع ذلك، عملت أعمال برّ وصالحات؛ في حين أنّ المجموعة الثّانية، التي ادّعت
أنّها كانت على الدّوام تخدم يسوع كلّ حين، تبيّن أنّها لطالما كانت غريبة عن يسوع
المتجسّد في أخوته.
يقودنا هذا النّصّ إلى خلاصة تعليميّة إيمانيّة، وهي
أنّ الله الذي خلق الكون بأسره، خلق فيه الإنسان على صورته ومثاله، خلقه بارًا
وصدّيقًا، بقطع النّظر عن انتمائه العرقي أو الوطني أو السياسي. لذلك، ليس من
المستغرب أن يعجّ الملكوت بأبرار وصدّيقين لم يسمعوا يومًا باسم يسوع، غير أنّهم
لطالما سمعوا صوت ضميرهم وفتحوا أبواب قلوبهم وبيوتهم لمن هم بحاجة.
في هذا الأسبوع المبارك، نذكر الأبرار والصّدّيقين
كافّة، ونتشارك معهم الصّلاة ليعمّ البرّ في أرجائنا قبل أن نعكسه نحو الآخرين
بأعمال برّ فعليّة، لا مجرّد أقوال شعريّة. حينها نسمع الإبن يدعونا للجلوس من عن
يمينه معلنًا انتماءنا إلى الملكوت المعدّ لنا منذ إنشاء العالم.
|
::: قراءات آبائيّة للزمن الممهّد للصوم ::: |
أحد الأبرار والصّدّيقين
26- أمّا أنتم أيُّها القطيع الجَديد فإنّكُم قَد
خَلَعتُم سُلوكَ الذِّئاب،
وَأنتم الحملان تَشَبَّهتُم بالحَمَل. الواحِد
تَغَيَّر فَغَيَّرَ الجَميع.
الخروف ذَبَحَ نَفسَهُ للذِئاب، فَأسْرَعوا وَأكَلوه
فَصارو خِرافًا.
الرَّاعي تَحَوَّلَ حَمَلاً، وَالذِّئبُ نَسِيَ
طَبْعَهُ.
فَيَهتِف أفرام مُناجِيًا:
27- طَهِّرني أنا أيْضًا بِحَنانِكَ، فَلا أتَدَنَّس
بِوَسْمِ الجِداء
أبْناءِ الشّمال. وَلا يَتَحَوّل خَروفك إلى جَدي.
إن لَمْ أسْتَطِع أنْ أتَبَرَّر، فَأنا لا أُريدُ أنْ
أخطَأ.
تَغافَل، يا رَبِّي، عَنْ أعْمالي، وَحاسِبْني على
إرادَتي فقط.
(مار أفرام السرياني، أناشيد الدّنح، النّشيد الثّالِث، الأبيات 26 و27)
|
::: القدّيس مارون ::: |
هو أبو الطائفة المارونية ورافع
لواء إيمانها وأمجادها مدى الأجيال. وقد أطلق عليه العلاّمة المؤرخ الشهير
تيودوريطوس أسقف قورش في كتابه "تاريخ الرهبان والنساك" تسمية "مارون الإلهي" وقال
فيه:
"لقد زيّنَ مارون طغمة القديسين المتوشّحين بالله
ومارس ضروب التقشّفات والاماتات تحت جو السماء، دون سقف سوى خيمة صغيرة لم يكن
يستظلّها إلاّ نادراً... "وكان هناك هيكل وثنيّ قديم، فكرّسه مارون، وخصّصه بعبادة
الإله الواحد، يحيي الليالي يذكر الله وإطالة الركوع والسجود والتأمّلات في
الكمالات الإلهيّة، ثمّ ينصرف إلى الوعظ وإرشاد الزائرين وتعزية المصابين.... كلّ
هذا لم يكتَفِ به مارون، يضيف المؤرّخ، بل كان يزيد عليه ما ابتكرته حكمته جمعاً
لغنى الحكمة الكاملة، لأن المجاهد يوازن بين النعمة والأعمال فيكون جزاء المحارب
على قياس عمله. وبما أنّ الله غنيّ كثير الاحسان إلى قديسيه، منحه موهبة الشفاء
فذاع صيته في الآفاق كلّها فتقاطر إليه الناس من كلّ جانب. وكان جميعهم قد علموا أن
ما اشتهر عنه من الفضائل والعجائب هو صحيح وبالحقيقة كانت الحمّى قد خمدت من ندى
بركته والأبالسة قد أخذوا في الهرب والمرضى كلّهم بَرئوا بدواء واحد هو صلاة
القديس، لأن الأطبّاء جعلوا لكلّ داء دواء، غير أن صلاة الأولياء هي دواء شاف من
جميع الأمراض... ولم يقتصر القديس مارون على شفاء أمراض الجسد بل كان يبرئ أيضاً
أمراض النفس... والحاصل أن القديس مارون أنمى بالتهذيب جملة نباتات للحكمة السماوية
وغرس لله في هذا البستان فازدهر في كل نواحي القورشية".
اعتزل مارون الناسك الشهرة واختلى على قمة جبل، فشهرته
أعماله التقوية وانتشر عرف قداسته. والقديس يوحنا فم الذهب ذكره في منفاه وكتب إليه
تلك الرسالة النفيسة تحت عدد 36، العابقة بما كان بين الرجلين من محبة روحية واحترم
وأخوّة في المسيح قال: "إلى مارون الكاهن والناسك. إنَّ رباطات المودة والصداقة
التي تشدّنا إليك، تمتلك نصب عينينا كأنك لدينا، لأنّ عيون المحبّة تخرق من طبعها
الأبعاد ولا يضعفها طولَ الزمان. وكنّا نودُّ أن نكاتبك بكثرة لولا بعد الشقَّة
وندرة المسافرين إلى نواحيكم. والآن فإنّا نهدي إليك أطيب التحيّات ونحبّ أن تكون
على يقين من أنّنا لا نفتر من ذكرك أينما كنّا، لما لكَ في ضميرنا من المنزلة
الرفيعة. فلا تضنَّ أنت أيضاً علينا بأنباء سلامتك، فان اخبار صحّتكَ تولينا، على
البعد أجل سرور وتعزية في غربتنا وعزلتنا فتطيب نفسنا كثيراً، اذ نعلم انّك في
عافية. وجلَّ ما نسألكَ أن تصلّي إلى الله من أجلنا". (في مجموعة مين للآباء
اليونان مجلد 72 عمود 63).
ما انتشرت سمعة الكاهن مارون الناسك حتى تكاثر عدد
الرهبان حوله فأقامهم أوّلًا في مناسك وصوامع على الطريقة الإنفرادية، بحسب عادة
تلك الايام، ثم انشأ أدياراً وسنَّ لهم قانوناً وقام يرشدهم في طريق الكمال.
وتعدّدَت تلك الأديار المارونية ولا سيما في شمال سورية. وكانت وفاة مار مارون سنة
410.
|
::: تأمّل روحيّ ::: |
الصدّيق والمحبّة
"الصدّيق كالنخل يزهر، وكأرز لبنان ينمي". إنّه ذاك
الّذي، طوال حياته، جعل من تواضعه ولطفه جمرًا متّقدًا لبخّور أعماله الصالحةِ في
مبخرة قريبه، فتصاعدت نحو الآب فوّاحةً نقيّة ً رافعة ًإيّاه (الصِدّيق) معها نحوه،
فيُبارَك ويرث ما أُعِدَّ له من ميراث في "الملكوت من قبل إنشاء العالم".
عندما يأتي ابن الإنسان في مجده
ما قيمة أعمالنا وتضحياتنا لو لم تكن هناك أبديّة؟
لماذا كلنّا نصوم ونصلّي ونعمل أعمال البرّ بالحبّ الخالص؟ ما قيمة زماننا الحاضر
وأيّ معنىً تأخذ حياتنا لولا هذا اللقاء الأبديّ المنتظر بالآب وجهًا لوجه؟ إيماننا
بالأبديّة هو ما يدفعنا لجعل المحبّة طريقنا نحوه، هو ما يجعل من هذه الأرض مكانًا
لكلّ خير، يتقدّس بقداستنا البسيطةِ في رؤيتنا لوجهه في الآخر، ومحبّتنا للقريب
ك"حبّي لذاتي". هو ما يجعل منها مكانًا لتحديد دينونتي الّتي تبدأ "يوم أتعرّف به
إلى ابن الإنسان" وأكتشف قيمة وجودي كخليقة على صورة الله كمثاله: فإمّا أن أسلك
بالمحبّة والرحمة متخطّيًا ذاتي، وإمّا أختار نفسي "وما من بعدي أحد"... فليس
غريبًا بعدها أن أرى بوضوح كيف أن مجّانية حبّ الآخر وخدمته توصل الإنسان إلى حضن
الآب مباشرةً :"كلّ ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي قد فعلتموه".
...المحبّة!
إنّها إكسير الحياة، هي الّتي تكشف للإنسان مكانته،
و"تعترف أنّها فوق مخلوقات الأرض كلّها". هي وحدها تُظَهِّر فينا صورة الله الحقّة،
وتسير بنا على طريق الكمال ("كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل"، متّى
5/38). المحبّة وحدها مَن تجعل النّفس تتفلَّت من قيود العالم وما يأسرها من
أنانيّةٍ لا ترى إلاّ هالتها الذاتيّة. هي تكشف لها (للنفس) سرّ الألوهة السّاكن
فيها بالرّوح القدس، كما تكشف سرّ نظرة الله الّتي تجعلها تنطلق نحو القريب حرّةً،
فاتحةً أيديها للعطاء دون قيودٍ ممّا أُعطِيَت بالمجّان، فتكسي عريانًا، وتسقي
عطشانًا وتطعم جائعًا. تراها مستعدّةً لاحتضان كلّ من يبحث عن صدرٍ حنون، ولمسةٍ
شافية، وكلمة معزّية، ونظرة رحمةٍ تنتشله من غربته.
أبرار وصدّيقين
ما زلنا نتألّم لانقسامات و"تخاصمات حول حقيقة الله
ولاهوته وجوهره"، وما زالت حروبٌ تندلع لإلغاء الآخر بسبب تعصّبٍ أعمى ينكر على
الإنسان إنسانيّته وكينونته، وعلى ابن الله تأنّسه، فيُلبِس للقريب وجه الإجرام
بجهله، لأنّه ما زال لا يستطيع رؤية الله في الإنسان ولم يتعرّف إليه بعدُ من
خلاله.
فلِما يا ترى نُحَجّم الله وعظمته على قدرِ غباءِ
تفكيرنا المحض بشريّ؟ أهو لك؟ أم لي ؟ أم لهم؟
هو خالق الكلّ بالتساوي، وبالمسيح ابنه وُلِدنا من
جديد، وبه حمِلنا بالحبّ كي نولِد للآخرين أعمالاً تليق بالله السّاكن فينا. هو من
وهبنا ابنه "نعمةً تنفي الخوف"(حياتنا الليتورجية)، وجَعَلَ لنا الآخر ،أي القريب،
سببًا لخلاصنا، الّذي معه نجد السبيل الأقرب إلى الآب.
فلنبقَ بالمحبّة سالكين، وبصلاتنا متخشّعين، عابدين
العليّ بالتقوى والفكرِ المقدّس العميق، لأنّ كل ما سواه باطلٌ وزائل.
|
::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
1- نصلّي من أجل المسؤولين في
الكنيسة، خاصَّةً مار بينيديكتوس السادس عشر بابا روما ومار بشارة بطرس بطريركنا
الأنطاكي، وأبينا الكاردينال مار نصرالله بطرس، ومار جورج بو جوده مطراننا مع سائر
الأساقفة والكهنة والمُكَرّسين على اسمك القدّوس، كي يَثنُوا على أعمال الرحمة تجاه
كلّ البشر المهمّشين والّذين هم في ضيق فقد تبناهم السيد المسيح معتبراً أنّنا
بلقائهم نلمس وجهه القدوس، نسألك يا رب.
2- الدينونة العظمى هي أن لا نعرفك في الدنيا فكيف لنا
أن نلتقيك في الأبد؟ نصلّي يا أبانا لكي تطَبِّعنا بطبعك القدوس فندرك حضورك بكل
مخلوقاتك فلا نستغرب وجوههم فنحبهم، نسألك يا رب.
3- لقد اقتربتم من يسوع وسيط العهد الإله الديَّان
الّذي يحشر جميع الشعوب لينتقي من بينها أحبّائه فكيف لنا الهروب من عتابه لأنّنا
اننا أهملنا الطبيعة وآذينا الحيوان بدون فائدة وذهب جشعنا لأذيّة إخوتنا ولم ندرك
أنّنا قتلنا كلّ مبادرة جمع وسلام لهذا نسألك يا أبانا أن تعطينا فهماً وقوة
فنتجنّب كلّ ما يؤذي ونسعى إلى كلّ خير، نسألك يا رب.
4- نصلّي من أجل جميع مرضانا والمتألّمين والّذين هم
في ضيق ومن أجلنا كي نبقى مشاركين في آلامهم واقفين من أجل أيّ خدمة أو تعزية أو
مساعدة كوقفة مريم على أقدام الصليب، نسألك يا رب.
نُصَلّي من أجلِ كلِّ مَن انتَقلَ مِن هذه الحياة،
سامعين صوتك العذب قائلاً: "تعالوا يا مباركي أبي لأنكم أطعمتموني وسقيتموني
وزرتموني وعزّيتموني وعرفتم إنّي بكلّ المتألّمين والمحتاجين والّذين في ضيق فلكم
جبل صهيون ومدينة الله الحيّْ، غافراً خطايانا وخطاياهم.
صلاة شكر للقدّاس
أيّها السرّ الكبير والبسيط في آن،
كيف لا نشكرك وأنت القريب بكلّ المخلوقات وأنت المعزي في كلّ الضيقات،
كيف لا نشكرك وأنت مطعم الجياع بأيدينا وأنت الأمّ
التي ترافق وتحنو وتسهر وتنتظر "ضناها"،
كيف لا نشكرك وأنت الحامي والمدافع والمقوّي وواضع
كلام الخلاص في أفواهنا،
كيف لا نشكرك وأنت أودعتنا سرّ ملكوتك لنشره لخلاص
الجميع ومحبّة الجميع ودعوتنا أن نفتدي الجميع بعيش الحقيقة وإعلان الحقيقة والموت
شهادة للحقيقة لخلاص الجميع،
كيف لنا أن لا نشكرك أيّها الثالوث منبع الحبّ الّذي
لا ينضب والنهر الّذي دائماً يُسمع هديره جارفاً كلّ أحبّائه إلى البحر الكبير حيث
اورشليم السماويّة،
لك المجد والحمد والشكر من الآن والى الأبد آمين.
|
المقدّمة والصلاة من كتابة
الخوري نسيم قسطون
مار مارون بتصرّف عن السنكسار بحسب طقس الكنيسة الانطاكية المارونية
أفكار من الرّسالة، وأفكار على ضوء الإنجيل من إعداد
قراءات آبائيّة لزمن الدنح
التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
نوايا وصلاة شكر للقدّاس |