|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الدنح المبارك
|
|
::: مـدخــل ::: |
• في الأحد الثاني من زمن
الدنح، زمن إعتلان الله الثالوث على نهر الأردن، نتأمّل معًا في إعتلان سرّ
المسيح للرسل الّذين بدورهم سيحملون هذه البشارة إلى العالم أجمعين بكلّ ما
تحمله هذه الرسالة من أخطار وفرح في آنٍ معًا.
• في قراءة العهد القديم، نتأمّل في دعوة ارميا
له، و في الحوار الّذي دار بينهما.
• مع الرّسالة، سنتأمل فيما ورد في هذا النصّ من
توجيهات صالحة لعيشِ مسيحيٍّ أعمق، في كلّ زمانٍ ومكان!
• نتأمّل في إنجيل اليوم كيف أنّ كل دعوة حقيقيّة
تبدأ بلقاء مع الربّ يسوع الّذي يُعطينا فرحًا ورجاءً جديدًا ويقودنا، حتى من
خلال التجارب والصعوبات، نحو لقاء كامل، لأن هذا اللقاء ينمو ليصبح أكمل معه
ويحمل إلى ملء الفرح.
• هل سنحمل بدورنا هذه البشارة إلى العالم أجمع مع
كلّ ما تحمله هذه الرسالة من أخطار أو أفراح في آنٍ معًا؟!
|
::: صـلاة ::: |
أيّها الإبن السّماوي، نشكرك على إعادة إشراكنا في عائلتك السّماويّة من خلال عمادك في نهر الأردن، وتكريسك لبنوّتنا للآب بقوّة الرّوح القدس الّذي يثبّتنا في دعوتنا لنشهد لك، يا حمل الله، بأقوالنا وأفكارنا وأعمالنا، فيتمجّد بنا الثالوث الأقدس، الآب والإبن والرّوح القدس، الإله الواحد، له المجد إلى الأبد، آمين.
|
::: العهد القديم ::: |
4 فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ
إِلَيَّ قائلًا:
5 قَبْلَ أن أصَوَّركَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ
وَقَبْلَ أن تخرجَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ وجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلأمّم.
6 فَقُلْتُ: "آهِ أيَها السَيِّدُ الرَّبُّ هاءنذا
لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ".
7 فَقَالَ لِي الرَّبُّ : "لاَ تَقُلْ إِنِّي
وَلَدٌ فأَنَّكَ لكُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ لَهُ تَذْهَبُ وَكُلُّ مَا آمُرُكَ
بِهِ تقول.
8 لاَ تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ فإنِّي أَنَا
مَعَكَ لأُنْقِذَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ.
9 ثمّ مَدَّ الرَّبُّ يَدَهُ وَلَمَسَ فَمِي
وَقَالَ لِي الرَّبُّ : هَاءنذا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ.
10 اُنْظُرْ، إنّي أقمْتُكَ الْيَوْمَ عَلَى
الأمّمِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ
وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ.
(سفر إرميا – الفصل 1 – الآيات 4 إلى 10)
|
::: أفكار من العهد القديم ::: |
التعريف بالكتاب:
يخبرنا سفر إرميا عن ذلك النبي الصغير في السن
الّذي عاش حوالي سنة 645 قبل الميلاد، والّذي يحمل الإسم العبري "يرمي ياهو"
(أي: الله يُقيم)، كيف تألم لخطيئة شعبه، وكيف كان يُبكّت ذلك الشعب القاسي
القلب على إنقسامه، وعلى تركه للإيمان... كان إرميا قَرَويًّا صغير السن عندما
دعاه الرّب ليكون نبيًّا، وقد فشلت رسالته إذ لم يسمعه أحد، ولكن بقي صدى كلامه
في ضمائر الأجيال اللاحقة لقوّته، وصدقه، وتأثيره.
ظروف كتابة النص:
هذا النص هو بداية سفر إرميا، فيه نقرأ دعوة الله
له، والحوار الّذي دار بينهما.
مضمون النص:
هذا النص يبدأ بمبادرة إلهيّة: يُخبر الرّب إرميا
بأنه إختاره منذ أن كان في بطن أمه، ليكون نبيًّا ليس فقط لبني إسرائيل، إنما
لجميع الأمم...
ينظر إرميا إلى نفسه فيجد أنه ولد، قروي بسيط صغير
السن، فكيف سيكون نبيًّا يُكلّم الأمم؟!
يُطمئن الرّب إرميا... لماذا أنت قَلِق يا ولد؟
أنت لن تذهب إلا إلى حيث أرسلك، ولن تتكلم إلا ما أقوله لك... ويقول الله
لإرميا بأن كلامه سيجعل وجوه الجميع متجهّمة... لذلك يقول الرّب لإرميا: لا تخف
فإني معك لإنقاذك...
يُطمئن الرّب إرميا للمرة الثانية: يلمس فمه فيضع
فيه كلمته، ووصف له رسالته التي كلّفه بها باللهجة القرويّة التي يفهمها: إرميا
هو نبي يعمل في شعب الله كما يعمل القروي في أرضه... أقامه الله ليقلع ما هو
غير نافع كما يقلع القروي الأعشاب الغير نافعة، ليهدم كل شر كما يهدم القروي
الجدران المتهالكة، فكل ما هو غير نافع يُهلكه وينقضه، ليبني ويغرس ما هو
جيّد...
علاقة النص بالقراءات اللاحقة:
يشكو بولس الرسول خوفه من التضييق والإضطهاد بسبب
البشارة، تمامًا كما شكى إرميا بأنه ولد يخاف من وجوه الناس المُتَجهّمة...
ولكن الله هو الّذي يُكمل كل نقص، لأنه هو صاحب الكلمة، والرسول والنبي هما
حاملَي الكلمة...
سمع الرسولان في الإنجيل كلام يوحنا وتبعا يسوع،
فأقاما معه، وصارا عاملين في كرمه...
خاتمة تطبيقية:
مَن يحمل كلمة الله يُعلنها بكل جرأة وبلا خوف،
ينقلها بالأمانة لتكون لمجد الله ولبنيان الكنيسة.
|
::: الرسالة ::: |
5 فَنَحْنُ لا نُبَشِّرُ
بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نُبَشِّرُ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا، وبِأَنْفُسِنَا
عَبِيدًا لَكُم مِنْ أَجْلِ يَسُوع؛
6 لأَنَّ اللهَ الَّذي قَال: "لِيُشْرِقْ مِنَ
الظُّلْمَةِ نُور!"، هُوَ الَّذي أَشْرَقَ في قُلُوبِنَا، لِنَسْتَنِيرَ
فَنَعْرِفَ مَجْدَ اللهِ الـمُتَجَلِّيَ في وَجْهِ الـمَسِيح.
7 ولـكِنَّنَا نَحْمِلُ هـذَا الكَنْزَ في آنِيَةٍ
مِنْ خَزَف، لِيَظْهَرَ أَنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ اللهِ
لا مِنَّا.
8 يُضَيَّقُ عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ
ولـكِنَّنَا لا نُسْحَق، نَحْتَارُ في أَمْرِنَا ولـكِنَّنَا لا نَيْأَس،
9 نُضْطَهَدُ ولـكِنَّنَا لا نُهْمَل، نُنْبَذُ
ولـكِنَّنَا لا نَهْلِك،
10 ونَحْمِلُ في جَسَدِنَا كُلَّ حِينٍ مَوْتَ
يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا؛
11 فَإِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسْلَمُ
دَوْمًا إِلى الـمَوْت، مِنْ أَجْلِ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ
أَيْضًا في جَسَدِنَا الـمَائِت.
12 فَالـمَوْتُ يَعْمَلُ فينَا، والـحَيَاةُ
تَعْمَلُ فيكُم.
13 ولـكِنْ بِمَا أَنَّ لَنَا رُوحَ الإِيْمَانِ
عَيْنَهُ، كَمَا هوَ مَكْتُوب: "آمَنْتُ، ولِذلِكَ تَكَلَّمْتُ"، فَنَحْنُ
أَيْضًا نُؤْمِن، ولِذلِكَ نَتَكَلَّم.
14 ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذلِكَ الَّذي أَقَامَ
الرَّبَّ يَسُوع، سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا مَعَ يَسُوع، وَيَجْعَلُنَا
وإِيَّاكُم في حَضْرَتِهِ.
15 فَكُلُّ شَيءٍ هُوَ مِنْ أَجْلِكُم، لِكَي
تَكْثُرَ النِّعْمَة، فَيَفِيضَ الشُّكْرُ في قُلُوبِ الكَثِيرينَ لِمَجْدِ
الله.
(الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل الرابع – الآيات 5 إلى 15)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
أمام هذا المقطع من رسالة
القدّيس بولس الثانية إلى أهل قورنتوس، لا بدّ لكلّ قارئ ومتأمّل أن يتأمّل
فيما ورد في هذا النصّ من توجيهات صالحة لعيشٍ مسيحيٍّ أعمق، في كلّ زمانٍ
ومكان!
في سياق النصّ، عدّد بولس الرّسول كمًّا من
الصعوبات الّتي قد يعاني منها كلّ إنسانٍ مسيحيّ لأنّه يحمل "هـذَا الكَنْزَ في
آنِيَةٍ مِنْ خَزَف" ضعيفة وقابلة للكسر، كما دعانا إلى التنبّه إلى أمرين
أساسييّن:
• الأول: دعوتنا للتبشير "بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ
رَبًّا".
• الثاني: "القُدْرَةَ الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ
اللهِ لا مِنَّا".
إنّ أكبر خطر يواجهه المسيحي هو الغرور والتكبّر
على الله وعلى نعمته وعلى الرسالة التي إئتمنه عليها أي خطيئة آدم وحواء التي
نجمت عن تصديقهما لمكر إبليس الّذي بيّن لهما الله إلهًا غيورًا يحجب عنهما
المعرفة ودعاهما ليصبحا "كالله عارفين الخير والشرّ" (تك 1: 5)، أي أغراهما بما
كانا حاصلين عليه مجانًا أي البنوّة الإلهيّة، عبر تحوير الحقيقة ليظهر هو
كمخلّص لهما من تسلّط الله وكمحرّر لهما من كبته وطغيانه.
لقد سقط الإنسان في فخّ الكبرياء بعد أن إشتهى
الحصول على ما كان فيه، منذ لحظة تكوينه، حين وهبه الله كلّ شيء عندما "نفخ في
أنفه نسمة الحياة" (تك 2: 7) خالقًا إيّاه "على صورته ومثاله" (تك 1: 27).
المشكلة إذًا تكمن في سعي الإنسان إلى بلوغ وتحقيق
رغبته في التأليه، ولكن بعيدًا عن الله ودون الله وبأساليب وطرقٍ بعيدة عن
إرادة الله وتصميمه.
لمَن قد يخطر على باله السؤال: "كيف أكون إلهًا
وفق مشيئة الله؟" ما عليه سوى التمعّن برسالة اليوم، حيث يدعونا مار بولس لندرك
أننا من دون المسيح نكون ضعفاء في حين أنه "مع المسيح وفي المسيح وبالمسيح"،
كما يرد في القداس اللاتيني، نكون أقوياء وقادرين على مجابهة أكبر الصعاب!
إن تواضعنا وإدراكنا بأنّ كلّ إنجازاتنا هي
إنعكاسٌ لعمل الربّ في حياتنا، حتّى لو واجهتنا الصعوبات والضيقات والإضطهادات
يرتكز إلى إيماننا بأنّ "الَّذي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوع، سَيُقِيمُنَا نَحْنُ
أَيْضًا مَعَ يَسُوع".
لذا، كلّ ما نواجهه في الحياة يتحوّل إلى إختبارٍ
روحيّ ينمّي علاقتنا بالربّ وينمّينا في محبّة الربّ فتتحوّل حياتنا إلى مصدر
نعمة للآخرين وهكذا "يَفِيضَ الشُّكْرُ في قُلُوبِ الكَثِيرينَ لِمَجْدِ الله"!
إنّ وعينا لحقيقة "أَنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ
الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ اللهِ لا مِنَّا" يجعلنا أقوى في مواجهة صعاب دربنا مع
الربّ أو في سبيله سواءً في الحياة اليوميّة أم في جهادنا الرّوحيّ أيضًا.
من دون هذه القدرة لا نستطيع شيئًا أمّا معها
فنقدر على كلّ شيء كما أكّدت أمّنا مريم في نشيدها: "الآنَ تُطَوِّبُنِي
جَمِيعُ الأَجْيَال، لأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ بي عَظَائِم"! (لوقا 1: 49)،
آمين!
|
::: الإنجيل ::: |
35 في الغَدِ أَيْضًا كَانَ
يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وإثْنَانِ مِنْ تَلاميذِهِ.
36 ورَأَى يَسُوعَ مَارًّا فَحَدَّقَ إِليهِ
وقَال: "هَا هُوَ حَمَلُ الله".
37 وسَمِعَ التِّلْمِيذَانِ كَلامَهُ، فَتَبِعَا
يَسُوع.
38 وإلتَفَتَ يَسُوع، فرَآهُمَا يَتْبَعَانِهِ،
فَقَالَ لَهُمَا: "مَاذَا تَطْلُبَان؟" قَالا لَهُ: "رَابِّي، أَي يَا
مُعَلِّم، أَيْنَ تُقِيم؟".
39 قالَ لَهُمَا: "تَعَالَيَا وأنْظُرَا".
فَذَهَبَا ونَظَرَا أَيْنَ يُقِيم. وأَقَامَا عِنْدَهُ ذلِكَ اليَوم، وكَانَتِ
السَّاعَةُ نَحْوَ الرَّابِعَةِ بَعْدَ الظُّهر.
40 وكَانَ أَنْدرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ
أَحَدَ التِّلمِيذَيْن، اللَّذَيْنِ سَمِعَا كَلامَ يُوحَنَّا وتَبِعَا يَسُوع.
41 ولَقِيَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَان، فَقَالَ
لَهُ: "وَجَدْنَا مَشيحَا، أَيِ الـمَسِيح".
42 وجَاءَ بِهِ إِلى يَسُوع، فَحَدَّقَ يَسُوعُ
إِليهِ وقَال: "أَنْتَ هُوَ سِمْعَانُ بْنُ يُونا، أَنتَ سَتُدعى كيفا، أَي
بُطرُسَ الصَّخْرَة".
(إنجيل يوحنّا – الفصل الأوّل – الآيات 35 إلى 42)
|
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
لقد بقيت خبرة هذين التلميذين
مطبوعة في ذاكرتهم لدرجة أن أحدهم قد سجّل الساعة أيضًا: "وكانَتِ السَّاعَةُ
نَحوَ الرَّابِعَةِ بَعدَ الظُّهْر" (يو 1: 39). يخبر يوحنا الإنجيلي هذا الحدث
كذكرى شباب واضحة بقيت سالمة في ذاكرته كشيخ. لأنّ يوحنا كان قد أصبح مُسنًّا
عندما كتب هذه الأمور.
كان اللقاء قد تمَّ بالقرب من نهر الأردن، حيث كان
يوحنا المعمدان يعمِّد؛ وكان هؤلاء الجليليُّون الشباب قد إختاروا المعمدان
كمرشد روحي. وفي أحد الأيام جاء يسوع وإعتمد في النهر. وفي اليوم التالي مرّ
مجدّدًا فقال المُعمِّد – أي يوحنا المعمدان – لإثنين من تلاميذه: "هُوَذا
حَمَلُ الله!" (الآية 36).
كانت هذه الشرارة بالنسبة لهما؛ فتركا معلِّمهما
الأول وتبعا يسوع. وفيما هو سائر إلتَفَتَ يسوعُ فرآهُما يَتبَعانِه فقالَ
لَهما: "ماذا تُريدان؟" (الآية 38). يظهر يسوع في الإنجيل كخبير في القلب
البشري. لقد إلتقى في تلك اللحظة بشابّيْن في مسيرة بحث وقلق سليم.
يقول البابا فرنسيس: "في الواقع أي شباب هو الشباب
الّذي يكتفي بعدم طرح أسئلة ذات مغزى؟ إن الشباب الّذين لا يبحثون عن شيء ليسوا
بشباب وإنما متقاعدون لأنّهم قد شاخوا قبل وقتهم. من المحزن جدًّا أن نرى
شبابًا متقاعدين."...
من خلال الإنجيل وفي جميع لقاءاته، يظهر يسوع كـ
"محرِّك" للقلوب. من هنا يأتي سؤاله الّذي يسعى لإظهار رغبة الحياة والسعادة
التي يحملها كل شاب في داخله: "ماذا تريد؟".
هكذا تبدأ دعوة يوحنا وأندراوس: إنها بداية صداقة
قويّة مع يسوع لدرجة أنّها تفرض مقاسمة حياة وشغف معه. أقام التلميذان مع يسوع
وتحولا فورًا إلى مرسَلَين، لأنهما بعد اللقاء لم يعودا إلى البيت هادئَين بل
أشركا أخويهما سمعان ويعقوب في هذا الإتباع. ذهبا إليهما حاملَين الخبر: "لقد
وجدنا المسيح.
كيف نكتشف دعوتنا في هذا العالم؟ يمكننا أن
نكتشفها بأشكال عديدة، لكن تقول لنا هذه الصفحة من الإنجيل إن المؤشِّر الأول
هو فرح اللقاء بيسوع. زواج أو حياة مكرّسة أو كهنوت: كل دعوة حقيقيّة تبدأ
بلقاء مع يسوع الّذي يعطينا فرحًا ورجاءً جديدًا ويقودنا، حتى من خلال التجارب
والصعوبات، نحو لقاء كامل، لأن هذا اللقاء ينمو ليصبح أكمل معه ويحمل إلى ملء
الفرح.
يقول البابا فرنسيس: "إنّ الرّب لا يريد رجالاً
ونساءً يتبعونه رغمًا عنهم أو بدون أن يحملوا في قلوبهم نفحة الفرح". هل نحمل
في قلوبنا نفحة الفرح؟ ليسأل كل واحد منّا نفسه: "هل أحمل في داخلي وفي قلبي
نفحة الفرح؟".
لنحافظ مثل هذين التلميذَين على شعلة حبّه. فهناك
بالتأكيد تجارب في الحياة وأوقات يجب علينا أن نسير فيها قدمًا بالرغم من البرد
والرياح المعاكسة والإختبارات المريرة. لكننا نعرف الدرب التي تقود نحو تلك
النار المقدّسة التي ألهبتهم للأبد، والتي ستلهبنا أيضًا. آمين.
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
مسيحيّتي دعوة ناضجة
في البدء، كان آدم-الإنسان صديقًا
لله، لا ظلمة تفصل بينهما، وكلّ كلمة من فم الله كانت لهما بمثابة دليل حياةٍ ثمينٍ
مفتوحٍ على فرح الحب صوب الكمال. وأتى الشرّ وصاحبه بشخص الـ"أنا وليس سواي" ليهشّم
بحيلته المحنّكة العلاقة التي ربطت الله الخالق بالإنسان المخلوق مستغلًا "أمر"
الله له، بخربطة بعضًا من كلماته للإنسان الأوّل، في قالبٍ خَدّاعٍ، فسقط هذا
الأخير في هوّة الظلمة الكبرى دون أن يدري إلى أن ناداه الله، فإرتعد خوفًا من
الحضور أمامه وفجأةً، شعر بنفسه وحيدًا، مخذولًا، عريانًا من حشمة النفس وقداسة ما
ربطه بخالقه؛ ليغرق في التخبّط والضياع كي ينجو من وجع الشك آلام تلك البؤرة
الأبدية التي إختار تصديق مسبّبها دون أن يأبه لأمانة الله وصدقه وفوق كلّ ذلك،
لحبّه اللامتناهي.
مرّت القرون والعقود وتفاقمت حالة الإنسان تجاه ذاته
وتجاه الله إلى درجةٍ إستبداله بالحجر والقوى الطبيعية والبشرية التي هو من خلقها،
إلى أن أرسل إبنه – الكلمة متجسّدًا ليحلّ بيننا ويصالحنا مع أبيه فنستعيد به
بنوّتنا للآب. ولمّا حان الوقت ظهر في نهر الأردنّ وكُشِفت هويّته لمَن أعدّ قلبه
لإستقباله وأوّلهم يوحنّا المعمدان مُعَرِّفًا عنه لتلميذيه بإسمِ "حمل الله" الّذي
حمل فيه المهمّة الخلاصيّة لكل مَن يؤمن به. لثقتهما بكلام يوحنا معلّمهما، ما كان
منهما إلّا أن قاما بالخطوة الأولى وتبعاه وهما خائفين ربّما من ردّة فعله. وكان
اللقاء الأوّل بينه وبينهما ليبصحا تلميذان له فيما بعد.
لقاءٌ ليس كذلك الّذي نعرفه، بل حمَلَ في طيّاته
خطواتٍ عملية تجعلهما واثقين مما يريدانه، فالأمر ليس فخرًا بشريًّا أن يعرفاه بل
هو أبعد من ذلك بكثير:
• هو جرأة حتى الثمالة في التمثّل به كـ"حمل الله" وفي
المضيّ حتى النهاية معه، حتّى الصليب: "ها هو حمل الله".
• هو جرأة في التحرّك، في إتّباع يسوع، المبني على
السماع عنه وتصديقه من يوحنّا وشهادته له (واليوم، من الإنجيل وحياة وشهادات
الكثيرين من الأبرار وقديسين والشهداء والصدّيقين): "وسَمِعَ التِّلْمِيذَانِ
كَلامَهُ، فَتَبِعَا يَسُوع".
• هو جرأة في الطلب من أجل الملكوت الّذي يبدأ من على
هذه الأرض: "رَابِّي، أَي يَا مُعَلِّم، أَيْنَ تُقِيم؟".
• هو جرأة في ترك كلّ شيء والإقامة مع يسوع إلى أن
تأتي الساعة للإنطلاق: "فَذَهَبَا ونَظَرَا أَيْنَ يُقِيم. وأَقَامَا عِنْدَهُ
ذلِكَ اليَوم".
• هو جرأة في الإيمان من أجل إعلان الحقيقة، البشارة
بالخلاص القريب لكلّ من يقبله مهما كانت التحديات والصعاب، إيمانٌ بسيط لكنّه ممتلئ
بالدهشة والحبّ، جليٌّ، كاملٌ في التخلّي من أجل العطاء الأكبر، ونهائي، كما أنّه
إيمانٌ يبثّ الفرح والراحة: "لقد وجدنا المسيح" هكذا قالها لأخيه ببهجةٍ، دون لفٍّ
أو دوران.
أمّا مَن يمنح هذه الجرأة الجميلة بأكملها فهو يسوع
برقّته وإحترامه لمشاعر الآخرين، فيأخذ المبادرة حين يرى إستعدادنا ورغبتنا في
التعرّف إليه: "مَاذَا تَطْلُبَان؟". ونحن، ماذا نطلب؟ بماذا نرغب؟ وماذا نطلب؟
لعمري ما رأيت أحدًا يرغب سوى بالإستقرار، ولا يجدّ في الطلب باحثًا إلّا عن الفرح
والسلام. لكن أين نبحث عنها وبأيّة وسائل نريد نيلها أو الحصول عليها؟ ربّما ينبغي
أن نفتح بصريتنا وننتبه إلى أنّ سعينا الدائم هو "طلب" إشباع الكثير من رغبات الذات
وإرضاء "العواطف الإنسانية، إقتناء أو التعلّق بكل ما هو جديد، الراحة، القوة،
السلطة، المبالغة في جمال وتجميل الجسد (الجسم) وما إلى ذلك. رغم ذلك، حين ندخل إلى
أعماق أعماقنا بصمت متأمّلين في المبادر الأول، في الّذي لم ولن يكلّ لحظةً عن
البحث عن الإنسان منذ البدء أظنّ أنّنا نبكي ندمًا على ما فاتنا من وقتٍ هُدرٍ
دونه، بعيدًا عنه، ولوجدنا أنفسنا نجيب على مبادرته: "ماذا تطلب؟ عمّن تبحث؟ ماذا
ترغب؟..." نجيب بشوقٍ يسبق نبضات القلب: "إيّاك وحدك أريد، أنت وحدك مَن تطلبه نفسي
وترغب به، لكنّ الجسد ضعيف. أؤمن بأنك لا تترك حياةً إلّا وترافقها بحضورك. فأعنّي
وإجذبني إليك يا مَن تعرف جبلتك الهشّة دونك".
لنسعَ أن نثمّن دعوة يسوع لنا الّذي على إسمه خُتمنا،
ولتكن لنا جرأة التلاميذ في إتّباعه والتبشير بإسمه بالطريقة التي يريدها،
فمسيحيّتنا هي دعوة ناضجة للملكوت.
مناجاة لأحد الآباء الغربيّين: "أؤمن أنّ "لا حياة إلا
وترافقها بحضورك. ربما في مرحلة ما من حياتي، كنت هناك ولم أعرف ذلك. لكن الآن،
عندما أنظر إلى الوراء معيدًا التفكير بها، في حين أنّ وقتًا طويلًا قد مرّ، أفكر
من جديد في تلك اللحظات وأرى وجودك هناك... وإذا كنت لا أرى حضورك وتبدو لي أشياء
كثيرة مظلمة في حياتي، يا رب، فأنا أؤمن، نعم، أؤمن أنّك كنت هناك. وأؤمن أنّه حتّى
ولو كان"الظلام يسحقني!" فهو لا يكون لك ظلمة، والليل يكون كالنهار نور."
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي … ما بعد معرفتي بأنّ
الرّب يسوع هو المسيح، المُرسل مِن قِبلكَ، الّذي إنتظره اليهود ليُخلّصهم إذ قدّم
نفسه ذبيحة لمغفرة خطاياهم، وفهمي إن أنا آمنتُ به فسأحظى بالذبيحة التي إرتضيتها
لمغفرة خطاياي؟!! أليس المنطق يقول أنّ عليَّ أن أُخبّر الآخرين؟!! لم تتوقف معرفتي
بالرّب يسوع على كونه المُخلّص فقط ولكنها تعدّت لتصبح علاقتي بكَ هي علاقة أبًا
بإبنته الصغيرة الّذي يعمل بكلّ قوّته لإسعادها، وهذه العلاقة تضع أمامي مسؤوليات
تجاهك كما تضع أمامك مسؤوليات تجاهي؛ وإن كانت كلمة "مسؤولية" هي كلمة كبيرة في
العلاقة بين طرفين إلا أنها بسيطة إن كان الحب هو الرابط بينهما. بعد إيماني بالرّب
يسوع مسيحًا، يمكنني أن أتكلّم معك وأقول:
شُو بدِّي أُولْ يا بَيِّ، شُو بدِّي أُولْ
أعْطَيْتَكْ قلبي وعْنَيِّ، شُو بدِّي أُولْ يا بَيِّ،
شُو بدِّي أُولْ
أعْطَيْتَكْ فِكْري وإيدَيِّ، شُو بدِّي أُولْ يا
بَيِّ، شُو بدِّي أُولْ
أعْطَيْتَكْ حِسِّي وإجْرَيِّ، شُو بدِّي أُولْ يا
بَيِّ، شُو بدِّي أُولْ
بَدِّي مِنّكْ تبارِكْني، شُو بدِّي أُولْ يا بَيِّ،
شُو بدِّي أُولْ
تبارِكْ إيدِي وإجْرَيِّ، شُو بدِّي أُولْ يا بَيِّ،
شُو بدِّي أُولْ
تبارِكْ فِكْري وقلبي، شُو بدِّي أُولْ يا بَيِّ، شُو
بدِّي أُولْ
بَدِّي إسْمَعْ مِنّكْ غِنِّيِّ، شُو بدِّي أُولْ يا
بَيِّ، شُو بدِّي أُولْ
وأسمعكَ تردَّ عليّ:
"حَبِيبْتي، إنتِ بَنّوتِّي"، شُو بدِّي أُولْ يا
بِنتِي، شُو بدِّي أُولْ
ربّي وإلهي … أبي السماوي، أنت ملجأي وستري، وفي كنفك
أشعر بالأمان، لك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)
1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في
وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار
فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر
الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك،
نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل
بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في
البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا
رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم
القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ،
كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء
والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار …
(صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ
يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا
عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين،
منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي.
أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون
خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال
المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة من إعداد
المقدّمة وأفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |