الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

مدخل السنة الطقسيّة


أحد تجديد البيعة
(12 تشرين الثاني 2023)

::: مـدخــل :::

• نُكمل مسيرتنا في هذا الأحد، أحد تجديد البيعة، مع قراءات تقرّب إلينا أكثر شخصيّة وهويّة ورسالة ربّنا يسوع المسيح.
• في المقطع المختار من الرّسالة إلى العبرانيين، نتأمّل في عظمة الفداء وفيما يتمّ في سرّ الإفخارستيا من تأوين لمفاعيل هذا الفداء، حين نتقاسم معًا جسد الربّ يسوع ودمه كما كَلِمته وتعاليمه لنا.
• أمّا في نصّ الإنجيل فنتأمّل في كلمات هي الأوضح للربّ يسوع عن لاهوته، فهو والآب واحد. إنهما ليسا الشخص نفسه، بل إنهما واحد في الجوهر والطبيعة الإلهية. ومن ثم فليس يسوع مجرد معلم صالح لكنه هو الله المتجسد نفسه.
• في هذا الأحد، فلننصت إلى صوت الله الّذي يتكلّم في حياتنا وفي كلّ ما يُحيط بنا من أحداث ومستجدّات!  

::: صـلاة :::

أيّها الإبن السّماويّ، نشكرك لأنّك جدّدت إنسانيّتنا بعمل الفداء، ونسألك أن تفيض من روحك القدّوس في قلوبنا فنُساهم في عمل التجديد الدّائم في الكنيسة فيتمجّد فيها وفينا بأعمالنا أسم الآب السّماويّ، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: العهد القديم :::

1 أَمَّا الْمَكَّابِيُّ وَالَّذِينَ مَعَهُ فَإسْتَرَدُّوا الْهَيْكَلَ وَالْمَدِينَةَ بِقيادَةِ الرَّبّ،
2 وَهَدَمُوا الْمَذَابِحَ الَّتِي كَانَ الأَجَانِبُ قَدْ بَنَوْهَا فِي السَّاحَةِ وَخَرَّبُوا أَمَاكِنَ الْعِبَادَة.
3 وبَعْدَ أَن طَهَّرُوا الْهَيْكَلَ، صَنَعُوا مَذْبَحًا آخَرَ، وَٱقْتَرَحُوا حِجَارَةً ٱقْتَبَسُوا مِنْهَا نَارًا وَقَدَّمُوا ذَبِيحَةً بَعْدَ مُدَّةِ سَنَتَيْنِ، وَهَيَّأُوا الْبَخُورَ وَالسُّرُجَ وَخُبْزَ التَّقْدِمَةِ.
4 وَلَمَّا أَتَمُّوا ذلِكَ، جَثَوا بِصُدُورِهِمْ وٱبْتَهَلُوا إِلَى الرَّبِّ أَنْ لاَ يُصَابُوا بِمِثْلِ تِلْكَ الشُّرُورِ، وأَن يُؤَدِّبُهُمْ هُوَ بِحلمٍ إِن خَطِئُوا، وَلاَ يُسَلِّمُهُمْ إِلَى أُمَمٍ مُجدِّفَةٍ وَحْشِيَّةٍ.
5 وَإتَّفَقَ أَنَّهُ فِي مِثْلِ الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ نَجَّسَ الْغُرَبَاءُ الْهَيْكَلَ، فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ تَمَّ تَطْهِيرُ الْهَيْكَلِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ شَهْرُ كِسْلُوَ.
6 عَيَّدُوا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِفَرَحٍ، كَمَا فِي عِيدِ الأَكْواخ،
7 وَلِذلِكَ رَفَعوا الأناشيدَ إلى الَّذي يَسَّرَ تَطْهِيرَ مَكَانِهِ الْمُقدَّس.
8 وَفرَضوا فَريضة عَامّةً ومُثَبَّتَةٌ بالِإقْتِراع أَنْ تُعَيِّدَ جَمِيعُ أُمَّةِ الْيَهُودِ هذِهِ الأَيَّامَ فِي كُلِّ سَنَةٍ.

(سفر المكابيّين - الفصل 10 – الآيات 1 إلى 6أ. 7أ. 8) 

::: تأمّل من وحي العهد القديم  :::

تَعريف بِسِفر المَكابيين:
في حوالي سَنَة 333 قبل الميلاد دَخَلَ الإغريق (اليونانيّون) الشَّرق مع الإسكندر المَقدوني. بِقُوَّتِهِم الحَربيَّة الكَبيرَة إحتلّوا منطقة الشَّرق، وفَرَضوا سَيطَرَتَهُم عَبرَ حُكَّامٍ عَيَّنوهُم، فَحَكَموا المنطَقَة وَفَرَضوا عَلَيْهَا الضَّرائب، وفَرَضوا أيضًا آلِهَتَهُم. هذا ما أسَّسَ لِمُشكِلَة كَبيرَة لليَهود: كيف لهم أن يقبلوا بِعِبادَة إله آخَر غَير الله؟! لَقَد حَلُمَ أحَد حُكَّام اليونانِيِّين في المِنطَقَة "أنطيوخوس إيبيفانيوس" بِأن يَجعَلَ كُلّ النَّاس أُمَّةً وَاحِدَة وَحَضَارَة واحِدَة، فَفَرَضَ آلِهَة اليونانِيِّين على الجَميع بِمَن فيهِم اليَهود، وَزادَ على كُلّ هذا أنَّهُ بَنَى في قلب الهيكل في أورشَليم مَذبَحًا للإله الإغريقي زوش... هذا مَا جَعَلَ يَهوذا المَكابي وَأهل بيته ومُنَاصِريه بِأن يَقوموا بِثَورَة ضِدَّ اليونانيين، وَفَضَّلوا الشَّهادَة وَالمَوت على الرُّضوخ للأمر الواقِع وَعِبادَة زوش.

ظُروف كتابَة النَّص:
في هذا الواقِع المَرير الّذي رَوَينَاه، كانَت مِحنَة كَبيرَة لليَهود راحَ ضَحِيَّتَهَا الكَثير من المُؤمِنين... وَلَكِن، لَيسَ مِن مِحنَة إلاَّ وَلَهَا نِهَايَة: إنتصَرَ المَكَابِيُّونَ اليَهود على الإغريق، وَدَحَروهُم إلى خارِج أورشَليم، وَهَدَموا المَذابِح الوَثَنِيَّة التي أقامَها أنطيوخوس إيبيفانيوس وخلفاؤه، وَجَدَّدُوا عِبادَة الله الحَيّ في الهَيكَل، وَصارَ لِتَجديد العِبادَةِ عيد...

مضمون النّص:
في هذا النَّص نَتَعَرَّف إلى الشَّعائر التي إعتَمَدَها المكابِيُّون لِتَجديد العِبادَة في الهَيكَل الّذي دَنَّسَهُ عابِدُو الأوثان:
- لَم يَدخُلوا الهَيكَل وَمَدينَة أورشَليم المُحتَلَّة من الوَثَنِيِّين بِقِيادَتهم، بَل بِقِيادَة الرَّب: منهُ القُوَّة وَمِنهُ الإنتِصار.
- أماكِن العِبادَة التي تُكَرَّس لِعِبادَة الآلِهَة الإغريقيَّة جَميلَةٌ جِدًّا بِزَخرَفاتِهَا وَتَماثيلِهَا الأخَّاذَة... وَمَعَ ذلِكَ، هَدَمَ المَكابِيُّون كُلّ مَا يَمُتُّ للعِبادات الوَثَنِيَّة بِصِلَة، فَلَم يَعُد مِن وُجود لأي مَذبَح لإلهٍ آخَرَ غَير الإله الحَيّ.
- طَهَّروا الهَيكَل مِن دَنَس ذَبائِح الأوثان، غَسَلوا كُلَّ شَيء، بَنَوا مَذبَحًا جَديدًا لله، جَلَبوا حِجارَة صَوَّان جَديدَةً لَم تُستَعمَل في عِبادَة الأصنام لِيُخرِجُوا منها نارًا جَديدَةً طاهِرَةً للذَّبيحَة، قَدَّموا ذَبيحَةً لله بَعدَ سَنَتَين من الإنقِطاع، جَدَّدوا البخّور، وَالقَنادِيل، وَخُبز التَّقدِمَة... كل ذلك جَعَلَ الهَيكَل في عيد، إذ أصبَحَ فيهِ كُلّ شَيءٍ جَديدًا.
- تابُوا عَن خَطاياهُم وَطَلَبوا الرَّحمَة من الرَّب،
- عَيَّدُوا ثَمَانِيَةَ أيَّام بِمُنَاسَبَة تَجديد العِبادَة في الهَيكَل،
- رَفَعوا التَّرانيم للرَّب إذ يَسَّرَ تَطهير هَيكَلِهِ،
- أصبَحَت ذِكرَى تَجديد الهَيكَل عيدًا سَنَوِيًّا...

ما علاقَة هذا النَّص بالقِراءات اللاحِقَة؟
هذا النّصّ الّذي دَرَسناه من سِفر المَكابيين الثاني، لَهُ صَدَاه المُباشَر في قِراءات العَهد الجَديد التي تُتلَى على مَسامِعِنَا في أحد تَجديد البيعَة:
- يُعلِن كاتِب الرِّسالَة إلى العِبرَانيين بِأنَّ يَسوع أبطَلَ ذَبائِح العَهد القَديم، لأنَّهُ دَخَلَ قُدسَ الأقداسِ لِمَرَّةٍ وَاحِدَة لَيسَ بِدَمِ التُّيوس وَالعُجول، إنَّمَا بِدَمِهِ هُوَ فَجَدَّدَ كُلّ شَيء: لم يُجَدِّد الهيكل الخارِجِي، بل جَدَّدَ الذَّبيحَة بِدَمِهِ، الّذي هُوَ دَم العَهد الجَديد، لِغُفران الخَطايا، وَتَضميد الجِراح، وَشِفاء القُلوب.
- يُخبِرُنا يوحَنَّا الرَّسول في الإنجيل عَن مُواجَهَة حَصَلَت بينَ الفَرّيسيين (العَهد القَديم) وَيَسوع (العَهد الجَديد)، وَكَانَ ذلِكَ في عيد التَّجديد الّذي يَذكُر تَجديد الهَيكَل بَعدَ الثَّورَة المَكَابِيَّة. يَسوع يُعلِنُ التَّجديد المَبني على حُبّ الله وَعَطِيَّتِهِ لِذاتِهِ، فيمَا يُصِرّ الفَرّيسيّون على العَودَة إلى شَعائر العَهد القَديم.

خاتِمَة
لِنُجَدِّد عِبادَتَنَا! لِنَخرُج من جُمود التَّقَوِيَّات البالِيَة، وَلِنَدخُل في تَجديد يَسوع الّذي أعطَانا ذاتَهُ. لِنَتَخَلَّص من أصنامِنَا التي تَطلُب مِنَّا أن نُضَحّي بِكُلّ شَيء وَبِذَواتِنَا في سَبيل عِبادَتِها، وَنَتَمَسَّك بِيَسوع الّذي ضَحَّى بِذاتِهِ وَبِدَمِهِ وجَدَّدَنَا وَأعطانا غُفران الخَطَايا وَرَدَّنَا إلى الحُلَّةِ الأولَى، لِنَصيرَ أبناء المَلَكوت. 

::: الرسالة :::

11 أمَّا الـمَسِيحُ فَقَدْ ظَهَرَ عَظِيمَ أَحْبَارِ الـخَيْرَاتِ الآتِيَة، وإجْتَازَ الـمَسْكِنَ الأَعْظَمَ والأَكْمَل، غَيرَ الـمَصْنُوعِ بِالأَيْدِي، أَيْ لَيْسَ مِن هـذِهِ الـخَليقَة،
12 فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا.
13 فإِذا كانَ رَشُّ دَمِ الـتُّيُوسِ والثِّيْرَانِ ورَمَادِ العِجْلَةِ على الـمُنَجَّسِين، يُقَدِّسُ أَجْسَادَهُم فَيُطَهِّرُهُم،
14 فَكَم بِالأَحْرَى دَمُ الْمَسِيح، الَّذي قَرَّبَ نَفْسَهُ للهِ بِالرُّوحِ الأَزَلِيِّ قُرْبَانًا لا عَيْبَ فِيه، يُطَهِّرُ ضَمِيرَنَا منَ الأَعْمَالِ الـمَيْتَة، لِنَعْبُدَ اللهَ الـحَيّ!
15 ولِذلِكَ فَهُوَ الوَسِيطُ لِعَهْدٍ جَدِيد، وقَدْ صَارَ مَوتُهُ فِدَاءً لِتَعَدِّيَاتِ العَهْدِ الأَوَّل، حَتَّى يَنَالَ بِهِ الـمَدْعُوُّونَ وَعْدَ الْمِيْرَاثِ الأَبَدِيّ.

(الرسالة إلى العبرانيين - الفصل 9 – الآيات 11 إلى 15) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

في أحد تجديد البيعة، أي الكنيسة، نتأمّل في هذا النصّ الّذي يُقيم مقارنةً ما بين مفهوم الذبيحة في العهد القديم وذبيحة الربّ يسوع المسيح في العهد الجديد.
عبر التاريخ، سعت كلّ ديانة لتطوير "ليتورجيّتها" الخاصّة بهدف إيجاد أفضل طرق التواصل مع معبودها.
كان النّاس، قبل المسيحيّة، يعتمدون على الذّبائح الحيوانيّة ليرضوا آلهتهم ولكي ينالوا البركات (المواسم والغلّات) أو التطهير والغفران (الذنوب...).
لقد ظنّ النّاس أنّهم يرضون الآلهة إن قدّموا ذبائح من زرعهم أو أملاكهم أو حتى من ذواتهم (أيّام التقادم البشريّة) بينما هم كانوا يقدّمون ممّا خلقه الله لسواه (أيّام عبدوا الأصنام) أو ممّا لا يرضيه ولا يعوزه (يوم عبدوه كإله).
بمختصر مفيد: كان الإنسان يُقدِّم للإله!
لقد حفلت الديانة اليهوديّة بالشعائر والإحتفالات التي يتلخّص هدفها في "تقديس" و"تطهير" المؤمن من أدناسه وخطاياه ليستحقّ التواصل مع الربّ الإله "القدّوس" و"المتعالي" و"المحتجب" عن عيون بني البشر.
لكنّ عدّة عوامل ساهمت في تحوير مسار الطقوس اليهوديّة عن هدفها الأصليّ فتحوّلت مع الوقت إلى "جسمٍ دون روح"، أي صلواتٍ وإحتفالاتٍ شكليّة تفتقد إلى الروحانيّة العميقة التي من شأنها تغذية المؤمن وتحفيزه للشهادة للربّ في حياته ومسلكياته وهو ما تجلّى عمليًّا في الفصل المعتمد ما بين الحياة الروحية (أي الصلوات والطقوس الدينيّة) والحياة العمليّة (أي الحياة داخل المجتمع) وجعل الأنبياء ينبّهون الشعب عبر آياتٍ واضحة كهذه:
• "إنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ" (هوشع 6: 6)...
• "يَا إبْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (سفر الأمثال 23: 26)...

في العهد الجديد، مع المسيح، إنقلب المنطق...
فالله قدّم ذاته ذبيحًا عن الإنسانيّة ومن أجلها... وبمختصر مفيد: قدّم الله للإنسان!
أتى المسيح فعلّمنا أن نقدّم توبتنا للربّ وأن نقدّم قلوبنا ورحمتنا ومحبّتنا وألّا نكتفي بالماديّات كتقادم، فالله لا يصرّف الماديّات ولا تعني له بكونه خالقها وليس بحاجةٍ لها!
هكذا نفهم إن قدّمنا ماديّات لجمعيّات أو حتى للكنائس فنحن نساهم في منح الحياة للمعوزين وليس "رشوةً" لله كما يظنّ البعض!

العلاقة ما بين الإنسان والله لا تقوم سوى من خلال العبور بالإنسان الآخر الّذي من أجله أيضًا مات المسيح. وبالتالي لا تقوم الصلاة والعبادة المسيحيّتين إلا على قاعدة التشبّه بالمسيح في أمرين: الغفران والمحبّة. فمَن أراد أن يصلّي عليه أولاً أن يغفر لمن أساء إليه أو أن يُصالح من أخطأ بحقّه قبل أن يشارك في الصلاة أو القدّاس. ومتى شارك، عليه أن يعبّر عن هذه المشاركة من خلال شهادته لإيمانه المتجسّدة في أعمال المحبّة الصادقة والمجانيّة.
القداسة تتطلّب إذًا تجدّدًا دائمًا يشعّ من قلب الإنسان ليغمر فكره وكيانه فيتألّق بالقداسة مع ربّه ومع الناس.

قد يخطر لنا، عند تأمّلنا لهذه الرّسالة، أنّ التجديد لم يعد ممكنًا لأنّ المسيح "حقّق لنا فداءً أبديًّا" ومنحنا "ميراثًا أبديًّا". فهل يعني ذلك بأنّ كلّ شيء "قد تمّ" (يو 19: 30) ولم يعد ممكناً القيام بشيء؟
بالمعنى اللاهوتي، نعم! فلا أحد منّا بمقدوره تحقيق فداءٍ أو خلاصٍ أعظم ممّا قام به الربّ يسوع بتجسّده وبموته وبقيامته.
ولكن، بالمعنى الرّوحيّ، يبقى على كلّ واحدٍ آمن بما قام به الربّ المخلّص، أن يستفيد من مفاعيل هذا الخلاص في حياته وأن يجدّدها بسعيه الدائم إلى تحقيق مشيئة الله وإرادته في حياته وفي حياة مَن يعيش معهم أو من أجلهم.

تدعونا الرسالة اليوم إلى تجديد طريقة صلاتنا وعبادتنا على ضوء إيماننا بالربّ يسوع كي لا يصبح إيماننا "تديّنًا" فارغًا من المضمون أو "واجبًا" جافًّا يفتقد إلى الروحانيّة! وما أكرهها جملةً تلك التي تتصدّر "نعواتنا" حين نحجّم إيمان المتوفى ومحبّته إلى مجرّد "تتميم لواجباتٍ دينيّة" وكأنّ مجرّد المشاركة ببعض الطقوس يمنحنا "جواز السفر" إلى السماء!
فلنبتعد إخوتي عن هذا الإيمان "العقيم" ولنتب ولنتقبّل الربّ يسوع المسيح مخلّصًا وحيدًا وإلهًا حبيبًا تتجسّد محبّته في نعمة الأسرار التي توحّدنا به وتجعلنا أعضاء فاعلين في كنيسته – جسده السرّي – بحيث تعبّر أعمالنا عن مدى عمق إدراكنا وإمتناننا لمحبّة الله اللامتناهية لنا!
فهل سنجدّد قلوبنا لنكون تقدمةً مرضيّةً لله على الدوام؟! 

::: الإنجيل :::

22 وحَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أُورَشَلِيم، وكَانَ فَصْلُ الشِّتَاء.
23 وكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى في الـهَيْكَل، في رِوَاقِ سُلَيْمَان.
24 فَأَحَاطَ بِهِ اليَهُودُ وأَخَذُوا يَقُولُونَ لَهُ: "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الـمَسِيح، فَقُلْهُ لَنَا صَرَاحَةً".
25 أَجَابَهُم يَسُوع: "قُلْتُهُ لَكُم، لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون. الأَعْمَالُ الَّتِي أَعْمَلُهَا أَنَا بِإسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي.
26 لـكِنَّكُم لا تُؤْمِنُون، لأَنَّكُم لَسْتُم مِنْ خِرَافِي.
27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي.
28 وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.
29 أَبِي الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الكُلّ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَهَا مِنْ يَدِ الآب.
30 أَنَا والآبُ وَاحِد".
31 فَأَخَذَ اليَهُودُ، مِنْ جَدِيدٍ، حِجَارَةً لِيَرْجُمُوه.
32 قَالَ لَهُم يَسُوع: "أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟".
33 أَجَابَهُ اليَهُود: "لا لِعَمَلٍ حَسَنٍ نَرْجُمُكَ، بَلْ لِتَجْدِيف. لأَنَّكَ، وَأَنْتَ إِنْسَان، تَجْعلُ نَفْسَكَ إِلـهًا".
34 أَجَابَهُم يَسُوع: "أَمَا كُتِبَ في تَوْرَاتِكُم: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُم آلِهَة؟
35 فَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولـئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله، ولا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الكِتَاب،
36 فَكَيْفَ تَقُولُونَ لِي، أَنَا الَّذي قَدَّسَهُ الآبُ وأَرْسَلَهُ إِلى العَالَم: أَنْتَ تُجَدِّف؛ لأَنِيِّ قُلْتُ: أَنَا إبْنُ الله؟
37 إِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي، فلا تُصَدِّقُونِي،
38 أَمَّا إِذَا كُنْتُ أَعْمَلُهَا، وإِنْ كُنْتُم لا تُصَدِّقُونِي، فَصَدِّقُوا هـذِهِ الأَعْمَال، لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب".
39 فَحَاوَلُوا مِنْ جَدِيدٍ أَنْ يَقْبِضُوا عَلَيْه، فَأَفْلَتَ مِنْ يَدِهِم.
40 وعَادَ يَسُوعُ إِلى عِبْرِ الأُرْدُنّ، إِلى حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدْ مِنْ قَبْلُ، فَأَقَامَ هُنَاك.
41 وأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وكَانُوا يَقُولُون: "لَمْ يَصْنَعْ يُوحَنَّا أَيَّ آيَة، ولـكِنْ، كُلُّ مَا قَالَهُ في هـذَا الرَّجُلِ كَانَ حَقًّا".
42 فآمَنَ بِهِ هُنَاكَ كَثِيرُون.

(إنجيل يوحنا – الفصل 10 – الآيات 22 إلى 42) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

"لِكَي تَعْرِفُوا وتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنِّي في الآب"

يتكلم إنجيل يوحنا عن لاهوت المسيح منذ الفصل الاول ["في البدء كان الكلمة" (يو 1:1)]، والكلمة هو يسوع الكائن منذ الأزل عند الله مساويًا له في جوهر الألوهة:
 يخلق من العدم ["كل شيء به كان" (يو 2:1)]،
 وهو مصدر كل حياة لكل بشر ["فيه كانت الحياة" (يو 4:1)]،
 أضاء ظلمات العالم السائرين في وادي ظلال الموت ["الحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة (يو 5:1)]،
 أعطاهم نعمة البنوة الإلهية ["كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله" (يو 11:1-12)]،
الأمر الّذي أزعج اليهود ولا زال يُزعج الكثيرين إذ يعتبرونه كفرًا وتأليهًا للذات، رغم أنه أتى إلى اليهود أولاً الّذين أخذوا حجارة ليرجموه ["إلى خاصته جاء" (يو 11:1) وخاصته لم تقبله]، خاطب عقولهم وقلوبهم وأراهم أعمال أبيه لكنهم زادوا قساوة وتحجّرًا، حتى تلاميذه لم يدركوا حقيقته حتى بعد القيامة وحلول الروح القدس في عليّة صهيون.

ليس بالأمر السهل إدراك تلك الحقيقة فهي صعبة على مَن تعلّق بالمادة أو إستهوته الشريعة أو إستعبدته التقاليد البالية والأفكار المعلّبة والأحكام الجاهزة:
 لم يقتنع اليهود بشهادة يوحنا المعمدان ["يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى قِائِلًا: هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو 1: 15)]،
 ولم يقتنعوا بشهادة التلاميذ ["هذَا وَجَدَ أَوَّلًا أَخَاهُ سِمْعَانَ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: الْمَسِيحُ" (يو 1: 41)]،
 ولا بشهادة الكتب المقدسة ونبؤات العهد القديم ["فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يو 5: 39)]،
 ولم يقتنعوا بشهادة الآب له يوم العماد على نهر الأردن ["وأتى صوتٌ من السَماء يقول: «أنتَ إبنيَ الحَبيب عَنكَ رَضِيت»" (لوقا 3: 22)]،
 ولا بشهادة الجموع له يوم أقام لعازر من بين الأموات ["وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ."(يو 12: 17)].

صنع يسوع معجزات كثيرة لإظهار مجده كدليل حسيّ على ألوهيته، لذلك إختار يوحنا عجائب مميزة قام بها يسوع [«أَعْمَالاً حَسَنَةً كَثِيرَةً أَرَيْتُكُم مِنْ عِنْدِ الآب، فَلأَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونِي؟»]:
1. دشّن رسالته بأعجوبة لم يذكرها سوى يوحنا وهي أعجوبة عرس قانا الجليل فحوّل الماء إلى خمر، مُظهرًا أن له سلطاناً على المادة والقدرة على الخلق، إذ خلق يسوع مادة جديدة (الخمر) لم تكن موجودة في الأصل (يوحنا 2: 1-11)، والخلق صفة من صفات الله وحده.
2. والأعجوبة الثانية لم تحدث من قبل أيضًا وهي شفاء الأعمى الّذي قال "منذ الدهر لم يسمع أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى" (يو 9: 32). إستخدم يسوع الطين للشفاء كما في سفر التكوين حين جبل الرب طينًا ونفخ فيه فكان آدم. آمن الأعمى وسجد للربّ لكن اليهود لم يؤمنوا (يو 9: 38).
3. أما الاعجوبة الثالثة التي تشير إلى الخلق وتشهد على ألوهية يسوع فهي أعجوبة تكثير الخبز وإطعام حوالي خمسة آلاف رجل بخمسة أرغفة وسمكتين (يو 6: 5-14) وفيها أيضًا عملية خلق، فكيف أمكن إشباع الآلاف من خمسة أرغفة شعير وسمكتين و"مَلأُوا إثنَتَي عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ الكِسَرِ الَّتي فَضَلَت عنِ الآكِلينَ مِن خَمسَةِ أَرغِفَةِ الشَّعير"(يوحنا 6: 14)، وهذا أيضًا خلقٌ لمادة جديدة لم تكن موجودة سابقًا ودليل واضح على ألوهية يسوع. لكن مرّة أخرى لم يقتنع اليهود!!
إشارة إلى أنّ السمكة كانت رمزًا سرّيًّا للمسيح أيام الإضطهاد الروماني (إنطلاقًا من هذه الأعجوبة)، حيث كان المسيحيون يتعرفون على بعضهم بعلامة السمكة، فحروف السمكة في اليونانية ΙΧΘΥΣ هي بدء كلمات تؤلف الجملة التالية "Ἰησοῦς Χριστός, Θεοῦ Υἱός, Σωτήρ" أي "يسوع المسيح إبن الله المخلص".

لمّا "حَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ في أورشليم" (جـاء ذِكْـره في سِفْر المكابيين الثاني 1: 9، وهـو خاص بذِكْـرى إنتصارات المكابيين لمدَّة ثلاث سنوات)، شارك فيه يسوع بشغف ليُظهر مجده كاشفًا أن التجديد في الحياة الروحية يعبر بالإنسان إلى عمق دعوته والهدف من حياته على الأرض على أن يرتقي إلى مستوى الألوهية ["التَّوْرَاةُ تَدْعُو آلِهَةً أُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِم كَلِمَةُ الله"] لكنّ اليهود ظنّوا أن ذلك تجديفًا لم تهضمه عقولهم أسيرة الشريعة فدعاهم بولس إلى تغيير تلك الذهنية كما يدعونا اليوم [«تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ» (رو 12: 2)].

لم يستطع اليهود تجديد تلك الذهنية كما الكثيرين بيننا لسببين:
1- التعلق بقشور الحياة الروحية من طقوس وحركات خارجية لا تمسّ القلب.
2- إعتبار القداسة بعيدة المنال ليست من طبيعتنا ولا بمقدورنا تحقيقها.
علمًا أن معاني عيد التجديد حتى عند اليهود كانت جوهرية إذ كانوا يَعتبرون تجديد الهيكل هـو عودتهم تحت مظلَّة خيمة الله، أي عودة حلول الله في وسطهم، كما في أول خيمة أُقيمت في البريَّـة.

كل تجديد في الحياة الروحية ينطلق من ثلاث حقائق ثابتة جوهرية:
1- الحقيقة الاولى هي الإعتراف الداخلي الهادىء والقوي أنّ يسوع هو إبن الله الحيّ.
2- الحقيقة الثانية هي الإعتراف أننا خرافه ["خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي"]
3- الحقيقة الثالثة هي الإعتراف أننا إذا كنا تحت مظلة الرب تكون لنا الحياة "وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي".

لنجدد إيماننا بمَن هو الحياة ذاتها، يُقدِّم نفسه للمائتين ليأكلوه ويشربوه! إنـه يأمرهم: «هَلُمُّوا كُلُوا مِـنْ طَعَامِي (خبزي)، وَإشْرَبُوا مِـنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا (لكم)» (أم 9: 5). كُلُوني أنـا الحياة لتحيـوا، لأني أُريـد ذلك. كُلُوا الحياة التي لا تزول، ”لأني لأجل هذا أتيتُ، لتكون لكم حياة، وتكون لكم أوفر“ (يـو 10:10)! كُلُـوا الخبز الّذي يُجـدِّد طبيعتكم، وإشربوا الخمر التي تُعطي تهليل الخلـود! لأني مـن أجلكم صـرتُ مثلكـم دون أن أتغيَّر عـن طبيعتي (الإلهيـة)، حتى تصيروا ”شركـاء الطبيعة الإلهية“ بواسطتي (2بط 1: 4) (القديس كيرلس الكبير). 

::: تــــأمّـل روحي :::

لا ننسى

1- "إِلى مَتَى تُبْقِي نُفُوسَنَا حَائِرَة؟"(يو10: 22). يومها، سأل اليهود يسوع، حيث كان إنتظارهم لمجيء المسيح المخلّص يتأرجح بين الحقيقة والشك، حيث كانت أمانيهم لم تعد تعرف إن كان قد حان وقت تحقيقها أم لا.
الجميع ينتظر كسر نير العبودية لأيّ سلطةٍ، خاصّةً تلك الآتية من بلدٍ رومانيٍّ بعيدٍ لا علاقة له لا بمعتقداتهم ولا بأعرافهم وتقاليدهم، ولا يأبهون - في البداية - حتى لما ينتظرونه.
لقد تعلّقت قلوبهم بالحلم التي دغدغتها كلمات يسوع عن الخلاص وإقتراب الملكوت، ولكنّهم أُحبِطوا عند إعلان يسوع عن حقيقة شخصه: "أَنَا إبْنُ الله"، فرفضوا بشدّة علاقة يسوع البنويّة بأبيه لأنّه لم يتوافق مجيئه مع توقّعاتهم في التحرّر السياسي والخلاص من العبودية كما رفضوا الدخول في عهدٍ جديدٍ معه. لقد إتّخذوا لهم رعاة من بينهم يتلاعبون بمشاعرهم ويستغلّونهم في المظاهر التقويّة لِيضمنوا سلامة مناصبهم، فصدّقوهم وكذّبوا الصّادق وقسوا عليه حتّى الرَجْم يومها لِموت تجدّد الحياة فيهم ربّما لأنّها ممسوكة من حملة العصيّ الغير مرئية فوق رؤوسهم وهم لا يدرون.

نحن اليوم لسنا بعيدين عن سؤال أنفسنا مع تبديلٍ بسيط في الآية: إلى متى تَبقى نفوسنا حائرة؟
أن أكون حائرًا يعني أنّني لا أعرف التمييز بين الخطأ والصواب، أن تختلط عليَّ الأمور بين شيئين أو أكثر، أن ينقسم ميلي بين القلب والعقل أو بين الشعور والمنطق وإلى ما هنالك. وهذا دليل حياة وفكرٍ مُدرِك إن إستعنت بمصدرٍ موثوق للمساعدة على وضع الأمر في النور حتّى إدراك التمييز، وهذا دليل حياة. ولكن ماذا يحدث لو فقدنا القدرة على الوثوق، لا بل الإيمان بهذا المصدر؟
اليوم كثيرة هي المصادر التي تدخلنا في دوامة البحث عن الإكتفاء الذاتي بكلّ وجوهه تحت حجّة تقديم السعادة، لكن هل رأيت شخصًا واحدًا بين كلّ من عرفتهم أو سمعت عنهم بأنّهم إكتفوا بما يظنّونه سعادة؟ لم يبقَ فيهم وترٌ حنون يسمعون نصحه ولا هم قادرون على سماع البشارة داخلهم لأنّهم فضّلوا الـ"لا" على الـ"نعم"، لم تعد قلوبهم قادرة على سماع صوته ليتبعوه، حتّى أنّهم عادوا لا يعرفون من يناديهم لإختلاط عجقة الأصوات المقلِّدة لصوته فيهم. باتوا يبحثون عن مصدر الحياة الحقيقية في غير مكانها فإختلطت عليهم الصورة وما عادوا يميّزون بين حياةٍ آنيّة آتية من العالم والحياة الأبدية هبة الله لشعبه. لقد جثموا وحيدين هناك في صحراء النفس فلا يجدون سوى رمال، قحطٍ وموت.
قد قال كلمته: ربما لا نريد سماع الجواب الحقيقي لأنّه على قدر بساطته فهو متطلّب.
في الحقيقة كلّ ذلك يتطلّب القيام بخطوةٍ واحدة تكون مفتاحًا لحياتي الجديدة: إنتباهي بأذنٍ صاغيةٍ وقلبٍ منفتح لصوته يدعوني لِتمييز صوته من بين كلّ الأصوات التي تَطِنّ في داخلي. بهذه الحركة أكون قد بدأت أدخل في الطريق الّذي رغبت به لأخرج من حيرتي، وتبدأ مسيرتي بتلمّس الحقيقة خطوةً خطوة، وواضعًا حريّتي على المِحكّ، أُقبِل نحوه مستجيبًا للدعوة بـ"نعمِ" مريم، أتعرّف إليه، أتبعه مسلّحًا بعطية الإيمان التي سلكت دربها إلى عمق أفكاري وقلبي بحيث أبدأ بإقامة علاقة معه ولو بأفعالٍ طفولية صغيرة بعد أن أكون قد أدركت الحقيقة. عندها أتمكّن من جعل القلب يتناغم مع كلمة الله التي أتأمل فيها، وأكون قادرًا على تقديم إجابة صادقة وملموسةٍ وكياني كلّه مُجَدّدًا ممتلئًا بالحياة، ويضحي إلتزامي بإرادة الله إستجابة لدعوته، شاهدًا على صدقه وأمانته في وعده حين قال كلمته: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وأَنَا أَعْرِفُهَا، وهِي تَتْبَعُنِي. وأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّة، فَلَنْ تَهْلِكَ أَبَدًا، وَلَنْ يَخْطَفَهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي." (يو 10: 27-28). ونحن نصلّي اليوم، لنطلب منه أن "يطهِّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ"، وإن نسينا لا ننسى أنّ الله بثالوثه قد خلقنا متوافقين مع صورته ومثاله بالفكر وبالقلب واضعًا فينا روحًا من روحه ونفسًا حيّة من نفسه، فلا نفرّط بهذا الكنز الثمين حيث فيه وبه يكمن تجدّدنا وتجدّد الكنيسة جمعاء.

2- كما أن التجدّد هو عنوان الحياة، هو "عطية طبيعية وهبنا إيّاها الله في الجسد لكي يستمرّ حيًّا من خلال تجدّد خلاياه بإستمرار، كذلك حياة المجتمع والفرد من المفترض أن تتجدّد في كلّ الأبعاد والمفاهيم" نحو الأفضل، وأيضًا الكنيسة، مواكِبة تطوّر المجتمع، فهي جماعة المؤمنين السائرة في نور يسوع في العالم، المتحرّرة بالمسيح من نير العبودية لسلطة الخطيئة، المتجدّدة بعيش إيمانها الراسخ بإبن الله الحيّ، معلنة أن المسيح وحده هو جسدها السرّي الّذي يجددها بروحه القدّوس ويعطي لحياتها ومسيرتها الروحيّة المعنى الكامل. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... كلّ الأمور تحدث وتتم بالتدريج حتى فكرتك لخلاص الإنسان، فليس بالسهل لأي فكرة أن تتم أو تُفهم دون تدرّج في إتمام الخطوات المتطلبة لإتمامها خطوة تلو الأخرى وفهمٍ يسبق فهمًا إلى أن تُفهم بالكامل. هذا التدرّج جعلني أفتكر بالصلاة الربيّة وبالأخص طلبة "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" لنمونا الجسدي، فأنت تعطينا ما نحتاجه لذلك اليوم لننمو ويأتي اليوم التالي لتعطينا كمية أخرى لننمو أكثر وهكذا. وإن إفتكرنا بنمونا الروحي، فنحن بهذه الطلبة نطلب منك أن تُعطينا/تُعلّمنا جزءً من "معرفة مَن هو أنت وما هي مشيئتك" ما يكفي لذلك اليوم ولحياتنا في تلك الفترة، جزءً نستطيع أن نستوعبه دون عبءٍ على فكرنا فتكون من خلاله الفائدة للنمو الروحي، فنكون كطالبِ علمٍ ومعرفة يستقيها ويهضمها جزءً فجزء وينتقل من مرحلة فِهميّة لأخرى دون سقوط أو التفكير بالتوقف عن الوثوق بك.
ربّي وإلهي ... أنتَ تُجدّد معرفتنا بك بالتدريج فأنت الإله الّذي لا يتغيّر، والإجابة على سؤال "مَن أنتَ؟" هو الّذي يتجدّد بزيادة معرفتك، وهذه الإجابة/المعرفة هي كإنسانٍ يسبح في البحر ولكنه لا يبقى على الشاطئ بل يدخل إلى العمق شيئًا فشيئًا بمعونتك الإلهية، بروحك القدّوس.
ربّي وإلهي ... يا راعي الخراف الّذي يعمل ولا يكلّ ويسهر ولا ينام ليُعطي الحياة لخرافه، أشكرك لأن مشيئتك هي أن تخلّص روحي بالحمل الرّب يسوع المسيح فأحيا معك للأبد، مشيئتك أن أعرف أنك تُحبّني وتُعلّمني كيف عليّ أن أُحب، مشيئتك أن أُقدس أعمالي فأنت قدّوس، مشيئتك أن أتمتع بخيراتك الروحيّة، مشيئتك أن أُسكنك بقلبي فأنا بقلبك. لك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يعقوب أخي الربّ)

1- (المحتفل): نقدّم لك هذه الذبيحة من أجل كنيستك المقدّسة المنتشرة في العالم كلّه، ومن أجل الأماكن المقدّسة الّتي مجّدتها بظهور المسيح إبنك وخصوصًا من أجل أورشليم أمّ الكنائس، إمنحها جميعًا مواهب روحك القدّوس؛ أذكر يا ربّ أساقفتنا الأطهار الّذين يوزّعون كلمة الحقّ، ولا سيّما آباءنا المغبوطين: مار … بابا رومة، ومار … بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، وجميعَ خدّام البيعة ومراتبها. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر آباءنا وإخوتنا المصلّين معنا الحاضرين والغائبين، والّذين طلبوا أن نذكرهم في صلواتنا. إستجب سؤل كلّ واحدٍ بما يؤول إلى خلاصه؛ وأذكر الّذين قدّموا القرابين إلى مذابحك المقدّسة، والّذين قُدِّمت من أجلهم، والّذين رغبوا في أن يقدّموا ولم يستطيعوا، ومن أجل من ذكرناهم ومن لم نذكُرهم، كافئهم بفرح خلاصك، إذ تقبل قربانهم على مائدتك السماويّة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر حكّامنا والمسؤولين بيننا، ليُحقّقوا العدل ويُحلّوا السلام، وزيّنهم بمخافتك؛ وأذكر يا ربّ الأسـرى والمسجونين، والمرضى والمتألّمين، والمتضايقين والمحتاجين؛ والعاملين في مختلف قطاعات الحياة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، أيضًا، جميع الّذين حَسنوا لك منذ البدء: القدّيسة المجيدة مريم الدائمة البتوليّة، ورؤساء الآباء والأنبياء والرسل، والقدّيس يوحنّا السابق المعمدان، والقدّيس إسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار يعقوب الرسول رئيس الأساقفة والشهيد ومار …(شفيع الكنيسة)، ومار …(صاحب العيد)، وجميع القدّيسين، أحصِنا بنعمتك معهم في بيعة الأبكار المكتوبين في السماء. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (الشمّاس): أذكر يا ربّ آباء الكنيسة ومعلّميها الّذين أعلنوا كلمة الحقّ في البيعة المقدّسة، وحملوا مسيحك أمام الشعوب كافّة؛ وإمنَح، بصلواتهم، السلام لبيعتك، وثبّت تعاليمهم في نفوسنا. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
6- )المحتفل): أذكر يا إله الأرواح وكلّ ذي جسد جميع الموتى المؤمنين الّذين رقدوا على الإيمان الحقّ، أَرحهم ونقّهم من كلّ وصمة، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننالَ المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة 

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

المقدّمة وأفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 


أفكار من الانجيل

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/KamelYoussefKamel

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس