الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن الميلاد المجيد


الأحد الثالث - أحد زيارة العذراء لأليصابات
(3 كانون الأوّل 2023)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد، نتأمّل في دورنا كحاملين للمسيح إلى حيث تدعونا رسالتنا وشهادتنا.
• في قراءة العهد القديم، نتأمّل في استضافة داود لتابوت العَهد عِندَهُ، في مَدينَتِهِ، بَعدَمَا وَضَعَهُ في بَيتِ عوبيد الذي بارَكَهُ الرّب.
• رسالة اليوم هي مقدّمة الرسالة إلى أهل أفسس، حيث يختصر مار بولس مجمل الدعوة المسيحية بكلمتين: "القداسة" و"الرسالة".
• أمّا في الإنجيل، فنتأمّل كيف إجتاح الحب بيت أليصابات عندما سمعت صوت سلام مريم فإستيقظت جميع حواسها الجسدية والروحية، نظرت وسمعت وشعرت فتحرّك الجنين في بطنها، لا بل عرفت مقام مريم ومقامها، دور مريم ودورها، ما تحمله مريم في أحشائها وما تحمله هي.
• نحاول اليوم سويّةً أن نفكّر في هذه الأسئلة: ما هِيَ دَعوَة إبن الإيمان؟ وَما هُوَ هدفها؟ وكيف تُعاش هذه الدّعوَة؟ وَكَيفَ تُتَرجَم عَمَلِيًّا؟ 

::: صـلاة :::

يا ربّ، نَشكُرُكَ على مَحَبَّتِكَ الّتي أَظهَرتَها لنا، عبر التّاريخ، من خِلال زياراتِكَ المُتَكَرِّرة لنا: في الخَلق، في الأنبياء وفي العَهدِ القَديمِ الّذي توَّجتَهُ بِلِقاءِ يوحنّا المَعمَدان، وَهوَ ما زالَ في حشا أليصابات. ونَشكُرُكَ على كمالِ المَحَبَّة، "الحق"، الّذي تَجلّى في تَجَسُّدِكَ مِن أجلنا ومن أجل خلاصِنا، المُستَمِرّ في حياتنا في الإفخارستيا والكنيسة. أعطِنا أن نُبادِلَكَ المَحَبَّة والزيارة في شَخصِ كُلِّ إنسانٍ نَلتَقيه، ومِن خلالِهِ نَلتَقيك، يا ربّنا وإلَهَنا لك المجد إلى الأبد، آمين. 

::: العهد القديم :::

9 وخافَ داودْ منْ الرّبِ في ذلكَ اليومِ وقالَ: "كيفَ ينزلُ تابوتُ الربِّ عندي؟"
10 ولمْ يشأ داودْ أنَ يُمالَ إليهِ بتابوتِ الربِ إلى مدينةِ داودْ. فأخَذَهُ داودْ إلى بيتِ عوبيدْ أدومُ الجتيْ.
11 فبقيَ تابوتُ الربِ في بيتِ عوبيدْ أدومُ الجتيْ ثلاثةَ أشهرٍ، فباركَ الربُ عوبيدَ أدومَ وكلَّ بيتهِ.
12 فأُخبرَ الملكُ داودْ وقيلَ لهُ أنَّ الربَّ قدْ باركَ عوبيدَ أدومَ وكلَّ ما لهُ بسببَ تابوتِ اللهِ. فمضى داودُ وأصعدَ تابوتَ اللهِ بفرحٍ منْ بيتِ عوبيدَ أدومَ إلى مدينةِ داودْ.
13 ولما خطا حاملو تابوتِ الربِ ستَّ خطواتٍ، ذَبَحَ ثورًا وعجلاً مسمنًّا.
14 وكانَ داودُ يرقُصُ ويدورُ على نفسهِ بكلِّ قوّتهِ أمامَ الربِ، وكانَ داودْ متمنطقًا بأفودٍ منْ كتانٍ.
15 وأصعدُ داودُ وكُلُّ بيتِ إسرائيلَ تابوتَ الربِّ بالهتافِ وصوتِ البوقِ.
17 وأدخلوا تابوتَ الربِ وأقاموهُ في مكانهِ، في وسطِ الخيمةِ الّتي نصبها لهُ داودْ، وأصعَدَ داودُ محرقاتٍ أمامَ الربِّ وذبائحَ سلاميَّةً،
18 وباركَ الشعبَ بإسمِ ربِّ القوّاتِ.

(سفر صموئيل الثاني - الفصل 6 – الآيات 9 إلى 15 و 17 إلى 18 ب) 

::: تأمّل من وحي العهد القديم  :::

تَعريف الكتاب:

يُخبِرنا هذا السّفر الأحداث التي جرت، خاصّةً في أيّام داود المَلك: لَقَد بَنَى داود قصرَهُ الذي يَعكس عَظَمَة سُلطانه، ولَكِنَّ تابوت العهد –الذي يحوي عصا موسَى ولَوحَي الوَصَايا وَالمَنّ الذي أرسَلَهُ الله من السّماء لِيُطعِم بِهِ شَعبَه- وهوَ علامة حضور الله الحِسّي في وسَط شَعبِهِ، كَانَ مَا زَالَ في بيت أحد المُؤمِنين... خَجِلَ داود من ذلكَ الواقِع: هُوَ يَجلِس في قَصر، وَتَابوت عَهد الرَّب شَريد؟!

ظُروف كتابة النّص:

لِذلِكَ قَرَّرَ داود أن يَستَضيف تابوت العَهد عِندَهُ، في مَدينَتِهِ، بَعدَمَا وَضَعَهُ في بَيتِ عوبيد الذي بارَكَهُ الرّب، وَلِذلِكَ كَانَ داود يَشعُرُ بالخَوف النَّاجِم عَن الرَّهبَة التي بِهَا يَستَقبل الرَّب...

مضمون النّص:

في هذا النَّص أربَعَة حَرَكَات قامَ بِهَا داود:
- نَقَلَ تَابوت الرّب إلى مَدينَةِ داود بِفَرَحٍ كَبير، وَبِمَوكِبٍ مَهيب، مَع ذَبيحَة العِجلِ المُسَمّن التي تَدُلّ على الخَير وَعَهد الدّم الذي أقامَهُ الرَّب لِمَغفِرَة خَطايا الشَّعب،
- لَبِسَ داود لِباسًا كَهنوتِيًّا وَرَقَصَ رَقصًا عَنيفًا (أقرَب إلى اللَّعِب) أمامَ تابوت العَهد، فَكَانَ أمامَ الرَّبِّ كَالطِّفلِ الذي يَفرَحُ بِحُضورِ أباه.
- وُضِعَ تابوتُ العَهدِ في خَيمَة (وَلَيسَ في قَصر أو في هَيكَل)، وَأقامَ داود الذَّبائحَ للرَّب، وَبارَكَ الشَّعب باسمِ الرَّب الإله.

علاقة النّص بالقراءات اللاحقة:

لِهذا النَّص علاقَة بِإنجيل زيارة العذراء لِنَسيبَتِهَا أليصابات: مَريَم حَمَلَت في أحشائها يَسوع، العَهد الجَديد، إذًا، هِيَ تَابوت العَهد الجَديد (لِذلِكَ نَتَوَجَّه لِمَريَم في الطّلبَة وَنَقول: "يا تابوت العَهد تَضَرَّعي لأجلِنَا"). وَكَما انتَقَلَ تابوت العَهد من بيت عوبيد إلى مَدينَةِ داود، كذلِكَ انتَقَلَت مَريَم حامِلَةً البَرَكَة إلى بيت زَكَرِيَّا وَأليصابات. وَكَمَا رَقَصَ داود أمام تَابوت العَهد، رَقَصَ يوحَنَّا في أحشاءِ إليصابات فَرَحًا أمامَ تابوت العَهد الجَديد. وَكَما مَكَثَ تابوت الرَّب في خَيمَة خارِج البَيت، وَذُبِحَت أمامَهُ الذَّبائح السَّلامِيَّة لِمُبارَكَة الشَّعب، مَكَثَت مَريَم خارِج بَيتِهَا وَأَدَّت خِدمَة المَحَبَّة تِجاه نَسيبَتِهَا الحامِل وَحَمَلَت إلَيهَا السَّلام.

خاتمة تطبيقيّة:
من خِلال كَلِمَة الرَّب إلَينَا في هذا الأحد، نَفهَم بِأنَّنَا أطفال، نَرقُصُ فَرَحًا لِحُضور الرَّب... نحنُ نحمل فينا كَلِمَة الله، لِذلِكَ نحنُ كَمَريَم، نَحمِل فينا العَهد الجَديد، ذلِكَ يَعني أنَّنا مَدعوونَ لِحَمل السَّلام وَالبَرَكَة لِجَميعِ المُحيطين فينا، فَنَعكِس بِذلِكَ حُضور يَسوع في العالم.  

::: الرسالة :::

1 مِنْ بُولُس، رَسُولِ الـمَسِيحِ يَسُوعَ بِمَشِيئَةِ الله، إِلى القِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُم في أَفَسُسَ والأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع:
2 النِّعْمَةُ لَكُم والسَّلامُ مِنَ اللهِ أَبِينَا والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
3 تَبَارَكَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، الَّذي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّمَاوَاتِ في الـمَسِيح؛
4 فإِنَّهُ إخْتَارَنَا فيهِ قَبْلَ إِنْشَاءِ العَالَم، لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا؛
5 وقَدْ سَبَقَ بِمَحَبَّتِهِ فَحَدَّدَنَا أَنْ نَكُونَ لَهُ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح، بِحَسَبِ رِضَى مَشِيئَتِهِ،
6 لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا في الـحَبِيب؛
7 وفيهِ لَنَا الفِدَاءُ بِدَمِهِ، أَي مَغْفِرَةُ الزَّلاَّت، بِحَسَبِ غِنَى نِعْمَتِهِ،
8 الَّتي أَفَاضَهَا عَلَيْنَا في كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْم؛
9 وقَدْ عَرَّفَنَا سِرَّ مَشِيئَتِهِ، بِحَسَبِ رِضَاهُ الَّذي سَبَقَ فَجَعَلَهُ في الـمَسِيح،
10 لِيُحَقِّقَ تَدْبِيرَ مِلْءِ الأَزْمِنَة، فَيَجْمَعَ في الـمَسِيحِ تَحْتَ رَأْسٍ وَاحِدٍ كُلَّ شَيء، مَا في السَّماوَاتِ ومَا عَلى الأَرْض؛
11 وفيهِ أَيْضًا إخْتَارَنَا مِيرَاثًا لَهُ، وقَدْ سَبَقَ فَحَدَّدَنَا بِحَسَبِ قَصْدِهِ، هُوَ الَّذي يَعْمَلُ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ مَشِيئَتِهِ،
12 لِنَكُونَ مَدْحًا لِمَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ سَبَقْنَا فجَعَلْنَا في الـمَسِيحِ رجَاءَنَا؛
13 وفيهِ أَنْتُم أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُم كَلِمَةَ الـحَقِّ، أَي إِنْجِيلَ خَلاصِكُم، وآمَنْتُم، خُتِمْتُمْ بِالرُّوحِ القُدُسِ الـمَوعُودِ بِهِ،
14 وهُوَ عُربُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ شَعْبِهِ الَّذي إقْتَنَاه، ولِمَدْحِ مَجْدِهِ.

(الرّسالة إلى أهل أفسس - الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: تأمّـل من وحي الرسالة :::

رسالة اليوم هي مقدّمة الرسالة إلى أهل أفسس، حيث يختصر مار بولس مجمل الدعوة المسيحية بكلمتين: "القداسة" و"الرسالة".

يتوجّه مار بولس "إِلى القِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُم في أَفَسُسَ والأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع" ويذكّرنا هذا التصدير بأنّ المسيحي مدعوّ للقداسة فالله "إخْتَارَنَا ... لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا".
نلاحظ أنّ مار بولس توجّه إلى جماعةٍ كاملة بتسمية لا تطلق عادةً على مَن لا يزالون على قيد الحياة وهذا دليلٌ على خصال وأخلاق هذه الجماعة النابضة بروح الله، كما يظهر من باقي الرّسالة.
هذه التسمية نفسها يتوجّه بها الكاهن أيضًا، في الطقس الماروني، إلى جماعة المؤمنين، عندما يدعوهم إلى المناولة قائلاً: "الأقداس للقدّيسين، بالكمال والنقاوة والقداسة".
وفي ذلك دعوة إلى التفكّر، كلّ واحد بواقعه، وعن الفارق بين هذا الواقع وبين الدعوة التي دعانا الله إليها!

فهم البعض هذا النصّ بمعنى التحديد المسبق لمَن ينال الخلاص (وهو ما يطلق عليه تسمية Predestination كمصطلح) أي ما يوازي نظريّة القدريّة في بعض الأديان والّتي بموجبها ينال الخلاص فئةٌ محدّدة وليس كلّ النّاس (كما نجد لدى شهود يهوه مثلاً حيث عدد المخلّصين هو 144 ألفًا).

أمّا القراءة المتأنيّة للنصّ، على ضوء تقليد الكنيسة، فتظهر أنّ هذا النصّ يشير إلى أمرين:
• الأوّل هو دعوة الله كلّ النّاس إلى القداسة وهو ما قاله بوضوحٍ تامٍّ الربّ يسوع: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الّذي في السماوات هو كامل" (متى 5: 48)، وأكّد عليه أيضًا مار بطرس بالقول: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1 بطرس 1: 15-16).
• الثاني هو أنّ الله يريد خلاص الجميع فقد حدّد لهم جميعًا أن يكونوا “أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح..." و "مِيرَاثًا لَهُ" وهو ما أشار إليه الربّ يسوع مرارًا وخاصّة حين أكّد أن نهاية العالم لن تحلّ قبل أن "يُكْرَزُ بِإِنْجيلِ المَلَكُوتِ هذا في المَسْكُونَةِ كُلِّهَا شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَم" (متّى 24: 14). أي بمعنى أن لكلّ الناس فرصةً في التعرّف إلى الله بيسوع المسيح.

يضيء مار بولس على السبيل لتحقيق هذه القداسة عبر التسمية الثانية وهي "الأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع". الأمانة هي التعبير عن عرفان الجميل والّذي يتجلّى من خلال قبولنا لدعوتنا إلى القداسة وترجمة هذه الدعوة في حياتنا اليوميّة. فالقداسة والرسالة صنفان لا يفترقان لأنّ من يسعى للقداسة ويعيشها، ينعكس وهج قداسته على حياته وعلاقاته مع الآخرين فيمجّدون الله الّذي يظهر من خلال حياته وأعماله وحتى على وجهه حيث يتجلّى السلام والرّجاء والفرح، كما كان الحال يوم تلاقت مريم، الحامل بيسوع، مع أليصابات، الحامل بيوحنّا.

ما يدعونا إليه رسول الأمم اليوم هو أن نعي هذه الدعوة إلى القداسة وأن نسعى إلى ترجمتها عمليًّا في سلوكنا وفي علاقاتنا مع النّاس، كلّ النّاس، وأوّلهم أقربهم إلينا...
فالقداسة لا تعني أن نتّكل على تقوانا أو على كثرة صلوتنا أو على ما سبق أن قمنا به في الماضي... بل هي أوّلًا إستعدادٌ دائم لفهم إرادة الله ولتحقيقها، لا سيّما في مجال خدمة "القريب" الّذي ينتظر أن يرى وجه الله في وجوهنا وصورته في قلوبنا ومثاله في تصرّفاتنا....

فلنسأل الله أن يغدق علينا "كلّ حكمة ومعرفة" فنتمكّن من تمييز نعمة بركته "الروحيّة" وسط كلّ التجارب والمحن التي نتخبّط بها فنبقى أمناء لدعوتنا إلى القداسة وإلى البنوّة الإلهيّة "بالتبنّي" فنمدح مجده ونرفع إليه كلّ شكرٍ، مع أبيه وروحه القدّوس، الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: الإنجيل :::

39 وفي تِلْكَ الأَيَّام، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إِلى الـجَبَل، إِلى مَدِينَةٍ في يَهُوذَا.
40 ودَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، وسَلَّمَتْ عَلَى أليصَابَات.
41 ولَمَّا سَمِعَتْ ألِيصَابَاتُ سَلامَ مَرْيَم، إرْتَكَضَ الـجَنِينُ في بَطْنِها، وَإمْتَلأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
42 فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوتِها وقَالَتْ: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!
43 ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟
44 فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، إرْتَكَضَ الـجَنِينُ إبْتِهَاجًا في بَطْنِي!
45 فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!".

 (الإنجيل بحسب القدّيس لوقا – الفصل 1 - الآيات 39 إلى 45) 

::: تـــأمّل من وحي الإنجيل :::

قامت مريم من مكانها وأسرعت إلى اللقاء، تحرّكت بعد البشارة فتحرّك معها الحب بعد ثباتٍ طويل.
قامت وأسرعت، دخلت وسلّمت على أليصابت "الختيارة" التي بدورها فتحت أبواب بيتها لمريم "الصبية"، فتحت أذنيها لتسمع صوتها وفتحت قلبها لتشعر بسلامها وفتحت هيكلها لتمتلئ من الروح القدس، وفتحت أحشاءها ليرتكض الجنين يوحنا فرحًا باللقاء.
إجتاح الحب بيت أليصابات عندما سمعت صوت سلام مريم فإستيقظت جميع حواسها الجسدية والروحية، نظرت وسمعت وشعرت فتحرّك الجنين في بطنها، لا بل عرفت مقام مريم ومقامها، دور مريم ودورها، ما تحمله مريم في أحشائها وما تحمله هي.
هنّأت أليصابات نفسها الوضيعة "مَن أنا" بزيارة مريم "أم ربّي"، هي تحمل يوحنا أمّا مريم فتحمل الرب، ولكن هذا "الرّب" هو لها أيضًا، إجتاحها من النظرة الأولى من اللقاء الأول دون أن يتكلم ودون أن يُبادر لكنّه كان حاضرًا وهو جنين في أحشاء والدته.
إجتاح الحب بيت أليصابات، في مشهدٍ عاصف بالفرح والسلام. وفعلة السلام نساء وأجنّة، فتاة في عمر الربيع وشيخة طاعنة في السنّ، الأولى آمنت "بأنَّ ما جاءَها مِنْ عِندِ الرَّبِّ سيَتِمُّ" على عكس زكريا، والثانية إستقبلت وفتحت هيكلها وقلبها وأحشاءها لعاصفة الحبّ التي غيّرت مجرى حياتها وحياة العالم أجمع.
لا يوجد ذكور في هذا المشهد، زكريا غائب وكل أصحاب الإمتيازات. لا يوجد ملوك في هذا المشهد، هيرودس غائب مشغولٌ في البحث عن "الحب" ليقتله في المهد. لا يوجد سوى مَن يحمل "الحب" ومَن هو على إستعدادٍ لإستقباله.
في تلك الأيام وفي كلّ الأيام تقوم مريم وتسرع إلى مدينة يهوذا في جبال اليهودية وإلى كل المدن في كل الجبال.
كل البيوت وكل النفوس في كل أنحاء العالم تحتاج إلى زيارة مريم.
جميع الناس بحاجة إلى السلام، جميع الناس بحاجة إلى الروح القدس، إلى المجانية، إلى الإبتهاج والفرح...
جميع الناس بحاجة إلى أخبار سارة تقلب الواقع الأليم وتبعث الرجاء في النفوس وتريح أعصاب البشر التي تَلِفَت جراء تراكم الصدمات المظلمة والكئيبة.
تلك العاصفة التي إجتاحت أليصابات لا زالت قويّة تهبّ حيث تشاء لتنشر البهجة وتحرك الأجنة في أحشاء الأمهات.
إنه يسوع الّذي حملته مريم مسرعة إلى بيت زكريا، كاهن الرّب ومن خلاله إلى بيوت العالم أجمع... انه أمير السلام سيّد التاريخ.
لو أن البشر يفعلون مثل مريم ويحملون معهم يسوع في زياراتهم ومشاريعهم وأعمالهم لتغير وجه الأرض في 24 ساعة فقط.
لكان إستيقظ العالم على خبر يفيد أن الحروب إنتهت، والدول رمت عدة الموت في براميل النفايات وعاد المهجّرون إلى بيوتهم وديارهم وأرضهم.. وأن فقراء العالم سينامون في أسرّة مريحة في بيوت جميلة دافئة..
لَكنا سمعنا وسائل الإعلام تنقل وقائع بيان إعلان قمة الأرض: أن الإحتباس الحراري قد إنتهى، وعاد التوازن البيئي، وإنتهى زمن التلوث....وأصبح الطعام متوفرًا لثمانمائة مليون جائع، والتعليم بات متوفرًا لكل الأطفال، والجميع يعمل مع كافة الضمانات الإجتماعية والطبية..
لَكنا سمعنا أن المسؤول (كل مسؤول) خلع ثوب الحكم عن كتفيه لئلا يعيقه، وشدّ على وسطه منشفة كخادم وصب ماء في طشط وإبتدأ يركع أمام كل مرؤوسيه ويغسل أرجلهم وهم من شدة الخجل يُمانعون.
لكانت وسائل التواصل الإجتماعي تضج بصور التنازل الغريب والإتضاع العميق للناس، وهم يتسابقون للفوز في النصيب الأكبر من خلال الخدمة..
هل نحلم بصور مثالية - طوباوية لا وجود لها إلا في أحلام الأولاد؟
كلا، إنه واقع العائلات والجماعات التي عاشت وتعيش بهدي تلك الزيارة التي تعصف بالآخرين جنون الحب والحنان الّذي يولّد طاقة كبيرة على الفرح والسعادة لا يمكن لأي سيف أن يقطعهما.
أمنا مريم أنشري السلام فينا والمحبة علمينا منك يا مريم .. إشفعي فينا وأطلبي من السماءِ، رحمةً للبؤساءِ وإنسي ماضينا.. خلصي الإنسان أنت يا مريم.. 

::: تــــأمّـل روحي :::

زيارة

إمرأتان تحملان بشرى للبشريّة جمعاء، الأولى من جيلٍ على وشك أن ينتهي والثانيّة إلى جيلٍ جديد على وشك أن يبدأ.

إمرأتان جمعت بينهما كلمة الله لهما في تحقيق الوعد بالخلاص للبشرية من خلال المستحيل في نظر البشر: أليصابات الشيخة الثمانينيّة وحالتها المستعصية طبيًّا لعقمها وحلول العار ضيفًا ثقيلًا عليها لينعكس على الأسرة بأكملها وإنزوائها، فقدت الأمل حتّى في أن يطلّ زائرٌ برأسه من فتحة الباب ليفتقدها، ويدفئ قلبها، تحمل - بطريقة غير متوقّعة - بيوحنّا الّذي سيمهّد الطريق للمخلّص، ومريم، الفتاة اليانعة البارّة إستقبلت بشارة الملاك لها بالحبل الإلهي بالـ"نعم" رغم الحالة الحسّاسة والتي قد تؤدّي إلى موتها -رجمًا- فهي كانت لا تزال مخطوبة ولم تتزوّج من يوسف.

إمرأتان مفعمتان بالإيمان إلتقيتا بعد طول غياب في لحظةٍ من الإمتلاء بالروح القدس فيرتكض الجنين في بطن أليصابات وتنتبه للعلامة الربّانيّة فينطلق لسانها بنشيد الشهادة لأمومة مريم لإبن الله الآب "مِن أين لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟" وبالطوبى لمن إنفتحت على عطية الله "طُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!". (لو 43:1 و45).

أمّا يسوع، إله الحبّ حتّى بذل الذات وإله الرحمة الوحيد، وهو ما زال في الحشا غير منظورٍ، يأتي مع أمّه للِقاء شعبه بشخص الجنين المعجزة، "يوحنا السابق" مبشّرًا بولادة عهدٍ جديد وتمام الوعد.

سَيل بشرى الفرح الّذي تحمله كلٌّ من هاتين المرأتين الّذي تدفّق من واحدةٍ إلى أخرى بعد أن تحقق في حشا أليصابات، وتجسّد في حشا مريم، كان مدهشًا بعمل الروح في جنينٍ لم يزل مخفيًّا عن الأنظار، يعلن، بحركة الحياة، قرب إبن الله منه.

ومنذ ذلك الحين حتّى اليوم، لقد أصبح بإمكان كلّ من قبِل البُشرى بـ"نعم" مريم أن يدخل في المشروع الخلاصي وينتمي إلى سلالة يسوع ببنوّتنا له بإبنه، هو الّذي أراد لنا الخلاص فأتانا به، بتجسّده وببذل ذاته بكليّته من أجلنا.

حين ننظر إلى مريم اليوم نراها قد قامت بالخطوة الأولى في طريق خطة الله الخلاصيّة حين آمنت بما قيل لها، قبِلَت، ودون تردّدٍ من المفاجآت التي يمكنها أن تحدث لها، أو مخاوف من وعورة المسير وبُعد المسافة، وقفت وإنطلقت، في الطريق من الجليل إلى عين كارم اليهوديّة نحو من هي بحاجةٍ إليها في تلك الأيّام.

فهل نجد اليوم صعوبة في الإنطلاق من جليلنا نحو يهوديّة غيرنا لزيارته، حتّى ولو كانت مسيرتنا صوبهم غريبة عن إطار حياتنا الشخصية، وخطيرة على سمعتنا أو صيتنا في العائلة وبين الناس ومَن أقربهم إلينا، منهم مَن نتقاسم وإيّاهم حتّى الفراش؟ هل نتردّد في سلوكنا الطريق بمفردنا خوفًا من عدم إنتشالنا إن زلّت قدمنا في معابِر وعرة أو إن تعرّضنا لمغتصبي ما نملك من غنى وصلاح؟ هل نقبل واثقين أن يقلب الروح حياتنا رأسًا على عقب ونحن نختبر فيها الأحداث الغير عادية أو الغير متوقّعة، أيًّا كنّا ومهما كان عمرنا الأرضي؟ هل ثبات مريم في إيمانها وإستعدادها لتكون حاضرة بالفكر والقول والفعل والعمل يحُثّنا للقيام بكلّ شيءِ لنكون نفسًا ثابتة في خطّة الله وإستمرار إعلان البشرى السارّة؟ هل ندرك أنّ الله أرادنا أن نكون جماعة تعيش الإستمرارية من جيلٍ إلى جيل، مؤمنين قَيّمين ومسؤولين كلّ بشخصه عن مساعدة عالمنا المعاصر على البلوغ إليه (إلى الله) كي لا يهلك كلّ من إنفصل عنه؟

ربّما نحن لسنا فقهاء في الدين ولا علماء في اللاهوت، بل أشخاص عاديّين يعيشون لحظةً بلحظة يوميّاتهم، لكنّنا جزءٌ من كلّ. لذلك ما من شيءٍ يعفينا من الحبّ، وما من عملٍ يبعدنا عن النظر إلى يسوع في وجه الآخرين حتّى ولو لم نكن أعظم "أو أقوى أو أنبل ولا حتّى أكثر حكمة "ممّن سبقونا. وحين ندرك حضور الله بكلّ الحبّ في حياتنا نتلمّس حقيقة أنّ الفرح الذّي نعيشه في تلك اللحظات هو إستمرار لما بدأه الروح مع مريم مرورًا بيوسف فأليصابات ثم الرسل وبعدها الأجيال حتى يومنا، نكتشف روعة هذه السلالة البنويّة الروحية لله بيسوع بحيث نكون فيها حلقات من سلسلة الحبّ. فلنقف إذًا ولننطلق في العالم لنكمل ما ينقص بما خصّنا الله به من وزنات المواهب والعطايا مسبّحين ومنشدين مع مريم "تعظّم نفسي الربّ في كلّ حينٍ، على الدوام تسبحته في فمي". 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... محبة الآخر ومساعدته هو أمرٌ ليس بديهي بل إختيار الإنسان بإرادته، فإن كان أمرًا بديهيًّا، فلماذا الوصية؟ مساعدة الآخر هي لحظة يُقرّر فيها الإنسان أن يُحيي الآخر المحتاج أو يُميته، يُفرحهُ فيُحييه أو يتجاهله ويحزنه فيُميته. هي لحظة يُقرّر فيها الإنسان أن يتخلّى عن ذاته ليراك في الآخرين فيعمل ما في وسعه ليُريه إيّاك، "الله محبة"، الّذي بداخله.

ربّي وإلهي ... لعلّه من السهل أن نعمل الخير وأعمال رحمة مع الآخرين، ولكن أن نحمل لهم بشرى الإنجيل "الكلمة المتجسدة المخلّصة" كما فعلت العذراء مريم مع أليصابات نحن بحاجة لمعونة الروح القدس ليمتلأ السامعون به فيفهموا ويؤمنوا، لتُفتح عيونهم فينتقلوا من الظلمة للنور، فأنعِم علينا وعليهم بما نحتاجه ليُختم الجميع بختم الروح القدس ونصبح أبناءً لك نُسبّح ونُمجّد إسمك القدّوس، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يعقوب أخي الربّ)

1- (المحتفل): نقدّم لك هذه الذبيحة من أجل كنيستك المقدّسة المنتشرة في العالم كلّه، ومن أجل الأماكن المقدّسة الّتي مجّدتها بظهور المسيح إبنك وخصوصًا من أجل أورشليم أمّ الكنائس، إمنحها جميعًا مواهب روحك القدّوس؛ أذكر يا ربّ أساقفتنا الأطهار الّذين يوزّعون كلمة الحقّ، ولا سيّما آباءنا المغبوطين: مار … بابا رومة، ومار … بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، وجميعَ خدّام البيعة ومراتبها. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر آباءنا وإخوتنا المصلّين معنا الحاضرين والغائبين، والّذين طلبوا أن نذكرهم في صلواتنا. إستجب سؤل كلّ واحدٍ بما يؤول إلى خلاصه؛ وأذكر الّذين قدّموا القرابين إلى مذابحك المقدّسة، والّذين قُدِّمت من أجلهم، والّذين رغبوا في أن يقدّموا ولم يستطيعوا، ومن أجل من ذكرناهم ومن لم نذكُرهم، كافئهم بفرح خلاصك، إذ تقبل قربانهم على مائدتك السماويّة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر حكّامنا والمسؤولين بيننا، ليُحقّقوا العدل ويُحلّوا السلام، وزيّنهم بمخافتك؛ وأذكر يا ربّ الأسـرى والمسجونين، والمرضى والمتألّمين، والمتضايقين والمحتاجين؛ والعاملين في مختلف قطاعات الحياة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، أيضًا، جميع الّذين حَسنوا لك منذ البدء: القدّيسة المجيدة مريم الدائمة البتوليّة، ورؤساء الآباء والأنبياء والرسل، والقدّيس يوحنّا السابق المعمدان، والقدّيس إسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار يعقوب الرسول رئيس الأساقفة والشهيد ومار …(شفيع الكنيسة)، ومار …(صاحب العيد)، وجميع القدّيسين، أحصِنا بنعمتك معهم في بيعة الأبكار المكتوبين في السماء. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (الشمّاس): أذكر يا ربّ آباء الكنيسة ومعلّميها الّذين أعلنوا كلمة الحقّ في البيعة المقدّسة، وحملوا مسيحك أمام الشعوب كافّة؛ وإمنَح، بصلواتهم، السلام لبيعتك، وثبّت تعاليمهم في نفوسنا. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
6- )المحتفل): أذكر يا إله الأرواح وكلّ ذي جسد جميع الموتى المؤمنين الّذين رقدوا على الإيمان الحقّ، أَرحهم ونقّهم من كلّ وصمة، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننالَ المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة 

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

المقدّمة وأفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 


أفكار من الانجيل

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/KamelYoussefKamel

 

 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس