الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

مدخل السنة الطقسيّة


أحد تقديس البيعة
(5 تشرين الثاني 2023)

::: مـدخــل :::

• في أحد تقديس البيعة ومع إفتتاح سنتنا الطقسية، نتأمّل في الإنتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد من خلال ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح.
• نتأمّل في قراءة العهد القديم في فَصلٍ مِنَ سفر آشعيا يدعونا لِنَفرَح بالرُّغمِ مِنَ المِحنَة، وَلِنَزدَهِر بالرُّغم من أصفاد الخَطيئَة، لِيَكُن اللهُ لَنَا إلهًا أوحَد وَمَصدَر رَجَاءَنَا وَخَلاصنا، لِنَتَهَلَّل بِرَحمَةِ الله التي تُجَدِّدُنَا وَتُعيدُنَا من مَوت وَعُبودِيَّة الخَطيئَة إلى حُرِّيَّة الحَيَاة الأبَدِيَّة.
• نتأمّل اليوم في فَصلٍ مِنَ الرِّسالَة إلى العِبرانِيِّين الّذي يُؤَكِّدُ بُطلان ذبائح العَهد القَديم في الهَيكَل الّذي دَمَّرَهُ مَلِك البابِلِيِّين، وَالذَّبيحَة الحَقيقيَّة هِيَ ذَبيحَة المَسيح... فالله لم يَترُك شَعبَهُ، بَل أرسَلَ إبْنَهُ لِيَموت وَيُقَدِّم دَمَهُ فِداءً على البَشَرِيَّة كُلِّها وَغُفرانًا لِخَطَاياها.
• كذلك نتأمّل في فَصلٍ من إنجيل القِدِّيس مَتَّى الّذي فيهِ نَرَى بِأنَّ أساس الإيمان هُوَ لَيسَ في كَنيسَة الحَجَر، بَل في قلوبِنَا التي تُؤمِن بِأنَّ المَسيح إبنُ الله القائم من بين الأموات وَالمُنَجِّينا مِنْ كُلِّ غَضَب هُوَ مَن يَغفِر خَطايانا وَيُعطينَا الحَيَاة الأبَدِيَّة.
• نرفعُ قُلوبَنَا اليوم إلى المسيحِ، إبن الله الحيّ ونسألُه أن يدفقَ نعمتَهُ في قلوبنا لنسيرَ في درب السنة الطقسيّة بخشوعٍ وبإنفتاح القلب. 

::: صـلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب على نِعمَةِ القَداسَةِ الّتي تَزْرَعُها في قُلوبِنا مَعَ سرِّ المَعْموديَّة، وتُثبِّتُها بالتَّثبيت وتُنْميها بالإفْخارِسْتِيّا، وتَسْقيها بالمُصالَحَةِ. أَهِّلْنا لِنَعيشَها ولنُحافِظَ عَلَيْها بالزَّواجِ والكَهَنُوت وحَتَّى في أَوْقاتِ الأَلَم فَنَستَحِقَّ أن نُدعى شَعْبَ القِدّيسين في صَلاتِنا وَحَياتِنا ونمجّدك مع إبنك الوحيد وروحك القدّوس، من الآنَ وإلى الأَبَد، آمين. 

::: العهد القديم :::

1 تَرْنَمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَنْجِبْ، أَشِيدِي بِالتَّرْنِيمِ وَالْهُتَافِ يَا مَنْ لَمْ تُقَاسِي مِنْ الْمَخَاضِ، لِأَنَّ أَبْنَاءَ الْمُسْتَوْحَشَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَبْنَاءِ ذَاتِ الزَّوْجِ، يَقُولُ الرَّبُّ.
3 لِأَنَّكَ سَتَمْتَدِينَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَيَرِثُ نَسْلُكُ أُمَمًا وَيُعَمِّرُونَ الْمُدُنَ الْخَرِبَةَ،
5 لِأَنَّ صَانِعَكَ هُوَ بَعْلُكَ، وَالرَّبُّ الْقَدِيرُ اسْمُهُ، وَفَادِيكْ هُوَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي يُدْعَى إِلَهُ كُلَّ الْأَرْضِ،
6 قَدْ دَعَاكَ الرَّبُّ كَزَوْجَةٍ مَهْجُورَةٍ مَكْرُوبَةُ الرُّوحِ، كَزَوْجَةِ عَهْدِ الصِّبَا الْمَنْبُوذَةِ، يَقُولُ الرَّبُّ.
7 لَقَدْ هَجَرْتُكَ لَحْظَةً، وَلَكِنِّي بِمَرَاحِمَ كَثِيرَةٍ أَجْمَعُكَ.
8 فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ جَامِحٍ حَجَبْتُ وَجْهِي عَنْكَ، وَلَكِنِّي بِحُبٍّ أُبْدِي أَرْحَمَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ فَادْيكَ.
10 إِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَالتِّلَالَ تَتَزَحْزَحُ، أَمَّا رَحْمَتِي الثَّابِتَةُ فَلَا تُفَارِقْكَ، وَعَهْدُ سَلَامِي لَا يَتَزَعْزَعُ، يَقُولُ الرَّبُّ رَاحِمُكِ.

(سفر آشعيا - الفصل 54 – الآيات 1 و 3 و 5 إلى 8 و 10) 

::: تأمّل من وحي العهد القديم  :::

تَعريف بالسِّفر والنَّبي:
عاش أشعيا النَّبي وَتَمَّمَ رِسالَتَهُ في نواحي القَرن السَّابِع قَبل الميلاد، في أيّام المَلِك حزقيا وإبنه مَنَسَّى من بعده. وَالنَّبي، هُوَ لَيْسَ مَن يَتَوَقَّع المُستَقبَل، بَل، هُوَ مَن يَقرَأ حَياة الجَماعَة المُؤمِنَة على ضَوء كَلِمَة الله، التي -مَتَى خالَفَتهَا- تَكونُ العَواقِب وَخيمَة. هكَذا كَانَ أشَعيَا يَعِظ وَيَكتُب نُصوصَهُ شِعرًا، وَيُنذِر بِكَلِمَة الله، وَيُبَشِّر بالخَلاص. يَقول البَاحِثون في الكِتَاب المُقَدَّس بِأنَّ أشَعيا كَانَ لَهُ المَكَانَة وَالتَّأثير البَالِغ في حَياة الجَماعَة المُؤمِنَة لِدَرَجَة أنَّ تَلامِيذه صارُوا كُثُر، وَقَد أضافوا في مَراحِل لاحِقَة فُصولاً جَديدَة تَتَبَنَّى مَدرَسَة أشعيا، وَلَكِن في ظُروف جَديدَة وَمُغايِرَة. لِذلِكَ، يُقسَم سِفر أشعيا إلى ثلاثة أقسام:
- القِسم الأوّل: أيّام المَلِك مَنَسَّى، وَقَد كَانَ هُنَاكَ مَشاكِل سِياسِيَّة كَثيرَة من خِلالِهَا بَشَّرَ أشَعيا بكَلِمَة الله وَالخَلاص الآتي من الإيمان،
- القِسم الثاني: أيَّام السَّبي إلى بابِل، يَومَ إنقَسَمَت مملَكَة إسرائيل، وَكانَت نَتيجَة هذا الإنقِسام كارِثِيَّة، إذ أتَى نَبوخذ نَصَّر مَلِك البابِلِيّين وَسَبَى الشَّعب إلى بابل. في هذا القِسم يُذَكِّر سِفر أشعيا بِأهَمّيّة الحِفاظ على الإيمان بالرُّغم من المِحنَة، وَبِأهَمِّيَّة العَودَة إلى الأرض، حيث الحريَّة، حيث الحياة مع الله، حيث أورشليم والهيكل،
- القِسم الثالِث: يَتَكَلَّم عَن الفَترَة التي عادَ فيها الشَّعبُ حُرًّا من بابِل إلى أورشَليم.

ظُروف كتابَة النَّص:
في النَّص الّذي وَضَعَتهُ الكَنيسَة لِيُقرَأ على مَسَامِعِنَا يَوم أحَد تَقديس البيعَة، نحن في القِسم الثّاني من كِتاب أشعيا، كانَ الشَّعبُ مَسبِيًّا، مُستَعبَدًا لَدَى البابِلِيِّين... هذا الشَّعب كَانَ يُؤمِن بِحُضُور الله في هَيكَلِ أورشَليم، وَلَم يَكُن أحَد يَجرُؤ على دُخول قُدس الأقداس إلاَّ عَظيم الكَهَنَة الّذي يَدخُل مَرَّةً وَاحِدَةً في السَّنَة وَبِيَدِهِ دَم الذَّبيحَة، وَلَكِن، عِندَمَا دَخَلَ نَبوخَذ نَصَّر إلى أورشَليم دَخَلَ قُدس الأقداس وَخَرَّبَهُ وَدَنَّسَهُ وَهَدَمَ الهَيكَل، وكَانَ الشَّعبُ يَنتَظِر أن يُدافِعَ الله عَن نَفسِه وَيَقتُل البابِلِيّ... فَإذا باللهِ يَبقَى صامِتًا، وَهُم يَخرُجونَ مِن مَدينَتِهِ عَبيدًا إلى أرضٍ غَريبَة! هذا الحَدَث جَعَلَ الشَّكَّ في قُلوبِ المُؤمِنين، وَكَانَت تَساؤُلاتُهُم تَقتُلُ الإيمانَ في قُلوبِ الكَثيرينَ مِنهُم، وَبَقِيَت القِلَّةُ القَليلَة التي حافَظَت على إيمانِهَا في ذُروَة المِحنَة وَالشُّكوك... يَأتي هذا النَّص لِيُعَزِّي الجماعة المُؤمِنَة في مِحنَتِهَا، وَيَعِدُهَا بِالخَلاص وَالحُريَّة.

مضمون النّص:
هذا النَّص هُوَ دَعوَة إلى:
- الفَرَح... فالعُقم لَن يَبقَى عُقمًا، وَالمُؤمِنُ يَبقَى خَصبًا لأنَّ اللهَ يَحميه، والعاقر التي تلبس العار سَوفَ تَتَحَرَّرُ مِن عُقمِهَا وَتَلبَسُ ثَوبَ المَجدِ وَالكَرامَة. فلا هَم إن كَان أولادُ المُستَوحِشَةِ كُثُر... فالله يُريدُ جَماعَةً مُؤمِنَة يَحيا فيها الحُب، ولا قيمَةَ للعَدد لَدَيه.
- الإزدِهار وَالعَودَة إلى الحُريَّة... فالمُؤمِنون سَوفَ يَرجِعونَ إلى الأرض التي أخرَجَهُم منها مَلِك بابِل، فَيَدخُلوا إلَيها أحرارًا لِيُعيدُوا بِنَاءَها.
- مَجد هذه الجَماعَة المُؤمِنَة التي صَنَعَها الله القادِر على كُلِّ شَيء: خَلَقَهَا، وَلَن يَترُكها، بَل صارَت هي عَروسَهُ النَّقِيَّة... هذه العَروس إنقَسَمَت على نَفسِهَا، وَبِالحِقدِ الّذي فيها جَلَبَت الخَرابَ إلى أرضها وَأولادِهَا وَهَيكَلِهَا... فبِسَببِ خَطيئَتِهَا هَجَرَهَا اللهُ لَحظَة، وَفي تِلكَ اللحْظَةِ إسْتُعبِدَت، وَفي تِلكَ اللَّحظَة عَينها أعادَهَا الله إلَيه، لِتَسكُنَ في قَلبِهِ وَهوَ يَسْكُنُ في قَلْبِهَا.
- الرَّحمَة... فَلَو زالَت الأرضُ التي تَحمِلُ الهَيكَل، وَالسَّماء التي فيها الله، يَبقَى الله (هُوَ هُوَ) الصَّانِعُ كُلَّ شَيء وَالقادِرُ على كُلِّ شَيء راحِمًا شَعبَهُ وَمُنَجِّيهِ مِنَ الغَضَب الّذي بِخَطيئَتِهِ جَلَبَهُ على نَفْسِهِ.

خاتِمَة
لِنَفرَح بالرُّغمِ مِنَ المِحنَة، وَلِنَزدَهِر بالرُّغم من أصفاد الخَطيئَة، لِيَكُن اللهُ لَنَا إلهًا أوحَد وَمَصدَر رَجَاءَنَا وَخَلاصنا، لِنَتَهَلَّل بِرَحمَةِ الله التي تُجَدِّدُنَا وَتُعيدُنَا من مَوت وَعُبودِيَّة الخَطيئَة إلى حُرِّيَّة الحَيَاة الأبَدِيَّة. 

::: الرسالة :::

1 فَالعَهْدُ الأَوَّل، كَانَتْ لَهُ أَيْضًا شعَائِرُ عِبَادَة، وبَيْتُ قُدْسٍ أَرْضِيّ.
2 فَبُنِيَ الـمَسْكِنُ الأَوَّل، وهُوَ الَّذي يُدْعَى "القُدْس"، وكانَ فيهِ الْمَنَارَة، والْمَائِدَة، وخُبْزُ التَّقْدِمَة،
3 ووَرَاءَ الـحِجَابِ الثَّانِي بُنِيَ الـمَسْكِنُ الَّذي يُدْعَى "قُدْسَ الأَقْدَاس"،
4 ويَحْتَوِي مِجْمَرَةً ذَهَبِيَّةً لِلبَخُور، وتَابُوتَ العَهْد، مُغَشًّى كُلُّهُ بِالذَّهَب، وفيهِ جَرَّةٌ مِن ذَهَبٍ تَحْتَوِي الـمَنّ، وعَصَا هَارُونَ الَّتي أَفْرَخَتْ، ولَوحَا العَهْد،
5 وفَوقَ التَّابُوتِ كَرُوبَا الـمَـجْدِ يُظَلِّلانِ الغِشَاء: أَشْيَاءُ لا مَجَالَ الآنَ لِلكَلامِ عَنْهَا بالتَّفْصِيل.
6 وإِذْ بُنِيَتْ تِلْكَ الأَشْياءُ على هـذَا التَّرتِيب، كانَ الكَهَنَةُ يَدْخُلُونَ إِلى الْمَسْكِنِ الأَوَّلِ في كُلِّ وَقْت، لِيُتِمُّوا العِبَادَة،
7 أَمَّا الْمَسْكِنُ الثَّانِي فكانَ عَظِيمُ الأَحْبَارِ يَدخُلُ إِلَيهِ وَحْدَهُ مَرَّةً واحِدَةً في السَّنَة، ولا يَدْخُلُ إِلَيهِ إِلاَّ ومَعَهُ دَمٌ يُقَرِّبُهُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جَهَالاتِ الشَّعْب.
8 وبِهـذَا يُوضِحُ الرُّوحُ القُدُسُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ كُشِف، مَا دَامَ الْمَسْكِنُ الأَوَّلُ قَائِمًا.
9 وهـذَا رَمزٌ إِلى الوَقتِ الـحَاضِر، وفيهِ تُقَرَّبُ تَقَادِمُ وذَبائِح، لا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْعَلَ مَنْ يُقَرِّبُهَا كامِلاً مِن جِهَةِ الضَّمِير.
10 إِنَّهَا شَعَائِرُ جَسَدِيَّةٌ تَقْتَصِرُ على أَطْعِمَةٍ وأَشْرِبَة، وأَنْواعٍ شَتَّى مِنَ الإغْتِسَال، مَفْرُوضَةٍ إِلى أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الإِصْلاح.
11 أَمَّا الـمَسِيحُ فَقَدْ ظَهَرَ عَظِيمَ أَحْبَارِ الـخَيْرَاتِ الآتِيَة، وإجْتَازَ الـمَسْكِنَ الأَعْظَمَ والأَكْمَل، غَيرَ الـمَصْنُوعِ بِالأَيْدِي، أَيْ لَيْسَ مِن هـذِهِ الـخَليقَة،
12 فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا.

(الرسالة إلى العبرانيين - الفصل 9 – الآيات 1 إلى 12) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

في أحد تقديس البيعة ومع إفتتاح سنتنا الطقسية، يقارن كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين (عب 9: 1-12)، بين طقوس العبادة القديمة - قبل الفداء – القائمة على الشعائر والذبائح وبعض الموروثات التي شكّلت الرّافعة الرّوحيّة للكهنة وللشعب وبين الفداء المسيحانيّ الّذي قام به المسيح الّذي لم يخطأ قط، بتقديم ذبيحة ذاته مرّةً من أجلنا ومن أجل خلاصنا فأضحت كلّ الشعائر من بعده تستمدّ معناها من عمله الخلاصيّ!

لم يقم المسيح بعمل الفداء بدافع "الواجب" بل بدافع "المحبّة" ولذا إستطاع أن يُحقّق لنا "فِدَاءً أَبَدِيًّا" بينما التَقَادِمُ والذَبائِح التي كانت تُتمّم قَبل المسيح لم يكن بإمكانها "أَنْ تَجْعَلَ مَنْ يُقَرِّبُهَا كامِلاً مِن جِهَةِ الضَّمِير".

ذبيحة الربّ يسوع هذه تمّت تاريخيًّا في وقت محدّد من الزمان ولكن مفاعيلها الخلاصيّة مستمرّة في الأسرار وخاصّة في سرّ الإفخارستيّا الّذي يُجدّد حضور الربّ في وسط الجماعة ويُوحّد بالقربان والدمّ لاهوت الرب مع ناسوتنا كما نقول في الطقس المارونيّ.

الأسرار تحرّرنا إذًا من أسر منطق المكان والزمان الماديين والمحدودين لتدخلنا في منطق الزمان والمكان الإلهيَين واللامحدودين، فنتذوّق ولو لهنيهات طعم الأبديّة "الآن وهنا"، وفقًا للمقولة اللاهوتيّة المشهورة!

فليس المطلوب إذًا عيش الشعائر والطقوس كواجبات علينا تأديتها، بل كوسيلة تواصل مع الله تقرّبنا منه أكثر منطقًا وروحًا وحياةً!

في أحد تقديس البيعة، نسأل ذواتنا عن مدى إحساسنا بإرتباط صلواتنا وطقوسنا بهذا الخلاص العام والشامل بحيث تكتسب معناها كلّها ممّا نعلنه في كل إفخارستيا: "نذكر موتك يا رب ونعترف بقيامتك"! 

::: الإنجيل :::

1 وجَاءَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيْلِبُّسَ فَسَأَلَ تَلامِيْذَهُ قَائِلاً: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا إبْنُ الإِنْسَان؟".
2 فقَالُوا: "بَعْضُهُم يَقُولُون: يُوحَنَّا الـمَعْمَدَان؛ وآخَرُون: إِيْليَّا؛ وغَيْرُهُم: إِرْمِيَا أَو أَحَدُ الأَنْبِيَاء".
3 قَالَ لَهُم: "وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟".
4 فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقَال: أَنْتَ هُوَ الـمَسِيحُ إبْنُ اللهِ الـحَيّ!".
5 فأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بنَ يُونَا! لأَنَّهُ لا لَحْمَ ولا دَمَ أَظْهَرَ لَكَ ذلِكَ، بَلْ أَبي الَّذي في السَّمَاوَات.
6 وأَنَا أَيْضًا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ هُوَ بُطْرُسُ، أَيِ الصَّخْرَة، وعلى هـذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي، وأَبْوَابُ الـجَحِيْمِ لَنْ تَقْوى عَلَيْها.
7 سَأُعْطِيكَ مَفَاتيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَات، فَكُلُّ مَا تَربُطُهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَات، ومَا تَحُلُّهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً في السَّمَاوَات".
8 حينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ هُوَ الـمَسِيح.

 (إنجيل متى – الفصل 16 – الآيات 13 إلى 20) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

"أَنْتَ هُوَ بُطْرُسُ، أَيِ الصَّخْرَة، وعلى هذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي..."

بهذه البساطة بُنيت أكبر مؤسسة على مرّ التاريخ، ولا زالت حتى اليوم قائمة في جميع أقطار الأرض، تنتشر في كل بلد ومدينة وبلدة تشهد لحقيقة واحدة أنّ يسوع هو "المسيح إبن الله الحيّ".
كيف لتلك المؤسسة أن تبقى متماسكة منذ أكثر من ألفي سنة وهي تضمّ أكثر من ثلثي سكّان المعمورة؟ يتكلّم المنتسبون إليها جميع لغات العالم ويفهمون على بعضهم بالإشارة (الصليب)، يُديرها 5364 أسقفًا و 414336 كاهنًا وأكثر من خمسين ألف راهب وستمائة ألف راهبة، هذا عند الكاثوليك فقط وجميعهم يخضعون لخليفة بطرس في الفاتيكان!!

بُنيت الكنيسة على صخرة إيمان بطرس، وهو سمعان الّذي ترك الشباك على شاطىء بحيرة في فلسطين وتعلّق بشباك يسوع، هو الّذي تأرجح بين الشك والإيمان، بين الهروب والثبات، بين السيف والصليب، بين عهد الشريعة القديم وشريعة العهد الجديد، شهد أن المسيح المنتظر هو يسوع إبن الله الحيّ.

هذه الحقيقة ليست شعارًا عقائديًّا أو حكمة إنسانية، وليست دعاية دينية أو سياسية وليست هوسًا شعبيًّا دخل الميثولوجيا وخرج منها، ليست كلّ ذلك ولن تكون سوى تأسيسًا فائق القدرة والقوة لجماعة مؤمنة مثل حبّة خردل زُرعت في أرضٍ طيّبة ومن ثم نمت وكبرت فغطّت بأغصانها كل التاريخ الإنساني تتقدم وتتطور بذات النهج وتعلو فوق الحدود المصطنعة والإمتيازات المكتسبة أو المفروضة خدمةً للإنسان ولمجد إبن الإنسان.

تلك الشرارة إنطلقت مع سمعان بطرس في قيصرية فيليبّس كالخميرة في العجين فكانت ملح الارض ونور العالم ليس إدعاءً بل واقعًا يظهر جليًّا في المؤسسات الخيرية والمساعدات التي تديرها الكنيسة في جميع أنحاء العالم: 5245 مستشفى، 14963 مستوصف معظمها في إفريقيا، 15429 دارًا لكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة والمعاقين معظمها في أوروبا، 9374 دار أيتام معظمها في آسيا عدا عن المدارس والجامعات والمعاهد والجمعيات والحركات الرسولية والمنظمات الشبابية وغيرها...

أعرض هذه الإحصائيات ليس إستعراضًا ولا تبجحًا ولا إستكبارًا إنما إنبهارًا بسرّ تماسك هذه الكنيسة وإستمراريتها، خصوصًا أن سرّ تماسكها ليس عصبية دينية أو إثنية ولا هرمية إدارية ولا أجهزة رقابية إستخبارية ولا جيوش نظامية ولا كنوز أرضية بل بكل بساطة إيمان بطرس...
مَن ينتمي إلى الكنيسة ينتمي أولاً وأخيرًا إلى يسوع، ينجذب إليه ويتعلّق به إلى حدّ الحبّ الأعظم وهو بذل النفس من أجل أحبّاء أقرباء أو أعداء، لا يوجد في الكنيسة نظام داخلي ولا عقد ولا تلاوة شهادة أو إعتراف أو بروتوكول أو قوانين تعاقب وتنهي عن منكرٍ أو تأمر بمعروف أو غير معروف، بكل بساطة ينتمي الانسان إلى الكنيسة لا خوفاً من جحيم ولا طمعًا بنعيم بل حبًّا بمَن هو الطريق والحق والحياة...

إذا دخلت إلى أي مؤسسة كنسية تتوقع الإبتسامة وروح الخدمة والمجانية إلى حدٍّ كبير رغم كل الأخطاء والخطايا التي تُرتكب عن قصدٍ أو غير قصد بالقول أو بالفعل أو حتى بالفكر لكن تبقى ثابتة أن الحب ينتصر في النهاية كما يقول بطرس الصخرة في رسالته الاولى: "وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (1 بط 4: 8). وتستمر الكنيسة ترفد البشرية بالجمالات كمياه الأمطار وأنوار الشمس لا تميّز بين داخل أو خارج بين قريب أو بعيد ولا تقيس الإنسان حسب إنتمائه بل حسب جوهره كإنسان أولاً وأخيرًا وحسب حاجته لدرجة التماهي القصوى بينه وبين يسوع كائنًا مَن يكون "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي" (متى 25: 35)، فهو من إخوة يسوع الصغار "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت 25: 40).

تلك الكنيسة التي تأسست على صخرة إيمان بطرس ليست مُلكًا لأحد مهما بلغ شأنه لا يستطيع أن يحتفظ بها لنفسه ولا يستطيع تسجيلها بإسمه ولا يستطيع بيعها أو شرائها أو توريثها أو صبغها بتلاوينه أو ميوله أو مواهبه، هي كنيسة المسيح إبن الإنسان المسكين والمجروح والمضطهد والمنبوذ واللص والخاطىء، تعمل حسب إرادة مؤسسها وقائدها وحارسها وملهمها وتكمل رسالته كما رسمها هو "اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ" (متى 11: 5).

هذا ما فعله يسوع بشغف محققًا كل النبؤات وكل إنتظارات مساكين الأرض، طالبًا ممّن ينتمي إليه أن يُكمل ما بدأه هو في حياته على الأرض "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا" (يو 14: 12).

إن بقاء الكنيسة وإستمرارها وإنتشارها لا يعتمد لا على لحمٍ ولا على دمٍ وإلا لكانت إنتهت مع أول إضطهاد في ظل حكم الإمبراطورية الرومانية المستبد والّذي تفنّن في إعدام مَن يؤمن بالمسيح. رغم هول الإضطهاد والموت إنتشرت الكنيسة في كل أرجاء الامبراطورية ونمت تحت الأرض وفوقها وسارت في خطٍّ واحد حافية القدمين عارية من كل غطاء أو إعتبار بشري نحو الجلجلة في إنتظار القيامة منتزعةً إعتراف ميلانو سنة 313 ميلادية من الإمبراطور قسطنطين الّذي كان يضطهدها بعد أن شاهد بعينه وعاين بقلبه علامة إنتصارها أي الصليب فوق جسر المدينة.

لا أحد يُصدق أن الكنيسة إنتصرت على أكبر أمبراطورية عرفها العالم القديم دون سيفٍ أو ضربة كفٍّ لأن يسوع أمر بطرس أن يردّه إلى غمده ليلة إعتقاله في بستان الزيتون ولأن بطرس هو الصخرة الّذي بنى عليها يسوع كنيسته. بقي السيف في غمده رغم ما عاناه المسيحيون من سلسلة إضطهادات رسمية على أثر رفضهم المشاركة في العبادة الإمبراطورية الّذي حُسب قانونًا خيانة يعاقَب عليها بالإعدام. وكان «الإضطهاد العظيم» حيث أمر الإمبراطور بهدم المباني المسيحية وجمع كتبهم المقدسة وإحراقها وإعتقال المؤمنين الّذين عُذِّبوا، شوِّهوا، وأحرقوا، وجوعوا وأخذوا لمسابقات المصارعة لتسلية المتفرجين!!

ما زال هذا السؤال يسكن في الكثير من العقول : "أأنت الآتي أم ننتظر آخر" (متى 11: 3). لنعلن بفمنا وقلبنا: يسوع المسيح هو الربّ (فيليبّي 2: 11). هذه هي أنشودتنا الثابتة التي نحن مدعوّون إلى ترنيمها كلّ يوم. مع بساطة ويقين وفرح معرفة أن "الكنيسة لا تشرق من نورها الذاتي، إنما من نور المسيح. تستمدّ بهاءها من نور البرّ، فتقدر بهذا أن تقول: "ما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20)" (القديس أمبروسيوس).

هذا سرّ إيمان بطرس وسرُّ بقاء الكنيسة وإستمرارها وإنتشارها ونموها وقوات الجحيم لن تقوى عليها.. 

::: تــــأمّـل روحي :::

مَن أكون؟

وأنا أتأمّل في هذا النصّ كيف كان يسوع وتلاميذه يتحاورون ويتكلّمون كرفقةٍ تميّزت عن غيرها في تلك الأيام، وما زالت تحمل التميّز نفسه في أيّامنا، إستفاق ذاكرتي على جماعةٍ روحيّة تدعى "رفقة يسوع" وكنت قد إنضممت إليها بكل فرحٍ وحماسة كبيرة. كم كنّا نجتمع بإسم يسوع نتأمّل، نصلّي، نتحاور حول مواضيع روحية وكيفيّة تنشأة الأطفال والشبيبة على هذه الروح، روح الحب والمشاركة، روح المعرفة لإكتشاف هويّتنا الحقيقية بأنّنا إخوة يسوع إبن الله، وبه، أصبحنا جميعنا أبناء لله.

اليوم ماذا بقي في مجتمعاتنا من هذه الحقيقة، وكيف تبدّلت لغة حواراتنا ومواضيعها في ظلّ ما يجري من قتلٍ ودمار وتشنيعٍ لا يقبل به لا المنطق ولا القلب. أصبحت اللغة المرنة هي التي تتنقّل فيها الكلمات والمواقف من كتفٍ إلى كتفٍ آخر في ثوانٍ ومن أسودٍ إلى أبيض والعكس صحيح كلٌ بحسب المصالحية البحتة. شكوك في البقاء على قيد الحياة حتّى الغد، قلقٌ على مستقبلٍ يفتقد لرؤيةٍ ولو بسيطة تنزع من الأعماق هذه الفوضى العارمة المتسلّحة بالخوف الّذي بات يسيطر على النفوس. لكن ما هي فائدتي في هذه "المعمعة" العارمة إن لم أفعل شيئًا بقدر تلك الحبة من الرمل التي تتكاتف مع مثيلاتها لدعم البنيان وثباته؟

فمَن أكون؟
جلست مع ذاتي مستعينًا بحضرة الله وبروحه وسألت: هل كنت سأعرف الإجابة حقًّا اليوم على سؤالك يا ربّ "وأَنْتِ مَنْ تَقُولُين إِنِّي أَنَا؟". الجواب لم يكن حاضرًا بالسرعة التي فعلها بطرس، فأنا أحبّه كثيرًا ولكن هل هو مَن أستجيب له في كلّ مرّة يدعوني فيها حقًّا حين كانت كلمات أخرى تطلبني لتعبئة فراغها لفراغ معناها من الحقّ؟ ودخلت في كمٍّ من الأسئلة التي لا تنتهي لأتعرف على ذاتي من أكون فتساءلت:
هل صدّقته بأنّه يدعوني بإسمي وبشخصي لذاتي وليس لمرتبتي أو لِعلمي وثقافتي ولا لأيّ عائلة أنتمي، هل صدّقت بأنّه يدعوني لِهَويّتي حيث ختمني فيها دمه إبنةٌ للآب؟
هل إكتشفت فإكتفيت بأنّني ثمينه لديه حتّى ولو أبغضني العالم كلّه وفريدة في عينيه وأنّه أحبّني من قبل أن أولد حتّى لو لم يكن لديَّ من يرمقني بنظرة حبّ أو يلبسني ويطعمني، ولا حتّى من يسمعني على الأقلّ مجاملةً إن لم يرغب أن يصغي إليّ أو نُبِذتُ لأنّه حُبل بي "بالغلط"؟
كيف أتحاور معه وأطلب منه أن أحصل على الحبّ: هل أتوجّه إليه وأخاطبه بتجرّدٍ وتواضع فيعلّمني أن أرى وجهه في الآخر فأعيش فعل العطاء والطلب بفرحٍ بعفويّة كاملة؟
هل أطلب مساعدته لأجد في عمق أعماقي التناغم والثبات فيه "فأقبل بكلّيتي كلّ ما يهبني إيّاه، ثمّ أعيده له في إخوته - إخوتي، مدركًا أن كلّ ما أقدّمه له من ذاتي و"ممّا أملك هو عطية منه وله أردّه"، فتنمو بذلك علاقتي به هُو الّذي هُو، فأصبح حرًّا بحقّ وسط العالم؟

أمّا الجواب الأكبر يكمن في طلبه لـِ"تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إنَّهُ هُوَ الـمَسِيح." ولِما يطلب ذلك فهو المسيح وقد إختبروه وعاشوا معه لحظة بلحظة حتّى الصليب!

ليس الأمر كما ظننت، إنّه الكلمة، إنّه "سرّ الله العظيم" يقول القديس بولس، سر الحياة الكاملة، كما أنّه الخلاص وسرّ القيامة، فكيف لي أن أتكلّم عنه كيفما كان وهو الكلّي القدرة والحبّ المطلق وأنا لست أهلًا بعد لأخبر عنه بما لم أختبره، لم أقبله بعدُ بالملئ وبالشغف الكبير بالمجان كما قبلني وجاد بنفسه وأكثر من أجلي؟ إنّه الخالق والكلمة الحرّة منذ الأزل وإلى الأبد هو هو.

في الختام نفسي باتت تتعرف على ضعوفاتها الكثيرة، لم أعد أقوى على قول المزيد سوى أنّي أومن بأنّك جعلتني إبنة الآب رغم كلّ شيء، وأنت وحدك العارف من أنا، وأنت وحدك من تهبني الفرح والسلام حتّى في ضيقي، فأنت لي إبن الله الّذي إختار أن يرافقني في عبور الصليب نحوه، فإجعلني أعبره بسلام طفلٍ صغير يرقد بإبتسامةٍ صامتة على صدر أمه إلى أن يحين اللقاء.

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... هل يستطيع أحد أن يُغيّر التاريخ وبالأخص إن كان قد دُوِّن بمراجعٍ عديدة؟! أمرٌ إعتقد البعض بأنهم يمكنهم أن يفعلوا ذلك بالكذب، وصدّقهم نوعان من البشر: أولاً الّذين يجهلون التاريخ، وثانيًا مَن تكون الكذبة موالية لمصلحتهم. بموهبة من الروح القدس شرح القديس بولس الرسول مَن هو الرّب يسوع وعلاقته بالهيكل ومكوناته من غُرف وما تحتويه وما كان يتمّ في كلٍّ منها، مؤكدًا للعبرانيين بأنه "المسيح، مُخلّص إسرائيل" الّذي كان ينتظرونه، ينتظروه لا ليُخلّصهم من أعداء بشريّين ويُعيد لهم الإستقلالية على الأرض الموعودة وإنما ليُخلّصهم من أسر الخطيئة ويُعيد لهم ميراثهم في الأرض السماوية بمغفرة خطاياهم بدم القدّوس المسيح، تلك الأرض التي لم يتعب شعبها المُكوّن من مختلف الأجناس في غرس أشجارها وإنما حصد ثمارها بمجهود وآلام الرّب يسوع، فأنت هو الّذي إعتنى بها (تثنية الإشتراع 11: 8-12)؛ تلك الأرض السماوية التي كلّ مَن يدخلها هو إبنًا لك ووارثًا للأرض، شعبًا مُقدّسًا لكَ، فكما مكتوب: "أنت المُحب للشعوب، جميع القدّيسين في يدك وهم يسجدون عند قدميك يقتبسون من كلماتك" (تثنية الإشتراع 33: 3). أجل، كثيرة هي المواقف والأحداث والكلمات التي حدثت وقيلت لتنقلنا من عالمٍ ملموس إلى عالمك اللامرئي وفكرك وقلبك فنتقرّب منه دون خوفٍ أو عدمِ إيمان.

ربّي وإلهي ... يُخطئ الإنسان وأنتَ تُلام، أنت تتكلّم وتشرح والبعض يضع يده على أُذنيه ويجرء على تغيير ما تقول فيصدقّه الجهّال والعميان، ومع ذلك تبقى الحقيقة نورًا لا يُمكن أن يُطفئ: المسيح قد أتى وأنت وفيتَ بوعدك لخلاصنا ولا يمكننا أن ننتظر آخر. أنعم علينا بأن نشهد للرّب يسوع "المسيح، إبن الله الحيّ" ونُبشّر بهبتك المجانية دون خوفٍ أو كسل، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يعقوب أخي الربّ)

1- (المحتفل): نقدّم لك هذه الذبيحة من أجل كنيستك المقدّسة المنتشرة في العالم كلّه، ومن أجل الأماكن المقدّسة الّتي مجّدتها بظهور المسيح إبنك وخصوصًا من أجل أورشليم أمّ الكنائس، إمنحها جميعًا مواهب روحك القدّوس؛ أذكر يا ربّ أساقفتنا الأطهار الّذين يوزّعون كلمة الحقّ، ولا سيّما آباءنا المغبوطين: مار … بابا رومة، ومار … بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، وجميعَ خدّام البيعة ومراتبها. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر آباءنا وإخوتنا المصلّين معنا الحاضرين والغائبين، والّذين طلبوا أن نذكرهم في صلواتنا. إستجب سؤل كلّ واحدٍ بما يؤول إلى خلاصه؛ وأذكر الّذين قدّموا القرابين إلى مذابحك المقدّسة، والّذين قُدِّمت من أجلهم، والّذين رغبوا في أن يقدّموا ولم يستطيعوا، ومن أجل من ذكرناهم ومن لم نذكُرهم، كافئهم بفرح خلاصك، إذ تقبل قربانهم على مائدتك السماويّة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر حكّامنا والمسؤولين بيننا، ليُحقّقوا العدل ويُحلّوا السلام، وزيّنهم بمخافتك؛ وأذكر يا ربّ الأسـرى والمسجونين، والمرضى والمتألّمين، والمتضايقين والمحتاجين؛ والعاملين في مختلف قطاعات الحياة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، أيضًا، جميع الّذين حَسنوا لك منذ البدء: القدّيسة المجيدة مريم الدائمة البتوليّة، ورؤساء الآباء والأنبياء والرسل، والقدّيس يوحنّا السابق المعمدان، والقدّيس إسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار يعقوب الرسول رئيس الأساقفة والشهيد ومار …(شفيع الكنيسة)، ومار …(صاحب العيد)، وجميع القدّيسين، أحصِنا بنعمتك معهم في بيعة الأبكار المكتوبين في السماء. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (الشمّاس): أذكر يا ربّ آباء الكنيسة ومعلّميها الّذين أعلنوا كلمة الحقّ في البيعة المقدّسة، وحملوا مسيحك أمام الشعوب كافّة؛ وإمنَح، بصلواتهم، السلام لبيعتك، وثبّت تعاليمهم في نفوسنا. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
6- )المحتفل): أذكر يا إله الأرواح وكلّ ذي جسد جميع الموتى المؤمنين الّذين رقدوا على الإيمان الحقّ، أَرحهم ونقّهم من كلّ وصمة، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننالَ المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة 

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

المقدّمة وأفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 


أفكار من الانجيل

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/KamelYoussefKamel

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس