|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الدنح المبارك
|
|
::: مـدخــل ::: |
• إنه عيد الدنح الّذي يُعتبر،
لاهوتيًّا، من أهمّ الأعياد للشرقييّن وكلمة دنح هي كلمة سريانية وتعني: إعتلان
أو ظهور، أي أنّ الكنيسة تحتفل بإعتلان الله الثالوث خلال معمودية يسوع في نهر
الأردن على يد يوحنا المعمدان.
• في قراءة العهد القديم، يُعلن الله على لسان
حزقيال بأنه بالرغم من الخطايا التي يغرق فيها الشعب، سوف يُعطيه الخلاص، ليس
لأنه يستحق الخلاص، ولكن مِن أجل الإسم الّذي دُعِيَ فيه هذا الشعب: "شعب
الله".
• في رسالة اليوم، نتأمّل كيف أنّ كلّ مسيحي هو
مدعوٌّ ليكون رسولاً للخلاص ولمانح هذا الخلاص في سيرته وحياته وقرارته كلّها.
مهمّته هذه تنبع من عرفانه للخلاص الّذي منحه الله له مجانًا.
• أمّا الإنجيل فيقدّم لنا مشهدًا مدهشًا: إنّها
المرّة الأولى التي فيها يظهر يسوع بشكلٍ علنيّ بعد حياته الخفيّة في النّاصرة:
وَصَلَ إلى ضفاف نهر الأردنّ ليعتمد على يد يوحنّا (متّى 3: 13-17).
• نعم هذا إيماننا كمسيحيّين فبيسوع المسيح عرفنا
الآب بالروح القدس، إلهٌ يعطي ذاته لأنّه إله محبة، علّنا نتعلّم أن نعطي من
ذواتنا للّذين نلتقي بهم، علّ حياتنا تصبح صوتًا ينادي في بريّة هذا العالم أنّ
المسيح حيّ.
|
::: صـلاة ::: |
أيّها الإبن السّماويّ، يا مَن إعتمدت في نهر الأردنّ، فإنفتحت لنا أبواب السّماء، نسألك اليوم أن تُنير عقولنا بروحك القدّوس فتنفتح قلوبنا وتصغي إلى صوت الآب فنمجّد بسلوكنا إسمك مع إسم أبيك وروحك القدّوس، إلى الأبد، آمين.
|
::: العهد القديم ::: |
22 هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ
الرَّبُّ: لَيْسَ لأَجْلِكُمْ أَنَا فَاعِلٌ، يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَلْ
لأَجْلِ إسْمِي الْقُدُّوسِ الَّذِي دَنَّسْتُمُوهُ فِي الأُمَمِ التِّي
دَخَلْتُم بَيْنَها.
23 فَأُقَدِّسُ إسْمِي الْعَظِيمَ الْذّي دُنِّسَ
فِي الأُمَمِ الَّتِي دَنَّسْتُمُوهُ فِيما بَينها، فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي
أَنَا الرَّبُّ. يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ حِينَ أَتَقَدَّسُ فِيكُمْ على
عُيُونِها.
24 وَآخُذُكُمْ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ،
وَأَجْمَعُكُمْ مِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِكُمْ.
25 وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا،
فَتَطْهَرُونَ مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ، وَأُطَهِّرُكُمْ مِنْ جمِيع
قَذارتِكُمْ .
26 وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا وَأَجْعَلُ فِي
أحشَائِكُم رُوحًا جَدِيدًا وَأَنْزِعُ مِنْ لَحْمِكُمْ قَلْبَ الْحَجَرِ،
وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا من لَحْمٍ،
27 وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي أَحْشِائِكُم
وَأَجْعَلُكُمْ تَسِيرُونَ على فَرَائِضِي وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي
وَتَعْمَلُونَ بِهَا.
28 وَتَسْكُنُونَ في الأَرْضَ الَّتِي
أَعْطَيْتُها لآبَائِكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَكُونُ لَكُمْ إِلَهًا.
(سفر حزقيال – الفصل 36 – الآية 22 إلى الآية 28)
|
::: أفكار من العهد القديم ::: |
التعريف بالكتاب:
كتاب النبي حزقيال يجعلنا نذهب مع هذا النبي
المُتألّم المَسبي مع شعبه الّذي إنقسم على نفسه، فدمّر ذاته بالخطيئة والحقد،
وجعل بذلك نبوخذ نصر ملك بابل يدخل إلى أرضهم ويأخذ الجميع سبايا إلى أرض
غريبة... حزقيال عاش ضيق الشعب وبكى لبكائه وتألم لصراخه، فكان يحمل في ضميره
كلمة الله بصوته المرتفع إلى ضمير الشعب، وكان يحمل أيضًا في ضميره صوت شعبه
المتألم إلى الله...
ظروف كتابة النص:
يُعلن الله على لسان حزقيال بأنه بالرغم من
الخطايا التي يغرق فيها الشعب، سوف يُعطيه الخلاص، ليس لأنه يستحق الخلاص، ولكن
مِن أجل الإسم الّذي دُعِيَ فيه هذا الشعب: "شعب الله".
مضمون النص:
في هذا النص مقارنة واضحة بين الرّب الّذي يعطي
الخلاص للإنسان والإنسان الّذي يُميت نفسه بنسيانه للرب:
- هم دَنّسوا إسم الرّب بين الأمم بخطاياهم، وهو
يُقدّس إسمه فيهم بالرغم من ذلك،
- هم تنجّسوا مِن تشتّتهم بين الأمم، وهو الرّب
الّذي يُطهّرهم بغسل الماء بالرغم من ذلك،
- هُم يجعلون قلوبهم من حجر بكراهيتهم، وهو يجعل
قلوبهم من لحم ويُعطيهم روحه فيعودوا له شعبًا بالرغم من ذلك...
علاقة النص بالقراءات
اللاحقة:
لهذه النبوءة صدى في مشهد الدنح (الظهور الإلهي):
- تجسّد الإبن وصار إنسانًا، فقدّس الآب إسمه
عندما أعلن بصوته أنّ يسوع هو إبنه الحبيب.
- أطاع الإبن الآب فإغتسل بنهر الأردن، فصار غسل
الماء هو العلامة على التطهير من الخطايا.
- الروح القدس ينزل على الإبن، ليُصبح كل قلب يحمل
فيه كلمة الله مَسكنًا للروح القدس.
خاتمة تطبيقية:
ونحن: كيف يتقدس فينا إسمُ إلهنا؟ وهل نقبل غسل
المعمودية فنرجع عن خطايانا ونتوب؟ وهل نقلع من صدورنا القلب الحجر لنترك روح
الله فينا ليملأنا من الحب والعمل على بذل الذات؟
|
::: الرسالة ::: |
11 لأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ قَدْ
ظَهَرَتْ خَلاصًا لِجَمِيعِ النَّاس،
12 وهِيَ تُؤَدِّبُنَا لِنَحْيَا في الدَّهْرِ
الـحَاضِرِ بِرَزَانَةٍ وبِرٍّ وتَقْوَى، نَابِذِينَ الكُفْرَ والشَّهَوَاتِ
العَالَمِيَّة،
13 مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ السَّعِيد، وظُهُورَ
مَجْدِ إِلـهِنَا ومُخَلِّصِنَا العَظِيمِ يَسُوعَ الـمَسِيح،
14 الَّذي بَذَلَ نَفْسَهُ عَنَّا،
لِيَفْتَدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْم، ويُطَهِّرَنَا لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا،
غَيُورًا على الأَعْمَالِ الصَّالِحَة.
15 تَكَلَّمْ بِهـذِهِ الأُمُورِ وَعِظْ بِهَا،
ووَبِّخْ بِكُلِّ سُلْطَان. ولا يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَد.
1 ذَكِّرْهُم أَنْ يَخْضَعُوا لِلرِّئَاسَاتِ
والسَّلاطِين، ويُطِيعُوهُم، ويَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِح،
2 ولا يُجَدِّفُوا على أَحَد، ويَكُونُوا غَيْرَ
مُمَاحِكِين، حُلَمَاء، مُظْهِرِينَ كُلَّ ودَاعَةٍ لِجَميعِ النَّاس.
3 فَنَحْنُ أَيْضًا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أَغبِيَاء،
عَاقِّين، ضَالِّين، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَواتٍ ولَذَّاتٍ شَتَّى، سَالِكِينَ
في الشَّرِّ والـحَسَد، مَمْقُوتِين، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا.
4 ولـكِنْ لـَمَّا تَجَلَّى لُطْفُ اللهِ
مُخَلِّصِنَا، ومَحَبَّتُهُ لِلبَشَر،
5 خَلَّصَنَا، لا بِأَعْمَالِ بِرٍّ عَمِلْنَاهَا،
بَلْ وَفْقَ رَحْمَتِهِ، بِغَسْلِ الـمِيلادِ الثَّاني، وتَجْدِيدِ الرُّوحِ
القُدُس،
6 الَّذي أَفَاضَهُ اللهُ عَلينَا بِغَزَارَة،
بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا.
7 فإِذا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ
وَارِثِينَ وَفْقًا لِرَجَاءِ الـحَياةِ الأَبَدِيَّة.
(الرّسالة إلى تيطس – الفصل 2 – الآية11 إلى الفصل 3 الآية 7)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
كلّ مسيحي مدعوٌّ ليكون رسولاً
للخلاص ولمانح هذا الخلاص في سيرته وحياته وقرارته كلّها. مهمّته هذه تنبع من
عرفانه للخلاص الّذي منحه الله له مجانًا كما ورد في رسالة اليوم: "ولـكِنْ
لـَمَّا تَجَلَّى لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنَا، ومَحَبَّتُهُ لِلبَشَر،
خَلَّصَنَا، لا بِأَعْمَالِ بِرٍّ عَمِلْنَاهَا، بَلْ وَفْقَ رَحْمَتِهِ،
بِغَسْلِ الـمِيلادِ الثَّاني، وتَجْدِيدِ الرُّوحِ القُدُس، الَّذي أَفَاضَهُ
اللهُ عَلينَا بِغَزَارَة، بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا".
وهذا الخلاص ليس مستحقًّا إذًا من قبل النّاس بل
هو عطيّة مجّانيّة من نعمة الله التي "ظَهَرَتْ خَلاصًا لِجَمِيعِ النَّاس".
ليس الخلاص إذًا حقًّا محصورًا بفئة دون أخرى،
فشعب الله المختار في العهد الجديد أصبح يتكوّن من كلّ مُحبّ للّه وراغب في أن
يكون من عِداد أبناء الله بمعموديّة الماء والرّوح أو بمعموديّة الشوق أو
بمعموديّة الدمّ أو بمعموديّة الضمير الصالح (راجع المجمع الفاتيكاني الثاني –
دستور نور الأمم).
من خلال تلميذه تيطس، يتوجّه مار بولس، في رسالته
اليوم، إلينا موصيًا: "تَكَلَّمْ بِهـذِهِ الأُمُورِ وَعِظْ بِهَا، ووَبِّخْ
بِكُلِّ سُلْطَان. ولا يَسْتَهِنْ بِكَ أَحَد".
إنّه بذلك يضعنا أمام مسؤوليّةٍ كبيرة لأنّه
يذكّرنا بأنّ مسيحيّتنا ليست مجرّد شعارٍ، أو قلادة تُزيّن صدرنا، أو هويّتنا
أو بيوتنا ولكنّها نهج حياةٍ يلخّصه قائلاً: "ذَكِّرْهُم أَنْ يَخْضَعُوا
لِلرِّئَاسَاتِ والسَّلاطِين، ويُطِيعُوهُم، ويَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ
عَمَلٍ صَالِح، ولا يُجَدِّفُوا على أَحَد، ويَكُونُوا غَيْرَ مُمَاحِكِين،
حُلَمَاء، مُظْهِرِينَ كُلَّ ودَاعَةٍ لِجَميعِ النَّاس".
المسيحي إذًا هو عنصر تغيير لا يتغيّر، يعيش في
العالم دون أن يُصبح منه، بل يسعى ويعمل بكلّ قواه ليغيّره وليطبعه بقيمه
وبقناعاته وبإيمانه. كلّ مسيحي هو إذًا مدعوٌ ليكون رسولاً للخلاص ولمانح هذا
الخلاص في سيرته وحياته وقرارته كلّها.
لذا، لا بدّ إخوتي، في هذا العيد، من أن نسأل
ذواتنا حول مدى أمانتنا لرسالتنا المسيحيّة: في عائلاتنا، في قرانا، في أعمالنا
وفي سائر أنواع علاقاتنا.
زمن الدنح إذن هو زمن تجدّد وتنقية وعودةٍ إلى
أصالة دعوتنا المسيحيّة عبر التجذّر في نِعَم معموديتنا وتثبيتنا في نعمة الربّ
ومحبّته!
كل عيد وأنتم بخير!
|
::: الإنجيل ::: |
15 وفيمَا كانَ الشَّعْبُ
يَنتَظِر، والـجَمِيعُ يَتَسَاءَلُونَ في قُلُوبِهِم عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ
هُوَ الـمَسِيح،
16 أَجَابَ يُوحَنَّا قَائِلاً لَهُم أَجْمَعِين:
"أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالـمَاء، ويَأْتي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ
أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ
القُدُسِ والنَّار.
17 في يَدِهِ الـمِذْرَى يُنَقِّي بِهَا
بَيْدَرَهُ، فيَجْمَعُ القَمْحَ في أَهْرَائِهِ، وأَمَّا التِّبْنُ
فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأ".
18 وبِأَقْوَالٍ أُخْرَى كَثيرَةٍ كانَ يُوحَنَّا
يَعِظُ الشَّعْبَ ويُبَشِّرُهُم.
19 لـكِنَّ هِيرُودُسَ رئِيسَ الرُّبْع، وقَد كانَ
يُوحَنَّا يُوَبِّخُهُ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا إمْرَأَةِ أَخِيه، ومِنْ
أَجْلِ كُلِّ الشُّرُورِ الَّتي صَنَعَها،
20 زَادَ على تِلْكَ الشُّرُورِ كُلِّهَا أَنَّهُ
أَلقَى يُوحَنَّا في السِّجْن.
21 ولـمَّا إعْتَمَدَ الشَّعْبُ كُلُّهُ،
وإعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا، وكانَ يُصَلِّي، إنفَتَحَتِ السَّمَاء،
22 ونَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ القُدُسُ في صُورَةٍ
جَسَديَّةٍ مِثْلِ حَمَامَة، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: "أَنْتَ
هُوَ إبْنِي الـحَبِيب، بِكَ رَضِيت".
(إنجيل لوقا – الفصل 3 – الآيات 15 إلى 22)
|
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
نحتفل اليوم بعيد عمّاد الرّبّ
يسوع، ويقدّم لنا الإنجيل مشهدًا مدهشًا: إنّها المرّة الأولى التي فيها يظهر
يسوع بشكلٍ علنيّ بعد حياته الخفيّة في النّاصرة: وَصَلَ إلى ضفاف نهر الأردنّ
ليعتمد على يد يوحنّا (متّى 3: 13-17). كانت المعموديّة طَقسًا يدل على النّدم
وإلتِزام التّوبة. يقول نشيد ليتورجيّ إنّ الشّعب كان يذهب ليعتمد ”النفس عارية
والأقدام عارية“ – نفس مُنفتحة وعارية، لا شيء مُغطَّى – أيْ، بتواضع، والقلبُ
شفّاف.
لكن، عندما نرى أنّ يسوع يختلط مع الخطأة، نندهش
ونتساءل: لماذا إتّخذ يسوع هذا الخيار؟ هو قدّوس الله، وإبن الله وبلا خطيئة،
لماذا إتّخذ هذا الخيار؟ نجد الإجابة في الكلمات التي وجّهها يسوع إلى يوحنا،
قال: "دَعْني الآنَ وما أُريد، فهكذا يَحسُنُ بِنا أَن نُتِمَّ كُلَّ بِرّ"
(الآية 15). نُتِمَّ كُلَّ بِرّ: ماذا يعني ذلك؟
بإعتماده، كشف لنا يسوع عن برّ الله، ذلك البرّ
الّذي جاء هو ليحمله إلى العالم. غالبًا يكون لدينا فكرة محدودة عن البرّ
والعدل ونفكّر أنّها تعني: من يخطئ يدفع الثّمن، وبالتّالي، يعوِّض عن الخطأ
الّذي إرتكبه. لكن برّ الله، كما يعلّم الكتاب المقدّس، أكبر من ذلك بكثير:
هدفه ليس إدانة المذنب، بل خلاصه وولادته من جديد، وجعله بارًّا: كان غير بارّ
وصار بارًّا.
إنّه تبرير يصنعه الحبّ، وأحشاء الرّأفة والرّحمة
التي هي قلب الله نفسه، والآب الّذي يتأثّر عندما يضطهدنا الشّرّ ونقع تحت وطأة
الخطايا والضّعف. لذلك، بِرُّ الله لا يريد أن يوزّع جزاءات وعقوبات، بل، كما
أكّد الرّسول بولس، هو أن يجعلنا أبرارًا نحن أبناءه (راجع رومة 3: 22-31).
أكّد البابا بينيدكتوس السّادس عشر أنّ "الله أراد
أن يُخلّصنا، فَذَهَبَ بنفسه إلى أعماق هاوية الموت، حتّى يستطيع كلّ إنسان،
حتّى الّذي سقط إلى أسفل درجة، ولم يعد يمكنه أن يرى السّماء، حتّى يستطيع أن
يجد يَدَ الله ويتشبّث بها، ويصعد من الظّلمة ليرى من جديد النّور الّذي خُلق
من أجله" (عظة، 13 كانون الثّاني/يناير 2008).
إخوتي وأخواتي، نحن نخاف أن نفكّر في عدلٍ رحيم
هكذا. لنتقدّم ونؤمن أن الله رحمة. عدله رحمة. لنتركه يأخذنا بيدنا. نحن أيضًا،
تلاميذ يسوع، مدعوّون إلى أن نمارس العدل والبرّ بهذه الطّريقة، في علاقاتنا مع
الآخرين، وفي الكنيسة، وفي المجتمع: ليس بقسوة الّذي يَدِين ويُعاقب ويُقسّم
الأشخاص إلى أخيار وأشرار، بل برحمة الّذي يستقبل ويشارك في الجِراح وفي ضعف
الإخوة والأخوات، لكي يقيمهم من جديد.
لنفعل مثل يسوع: لنتقاسم، ولنحمل أثقال بعضنا
بعضًا بدل أن نثرثر ونهدم بعضنا بعضًا، ولننظر بعضنا إلى بعض برأفة، ولنساعد
بعضنا بعضًا. آمين.
كل عيد وأنتم بخير!
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
"أنت إبني وأنا اليوم ولدتك"
يسوع، إبن الله أنتَ ومن جوهره
وُلِدت منذ الأزل. تجسّدت وصرتَ إنسانًا حقًّا كما إنّك إله حقًّا، محتويًا جنس آدم
بأجمعه فَقبِلت الروح القدس، روحك، بقدر ما رأيت أنّه يليق بالإنسان أن يقبله فننال
عطية الروح فيك فيفيض فينا الحبّ والخير حتّى الثمالة. أنت الإله الكلّي القداسة،
والنور من نورٍ قبِلت أن تأخذ ما للإنسان وما قيل لك من فم الآب: "أنت إبني وأنا
اليوم ولدتك" وأنت المولود منذ البدء، فقط لأنّك هكذا أحببتنا وجعلتنا إخوةً لك
وقَبِلَنا الآب في ذاتك أبناءً له.
"أنت إبني وأنا اليوم ولدتك :"اليوم، وقد أصبحت شابًا
ناضجًا محبوبًا وكلّ العيون أصبحت تتأملك في نهر الأردنّ: مَن هو ذاك الشاب الّذي
إنفتحت السماء له وإرتعدت بصوت الآب ونزل الروح عليه؟ مَن هو ذاك الرجل الصارخ في
الصمت، المُصلّي، اللطيف الهادئ؟
ومن هناك كانت إنطلاقة خطوتك العلنية الأولى للرسالة
الخلاصيّة في طريقها صوب الصليب التي من أجلها أتيت، محترمًا رسالة يوحنّا السابق
والّذين كانوا يغتسلون بماء المعمودية بعد إستماعهم إلى دعوته لهم من أجل التوبة
والتجديد الداخلي.
اليوم ربّما لا ندرك ماذا نريد منك، ولا ما أنت تريده
منّا؟ربّما لأنّنا لم نتعرف بعد على الجانب الأهمّ من شخصيّتنا الروحية حيث رسالتنا
في هذه الحياة تكتنز الهبات والنِعَم اللازمة للعمل بها بحبّ من أجل نموّنا ونجاحنا
من أجل الربح الأفضل والأكبر الّذي هو أنت، وربّما أيضًا لم نعرف كيف نسمع صوت أبيك
يقول لنا في كلّ خطوةٍ نخطيها: "أنت إبني"، وفي كلّ نفسٍ نستنشقه "لقد ولدتك بإبني
الوحيد يسوع". ولربّما لم نفكّر مطلقًا في الإصغاء لأنّنا نلهث وراء الأصوات التي
توهمنا بجلب الشهرة أو السلطة أو المال أو غيرها من فانِيات هذه الدنيا.
حتّى أنت يسوع تهيّأت، قبل أن تبدأ مشوارك "الرسالي"،
بالعماد، الصلاة، وإستقبال الروح القدس، ونحن نصبح مسيحيّين، ويعطينا الله رسالة
شخصية محدّدة لنقوم بها، ولكن أين نحن من قبولها أولًا وثم من تحضير ذواتنا لذلك،
أين هي الخطوات التي علينا إتّباعها لإدراك المطلوب؟
أثق بك يسوع، وأثق بأنّ الله يقبلني كما أنا وسوف
يُرسلني كما أنا ولكنّي أخجل من ذاتي حين أبقى كما أنا دون أن أتغيّر، دون أن أنمو
بحبّي وفرحي بك فيَّ، دون أن أجاهد لأتسلّق سلّم الخلاص ولو بخطواتٍ متناهية الصغر،
فهي مَن سترفعني إليك مع خشبتك الخلاصيّة وتجعل رسالتي أكثر عمقًا وأجمل تواضعًا
وصمتًا، وإلّا بقيت حيث أنا وكأنّي أدفن نفسي وأنا حيّ.
يسوع، في ختام تأمّلي، أسألك أن تهبني روحك القدّوس
ليُرافقني في مسيرتي فلا أضع رغبتي قبل مشيئتك، ولا طريقتي في القيام بأيّ عملٍ أو
فعلٍ بل طريقتك. هبني إيّاه كي أكفّ عن البحث عن الشهرة أو تقدير الآخرين لي، فأنا
لا أرغب أن أفقدك وبذلك أفقد تقديري لذاتي التي أنت تسكنها، ولا أن أستبدلك بآلهةٍ
أخرى باتت تعجّ بها الحداثة اليوم وتعمي بصيرة مَن لم يَرِدْك بعدُ بكل القلب
والفكر والفعل. كما إستقبلت الثناء من أبيك حين خاطبك في نهر الأردن: "أنت إبني
الّذي عنه رضيت" إجعلني أستقبل ثناءك وتشجيعك لي بفرح متواضع فبشريّتي هشّة وأنت
تعلم ذلك وتعلم أيضًا أنّها بحاجة أحيانًا، وأسَرُّ بأنّك تحبّني دون حدود ولا
شروط، فحياتي تبقى خالية من أيّ معنىً بعيدًا عنك وعن أبيك وروحك القدوس. أحبّك
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... حين يولد المولود
فإنّ أوّل شيء يُعمل له بعد قطع الحبل السري بينه وبين الأم هو غسله بالماء من
الدماء والشحوم التي كانت تحميه وهو بداخل رحم أمّه. بعدها يصبح المولود إنسانًا
نظيفًا وغير متصل بأحد، يعتمد على فمه [ذاته] في التغذية لينمو، دون أن يتعب في
تحضير الطعام، وآخرين لإبقاءه نظيفًا. في البدء يعتمد الطفل على مَن يُغذّيه
ويُنظفه إلى أن ينمو ومن ثم يبدأ بالإعتماد على ذاته لإطعام نفسه وإبقاء جسده
نظيفًا. غسل المولود، بالنسبة لي، هي كالمعمودية لمَن أراد أن يولد من الروح،
فبالولادة علينا أن نقطع صلتنا بكل ما يربطنا بالعالم الّذي كان يُغذّي أفكارنا،
ونتوب ونغسل هذه الأفكار لنبدء بالنمو بطعامٍ جديد يُهيّئه لنا آخرون [إيمان
الآخرين] إلى أن نعتمد على أنفسنا [إيماننا]؛ طعامًا أنتَ هو مصدره.
ربّي وإلهي ... لم نتعمّد بماءٍ وإنما بماءٍ وروح
ونار، بماء الحياة، بإسم "الآب والإبن والروح القدس" لنُصبح أبناءً لكَ - بإسم
"الآب": ولادة، بإسم "الإبن": بر وقداسة، بإسم "الروح القدس": غذاء ونمو. أنعم
علينا أن نفهم مسؤوليتنا تجاه عمادنا فننمو دون أن نُميت الروح القدس الّذي
بداخلنا، ولك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
(نوايا نافور مار مرقس البشير)
1- (المحتفل): عظّم يا ربّ شأن
كنيستك المقدّسة المنتشرة في الأقطار الأربعة، وإحفظ رعاتها المستقيميّ الرأي،
بالأمان والسلام جميع أيّام حياتهم، لا سيّما مار … بابا روما، ومار … بطرس
بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، والأساقفة، والكهنة الأتقياء، والشمامسة
الأطهار، وكلّ خدمة مذبحك المقدّس، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، مع هؤلاء جميع الّذين
يدعون إسمك القدّوس: بارك القريبين، أرجع البعيدين، إفتقد المرضى، قوِّ الضعفاء،
أطلق المسجونين، أعضد المظلومين، ردّ الضالّين إلى مخافتك، وجازِ المجازاة الحسنة
جميع الّذين قرّبوا القرابين في كنيستك المقدّسة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا،
وجميع أبناء البيعة المقدّسة، إمنحهم الأمان والسلام، وأبعد عنهم النـزاعات
الداخليّة والخارجيّة، فيحيوا حياة هادئة، إحفظهم برسم صليبك الحيّ والظافر، خلّص
المضطهدين المهجّرين من رعيّتك، كن للغرباء ملجأ، وللمسافرين رفيقًا. إمنح الرهبان
والمتوحّدين والقاطنين في الجبال وكهوف الأرض آخرة صالحة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، يا ربّ، في هذا الوقت، على مذبحك
السماويّ، وعلى هذا المذبح، القدّيسة الدائمة البتوليّة، والدة الله مريم،
والأنبياء، والرسل والشهداء، والمعترفين والمبشّرين، ويوحنّا المعمِّد والسابق،
وإسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار …(شفيع الكنيسة)، ومار …(صاحب العيد)،
وجميع القدّيسين، أنضمنا في أجواقهم، وأشركنا في عيدهم السعيد. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، جميع الّذين عَبَروا من
هذا العالم وبلغوا إليك، بَلِّغهم مساكنك السعيدة وأمحُ كلّ خطاياهم، لأنّه ما من
أحد على الأرض بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته
نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة من إعداد
المقدّمة وأفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |