|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الصوم
|
|
::: مدخـل ::: |
• تحتفل الكنيسة المارونية بأحد
مدخل الصوم المبارك على أنه مسيرة سفر على مثال سفر الشعب اليهودي في صحراء سيناء
حتى تصل إلى أرض الميعاد، أحد القيامة المجيدة.
• يعطي القديس بولس من خلال رسالته إلى أهل رومة بعض
النصائح العملية التي تساعد المؤمن على عيش الصوم بحسب معناه الحقيقي.
• ويبدأ زمن الصوم بمشهد عرس قانا الجليل الذي فيه
سيُظهر يسوع مجده ويُعلن بدء ساعته ونشر ملكوت الله.
• تدعونا الكنيسة اليوم لنتشجع ونقوم بهذه الرحلة مع
الرب طالبين منه نعمة التوبة الصادقة.
|
::: صــلاة ::: |
نشكرك يا رب لأنك تعطينا دائمًا
المعنى الحقيقي لحياتنا ونحقّق بالتالي دعوتنا التي خُلِقنا من أجلها.
نسألك أن تبارك عائلاتنا التي بدأت تفقد الفرح في
كيانها بشفاعة والدتك، أم العائلة، لكي تسعى أن تحافظ على حياتها كأنها دائمًا في
يوم العرس فتقول مع الملك سليمان: "كما أن الشمس هي فرح من يطلبون النهار، كذلك
فرحي هو الرّب"، آمين.
|
::: الرســالة ::: |
14 وإِنِّي عَالِمٌ ووَاثِقٌ،
في الرَّبِّ يَسُوع، أَنْ لا شَيءَ نَجِسٌ في ذَاتِهِ، إِلاَّ لِمَنْ
يَحْسَبُهُ نَجِسًا، فَلَهُ يَكُونُ نَجِسًا.
15 فإِنْ كُنْتَ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ تُحْزِنُ
أَخَاك، فَلا تَكُونُ سَالِكًا في الـمَحَبَّة. فَلا تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ
ذَاكَ الَّذي مَاتَ الـمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ!
16 إِذًا فَلا تَسْمَحُوا بَأَنْ يَصِيرَ
الـخَيْرُ فيكُم سَبَبًا للتَجْدِيف.
17 فَلَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا،
بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس.
18 فَمَنْ يَخْدُمُ الـمَسِيحَ هـكَذَا فهوَ
مَرْضِيٌّ لَدَى الله، ومَقْبُولٌ لَدَى النَّاس.
19 فَلْنَسْعَ إِذًا إِلَى مَا هوَ لِلسَلام، ومَا
هُوَ لِبُنْيَانِ بَعْضِنَا بَعْضًا.
20 فَلا تَنْقُضْ عَمَلَ اللهِ مِنْ أَجْلِ
الطَّعَام؛ لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ طَاهِر، ولـكِنَّهُ يَنْقَلِبُ شَرًّا عَلى
الإِنْسَانِ الَّذي يَأْكُلُ وَيَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيه.
21 فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ لا تَأْكُلَ لَحْمًا، ولا
تَشْرَبَ خَمْرًا، ولا تَتَنَاوَلَ شَيئًا يَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيك.
22 وإحْتَفِظْ بِرأْيِكَ لِنَفْسِكَ أَمَامَ الله.
وطُوبَى لِمَنْ لا يَدِينُ نَفْسَهُ في مَا يُقَرِّرُهُ!
23 أَمَّا الـمُرْتَابُ في قَرَارِهِ، فَإِنْ
أَكَلَ يُدَان، لأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ صَادِرٍ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَان. وكُلُّ
عَمَلٍ لا يَصْدُرُ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَانٍ فَهُوَ خَطِيئَة.
(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 14 – الآيات 14 إلى 23)
|
::: أفــكار من الرسالة ::: |
زمن طقسي جديد يطلّ علينا هذه
السنة، تكثر فيه التقويات الشعبية والرياضات الروحية ورتب التوبة حتى يُختتم
بعيد الأعياد، عيد قيامة الرب يسوع من بين الأموات.
ومع الأحد الأول من زمن الصوم تضع الكنيسة مقطعًا
من رسالة القديس بولس لأهل رومة، يعطي من خلالها إرشادات عملية تساعدنا لعيش
زمن الصوم بطريقة فعّالة ومثمرة.
1- يشدّد مار بولس على الوعي بأنّ الرب هو مرجعية كل شيء، هو الهدف والمحور. كما أنّ موضوع النجاسة هو ليس من الله بحيث يؤكّد سفر يشوع بن سيراخ أنّ "جَميعَ أَعْمالِ الرَّبِّ صالِحة..." (يش9/33) وبالتالي فإنّ لا شيء نجس بحد ذاته. من هنا، يحذّر القديس بولس، وخاصّةً بما يتعلّق بالطعام، أنّ مرجعية النجاسة هي ليست من الله ولكن من نظرة الإنسان تجاه الأشياء بحيث يلفت نظر مسيحيّي رومة بأنّ ملكوت الله ليس بالإمتناع فقط عن الطعام الذي هو ثانوي مقابل عيش السلام مع القريب. لننتبه إذًا أنّه عندما نبدأ بإدانة الأشخاص بما يتعلّق بصومهم، نصبح نحن المحور وليس الله.
2- الصوم عن الطعام هو تعبيرعن
الحب وعن الرغبة في التمثّل بالحبيب. لذا يحذّر مار بولس من الشكوك التي تساور
الإنسان في صومه: هل سيحكم الله عليّ إن لم أصم؟ هل أصوم لأنني خائف من ردة فعل
الله تجاهي؟
يقول مار بولس بطريقة غير مباشرة أن الحكم هو ليس
بسبب تناول الطعام أو الامتناع عنه ولكن هو يعود إلى طريقة العيش مع الله،
العيش بالحب وليس العيش بالخوف.
يقول أيضاً سفر يشوع بن سيراخ أنّ رأس الحكمة
مخافة الله (يش1/16) وليس الخوف من الله. فمخافة الله تعني الإعتراف أنّ الرب
هو الألف والياء، البداية والنهاية ومن يعي هذه الموهبة ويعيش في ظلها يستحق أن
يقال له على لسان القديس بولس "طوبى لمن لا يحكم على نفسه في ما سيقررّه"
(روم14/22) لأنّ الله سيكون عاملاً فيه.
3- يقول بعض اللاهوتيين أن زمن
الصوم يُرجع الإنسان إلى حالته الأولى في جنّة عدن حيث كان يعيش مع الله، يسمع
صوته، يترافق معه، ... ولكنّ الخطيئة وقفت عائقًا أمام هذه العلاقة بحيث أصبح
الإنسان يختبأ من الله، يقتل أخاه، ويعيش في التعب والألم.
ينبِّهنا القديس بولس على أنّ ملكوت الله هو برٌّ
وسلامٌ وفرح. فالرجل البار هو الذي يعاين الله مهما كانت العوائق. وصانع السلام
هو الذي يضحّي بنفسه حتى الموت في سبيل أخيه. والإنسان الفرح هو الذي يقرن
التعب والمشقات بصليب المسيح فيصالح في نفسه الفرح بالألم. فإذًا الصوم هو بناء
ملكوت الله الذي لا يرتكز على الإمتناع عن الطعام والشراب بل على عيش البرّ
والسلام والفرح بنعمة الروح القدس.
في الختام، وكما قاد الروح القدس يسوع إلى البرية
ليحارب الشرير وتجاربه، لنترك سفينة حياتنا بقيادة الروح القدس الذي سيقودنا
بنفسه إلى الميناء الأمين فيصبح صومنا "على صورة المسيح مرضيّ عند الله ومكرّم
لدى الناس" (روم14/18).
|
::: الإنجيـل ::: |
1 وفي اليَوْمِ الثَّالِث،
كَانَ عُرْسٌ في قَانَا الـجَلِيل، وكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاك.
2 ودُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إِلى
العُرْس.
3 ونَفَدَ الـخَمْر، فَقَالَتْ لِيَسُوعَ أُمُّهُ:
"لَيْسَ لَدَيْهِم خَمْر".
4 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "مَا لِي ولَكِ، يَا
إمْرَأَة؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْد!".
5 فقَالَتْ أُمُّهُ لِلْخَدَم: "مَهْمَا يَقُلْ
لَكُم فَإفْعَلُوه!".
6 وكَانَ هُنَاكَ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حَجَر،
مُعَدَّةٌ لِتَطْهيِر اليَهُود، يَسَعُ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ ثَمَانِينَ إِلى
مِئَةٍ وعِشْرينَ لِترًا،
7 فقَالَ يَسُوعُ لِلْخَدَم: "إِملأُوا
الأَجْرَانَ مَاءً". فَمَلأُوهَا إِلى فَوْق.
8 قَالَ لَهُم: "إستقوا الآنَ، وقَدِّمُوا
لِرَئِيسِ الوَلِيمَة". فَقَدَّمُوا.
9 وذَاقَ الرَّئِيسُ الـمَاءَ، الَّذي صَارَ
خَمْرًا - وكانَ لا يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، والـخَدَمُ الَّذينَ إسْتَقَوا
يَعْلَمُون - فَدَعَا إِلَيْهِ العَرِيسَ
10 وقَالَ لَهُ: "كُلُّ إِنْسَانٍ يُقَدِّمُ
الـخَمْرَ الـجَيِّدَ أَوَّلاً، حَتَّى إِذَا سَكِرَ الـمَدعُوُّون، قَدَّمَ
الأَقَلَّ جُودَة، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ إِلى
الآن!".
11 تِلْكَ كَانَتْ أُولَى آيَاتِ يَسُوع،
صَنَعَهَا في قَانَا الـجَلِيل، فَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، وآمَنَ بِهِ تَلامِيذُهُ.
(إنجيل يوحنا - الفصل 2 – الآيات 1 إلى 11)
|
::: أفـــكار على ضوء الإنجيـل ::: |
يبدأ زمن الصوم بآية عرس قانا الجليل وليس بأعجوبة عرس قانا الجليل التي يتفرّد بها الإنجيلي يوحنا عن الأناجيل الإزائية. وقد إستعمل يوحنا هذه التسمية لأن كلمة "آية" هدفها تعليمي أكثر منها الإنبهار. لذا سيُعلِّمنا اليوم يوحنا الرسول 3 دروس أساسية لعيش زمن الصوم بحسب معناه الحقيقي.
1- يبدأ البابا فرنسيس في مطلع رسالته "فرح الإنجيل" بتذكيرنا بأهمية الفرح الذي يدعو إليه الكتاب المقدس والذي هو هدف خلق الإنسان: أن يكون فرحًا. ومن المعروف أنّ العرس من دون خمر هو إحتفال ناقص فالخمر هي رمز الفرح وشربها بكثرة يؤكّد فرح المدعوّين. لكن الخمر في قانا الجليل قد نفذت، يعني أن العرس أصبح مهدّدًا بالفشل. هذا العرس يشبه العديد من محطات حياتنا التي تحمل فرحًا زمنيًّا مؤقتًا ينتهي مع مرور الوقت. لكن يسوع أراد أن يرفع هذا العرس الأرضي ويجعل منه عرسًا سماويًّا لا ينتهي فحقق الآية التي سيؤكد عليها لاحقًا بموته على الصليب. بإختصار، يسوع هو الوحيد الذي إستطاع أن يعطي هذا العرس المعنى الحقيقي. فكيف بالأحرى صومي، أنا المسيحي الذي مات المسيح لأجله؟ فإذًا الصوم يفقد معناه من دون اللقاء الشخصي مع يسوع والإعتراف به أنه هو مصدر كل فرح.
2- كل تلميذ ليسوع هو بحاجة إلى
معلّم روحي يكون له مرجعًا صحيحًا، يساعده بالوصول إلى اللقاء الحقيقي بالرّب.
وكلما كانت خبرة هذا المعلّم كبيرة، كلما أصبح مصدر ثقة أكبر. في عرس قانا الجليل
كانت مريم هذا المعلّم والمرجع لأنها الوحيدة التي كانت قد إختبرت هذه العلاقة
الحميمية مع يسوع منذ البشارة إلى بلوغه. فهي إستطاعت أن تفهم الخلل الموجود في هذا
العرس فطلبت من إبنها النعمة اللازمة.
كل إنسان هو معرّض للتجربة، للنقص في الحنان، للشعور
بأنه غير محبوب ... في المقابل، أعطى يسوع للبشرية أمّه، المثال الأعلى في الأمومة
لترافقها في طريقها نحوه، فيصبح بالتالي دور مريم أساسي في مسيرة الصوم من خلال
تلاوة مسبحتها وطلب شفاعتها، فهي كما يقول القديس برنردس: "النجم الساهر الذي يدلّ
المسافرين إلى الوجهة الصحيحة".
3- تظهر كلمة "الساعة" بطريقة
متكررة في إنجيل القديس يوحنا. إنها ساعة المجد، مجده الذي تجلّى على الصليب.
بالمقابل، عالم اليوم هو عالم مليء بالأمجاد الكاذبة التي تغري الإنسان وتقنعه أنها
الأساس في نضجه الإنساني والإجتماعي. كم من المرات نسعى أن نصنع مجدنا لكي نهيب
الناس؟! أو كم من المرات نقوم بالمستحيل كي نلفت نظر الناس ونستقطب الأنظار؟! في كل
هذا العرس، لم يستقطب شيئًا الأنظار إلا يسوع. لم يتم ذكر أي شيء من مكونات العرس:
لا الزينة، لا الثياب، ولا حتى العريسين. إنها ساعة يسوع التي تبقى أساس كل فرح.
ويبقى السؤال، إذا كنتُ من الأشخاص الذين يبنون مجدهم على هذا العالم، حتى متى سأظل
محافظًا عليه؟ لندرك إذًا أنّه لن يوجد مجد ثابت أبدي إلا مجد الله.
لنسعى إذًا أن نعيش هذا الزمن كعرسٍ روحي أكثر منه
مادي، نترجى من خلاله العرس السماوي الذي سيشاركنا الله فيه وليمته مع جوق
القديسين، مساهمين في "ورشة" بناء ملكوت الله وإظهار مجد يسوع بشفاعة أمه العذراء،
آمين.
|
::: تـــــأمـــل روحي ::: |
لمسة حياة
المدعويّن أتوا: أهل، أصدقاء، رئيس متّكأ... حاضرون تحلّقوا حول مائدة العرس يتبادلون أجمل لحظات الفرح ويشهدون على تفتّح غرسة حبٍ جديدة في جوٍّ من السعادة الغامرة. لكنّ شيئًا ما حدث، لم يكن في الحسبان، ولم يكن مُعَدًّا كما يجب لأجل إكتمال الفرح، بدأ يسلب العرس جماله وفرحه: "لم يبقى عندهم من خمر!". يجب أن يحدث شيءٌ ما كي لا تنكشف "عورة" المضيف في قلة إداركه لحجم الفضيحة التي تنتظره بسبب عدم تأمينه الكمية الكافية من الخمر سيّد ولائم الأعراس، يجب أن تُردم الهوّة قبل فوات الأوان، لكن من سيردمها؟ مريم كانت هناك، حاضرة بكلّ كيانها، بحنانها، بإنتباهها بقلقها الإيجابيّ وبسرّيّة تامّة، وضعت يسوع في صورة ما يحدث ثمّ حرّكت من الداخل "العاملين في الحقل"، وصُنِعت الآية.
الخمر مفقود
عمليًّا، كان لا بدّ من حدوث هذه الآية كي يكتمل العرس
ويعمّ الفرح في قلب كلّ من حضر. هذا العرس هو عرس الإنسانية- العروس المدعوّة إلى
دخول بيت الحبيب والإقامة معه إلى الأبد. هو عرس كلّ واحد منّا، لكنّه غالبًا ما
يكون خاليًا من الخمرة الجيّدة الّتي لا يعطيها إلاّ الآب، فإلى أيّ خمرةٍ نفتقد؟
من الصعب أن نجد الجواب، فالرحلة للكشف عن المفقود
ليست سهلة، إنّها تتطلّب الغوص في عمق أعماق القلب، مسبوقةً بقرارٍ مسؤول، يبدأ
بالتواضع وقبول حقيقة ما سنجده بعيدًا عن الخوف وهوى النفس، فما هي تلك الخمرة
المفقودة؟ هل هي الصدق وقولنا الحقيقة؟ هل هي الفضائل: الإيمان والرجاء والمحبّة؟
هل هي الرأفة والرحمة؟ هل هي إحترام الّذات والآخر بدل الغيرة منه ورفضه أو رفض
الذات؟ هل هي فعل الخير بعيدًا عن حبّ الظهور؟ هل هي المسامحة وعدم الشكّ والحكم
على الآخر؟ هل هي صدقي وأمانتي لله وللآخر؟ هل هي ثمار الروح: المحبة الفرح السلام،
اللطف وطول الأناة الصلاح، الإيمان الوداعة...؟
ما هي الخمرة الّتي نفتقدها في عرس حياتنا مع الله؟ ما
هي تلك الخمرة الفريدة لِفَرحِنا الحقيقي؟ لا جواب سوى بالغوص في خوابي النفس بحثًا
عنها متأمّلين متبصّرين إلى أن نجدها، فالله يرغب في تحويل ماء خوابينا إلى خمرةٍ
طيبة، وهو وحده القادر إن يملأ ما نقص منّا به، حتى إذا ما إمتلأنا أفضنا فرحًا.
لنثق به كما وثقت مريم ولنؤمن بأنّ الله "يفعل".
مريم والخدم
بثقتها بالله، إختبرت مريم بالملء عظمة أن تكون "أمة
للرّب" الّذي جعلها أمًا لإبنه. لذلك لم تضنّ على أحدٍ بما عاشته فذهبت إلى الخدم
وأرشدتهم إلى يسوع كي يتعرّفوا إلى مفهوم الخدمة الجديد، خدمة الكلمة. أطاعوه، ملؤا
الأجران، إستقبلوا سرّ صلاته الصامت بإيمان، ثمّ إستقوا من الماء خمرًا ووزّعوها
على المدعوين. بإصغائهم وثقتهم ومشاركتهم فاض الفرح فرَحَيْن وأكثر، وتحوّل من
مجرّد زغاريدٍ إلى عيدٍ لم يفهم سرّه سوى من حضر وشارك يسوع في العمل.
أليست سعادة لنا أن نخدم الله في إخوتنا؟ أن نملأ
خوابي حياتنا بماء الكلمة، ألا يعني ذلك أن الله يضع فينا بوفرة حياةً جديدة ً
"حسنة" ويُغنينا بحبّه، وكأنّه يخلق فينا جوهرة الرسالة بفعلين: نمتلىء بالكلمة ثمّ
نحملها إلى العالم ("ناولوا رئيس الوليمة")، نحمل حقيقة الله بذاته لِتولَد طفلَ
فرحٍ وإيمانٍ في قلب البشرية، عند ذاك ننطلق "الآن" وليس في الغد، إلى العمل كي لا
تَستنفذ إنشغالاتنا الماء قبل أن يصبح خمرًا فتضْحي أرضنا جافة قاحلة لا حياة فيها
كالصحراء المجدبة؟
فأظهر مجده
إن الله قائمٌ فينا، ويسوع الكلمة
يلامس في باطننا أكثر ما هو حميمٌ من كياننا المتخفّي، من حقيقتنا الّتي كثيرًا ما
نخجل من تبيانها. يضع الإصبع على جرح فقرنا وعرينا، ويرفع بيده تلك الأجزاء الّتي
بدأ اليباس يأخذ منها، ثمّ، وبكلّ حنانٍ وصمتٍ عميق، يحوّل ما تبقّى من قطرات ماء
في قعر جرّتنا إلى حياةٍ مستنيرةٍ لأنّه هناك هو بكلّ مجده، وهناك يتألّق حضوره
المشرق في ثمار ما حوّله داخلنا.
اليوم كلنا مدعوين للغوص في قدسية إدراكنا، هناك تسكن
النعمة، هناك يحدث التحول، هناك تُحِّولنا لمسة الحياة مع المسيح.
|
::: تـــــأمـــل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... إستوقفتني
الجملة التي كتبها القديس بولس في رسالته إلى أهل روما: "كُلُّ عَمَلٍ لا
يَصْدُرُ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَانٍ فَهُوَ خَطِيئَة"، فأنا كثيرًا ما سألت نفسي:
"ما هي الخطيئة؟"، ولعل الجواب الّذي كان بفكري هو: "كلُّ عملٍ أو فكرٍ يصدر من
الإنسان ليس بحسب كلام الله" أي "عدم طاعة كلمتك". والآن أُدرك بأنك إله عادل
وتركت الإنسان يُدين نفسه بنفسه بحسب إيمانه، فإن تصرّف بغير ما يؤمن به
أُدينْ.
ربّي وإلهي ... "بماذا وبمَن أؤمن؟"، آه، يا له من
سؤال أُدين بإجابته نفسي إن قلتُ إنني أؤمن بك في حين أعمالي تُخالف المبادئ
التي وضعتها في قلبي بإيماني بالرّب يسوع "الكلمة".
ربّي وإلهي ... إرحمني، فأنا ركضت خلف أمورًا
ماديّة تُدخل الفرح لقلبي ولم يخطر ببالي بأنها ستنفد في يومٍ من الأيام. نسيتُ
بأن كل شيءٍ يزول ما عدا كلمتك وعطاياك، نسيتُ بأني من دونك أرضي مقفرة خربة
مُعتمة لا حياة فيها، فتعال وأخلقني من جديد وأحْيِني. تعال وإحتضنّي بروحك
القدّوس وأمطر عليَّ الماء المُحْيِ فيمتلئ قلبي بـ"قوة محبتك" ثم دعني آكل من
شجرة معرفة الخير والشر فأتعلّم الحق وأؤمن بأني وإن أخطأت ومتُّ فإن ثمر شجرة
الحياة التي غرزتها أيضًا يداك في قلبي سيُخلِّصني ويُحْييني. دع روحك القدّوس
يحث ضميري على العمل الصالح الّذي يُفرحك ويُفرح الإنسان الآخر فأنْعَم بالفرح
والسلام، ولك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نوايا وصلاة شكر للقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
1- (المحتفل) في أحد مدخلِ الصّوم، نُصَلِّي من أجلِ الكنيسة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يَعيشوا الصَّومَ بِروحانيَّتِهِ، ويَنقُلوا مَفاهيمَه إلى أبناءِ رعاياهُم، نسألك يا رَب.
2- نصلّي من أجلِ المرأةِ في العالمِ كلِّه، كَي تَثِقَ بِمَواهِبِها، وبالقُدُراتِ الّتي أفاضَها المسيحُ علَيها، فتَعيَ أنَّها لَيسَت سِلعةً لإثارةِ الغرائز، بَل تقتدي بمريم العذراء الّتي تجسّد منها المسيحُ واعتبرها نموذج المرأة بعد أن ناداها: "يا امرأة"، في عرس قانا الجليل،نسألك يا رب.
3- رافِقنا في مسيرةِ صَومِنا، فيَرتَكزَ، أوَّلاً وآخِرًا، على السَّعي إلى السَّلامِ والبرِّ وعملِ الخَيرِ، فلا نكونَ سَببَ شَكٍّ للآخَرِ، بل سبَبًا لِنَبني بَعضُنا بَعضًا، نسألك يا رب.
4- نضعُ أمامكَ جميعَ المَرضَى، وخاصَّةً ذَوي الأمراضِ المُستَعصِيَة والمُميتَة، كُن لَهُم الشِّفاء، فَما مِن شَيءٍ مُستَحيلٍ لَدَيكَ، و لَيِّن قلوبَ الّذينَ يَخدِمونَهُم، فَيُعامِلوهُم بِصَبرٍ وحنان، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) نذكرُ أمامَك الّذينَ ترَكوا هذه الحياة، مُستَعدِّينَ كانوا أو غَيرَ مُستَعدّين، إملأ أجرانَهُم الفارِغة بِدَمِكَ المَسفوكِ على الصَّليب، فيَدخلوا العُرسَ الّذي لا يَنتَهي، وامنَحِ العزاءَ لِمَن يَفتقِدَهُم، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.
صلاة شكر للقدّاس
سَمِعتَ صَوتَ استِغاثَةِ الإنسان،
ومِن فَيضِ حُبِّكَ له، أخلَيتَ ذاتَكَ
لِتَبدأ مَشروعًا خَلاصِيًّا عظيمًا يَشملُ الخليقةَ
كُلِّها،
ولمَّا رأيتَ أنَّهُ بِحاجةٍ لكَ أيضًا في التَّفاصيلِ
الصَّغيرةِ مِن أمورِ حياتِه اليَوميَّة،
أشفَقتَ علَيهِ، ولم تترُكهُ، مُستَخِفًّا
بِمادّيَّتِه،
بل سَترتَ عَيبَهُ، وملأتَ أجاجينَهُ،
رافَقتَه، وكمَّلتَ فَرحتَهُ،
ولا زِلتَ معه في القُربانِ لِتُلهِمَهُ وتُرشِدَهُ،
وتَرعى أمورَهُ،
فالشكر والحَمدُ والسجودُ، لك، ولأبيكَ، ولِروحِكَ
القُدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة من إعداد
الخوري نسيم قسطون
أفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل
الشدياق ربيع عون
التأمّل الروحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا وصلاة شكر للقدّاس madeleinedib@hotmail.com |