|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الصوم
أحد الإبن
الشاطر |
|
::: مقدّمة ::: |
• هذا الأحد هو أحد الإبن
الضّال ومعه نصل إلى منتصف زمن الصَّوم، في أحد هو الرابع منه.
• في رسالة هذا الأحد التي تختم نصّ رسالة القدّيس بولس
الرّسول الثانية إلى أهل قورنتوس توصيات تصلح لإجراء تقييم شامل للحياة المسيحيّة.
• في إنجيل اليوم، نتأمّل برحمة الله الغير المتناهية
الّتي تنتظر عودتنا إلى البيت الوالديّ لتغمرنا بالمحبّة والغفران.
• في هذا الأحد، فلنسعى إلى الولادة من جديد بالتوبة
الصّادقة في حضن عائلة الله كأبناء أحبّاء.
|
::: صــلاة ::: |
يا أبانا السّماويّ، يا رحمةً لا متناهية، نشكرك لأنّك إفتديت كلّ إبنٍ ضالٍ منّا بإبنك الوحيد، ولأنّك تقود خُطانا كي لا نضلّ بروحك القدّوس كي نبقى سائرين في سبلك والمباركة فيتمجّد بنا وبكلّ أفعالنا وأقوالنا أسمك القدّوس وأسم إبنك وروحك القدّوس، إلى الأبد، آمين.
|
::: الرســالة ::: |
5 إِخْتَبِرُوا
أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا
أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا
كُنْتُم مَرْفُوضِين!
6 فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا
مَرْفُوضِين!
7 ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ
شَرّ، لا لِنَظْهَرَ نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ
الـخَيْر، ونَكُونَ نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
8 فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا
ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
9 أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ
نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا
نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا كَامِلِين.
10 أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ
أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي
إِيَّاهُ الرَّبّ، لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
11 وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا،
وَإسْعَوا إِلى الكَمَال، وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا
في سَلام، وإِلـهُ الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
12 سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ
مُقَدَّسَة. جَمِيعُ القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
13 نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح،
ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين!
(الرّسالة الثانية إلى أهل قورنتس – الفصل 13 - الآيات 5 إلى 13)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة ::: |
في هذه الرّسالة التي تختم نصّ رسالة القدّيس بولس الرّسول الثانية إلى أهل قورنتوس توصيات تصلح لإجراء تقييم شامل للحياة المسيحيّة.
أ – "نُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ"
ما أجملها فكرةً أن نصلّي
من أجل أحدٍ ما كي لا يفعل الشرّ!
لو فكّر كلّ أفراد العائلة هكذا وصلّوا من أجل
بعضهم البعض كي لا يفعل أحدهم الشرّ! ولو صلّى كذلك زملاء العمل أو رفاق الدّرب
أو جيران الحيّ أو أهل البلدة... وصولاً إلى الوطن!
في هذه الدّعوة من مار بولس نجد تحفيزًا على الصلاة
أي على الحوار مع لله وهو ما يفتح قلوبنا وعقولنا وأرواحنا على نعمة الرّوح
القدس الّذي يسقي في نفوسنا بذور الخير وبالتالي يخمد ما يمكن أن يكون قد تسلّل
إليها من بذور الشرّ.
ب- فَإِنَّنا لا
نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ لأَجْلِ الـحَقّ!
يمكن لكلّ إنسانٍ أن يتّخذ هذا المبدأ كمعيار
للتفكير قبل إتّخاذ القرارات وخاصّة القرارات المرتبطة بالحياة أو بالضمير!
فكلّ منّا يعرف بمعايير الضمير والأخلاق ما هو
الحقّ وما هو الباطل... والمشكلة لدى معظم النّاس هي في القرارات الباطلة
المغلّفة بمئات الحجج الواهية حول صوابيّة هكذا قرارات!
بينما المعيار واضح وفق الربّ يسوع: "تعرفون الحق
والحق يحرركم" (يوحنّا 8: 32).
فما نتّخذه من قرارات وفق معيار الحقّ يحرّرنا
ويمنحنا الفرح ولو بعد حين فيما ما نقوم به ضدّ الحق قد يفرحنا لحين ويتركنا
لاحقًا أسرى الخيبة والندم!
ت - وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام
قد يظنّ القارئ أن عبارة
"رأي واحد" تعني أن نكون نسخًا عن بعضنا البعض!
ليس هذا المقصود هنا بل الوفاق في المبادئ العامّة
الّتي تبني الجماعة وتسمح لأعضائها بالعيش بسلام.
وأوّل هذه المبادئ هي محبّة الله وترجمتها في محبّة
القريب الّذي هو صورة الله ومثاله ولو لم يكن على ذوقنا شكله أو طبعه أو
خياراته!
وبالتالي ثانيها هو القبول بالآخر محبّته وصولاً
إلى محبّة الأعداء والصلاة من أجل المضطَهِدين كما ورد في الموعظة على الجبل.
وثالثها هو التعبير عن عمق الإيمان بأعمال المحبّة
التي تساعد الإخوة على العيش بكرامة ومساواة ولا تسمح لهم ببلوغ الدرك الّذي
وصل إليه الإبن الضّال!
كلّ هذا يؤدّي إلى السّلام في قلب الجماعة
المسيحيّة لأنّها عندها ستكون جماعة متصالحةً مع مسيحيّتها.
|
::: الإنجيـل ::: |
11 وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ إبْنَان.
12 فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي،
أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
13 وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الإبْنُ
الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ، وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ
مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
14 وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في
ذلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
15 فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ
ذلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ
الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ
أَحَد.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ
الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي، يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا هـهُنَا أَهْلِكُ
جُوعًا!
18 أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا
أَبِي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
19 وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ
إبْنًا. فَإجْعَلْنِي كَأَحَدِ أُجَرَائِكَ!
20 فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا
يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى
بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
21 فَقالَ لَهُ إبْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى
السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ إبْنًا...
22 فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا
وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ وَأَلْبِسُوه، وإجْعَلُوا في يَدِهِ
خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء،
23 وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ وإذْبَحُوه،
وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
24 لأَنَّ إبْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش،
وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا يَتَنَعَّمُون.
25 وكانَ إبْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا
جَاءَ وإقْتَرَبَ مِنَ البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا.
26 فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ:
مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا؟
27 فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ
العِجْلَ الـمُسَمَّن، لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا.
28 فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ
أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه.
29 فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ
كُلَّ هـذِهِ السِّنِين، وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ
تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا، لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي.
30 ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ إبْنُكَ هـذَا الَّذي
أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
31 فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي
في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا هُوَ لِي هُوَ لَكَ.
32 ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ
وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".
(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 15- الآيات 11 إلى 32)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيـل ::: |
في منتصف زمن الصوم، نتوقّف
مع الكنيسة عند مثل الإبن الضال الّذي يختلف عن بقيَّة آحاد الصوم، لأنّه لا يتكلم
عن أعجوبة شفاء بل عن حُبّ الأب لإبنه العائد وتفهُّمه للإبن الأكبر.
تكمن أهمية النصّ الإنجيليّ أنه يركز على التوبة
والعودة لبيت الآب والمصالحة معه ومع الإخوة. وفي أغلب عظاتنا يستوقفنا دائمًا
الإبن الأصغر الّذي أصبح هو عنوان النصّ: الإبن الضال.
ولكن في هذا النص ثلاثة مواقف يجب التوقّف عندها: موقف
الإبن الأصغر، موقف الأب، وموقف الإبن الأكبر.
1- موقف الإبن الأصغر: الإبن الأصغر يرى في البيت
الوالدي عائقًا لحريّته. يرغب بالتفلّت من هذا النظام الموجود في البيت، ويطلب
الإرث قبل موت أبيه ويكون بذلك قد تمنى ضمنًا الموت لأبيه ليحصل على ما يريد. لقد
ذهب ليعيش بحريّة ولكن سرعان ما تحوّل حلمه بالحرية إلى غربة ومذلّة. لقد تاق إلى
حريّة مطلقة وإذا به تحت نير حرية باطلة مزيّفة. لقد فقد حريّته وإفتقر إلى كل شيء.
وبعد أن جاع وضعفت قواه قرَّر العودة إلى البيت ليكون خادمًا وليس إبنًا.
2- موقف الأب: الأب الّذي يعرف مسبقًا بالشقاء الذي
سيحلّ بإبنه بعيدًا عن البيت الوالدي. لا يمنعه من المغامرة بل يحترم حريّته ويعطيه
مطلبه ولكنه يبقى حاضرًا مستعدًا لإستقباله: يعانقه ويلبسه الحلّة الفاخرة والخاتم
والحذاء دلالة على عودته إلى حالة البنوّة التي فقدها. ويبدأ العيد بذبح العجل
المسمن، ثم يخرج لدعوة الإبن الأكبر ليدعوه إلى المشاركة بالعيد والفرح بعودة أخيه
العائد.
3- موقف الإبن الأكبر: حسابات الإبن الأكبر تنطلق من
الشريعة. فأخوه أخذ حصّته ومضى إلى لا عودة. ولا يحقّ لأبيه بنظره أن يفرح بعودته
ويعتبره إبنًا له. فهو وحده الإبن الّذي يحافظ على ميراث أبيه وعلى أوامره. لقد رفض
المشاركة بالعيد الذي أقامه الأب في البيت.
إنطلاقًا من هذه المواقف نطرح
على أنفسنا علامات إستفهام كثيرة علَّنا نجيب عليها في هذا الصوم المبارك.
• إذا كنت في حالة النعمة (مثال الإبن الأصغر) هل
ترفضها باحثًا عن نعمة أكبر فتقع في فخ الخطيئة وتتحوّل النعمة الّتي فيك إلى نقمة؟
إذا خطئتَ يومًا هل تفضِّل البقاء في الخطيئة أم تندم عليها باكيًا وتعود إلى أحضان
من يغفر لك خطيئتك؟
• إذا كانت حالتك مثال الإبن الأكبر هل تغضب مما تعتبره
إجحاف بحقك؟ هل تعترض وتناقش وتفرض نفسك ديّانًا وقاضيًا في هذا الوقت؟ هل تعود
للماضي وتُمَنِّن الآخر على أعمالك معه؟ هل تتخلّى بسرعة وبحالة غضب عن بنوَّتك
وأخوَّتك وإنسانيًّتك؟
• إذا خطئ إليك أحد، هل تنتظره وتراقب طريق عودته أم
تتركه وشأنه؟ إذا عاد نادمًا هل تستقبله بسيف النقمة والمعاتبة أم تعانقه
وتُقَبِّلهُ وتسامحه كما فعل الأب مع الإبن الأصغر؟ هل تعتبره مُجرّد شخص عادي أم
تُعيد إليه المكانة الأولى الّتي كانت في قلبك؟
كلّ هذه الأسئلة يجب أن تكون أجوبتها واضحة لدى كل
إنسان. وما زمن الصوم إلا زمن العودة إلى الذّات وإكتشاف موقعنا مع الله، وموقفنا
تجاهه. فهل تستفيد من زمن الصوم هذا لتُقَرِّر أي موقف تتبنى؟
|
::: تـــــأمّـــل روحي ::: |
هو الحب كلّه
أبٌ أحبّنا من الحشا ومنه
وَلَدَنا كأمٍّ تضع جنينها طفلاً للحياة بدموع الفرح والرجاء. أبٌ أضعف من قساوة
الإبن المخلوق الّذي يخطئ ويُسيء إليه، لا بل يهجره، لكنّ حبّه لمن ولده بالروح
بالعماد هو دومًا أعظم بكثير من الإنتقام منه أو معاملته بالمثل أو حتّى تلقينه
درسًا، لأنّه في عينيه، هو دومًا الإبن المحبوب. لذلك نراه يغدق علينا، نحن أبناءه،
حنانًا لا حدّ له ومغفرةً لا توازيها كنوز الدنيا كلّها ورحمة أوسع من أنوار الشمس
عند الظهيرة.
هو الله، المنتظر عودتنا مهما طال إبتعادنا وضلالنا،
حتّى إذا ما رأى ظلّنا يقترب سالكًا صوبه، حتّى يركض هو نحونا ليضمّنا إلى قلبه
و"يشتمّ رائحة بنوّتنا له". يغمرنا ويقبّلنا على العنقِ معبر الحياة، ويلبسنا خاتم
الملوكية، وينزع أرجلنا من الضياع والخطيئة، من تراب الأرض، واضعًا فيها الحذاء
الّذي يقينا من لهيب التراب وشوك الدروب ووحول الصعاب كيما نكون أكثر أمانًا
وثباتًا في مسيرتنا الجديدة معه في العالم.
لن نزايد بعضنا على بعض
أغلبنا يمثّل ذاك الإبن
الضّال. كلّنا نبحث عن تحقيق الذّات، وفي الغالب، بعيدًا عن الله، متوهّمين أنّ لا
دخل له في حياتنا الخاصّة، فنفصله عنها بحسب مزاجنا أو بحسب مصلحتنا وعندما نشاء،
لاغين حضوره الدائم فينا ومعنا، ليصبح بنظرنا "اللهُ نا بمقتضى المناسبة".
ثمّ يأتي يومٌ ونشرد فيه عن الطريق القويم، ونتوه عن
الحقّ في المجهول، ويتخلّى عنّا كلّ مستفيدٍ تقرّب منّا في أوقات البحبوحة (من كلّ
نوع كانت وليس الماديّة منها فقط) ويستقوي علينا كِبَر النفس، فنخجل من العودة إلى
حضن الأب المفتقد لغيابنا عن حضنه، وكما يُقال بالعاميّة،"ما مْنْحطّا واطيه" أنّنا
فشلنا لوحدنا ونرجع إليه، فنستمرّ في الغرق إلى حين تفرغ منّا الدنيا وتنفتح
بصيرتنا على واقعنا المؤلم، عندها فقط نبدأ في التفكير بالعودة إليه أم لا.
هو الحبّ كلّه
هل ندرك أنّه مهما كانت حالنا
وظروفنا، فنحن محبوبين من الله لدرجة إفتدائنا من جديد إن لزم الأمر؟
إن الله لا ينفكّ يبحث عن كلٍّ منّا إلى أن نلتقيه.
أغلبنا على الأرجح لا يقرّ، علانيةً على الأقلّ، أنّ الله هو أب لكلّ إنسان. هو
كتلة حنان تجعل من قلبه ينفطر حزنًا في كلّ مرّةٍ يبتعد فيها ولدٌ عنه، وأنّه هو من
يُقبل إلينا، حين نقرّر العودة، كي يجنّبنا الإحراج والخجل من فعلتنا تجاهه.
إذًا القرار يعود لكلّ إنسانٍ. إن قَبِل أن يرجع إلى
الآب الّذي هو في انتظاره ليحتضنه كما هو، سمعه يهمس في قلبه: "أنت ابني وكم إشتقت
إليك". لكن من المهمّ في الأمر أنّ الآب يحترم قرارنا حتّى النهاية ولا يفرض علينا
أيّ شيء ممّا يريده، بل يرشدنا إليه فنقرّر بإرادتنا المسؤولة. وفي حال تجاوبنا،
نراه يسبقنا إلى الموافقة على هذا الحبّ الّذي قرّرنا إستعادته حين فكّرنا: "سأقوم
وأرجع إلى أبي وأقول له: يا أبي، أخطأت إلى السماء وإليك".
فهلاّ تواضعنا وقبلنا العودة إليه دون أن ننكر أبوّته
لنا جميعًا، ولا نكن أغبياء نحسب أنفسنا القريبن منه والأحقّ، ونحن غرباء عنه،
تنهشنا الغيرة حين يتقدم علينا أحد في فهم هذه الحقيقة والوصول قبلنا إلى قلبه حتّى
ولو كنّا نعيش في داره؟
|
::: تـــــأمـــل وصلاة ::: |
ربي وإلهي ... أنا أعلمُ
أنك مِن محبتك لي قد أعطيتني ميراثي مُسبقًا وأنا لا أستحقّه، إذ فتحت لي بموت
وقيامة الإبن الحبيب جنّتي وأعددت لي مكانًا لأحيا معك إلى الأبد أُسبّح أسمك
القدّوس وأتمتع بطلعتك البهيّة. والآن أود أن أسألك: هل معرفتي بأن محبتك لي
كأبٍ هي محبة لا تسقط أبدًا وإحساسي بأني أخذتُ ميراثي مُقدّمًا جعلاني أعتقد
أنه بإمكاني أن أترك كلمتك وأبتعد عن بيتك السماوي غير مكترثة بتصرّفاتي؟
ربي وإلهي ... هل أخذتُ ميراثي بركةً منكَ ووزعته
على الآخرين فعلِموا بمقدار غِناك وتمنّوا لو كانوا مِن أبناءك لينالوا ما نلته
أنا؟ أم نسيته على قارعة الطريق فإندثر في الرمال مع هبوب الريح؟
ربي وإلهي ... هل أنا بتصرّفاتي ممتنًّةٌ بما
قدّمتهُ لي وأعملُ بجدٍّ تقديرًا لما فعلته، أو أعمل دون إمتنان وبلا مبالاة
لأنني تلقّيْت ميراثي؟ وهل إن تماهلتُ في واجباتي ولم أستثمر ميراثي جيّدًا
سيضيع مني؟
آه، يا ربي، أنتَ "رؤوفٌ رحيم طويل الأناةِ كثير
الرحمة" وأنا أود أن أخدمك بكلِّ صدق وأمانة كما تُريد فساعدني بروحك القدّوس
أن أُتمم مقصدي ولك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
1- (المحتفل) مِن أجلِ الكنيسة والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ على إسمَك القدّوس، كَي يَكونوا كامِلينَ بالعَطاءِ والخِدمةِ والمَحَبَّة، ساعِينَ لِبُنيانِ بَعضِهِم البَعض، مِثالاً للآخَرين، نسألك يا رَب.
2- أعطِنا أن نَلمُسَ ونُصَدِّقَ مَحَبَّتَكَ لنا، فَتنعَكِسَ إيجابًا على الآخَر، إذ ننظرَ إلَيهِ بِعَينِ الرَحمةِ والمحبَّةِ، فلا نُعَيِّرُهُ بَل نَقبَلُهُ ونَنتَظِرُ عَودتَه إلى الجماعةِ، بالصلاةِ والصَوم، نسألكَ يا رب.
3- أعطِنا أن نَثِقَ بِأُبُوَّتِك الدائِمة الَّتي لا تتغيَّر، فَنَعرفَ ونُؤمنَ بِأنَّنا مَهما إبتَعَدنا، ومَهما بَلَغَت عُمقُ آثامِنا، سَنبقى دَومًا أبناءً لكَ، ولنا مَكانٌ مَحفوظٌ في حِضنِكَ، لِنَعودَ ونَرتَميَ فيهِ متى شَعَرنا بالحاجةِ، نسألك يا رب.
4- نَضَعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً ذَوي الأمراضِ المُستَعصِيَة والمُميتة، كُن لَهُم العَزاءَ وإمنَحهُم الرَجاءَ والأمَلَ بالشِفاء، فلا يَستَسلِموا، وإزرعِ الحُبَّ والرَأفة بِمَن يُحيطُهم، فَيُعامِلوهم بِصَبرٍ وتَضحيَةٍ وتَفَهُّم، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) نَضَعُ أمامكَ كلَّ مَنِ إنتَقَلَ مِن هذه الحَياة، لا تَنظُر إلى عددِ المرَّاتِ الَّتي إنشَطروا بِها عَنك، بل أنظُر إلى أُبُوَّتِكَ الدائمة، وإلى رَحمَتِكَ وحنانِكَ ومحبَّتِك الَّتي تَقبَلُ عَودَةَ كلِّ إنسانٍ، لِتَكونَ له الحياةَ الأبديَّةَ، غافِرًا لنا ولهُ الخطايا والزلاّت.
صلاة شكر للقدّاس
منذُ البَدءِ خلَقتَنا،
وأحبَبتَ خليقتَكَ
نُهينُك، ونَبتَعدُ عنكَ
أو نَبقى معكَ مِن دونِ أن نَعرِفَكَ أو نُحبَّك،
فَتكونُ الإهانةُ أقوى
ولكنَّك تبقى دَومًا أبًا يَنتَظِرُ عَودَةَ إبنهِ
أبًا يَنتَظرُ أن يَعرفَهُ أبناؤُه ويُحبّوه،
فأرسَلتَ لنا إبنَك لِيَقومَ بِهذه المُهِمَّة،
فشكرًا لك على حنانِك وحبِّكَ اللامُتناهي لنا
شكرًا لكَ، مَع إبنكَ وروحِكَ القُدّوس، من الآن وإلى
الأبد، آمين.
|
الأيقونة
المقدّمة والصلاة مع المراجعة العامّة من إعداد
الخوري نسيم قسطون
أفكار من الرّسالة وأفكار على ضوء الإنجيل الخوري رولان معربس
التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon
نوايا وصلاة شكر للقدّاس |