الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن العنصرة

 

أحد العنصرة
حلول الروح القدس على الرسل

(24 أيّار 2015)

 

 

In order to better view this page, kindly install the following fonts:
 AAR - AAI - AAB - AABI

::: مـدخل :::

• في غَمر الفرحَة بالقِيامَة، ها نحن ندخل في زَمَنِ العَنصَرَة، الذي فيهِ نَذكُرُ حُلول الرُّوح القُدُس على الكَنيسَة، بِدءً من الرُّسُل وُصولاً إلى كُل مَن يَنتَمِي إلى هذا الجَسَد السرّي...
• في نَصّ أعمال الرُّسُل، يُظهِر الكاتِب مَوقِفَين: الأوَّل هُوَ دَهشَة الرِّجال المُؤمِنين الذينَ لَم يَفهَموا وَإنتَظَروا عِظَةَ بُطرُس، فَكانَت قُلوبُهُم مَفتوحَة للكِرازَة التي أدخَلَت إلى قُلوبِهِم فَرَحَ القِيامَة؛ الثّاني هُوَ السُّخرِيَة إذ كانَ تَنَوُّع اللُّغات على ألسِنَةِ الرُّسُل سَببًا للتَّهَكُّم...
• في الإنجِيل تَشديد على مَعرِفَة الله في المَحَبَّة، وَبُلوغ المَحَبَّة في حِفظِ الوَصايا، وَحِفظ الوَصايا بِهَدي وقُوّة الرُّوح القُدُس...
• فَما هُوَ المَوقِف الذي يَدعونا إلَيه الرّب في هذا العِيد؟ إنَّ الكَنيسَة تَضَعُ أمامَنا اليَوم رُتبَة من خِلالِها نسجد لله الواحِد بالرُّوح والحَق... فَإنْ لَمْ نَكُن من أولائِكَ الحاضِرينَ الأتْقِياء الذينَ تَكَلَّمَ عَنهُم نَصّ أعمال الرُّسُل فَأيُّ سُجودٍ نَسجُد؟ 

::: صـلاة :::

هَلُمَّ يا أبا المَساكين...
نحنُ بِحاجَةٍ لحُضُورِكَ... نَشعُرُ بِأنَّنَا مَحبوبونَ إن حَلَلتَ فينا، فَتَعالَ إلى قُلوبِنا.
نَحنُ بِحاجَةٍ لِقُوَّتِكَ... نَشْعُرُ بِأنَّنا قادِرون إنْ حَلَلْتَ فينا، فَتَعالَ إلى عُقولِنا.
نَحنُ بِحاجَةٍ إلى فَرَحِكَ... نَشْعُرُ بِالغِبطَةِ إنْ حَلَلْتَ فينا، فَإملأ نُفوسَنا بِحُبِّكَ.
لَكَ المَجدُ مَعَ الآب مُعطيك، والإبنِ مُرسِلِكَ إلى الأبَد. آمين.

::: الرسالة :::

1 وفي تَمَامِ اليَوْمِ الـخَمْسِين، كَانُوا كُلُّهُم مَعًا في مَكَانٍ وَاحِد.
2 فَحَدَثَ بَغْتَةً دَوِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ دَوِيُّ رِيحٍ عَاصِفَة، ومَلأَ كُلَّ البَيْتِ حَيثُ كانُوا جَالِسين.
3 وظَهَرَتْ لَهُم أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَار، وإسْتَقَرَّ عَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم لِسَان.
4 وإمْتَلأُوا كُلُّهُم مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وبَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى، كَمَا كَانَ الرُّوحُ يُؤْتِيهِم أَنْ يَنْطِقُوا.
5 وكَانَ يُقيمُ في أُورَشَلِيمَ يَهُود، رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاء.
6 فَلَمَّا حَدَثَ ذلِكَ الصَّوت، إحْتَشَدَ الـجَمْعُ وأَخَذَتْهُمُ الـحَيْرَة، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم كَانَ يَسْمَعُهُم يَتَكَلَّمُونَ بلُغَتِهِ.
7 فَدَهِشُوا وتَعَجَّبُوا وقَالُوا: "أَلَيْسَ هـؤُلاءِ الـمُتَكَلِّمُونَ جَمِيعُهُم جَلِيلِيِّين؟
8 فَكَيْفَ يَسْمَعُهُم كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِـاللُّغَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟
9 ونَحْنُ فَرْتِيُّون، ومَادِيُّون، وعَيْلامِيُّون، وسُكَّانُ مَا بَينَ النَّهْرَيْن، واليَهُودِيَّة، وكَبَّدُوكِيَة، وبُنْطُس، وآسِيَا،
10 وفِرِيْجِيَة، وبَمْفِيلِيَة، ومِصْر، ونَوَاحِي لِيبيَةَ القَريبَةِ مِنْ قَيْرَوَان، ورُومَانِيُّونَ نُزَلاء،
11 يَهُودٌ ومُهْتَدُون، وكْرِيتِيُّون، وعَرَب، نَسْمَعُهُم يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا عَنْ أَعْمَالِ اللهِ العَظِيمَة".
12 وكَانُوا كُلُّهُم مَدْهُوشِينَ حَائِرينَ يَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "مَا مَعْنَى هـذَا؟".
13 لـكِنَّ آخَرِينَ كَانُوا يَقُولُونَ سَاخِرين: "إِنَّهُم قَدِ إمْتَلأُوا سُلافَة!".
14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَر، ورَفَعَ صَوْتَهُ وخَاطَبَهُم قَائِلاً: "أَيُّهَا الرِّجَالُ اليَهُود، ويَا جَمِيعَ الـمُقِيمِينَ في أُورَشَلِيم، لِيَكُنْ هـذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُم، وأَصْغُوا إِلى كَلامِي.
15 لا، لَيْسَ هـؤُلاءِ بِسُكَارَى، كَمَا تَظُنُّون. فَـالسَّاعَةُ هِيَ التَّاسِعَةُ صَبَاحًا.
16 بَلْ هـذَا هُوَ مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيّ:
17 ويَكُونُ في الأَيَّامِ الأَخِيرَة، يَقُولُ الله، أَنِّي أُفِيضُ مِنْ رُوحِي عَلى كُلِّ بَشَر، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُم وبَنَاتُكُم، ويَرَى شُبَّانُكُم رُؤًى، ويَحْلُمُ شُيُوخُكُم أَحْلامًا.
18 وعَلى عَبِيدي وإِمَائِي أَيْضًا أُفِيضُ مِنْ رُوحِي في تِلْكَ الأَيَّامِ فيَتَنبَّأُون.
19 وأَعْمَلُ عَجَائِبَ في السَّمَاءِ مِنْ فَوْق، وآيَاتٍ عَلى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَل، دَمًا ونَارًا وأَعْمِدَةً مِنْ دُخَان.
20 وتَنْقَلِبُ الشَّمْسُ ظَلامًا والقَمَرُ دَمًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الرَّبّ، اليَوْمُ العَظِيمُ الـمَجِيد.
21 فَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِـإسْمِ الرَّبِّ يَخْلُص.

(أعمال الرسل – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 21)

::: أفكار من وحي الرسالة  :::

يُخبِرنا هذا النَّص من أعمال الرُّسُل عَن تَمام اليَوم الخَمسين بَعدَ الفِصح، وَهوَ عيدٌ يَهودِيٌّ فيهِ يَحُجُّ اليَهود إلى أورشَليم... في ذلك الفِصح قامَ يَسوع من المَوت، وَصارَ تَمام اليَوم الخَمسين يَحمِل مُناسَبَتَين:
- العَنصَرَة اليَهودِيَّة التي فيها يَجتَمِع الحُجَّاج لِيُؤَدُّوا فَريضَتَهُم الدّينيَّة،
- وَعَنصَرَة الرُّسُل حَيثُ نالوا الرُّوح القُدُس كَمَا وَعَدَهُم يَسوع قَبلَ صُعودِهِ إلى السَّماء...
في هذا النَّص إلتَقَت العَنصَرَتان، وَمِن هذا اللقاء ظَهَرَ مَوقِفان:
- "وَكانَ يُقيمُ في أورشَليم يَهود، رِجالٌ أتْقِيَاء من كُلِّ أُمَّةٍ تَحتَ السَّماء": إجتَمَعوا لِيُؤَدُّوا "الواجِب" تجاهَ الله، والدَّافِعُ الوَحيد هُوَ التَّقوَى، لِذلِكَ كانَت قُلوبُهُم مُتَعَطِّشَة لِكَلِمَةِ رَجاءٍ تُظهِرُ لَهُم أنَّ مَوتَهُم لَنْ يَدومَ، وَأنَّ اللهَ حَيٌّ باقٍ مَعَهُم مَدَى الدُّهور.
- "لَكِنَّ آخَرينَ كانوا يَقولونَ ساخِرِين: "إنَّهُم قَدِ إمْتَلأوا سُلافَة": لَم يَقدِروا أن يَفهَموا العَلامَة التي ظَهَرَت أمامَ أعيُنِهِم، إذ كانوا قادِرينَ أنْ يَفهَموا الكَلِمَةَ وَيَزرعوها في قُلوبِهِم بِلُغَتِهِم، فكانَت ظاهِرَة تَكَلُّم الرُّسُل باللُّغات مَوضِع سُخرِيَة: المُتَكَلِّمونَ قَدْ سَكِرُوا!
ونحن، ما هُوَ مَوقِفنا، إن سَمِعنَا كَلِمَةَ المَحَبَّة المُتَجَلِّيَة بِإعْلان المَسيح المائِت وَالقائِم مِنَ المَوت رَبًّا وَمُخَلِّصًا شَخصِيًّا لَنا؟
- أيَكونُ مَوقِف المُتَعَطِّش على مِثال الرِّجال الأتْقِياء الذينَ إسْتَطاعوا بِشَوْقِهِمْ أنْ يَقرَأوا عَلامات الرُّوح وَيَقبَلوا الكَلِمَة بِفَرَح؟
أو مَوقِف الذي ناقَشَ العَلامَة بِحَدِّ ذاتِها وَتَوَقَّفَ عِنْدَها دُونَ الغضوْضِ فِي مَعْناها، وَدونَ السَّماحِ لِفَرَحِ القِيامَةِ مِنَ الدُّخولِ إلَيْه؟

::: الإنجيـل :::

14 إِنْ تُحِبُّونِي تَحْفَظُوا وَصَايَاي.
15 وأَنَا أَسْأَلُ الآبَ فَيُعْطِيكُم بَرَقلِيطًا آخَرَ مُؤَيِّدًا يَكُونُ مَعَكُم إِلى الأَبَد.
16 هُوَ رُوحُ الـحَقِّ الَّذي لا يَقْدِرُ العَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاه، ولا يَعْرِفُهُ. أَمَّا أَنْتُم فَتَعْرِفُونَهُ، لأَنَّهُ مُقيمٌ عِنْدَكُم، وهُوَ فِيكُم.
17 لَنْ أَتْرُكَكُم يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُم.
18 عَمَّا قَلِيلٍ لَنْ يَرانِيَ العَالَم، أَمَّا أَنْتُم فَتَرَونَنِي، لأَنِّي أَنَا حَيٌّ وأَنْتُم سَتَحْيَون.
19 في ذلِكَ اليَومِ تَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا في أَبِي، وأَنْتُم فِيَّ، وأَنَا فيكُم.

(إنجيل يوحنا - الفصل 14 - الآيات 15 إلى 20)

::: أفكار من وحي الانجيل :::

في هذا النّص الذي تَضَعهُ الكَنِيسَة لِيُقرَأ على مَسامِعِنا في هذا الأحَد المُبارَك، نَجِدُ تَطبيقًا للَّذي طُرِحَ في الرِّسالَة: مَنْ هُم الذينَ يَقبَلونَ عَطِيَّةَ الرُّوح مُتَعَطِّشِينَ إلى فَرَح الكَلِمَة القائِم من المَوت؟ وَمَنْ هُم الذينَ يَرفُضونَها؟
- "هُوَ روحُ الحَقِّ الذي لا يَقْدِرُ العالَمَ أنْ يَقبَلَهُ، لأنَّهُ لا يَراه، ولا يَعرِفُهُ": العالم الذي إكتَفَى بِذاتِهِ، وَوَضَعَ مَعاييرَ حَياتِهِ بِذاتِهِ وَبَنَى حَياتَهُ بَعيدًا عَنِ الله، لَنْ يَكونَ جَماعَة المَساكين المُنتَظِرَةِ لِروحِ الله... لَنْ يَكونَ قادِرًا على قُبولِ المَوهِبَة لأنَّهُ لا يَراها في مُحيطِه، إذ يُرسِل الله الكَثير مِنَ العَلامات التي تُثبِت عَظَمَة العَطِيَّة! فَهوَ لَمْ يُعْطِنا ما لا يَهُمُّهُ، بَل أعْطانا أثمَنَ ما لَهُ: روحَهُ. لِذلِكَ، لَن يَقدِرَ العالَمُ على قُبولِ روحِ الحَقّ لأنَّهُ لا عَلاقَةَ لَهُ بالحَقّ. وَمَنْ لا يَقْبَلُ الحَقَّ بِأمانَةٍ وَضَمير، لا يُمْكِنْ أن يَكونَ لَهُ عَلاقَة بعطِيَّة الرُّوح التي هيَ حُضور الله في داخِلِهِ.
- "أمَّا أنْتُم فَتَعْرِفونَهُ، لأنَّهُ مُقيمٌ عِنْدَكُم، وَهوَ فيكُم": يَقول يَسوع ذلِكَ للرُّسُل لأنَّهُم تَذَوَّقوا الكَلِمَة وَأحَبُّوها. تَعَلَّقوا بِها فَكانوا الأرضَ الطَّيِّبَة التي جَعَلَت الكَلِمَة مُثمِرَةً فيهِم. لِذلِكَ يُؤَكِّد يَسوع أنَّ هذا الرُّوح هُوَ مُقِيمٌ عِنْدَهُم، وَساكِنٌ فيهِم، لأنَّ عَطِيَّةَ الحُب ليست مَفصولَة عَن المُحِبّ، فَمَنْ فيهِ الحُب لَهُ المُحِبّ، وَمَنْ لَهُ المُحِبّ فَهوَ هَيكَلٌ فيهِ يَسكُنُ روح الذي أحَبَّ مُنذُ البَدء.
ونحن:
- هَل نحنُ مِنَ العالَم الذي جَعَلَ مِن نَفسِهِ مِقياسًا لِنَفسِهِ فأقامَ بَعيدًا عنِ الله وَهوَ يَحيا من دونِهِ؟
- أم نحن نَعرِف المُحِبّ الذي أحَبَّنا مُنذُ البَدء، فَنَقْبَلَ حُبَّهُ لِنُصبِحَ سُكْنَى لِروحِهِ؟
نحنُ مَدعوونَ لِنَكونَ أولائك المَساكين الذينَ يَشْعُرونَ بِحاجَةٍ إلى أُبُوَّةِ الذي أرْسَلَ إبْنَهُ إلَيْنا لِيُحيينا وَيُخَلِّصَنا...

::: تـــــأمـــل روحي :::

أَنْتُم فِيَّ، وأَنَا فيكُم

عند الخلق كان "روح الله يرفرف على وجه المياه"، ويوم خلق الإنسان وضع فيه من روحه المحيي، فكانت له الحياة. ثم، وبعد مسيرة طويلة لقرونٍ من الخوف وعدم الثقة، ظهر روح الله بشكلٍ جديد على التلاميذِ في اليوم الخمسين بعد قيامة يسوع من بين الأموات، حلّ عليهم بشكل ألسنة من نار، ليثقوا بحب الله المتّقد لهم وليفهموا أنّه هو تجسُّدُ حبّ الله وإبنه. في تلك الليلة إمتلأوا منه قوّة حطّمت أبواب خوفهم الّذي سجنهم بين جدران العلّية، وفتحت قلوبهم على وعد "المعلّم" لهم ("لَنْ أَتْرُكَكُم يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُم"،آ:17) قبل صعوده إلى السماء، فإنطلقوا يسبّحون بفرح عظيم ويمجدون الله معلنين بشجاعة، قيامة يسوع من بين الأموات.

لأَنِّي أَنَا حَيٌّ

لأنّ الله حيٌّ فينا بروحه القدّوس، سكَنَت الإنسانية العالم.
لأنّه حيٌّ بإبنه تعمّد، بالإيمان، فكرنا المادّي الباحث عن الملموس، فتحوّل إلى ضميرٍ حيّ لا تغريه مطامع أرضية ولا رغبات آنية تحمل في ثناها الموت.
لأنّه حيّ، أنيرت ظلمة نفوسنا، فتبدّلت ملامح هويتنا البشرية المطبوعة "بالأنا" الحوّا-آدميّة، القاسية، المتحجّرة القلب والقاتلة لنعمة الحياة مع الخالق، فإستعادت بهاء وجه الله الّذي عليه جبَلَنا وعاد فعل روحه إلينا ليكون لنا الرفيق والمرشد والمعزّي والبلسم.

" أنتم ترونني"

رغم كل المآسي والحروب والإضطهادات المتنوعة حيث "لَنْ يَرانِيَ العَالَم"، هناك من يراني، هناك صوتٌ يصغي إليَّ لا يعرف الصمت ولا يقبل الإستسلام، إنّه صوت الّذين يرفضون إغتصاب الحق والدين والكرامة والحرية التي تعرف وتحترم حرية الآخرين، صوت الّذين يرفضون السيطرة والقمع والإستغلال المتنوّع الوجوه والأشكال. إنّه صوت الّذين لا صوت لهم، الصوت الّذي لا ينفك ينادي بحبّ الله اللامحدود لكلّ إنسان وكلّ الإنسان، في كلِّ آنٍ وأوان. هو الصوت الّذي يصرخ في الأعماق مناديًا برحمة ورأفة الإنسان لأخيه الإنسان. إنّه صوت الأم الّتي لا يغمض لها جفنٌ، ساهرةً على أبنائها الذين تتنازعهم ذئاب العالم الخائفة من ذاتها المظلمة أن تموت إن فقدت ما تظنّه غنيمة طمأنينة في سحق من يعيشون في النور وينعمون بالسلام. إنّها الكنيسة في جماعتها المؤمنة التي قال لها يسوع: "أنتم ترونني" (آ:18).

أَنْتُم تَعْرِفُونَني

إنّ الرب الإله ينادي كلاً منّا بإسمه ويدعوه ليخرج من سجون الخوف الّتي ما زالت تقيّدنا ونحن لا ندري. هو يعرف جبلتنا، ويدرك بأنّنا نفتقد الثقة بالنفس فنخاف الفشل ونظرة المجتمع لنا، نخاف تقدّم الآخر ونجاحه وإرتقائه، نخاف من رهافة شعورنا ونفوسنا الضعيفة بجراحاتها، فنبادر إلى الإستقواء وفرض الذّات حيث يجب أو لا، مستترين وراء ابتساماتٍ زائفة تخبّئ ألمًا عميقًا وحزنًا شديدًا غالبًا ما يقودنا إلى اليأس. هو يعرفنا أمّا نحن، فغالبًا ما نتهرّب من معرفة ذواتنا، ليس لأنّنا أشرارًا بل لأننا صدّقنا أنّنا أشقياء ورسمنا نفوسنا بصورة قبيحة، فتخاصمنا مع جمال ما فيها من نعمة الله، وتناسينا أنّنا نعرفه كي لا يُسائلني في اليوم الأخير.
إنّه يعرفها كلها هذه الأشياء، ولكن، ما لا يخطر ببالنا، أنّه ترك لنا روحه القدّوس، لا لأنّنا مميّزين لطفاء مترفّعين معصومين عن فعل الشر والخطيئة، بل لأنّه يدرك تمامًا مدى الصعوبة بين ما نرغب بفعله بقدرتنا الذّاتيّة وما نريد أن نكونه، وما نحن مدعويّن لفعله وما علينا أن نكونه. لذلك إن صمتنا وحاولنا الإصغاء إليه سوف نسمعه حتمًا يهمس في أذن كلٍّ منّا : "أنت تعرفني، لا تخف، أصبحت فيَّ وأنا فيك مذ كوّنت وحلّ روحي فيك، تشجّع، أنت تعرفني!".

::: تـــــأمـــل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... كثيرًا ما نتكلّم عن المحبة، وكلما تعرفتُ عليكَ أكثر كلما فهمتُ كم علينا أن نتعمّق بمفهوم المحبة فنعيشها لكي نُصبح على مثال ولو جزء بسيط من "الله محبة"، لكي نُصبح أنا الإنسان وأنت الإله واحد: أنا فيك وأنت فيَّ يُوحِّدنا الحب المتبادل بيننا والساكن في قلوبنا. ولعلّي الآن عرفت أنه لكي أُدرك المحبة القصوى بين طرفين عليَّ أن أنظر للمشاعر في أوقات الفرح والحزن لأعرف مقدار الشركة بالأحاسيس والعواطف فيما بينهما وبالتالي يمكن أن يُصبحا واحد. وعليه إن أردتُ أن أُقيّم حبّي للآخرين ووحدتي معهم فما عليّ سوى أن أطرح هذه الأسئلة على ذاتي: أستطيع أن أرى الحزن في قلوبهم ولكن لا أشعر أن الحزن في قلبي، كيف يمكن حقًّا أن أبكي معهم بدموع حقيقية وأشاركهم أحزانهم؟ أستطيع أن أرى "الحاجة"، ولكن لا أشعر جوعهم أو ألمهم، كيف يمكنني المساعدة بكل قوّتي؟ أنا أغار منهم، كيف يمكنني أن أفرح معهم؟ …
ربّي وإلهي ... أبي السماوي ... أنا أعرف "أنّي فيك"، بما عملت لخلاصنا لنكون معك، ولكن هل أنت في قلبي؟ هل أحزن عندما تحزن حين لا يُكرّم الناس أسمك القدّوس؟ هل أفرح حين ينشر الناس ملكوتك ويُعرّفون بإسمك للآخرين؟ ماذا عليَّ أن أعمل لأقول لك حقًّا "أنتَ فيَّ"؟ دمعة من القلب، إبتسامة، مسيرة وتجوال، نصيحة، مد يد المساعدة للآخرين...
ربّي وإلهي ... أرسل روحك القدّوس ليملأ قلبي نورًا ساطعًا: "محبة"، فيُصبح نور الشمس بالمقارنة مع هذا النور ظلام؛ ليُلبسني أنا القمر الّذي سيعكس هذا النور ثوب التواضع: "ثوب دم"، فأخدم الآخرين بحياتي مجدًا لك وحبًّا بك وبهم، والشكر لك على الدوام، آمين.

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يتكلَّموا بِلِسانِ المحبَّةِ والرَّحمة، فَيَتفَهَّموا أبناءَ رَعاياهُم، ويُفهِموهُم الحياةَ المسيحيَّة بالعملِ والحَقّ، نسألك يا رَب.
2- أفِض علَينا روحَك القدّوس، روحَ الحَقِّ، فنعرفَك أيّها الحقيقة الثابتة، ونشهدَ لكَ، نَعبُدَكَ ونمجّدَ أسمَك في العالمِ كلِّه، نسألك يا رب.
3- أفِض علَينا روحَكَ القدّوس، لِيَلمسَ كلَّ زاويةٍ مِن حياتِنا، ويُغَيِّرَها كَي تُصبِحَ نقيَّةً طاهرة، فَيَمحوَ آثامَنا، ويَمنحنا القوَّةَ لإنطلاقةٍ جديدةٍ معك وبك، نسألك يا رب.
4- أفِض علينا روحك القدّوس، روحَ التَّعزيَة، فنواجهَ المرضَ والحزن، بِأملِ الشِّفاء، ورجاءِ القيامة، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) أفِض عَلَينا روحَك القدّوس، الرَّوحَ المُحيِي، فيَبعثَ إلى الحياةِ الأبديَّة معك، جميع المُنتَقِلين من هذه الحَياة، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

منذ بدءِ الخَليقةِ والرّوحُ يُرَفرِفُ على المياه،
سارَ أمامَ موسى وشعبه، على شكلِ عامودٍ من نار،
لِيُريَهم طريقَ الخلاصِ من العبوديَّة،
إستقرَّ على الرُّسلِ في العلّيَّةِ، بِشَكلِ ألسِنةٍ مِن نار،
لِيَمنَحهُم القوَّةَ لإعلانِ بِشارةِ الخلاصِ مِن عبوديَّةِ الخَطيئة،
وها نحن اليَومَ، كَكُلِّ سنةٍ، نعيدُ إحياءَ هذه اللَّحظة،
عربونَ شكرٍ على جميعِ عطاياك، ووَعدًا جديدًا، لإنطِلاقةٍ جديدة معك،
نشكركَ، نحمدُك، نُمجِّدُكَ ونسجدُ لك، مع إبنكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.  

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرّسالة و أفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الشدياق فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

  التأمّل الروحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts