الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن العنصرة

أحد العنصرة
حلول الروح القدس على الرسل

(15 أيّار 2016)

::: مـدخل :::

• تحتفل الكنيسة اليوم بعيد العنصرة حيث تُجدّد إيمانها بدور وحضور وقوّة "الربّ المحيي"، الرّوح القدس!
• في النصّ من أعمال الرّسل اليوم نجد بأنّ جمعًا من شعوب متعدّدة إستطاع أن يتجاوز عوائق اللغة والثقافة بقوّة الرّوح القدس فيفهم في قلبه بأنّ عهدًا جديدًا بدأ وبأنّ كنيسةً وُلدت لتحيا داخلها الشّعوب بتفاهمٍ تامٍّ من خلال لغة المحبّة التي تتجاوز كلّ العوائق!
• في إنجيل اليوم، يوجّه الرب يسوع إلينا دعوة في يوم "عنصرة الروح" كي نأتي إليه، لنقترب منه ونتّحد به. يدعونا بكلّ بساطة كي نقيم معه، نقيم فيه، نحبه ويحبنا...
في هذا الأحد، نرفع قلوبنا إلى الربّ كي يضرم قلوبنا بنار الرّوح القدس فنجدّد ذواتنا ونتجدّد في رسالتنا! 

::: صـلاة :::

أيّها الإبن السماويّ، نرفع قلوبنا إليك في هذا العيد بالتوبة لتجدّدها بقوّة الرّوح القدس فنعود هياكلَ سكناك وسط البشريّة حيث نشهد لمجدك القدّوس مع أبيك وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين! 

::: الرسالة :::

1 وفي تَمَامِ اليَوْمِ الـخَمْسِين، كَانُوا كُلُّهُم مَعًا في مَكَانٍ وَاحِد.
2 فَحَدَثَ بَغْتَةً دَوِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ دَوِيُّ رِيحٍ عَاصِفَة، ومَلأَ كُلَّ البَيْتِ حَيثُ كانُوا جَالِسين.
3 وظَهَرَتْ لَهُم أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَار، وإسْتَقَرَّ عَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم لِسَان.
4 وإمْتَلأُوا كُلُّهُم مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وبَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى، كَمَا كَانَ الرُّوحُ يُؤْتِيهِم أَنْ يَنْطِقُوا.
5 وكَانَ يُقيمُ في أُورَشَلِيمَ يَهُود، رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاء.
6 فَلَمَّا حَدَثَ ذلِكَ الصَّوت، إحْتَشَدَ الـجَمْعُ وأَخَذَتْهُمُ الـحَيْرَة، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم كَانَ يَسْمَعُهُم يَتَكَلَّمُونَ بلُغَتِهِ.
7 فَدَهِشُوا وتَعَجَّبُوا وقَالُوا: "أَلَيْسَ هـؤُلاءِ الـمُتَكَلِّمُونَ جَمِيعُهُم جَلِيلِيِّين؟
8 فَكَيْفَ يَسْمَعُهُم كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِـاللُّغَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟
9 ونَحْنُ فَرْتِيُّون، ومَادِيُّون، وعَيْلامِيُّون، وسُكَّانُ مَا بَينَ النَّهْرَيْن، واليَهُودِيَّة، وكَبَّدُوكِيَة، وبُنْطُس، وآسِيَا،
10 وفِرِيْجِيَة، وبَمْفِيلِيَة، ومِصْر، ونَوَاحِي لِيبيَةَ القَريبَةِ مِنْ قَيْرَوَان، ورُومَانِيُّونَ نُزَلاء،
11 يَهُودٌ ومُهْتَدُون، وكْرِيتِيُّون، وعَرَب، نَسْمَعُهُم يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا عَنْ أَعْمَالِ اللهِ العَظِيمَة".
12 وكَانُوا كُلُّهُم مَدْهُوشِينَ حَائِرينَ يَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "مَا مَعْنَى هـذَا؟".
13 لـكِنَّ آخَرِينَ كَانُوا يَقُولُونَ سَاخِرين: "إِنَّهُم قَدِ إمْتَلأُوا سُلافَة!".
14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَر، ورَفَعَ صَوْتَهُ وخَاطَبَهُم قَائِلاً: "أَيُّهَا الرِّجَالُ اليَهُود، ويَا جَمِيعَ الـمُقِيمِينَ في أُورَشَلِيم، لِيَكُنْ هـذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُم، وأَصْغُوا إِلى كَلامِي.
15 لا، لَيْسَ هـؤُلاءِ بِسُكَارَى، كَمَا تَظُنُّون. فَـالسَّاعَةُ هِيَ التَّاسِعَةُ صَبَاحًا.
16 بَلْ هـذَا هُوَ مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيّ:
17 ويَكُونُ في الأَيَّامِ الأَخِيرَة، يَقُولُ الله، أَنِّي أُفِيضُ مِنْ رُوحِي عَلى كُلِّ بَشَر، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُم وبَنَاتُكُم، ويَرَى شُبَّانُكُم رُؤًى، ويَحْلُمُ شُيُوخُكُم أَحْلامًا.
18 وعَلى عَبِيدي وإِمَائِي أَيْضًا أُفِيضُ مِنْ رُوحِي في تِلْكَ الأَيَّامِ فيَتَنبَّأُون.
19 وأَعْمَلُ عَجَائِبَ في السَّمَاءِ مِنْ فَوْق، وآيَاتٍ عَلى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَل، دَمًا ونَارًا وأَعْمِدَةً مِنْ دُخَان.
20 وتَنْقَلِبُ الشَّمْسُ ظَلامًا والقَمَرُ دَمًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الرَّبّ، اليَوْمُ العَظِيمُ الـمَجِيد.
21 فَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِـإسْمِ الرَّبِّ يَخْلُص.

(أعمال الرسل – الفصل 2 - الآيات 1 إلى 21) 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

من الأزمات المعاصرة في مجتماعاتنا أنّ الناس تستخدم أحيانًا نفس اللغة ولكنّها لا تعرف كيف تتحاور مع بعضها البعض...
يتعايش أمران متناقضان مع بعض فالبشر تفهم محتوى اللغة ولكن يسود سوء التفاهم علاقاتهم وحياتهم العائليّة والإجتماعيّة!
هذا الأمر يعاكس تمامًا ما ورد في هذا النصّ حيث نجد بأنّ جمعًا من شعوب متعدّدة إستطاع أن يتجاوز عوائق اللغة والثقافة بقوّة الرّوح القدس فيفهم في قلبه بأنّ عهدًا جديدًا بدأ وبأنّ كنيسةً ولدت لتحيا داخلها الشّعوب بتفاهمٍ تامٍّ من خلال لغة المحبّة التي تتجاوز كلّ العوائق!
فلا حاجة للغة لمسح دمعة حزين ولا حاجة لقاموس لمساعدة عجوز على تجاوز الشّارع ولا حاجة للقواعد للمبادرة إلى زيارة شخصٍ وحيد ولا حاجة للبلاغة للتعبير عن التضامن إذ قد تكفي بسمةٌ أو كلمةٌ أو لمسةٌ للتعويض عن الكثير من الآلام والجّراح!
ولكن، كثيرٌ من المؤمنين اليوم يتناسون هذه الدّعوة أو ربّما يهملونها مفضّلين الغرق في ذواتهم والإغلاق عن حاجات الآخرين!
وعندها يصبح المشترك الوحيد هو اللغة دون المعنى والمضمون الرّوحيّ بمعنى المحبّة... وبهذا يشكّلون عائقًا أمام عمل الرّوح القدس في قلوب من سيلتقون بهم ويصطدمون بجدران القسوة والأنانيّة والإهمال!
هذا الأحد، أحد العنصرة، يشكّل فرصةً لتجديد الذّات ولإعادة وعي رسالتنا كهياكل للرّوح القدس وكقنوات تمرّ عبرها الحياة الأبديّة لكلّ سائلٍ ومحتاج لحضور الربّ في حياته! 

::: الإنجيل :::

15 إِنْ تُحِبُّونِي تَحْفَظُوا وَصَايَاي.
16 وأَنَا أَسْأَلُ الآبَ فَيُعْطِيكُم بَرَقلِيطًا آخَرَ مُؤَيِّدًا يَكُونُ مَعَكُم إِلى الأَبَد.
17 هُوَ رُوحُ الـحَقِّ الَّذي لا يَقْدِرُ العَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاه، ولا يَعْرِفُهُ. أَمَّا أَنْتُم فَتَعْرِفُونَهُ، لأَنَّهُ مُقيمٌ عِنْدَكُم، وهُوَ فِيكُم.
18 لَنْ أَتْرُكَكُم يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُم.
19 عَمَّا قَلِيلٍ لَنْ يَرانِيَ العَالَم، أَمَّا أَنْتُم فَتَرَونَنِي، لأَنِّي أَنَا حَيٌّ وأَنْتُم سَتَحْيَون.
20 في ذلِكَ اليَومِ تَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا في أَبِي، وأَنْتُم فِيَّ، وأَنَا فيكُم.

(إنجيل يوحنا - الفصل 14 - الآيات 15 إلى 20) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

ما أجملها دعوة يُوجّهها يسوع إلى كل منا في يوم "عنصرة الروح". يدعونا كي نأتي اليه، لنقترب منه ونتّحد به. يدعونا بكل بساطة كي نقيم معه، نقيم فيه، نحبه ويحبنا..


كم أنت وديع ومتواضع أيها الرّب، تدعونا نحن الصغار أصحاب النفوس "البسيطة" والعقول المحدودة والأحلام المريضة والوجوه العابسة، أصحاب السلوكيات الطائشة، تدعونا لنسمع كلمتك التي تقودنا إلى إمتلاك "خارطة طريق" تصلنا اليك، بفعل حب عجيب لا تستوعبه قلوبنا الصغيرة فترفضه مكتفية بفتات تلتقطه من هنا وهناك لا يشبعها يومًا... رغم ذلك تعطينا القدرة كي نفعل مشيئتك من أجلنا نحن، لخيرنا وسعادتنا وهناء عيشنا.. فإذا أحببناك، حفظنا وصايك، تسأل "الآب" كي يعطينا "الروح القدس"، الروح المعزي، المؤيد، المحامي والمدافع عنا بقوته الخارقة النازلة من السماء.. فأنت تعلم حاجتنا خصوصًا أننا في أيام تتميز بالصخب والإضطراب والإضطهاد... أنت تعلم أن سهام الإزدراء موجهة دائمًا علينا، مزوّدة بسموم العصرنة وما يتبعها من تهكم وتكفير وتمييز وتهجير وتقتيل، موجهة بمهارة سلاطين هذا العالم نحو مكامن الضعف فينا، في الشرق كما في الغرب، في بلاد التحجر الفكري والديني، كما في بلاد الإنفتاح على حقوق الإنسان وديمقراطية التصرف والسلوك والقرار الحر..


كم أنت محب يا رب لترسل لنا "الروح المؤيد" في الوقت المناسب، ساعة تشتد علينا المحن، نجده مدافعًا عنّا، ساعة نُساق إلى المحاكمات هو يتكلم فينا، ساعة تأتينا التجارب يُقوّي ضعفنا، يُصلي عنا ويرفرف حولنا لينقذ من الهاوية نفوسنا..
كم أنت محب يا رب، لم تزودنا بالمناشدات والتحذيرات والتوصيات والبنود والشرائع المملة، لم تزودنا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحك القدوس، روح الحق الذي نستطيع معه أن نصرخ: "مَن أنت أيتها الجبال؟" أمام روح الرب تصبحين سهولاً موالية لنا، لا بل في خدمة نُمُونّا وإرتقائنا وهناء عيشنا..


معك يا رب يصير "الجبل سهلاً" لأنك أعطيتنا "روحًا مؤيدًا" لإزالة كل ما يُعيق حركتنا وتقدمنا نحوك، لإزالة همومنا ليس بقوتنا الجسدية ولا بجهودنا البشرية بل بروحك الحي القدوس الّذي يُداوي أمراضنا الداخلية، مشددًا ضعفنا فلا نعيش بعد اليوم بالهم والقلق بل بالأمان والسلام والراحة الدائمة..


"روح الحق" يرفضه العالم، يُعارضه محاولاً إسقاطه وإبعاده... لأن العالم يعتمد على الأساليب البشرية من طاقة وشجاعة وجيوش وثروات وإدارات وأنظمة لإزالة العوائق الكبيرة التي تعترض الحياة اليومية، لكن سرعان ما تتعب "الذراع البشرية" مستسلمة، مهزومة أمام الضغط والقسوة والتهديد والخداع والإحراج والإقصاء والإلغاء... أعطنا يا رب "روح الحق" كي لا نكتفي بأنفسنا التي تُعرِّضنا مع الآخرين للأذية من ثم تقتل النعمة فينا.. أعطنا "روح الحق" كي نعيش تحت قيادته ونمشي بإلهاماته متنعمين بتعزياته في أجواء من الحرية الممتزجة بلمسات النعمة المولِدة للحياة والتغيير الخلاق في نفوسنا وأطباعنا.. أليس الخالق هو "روح وحيث روح الرب هناك الحرية"؟؟(2 قور 2 / 7).


من الطبيعي أن يرفض العالم "روحك" يا رب لأنه لا يراه ولا يعرفه. فالعالم إعتاد على طاعة البشر، على طاعة الكتاب بما فيه من حروف ميتة، على طاعة القوانين خوفًا من العقاب، على طاعة ملوك الأرض وليس "روح الحق" فمن يطيع الملوك يصبح عبدًا ومن يطيع الروح يصبح حرًّا..


أما نحن أبناءك فمن الطبيعي أن نعرف "روحك"، لأنك قويتنا، حسبتنا أبناءً لك، ورثة لمجدك.. نحن الّذين كنا مجدّفين ومضطهدين ومفترين لكنك رحمتنا وإفتديتنا..


شكرًا لك يا رب لأنك وهبتنا روحك ليُقيم فينا رغم ثقل ماضينا، تمادينا في التجديف عليك فغمرتنا بحضورك، تمادينا في العنف وإختراع الدمار فلم تمنع عنا رحمتك بل شملتنا كلنا، شملت المنحرفين بيننا والمدمنين والمخادعين والسارقين والقتلة..
لسنا بعد اليوم أيتامًا لأن روحك إستقر فينا منذ المعمودية، أصبح فينا مُحرّرًا ماضينا من عبء الخطيئة من سجن الأنانية، من الشعور بالخزي والعار والخجل، من بؤرة الفشل وقبور الموت الرهيبة..


ما أعظمك يا رب تأتي إلينا لترفعنا، بينما يحاول العالم إغراقنا، تأتي الينا لتشجعنا في ضعفنا، بينما يحاول العالم قتل الأمل فينا وسلب رجائنا وتحطيم شخصيتنا بما فيها من أحلام وجمال..
ما أعظمك يا رب تأتي إلينا، لنستطيع بك ومعك لنتحمل مسؤولية مشاكلنا، لنسيطر على مشاعرنا خصوصًا في لحظات الضعف والغضب، ليكون لنا قوة المناعة في أزمنة التجارب والمحن والأمراض، لنُعبِّر عن فرحنا وسرورنا كأبناء لله..
ما أعظمك يا رب، أنت إله حي ونحن بروحك أحياء، معك تغيب الأنانية لتنفتح قلوبنا وعقولنا على حب الغير لو كان مختلفًا حتى لو كان في صفوف أعدائنا.. معك تغيب الظنون والإتهامات والمآخذ لنعيش بسلام، معك يغيب التشبث والتعنت والخصام والنزاع لنحيا بالقرب منك، بالقرب من الإنسان، لنصبح فيك "قربان" يحررنا من محدوديتنا، من سقطاتنا، من خوفنا، من عجزنا، لنتمدد نحو المستقبل بما فيه من فرح اللقاء بك كتعبير خلاق عن حبك العظيم لنا..
يسوع أنت "حي" لذلك نحن أحياء، أنت في الآب وأردت أن نكون فيك، بروحك الّذي وهبتنا إيّاه أصبحت كرامتنا مشتركة، روابطنا متينة، مصيرنا مشترك، لذلك نشعر أننا في بيتك كما أنت في بيتنا، نشعر أننا في قلبك كما أنت في قلبنا، بروحك نشعر أننا في ذروة الأمان، ذروة الفرح، ذروة السلام.. ذروة الرضى.. ذروة الصدق والحق.. ذروة الحرية...  

::: تـــــأمـــل روحي :::

به نغلب العالم
وهو يهرع إلى داخل البيت خوفًا لرؤية رجلٍ قبيح المنظر والملبس يقترب من البيت، نادته أمّه فأسرع صوبها وهو يرتجف. غمرته وطلبت منه أن يصغي إليها بلطفٍ كبير، وما هي إلّا لحظات حتّى فهم أنّ الغريب ليس سوى فقيرٌ بحاجةٍ للمساعدة، فتبدّلت نظرته، وفتح يده الصغيرة ليمسك بها النقود ثمّ توجّه صوبه يعطيه إيّاها وهو ممسكٌ بيدها وإبتسامةً بريئة قد إرتسمت على ثغره الجميل.
كلّنا أطفال بحاجة إلى هذه اليد التي تغمرنا، تعزّينا، تعلّمنا، وتجعلنا نفهم، خاصّة في عالمٍ يسوده القبح والإفتقار إلى الحبّ. فما العمل ونحن نعيش في وسطه خائفين؟

أيّهما أبدا؟
بادئ ذي بدءٍ، الأَوْلى بي أن أثق بمن وهبني ذاته ليغمرني بكلتا يديه المفتوحتان على وسع الصليب في العالم (كما ذلك الطفل)، فآتي إليه كشخصٍ أحبّه حتّى في غمرة ضَعفي كما في فرحي، أصغي إليه كي أفهم ما عليّ فعله، فاتحًا قلبي على كلّ كلمةٍ يقولها لي من خلال تعليمه: (يوحنا 15:14 "إذا كنتم تُحِبُّونِي عملتم بوَصَايَاي")، فيملأني به، وأنال التعزية والقوّة بنعمة روحه القدّوس، الساكن فيَّ منذ إعتمدت (يوحنا 16:14 "وأَنَا أَسْأَلُ الآبَ فَيُعْطِيكُم بَرَقلِيطًا آخَرَ")، فأتغلّب على خوفي لأُجابِه بها كلّ ما يقلقني ويُهدّد نفسي ويخيفني.
شخص الروح (الروح القدس) لا يمكنه إلّا أن يعطي الحياة لأنّه روحٌ حيّ، ولو كان غير مرئي، والحياة لا تركد في مكانٍ ولا تقبع في الخفاء لأنّها حركة تضع مفاصل الجسد في تجدّدٍ دائم، وتدع روحنا تعبق بأريج روحها، فنشهد ثماره علامةً فارقة مرئيّة دامغة للعالم، منها: الفرح، السلام، الوداعة، الحكمة...هي ثمارٌ طيّبة تُسَرّ بها النفس وبِفيضها على الآخر بفعل الروح، فيراها ويتلذّذ بها كلُّ مَن قبِل حركة الحياة فيه وأطاعها، لتصبح له رفيقة دربٍ أبديّة (يوحنا 16:14 "مُؤَيِّدًا يَكُونُ مَعَكُم إِلى الأَبَد").

لماذا؟
كلّ مؤمنٍ يعلم أن الروح قد حلّ على كلّ معمّد، لماذا عالمنا هذا إذًا أضحى قبيحًا وقبيحًا جدًا ويغرق في الشرّ؟ لماذا القويّ يأكل الضعيف، والغنيّ يستغلّ الأقل غنًى، والكبير يتسلّط على الصغير من غير وجه حقّ مشوّهًا معنى السلطة التي سلّمها الله للإنسان يوم خلقه؟ لماذا الحروب والتعنيف والإتجار بالبشر والحجر والأخضر واليابس؟ لماذا ولماذا... ونحن في غيبوبة عمّا يجري مِن حولِنا، مستسلمين إلى الواقع المرير، غير آبهين بالحبّ، عنيت الحبّ الّذي بتنا نفتقده، الحبّ المجّاني على مثال معلّمنا وربّنا يسوع المسيح، ،غير مؤمنين بقدرة الروح القادرة أن تغيّر وجه الأرض من خلالنا. باتت غالبيتنا من أهل العالم الّذين لم يعودوا يعرفون يسوع ولا روحه، "رُوحُ الـحَقِّ الَّذي لا يَقْدِرُ العَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاه، ولا يَعْرِفُهُ" (يوحنا 17:14).

نحن الّذين نملك كنزًا لا يملكه سوى أبناء الله، كنز الروح القدس ومواهبه، وقانونًا لا أحد يقدر أن يطاله أو يجد فيه أيّ عثرةٍ أو شائبة: قانون الحبّ المتجدّد، المتجرّد والمجّاني، هل تحجّر قلبنا فدخلنا قمقم العجائب عن قصدٍ أو عن غير قصد، بحريتنا لغرورنا أو لحشريتنا الغير واعية، أو ربّما غرّنا ما يمكن أن يحويه من الداخلِ فإحتُجِزنا وأصبحنا ننتظر صاحبه لِيخرجنا منه فنفعل له ما يشاء، قابضًا على أعناقنا بيدين مِن ذهبْ مستغلاً حالنا المزرية؟
ماذا حلّ بنا؟ ماذا حلَّ بإيماننا بعمل الروح في أعماقنا؟ هل بتنا مِن الّذين قال فيهم يسوع: "عَمَّا قَلِيلٍ لَنْ يَرانِيَ العَالَم"؟


في عيد العنصرة اليوم، كلّنا مدعوّون كي نُعِيد النظر في العطيّة التي وهبنا إيّاها ربّ المجد كيلا نَتوه في مسيرتنا صوب حضنه الأبويّ.
كلّنا اليوم في عيدٍ وإبتهاج، فلنسعى ألاّ يكون فرحنا آنيًا، عابِرًا في ساعات أمام العمر بأكمله، بل لندخِله مع الجماعة الصغيرة في عائلاتنا، مطيعين لِهمسات الروح في أعماقنا، معلنين بكلّ إيمانٍ أنّه حيٌّ وأنّ حياتنا به ومنه.
أو ليس هو من فتح بصيرتنا على أعظم حقيقةٍ يمكن لإنسانٍ أن يحلم بها، أنّه في ذلك اليوم، يوم نقبل هذه الحقيقة ونؤمن بها يقول لنا عندها "تَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا في أَبِي، وأَنْتُم فِيَّ، وأَنَا فيكُم". 

::: تـــــأمـــل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... حين يتعامل الكبار مع صغارهم أو المعلّم مع تلاميذه فإنهم غالبًا ما يُقدّمون لهم وعودًا مغرية وجميلة فيما لو أطاعوا كلمتهم ونفّذوا رغباتهم أو تصرّفوا تصرّفًا لائقًا أو حفظوا الدرس جيّدًا وعملوا الواجبات، وعودًا للتشجيع والتحفيز ولمصلحة الصغار وليس لغايةٍ أخرى. وعلى الرغم من أنك لم تطلب منّا سوى أمرًا واحدًا إلا أنه بات من الواضح بأنه ليس بالأمر السهل وإلا لكان الإيمان قد ملأ قلب جميع البشر. "الطاعة لكلمتك" أو بمعنى آخر "حفظ وصاياك"" هو هذا الطلب، هو ما توقَّعْته من آدم وما طلبته من التلاميذ أن يُعلِّموا كلّ مَن آمنَ وتتلمذ على أيديهم وتعمّد من جميع الأمم (متى 28: 19-20).


ربّي وإلهي ... وعودك على مرّ الزمان كانت هديّةً لغايةٍ واحدةٍ وإن إختلفت في طبيعتها: "الراحة والسلام والفرح"، فمنذ البدء وعدتَ شعبك المُتعب بالراحة في سنة الخمسين [اليوبيل] بعد طول عمل في الأرض، كما وعدت العبيد بالحرية في اليوبيل (الأحبار 25)، ووعدتَ بالبركات وجعل مسكنك في وسط شعبك إن حفظوا وصاياك وعملوا بها (الأحبار 26)، وها أنت تعد التلاميذ بهديّةٍ لا وصف لها في اليوم الخمسين لقيامة المسيح، هديّة هي بحدّ ذاتها مصدر الراحة والسلام والفرح الروحي، هديّة قطعت الشك باليقين وحوّلت الخوف إلى قوة وشجاعة وجرأة وأطلقت العجز في الكلام إنطلاقةً يعجز الفكر عن إدراكها ويتوقف مندهشًا لحدوثها؛ إنطلاقةً أدهشت المتكلّم والسامع معًا وأعطت الفرح لكليهما. أجل، هي هديّة جعلت من الإنسان هيكلاً لك إذ سكنتَ فيه ومعه وأصبح إبنًا لك.


ربّي وإلهي ... هديّتك دائمة الوجود وأنت على إستعدادٍ دائمٍ لإعطائها، أنعم علينا بأن نكون مؤهّلين لإستلامها وللقيام بفتحها وإستخدامها بكل فرحٍ لمجدك؛ وبأن لا نبخل بوقتنا بل نتخلّى عن ذاتنا من أجل خدمة كلمتك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا وصلاة شكر للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

1- (المحتفل) نصلّي من أجلِ الكنيسة المُقَدَّسة، والمسؤولين فيها، خاصَّةً مار فرنسيس بابا روما، ومار بينيديكتوس السادس عشر، الأبا الفخري، ومار بشارة بطرس بطرِيَركِنا الأنطاكيّ، وأبينا مار نصرالله، ومار جورج مُطراننا مع الأساقِفَة والكَهَنَة والمُكَرَّسينَ، كَي يتكلَّموا بِلِسانِ المحبَّةِ والرَّحمة، فَيَتفَهَّموا أبناءَ رَعاياهُم، ويُفهِموهُم الحياةَ المسيحيَّة بالعملِ والحَقّ، نسألك يا رَب.
2- أفِض علَينا روحَك القدّوس، روحَ الحَقِّ، فنعرفَك أيّها الحقيقة الثابتة، ونشهدَ لكَ، نَعبُدَكَ ونمجّدَ أسمَك في العالمِ كلِّه، نسألك يا رب.
3- أفِض علَينا روحَكَ القدّوس، لِيَلمسَ كلَّ زاويةٍ مِن حياتِنا، ويُغَيِّرَها كَي تُصبِحَ نقيَّةً طاهرة، فَيَمحوَ آثامَنا، ويَمنحنا القوَّةَ لإنطلاقةٍ جديدةٍ معك وبك، نسألك يا رب.
4- أفِض علينا روحك القدّوس، روحَ التَّعزيَة، فنواجهَ المرضَ والحزن، بِأملِ الشِّفاء، ورجاءِ القيامة، نسألكَ يا رب.
5- (المحتفل) أفِض عَلَينا روحَك القدّوس، الرَّوحَ المُحيِي، فيَبعثَ إلى الحياةِ الأبديَّة معك، جميع المُنتَقِلين من هذه الحَياة، غافِرًا لنا ولهُم الخطايا والزلاّت.

 

صلاة شكر للقدّاس

منذ بدءِ الخَليقةِ والرّوحُ يُرَفرِفُ على المياه،
سارَ أمامَ موسى وشعبه، على شكلِ عامودٍ من نار،
لِيُريَهم طريقَ الخلاصِ من العبوديَّة،
إستقرَّ على الرُّسلِ في العلّيَّةِ، بِشَكلِ ألسِنةٍ مِن نار،
لِيَمنَحهُم القوَّةَ لإعلانِ بِشارةِ الخلاصِ مِن عبوديَّةِ الخَطيئة،
وها نحن اليَومَ، كَكُلِّ سنةٍ، نعيدُ إحياءَ هذه اللَّحظة،
عربونَ شكرٍ على جميعِ عطاياك، ووَعدًا جديدًا، لإنطِلاقةٍ جديدة معك،
نشكركَ، نحمدُك، نُمجِّدُكَ ونسجدُ لك، مع إبنكَ وروحِك القدّوس إلى الأبد، آمين.

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة و

مع المراجعة العامّة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/pnassim.kastoun

 

أفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/kamel.y.kamel.7?fref=ts 

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد

madeleinedib@hotmail.com

https://www.facebook.com/madeleine.d.saad?ref=ts&fref=ts