الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

الأسابيع الممهّدة للصوم

أحد الأبرار والصدّيقين
(28 كانون الثاني 2024)

::: مـدخــل :::

• من الخوف إلى المحبّة... هذا ما نتأمّل به في هذا الأحد لنوحّد عبادتنا لله مع رحمتنا للإنسان...
• في العهد القديم، تَدعونا القراءة إلى التَّأمُّل وَالوُقوف وَقفة ضَمير أمام ذَواتِنَا، لِنَكتَشِف كِبريائنَا وَنقاط ضُعفِنَا، فَنَتوبَ وَننطَلِق مع جَماعَة القِدّيسين في المَسيرَة نَحوَ المَلَكوت السَماوي وَالحَياة الأبَدِيَّة.
• إذا أردنا أن نختصر الرسالة، وهي فصلٌ من الرسالة إلى العبرانيين، بجملةٍ واحدة، يمكننا عندها القول: القدّيس لا يخاف من الله!
• قراءة الإنجيل تُشَجِّعُنَا للإقْتِرَابِ مِنَ الرَّبِّ وَ إلى رَفَعِ الأَبصارِ إلى السَّمَاءِ، مَسكِنِ الله، بثقةٍ وبهجة وتشجّعنا للعمل الصالح من قَلبِ مِلؤُه الحُبُّ والرحمة والعطف على الفقراء، والمرضى، على الغرباء والمسجونينَ، لأنّنا بواسطتهم نخدم إبن الله ربَّنا يسوع المسيح وننال الملكوت ميراثًا.
• البرارة فعلٌ يبدأ في الحياة اليوميّة ويترسّخ في كلّ ما يمكن أن نخدم به الإنسان الّذي هو صورة الله ومثاله! 

::: صـلاة :::

أيّها الربّ يسوع، نتأمّل في الدينونة فيما نرجو رحمتك الغافرة لكلّ تقصيرٍ إرتكبناه في حقّ إخوتنا البشر. أعطنا بروحك القدّوس أن ينبض قلبنا بالرّحمة فنُترجم محبّتنا في العناية بكلّ محتاج فيتمجّد بنا إسمك القدّوس مع إسم أبيك وروحك القدّوس، من الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: العهد القديم :::

1 حينَئِذٍ يَقومُ البارُّ بِجُرأَةٍ عَظيمة في وُجوهِ الَّذينَ ضايَقوه وإحتَقَروا أَتْعابَه.
3 فيَقولُ بَعضُهم لِبَعضٍ نادِمين ونائحينَ مِن ضيقِ صُدورِهم:
4 «هُوَذا الَّذي كُنَّا حينًا نَجعَلُه ضُحكَةً ومَوضوعَ تَهَكُّمٍ نَحنُ الأَغْبِياء! لقَد حَسِبْنا حياتَه جُنونًا وآخِرَتَه عارًا.
5 فكَيفَ أَصبَحَ في عِدادِ بَني الله وصارَ نَصيبُه مع القِدِّيسين؟
6 لقَد ضَلَلْنا عن طَريقِ الحَقّ ولم يُضِئْ لَنا نورُ البِرّ .
8 فماذا نَفَعَتْنا الكِبْرِياء؟ وماذا أَفادَنا الغِنى الَّذي كُنَّا نَفتَخِرُ بِه؟
15 أَمَّا الأَبْرارُ فسيَحيَونَ لِلأَبَد وعِندَ الرَّبِّ ثَوابُهم ولَهم عِنايةٌ مِن لَدُنِ العَلِيّ.
16 فلِذٰلكَ سيَنالونَ إِكْليلَ البَهاء وتاجَ الجَمالِ مِن يَدِ الرَّبّ لِأَنَّه بِيَمينِه يَحْميهِم وبِذِراعِه يَستُرُهم.

(سفر الحكمة – الفصل 5 - الآيات 1 و 3 إلى 6 و 8 و 15 إلى 16) 

::: أفكار من العهد القديم  :::

التّعريف بالكِتاب:
لا نَعرف كاتِب سِفر الحِكمة... وَلَكِن ما نَعرِفُهُ هُوَ أنَّهُ كُتِبَ باللُّغَة اليونانِيَّة، على الأرجح في الإسكَندَرِيَّة، في نَواحي القَرن الأول قبل الميلاد. يَمدَحُ هذا السِّفر الحِكمَة التي يَتَحَلَّى بِهَا مَن وَهَبَ حَياتَهُ وَقَلبَهُ لله. فالحَكيم هُوَ البَارّ الّذي لا يَطلُبُ من الله سِوَى الحِكمَة، وَيَعتَبِر أنَّ كُلّ ما ليسَ حِكمَة لا يُمكِن أن يَكونَ مَوضوع طَلَب.

ظروف كتابة النّص:
يَتَكَلَّمً هذا النّصّ من سِفر الحِكمَة، الّذي يُقرَأ على مَسامِعِنَا في أحَد الأبرار وَالصِّدّيقين، عَن البَارّ الّذي بَلَغَ أعلى دَرَجات الحِكمَة، فَكانَ صِدِّيقًا في عَينَي الله، وَ"غَبِيًّا" في أعيُن النَّاس.

مَضمون النّص:
يَتَضَمَّن النّص النَّتيجَة الأخيرَة التي سَيَصِل إلَيْهَا البارّ، وَتِلكَ التي سَيَصِلُ إلَيْهَا السَّاخِر من البارّ وَمُضَايِقُهُ:
- البَارّ سَوفَ يَقومُ في وُجُوه الّذينَ ضايَقوه، وَلَن يَرَوهُ مَيتًا وَلا ضَعيفًا، بَل حَيًّا وَقَوِيًّا بِقُوَّة الله، يَصيرُ في عِدادِ أبنَاءِ الله، قِدِّيسًا حَيًّا إلى الأبَد، مُرتَاحًا، حائِزًا على عِنَايَةِ اللهِ وَحُبِّهِ، مُكَلَّلاً بِتَاجِ الجَمَالِ وَالبَهاءِ وَالمَجدِ وَالكَرامَة، مَحمِيًّا من الرّب القَدير.
- الشرّير يَندَم وَيَبكي لأنَّهُ أضَاعَ وَقتَهُ في النَّظَرِ إلى البارّ وَالسُّخرِيَةِ مِنهُ، فَيُصبِح في عَينِ ذاتِهِ غَبِيًّا، ضَالاًّ، مُتَكَبِّرًا، يَفتَخِر بِغِنَاه المَادّي، فَيَعبُد مالَهُ، وَيُضايِق مَن يَعبُد الله... فالبارّ هُوَ مَصدَر قَلَق للشّرّير، لأنَّ حَياة البارّ تُضيءُ على فَرَاغِ السَّاخِر وَكِبرِيائِهِ.

عَلاقَة هذا النّص بالقِراءات اللاحقة:
هذه القِراءة تَرتَبِط إرتِباطًا وَثيقًا بالقِراءات التي تُقرَأ على مَسامِعِنَا في أَحَد الأبرار وَالصدّيقين:
- في الرِّسالَة إلى العِبرانيين، يُخبِر الكَاتِب جَماعَة المُؤمِنين، كَيفَ يَخرُجُ البارّ من حَلَقَةِ الخَوف التي إرتَبَطَ بِهَا مَن لا يَعرِف الله، إلى حَلَقَة الحَياة الأبَدِيَّة، أورشَليم السَّماوِيَّة حَيثُ جَماعَة القِدّيسين.
- في الإنجيل يُحَدّد الرّب يَسوع أعمالَ البِرّ، التي تُوصِل الإنسان إلى القَداسَة، وَإلى مِلء الفَرَح.

خُلاصة تطبيقيّة:
تَدعونا هذه القراءة إلى التَّأمُّل وَوُقوف وَقفة ضَمير أمام ذَواتِنَا، لِنَكتَشِف كِبريائنَا وَنقاط ضُعفِنَا، فَنَتوبَ وَننطَلِق مع جَماعَة القِدّيسين في المَسيرَة نَحوَ المَلَكوت السَماوي وَالحَياة الأبَدِيَّة. 

::: الرسالة :::

18 فَإِنَّكُم لَمْ تَقْتَرِبُوا إِلى جَبَلٍ مَلْمُوس، ونارٍ مُتَّقِدَة، وضَبَابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة،
19 وهُتَافِ بُوق، وصَوتِ كَلِمَاتٍ طَلَبَ الَّذِينَ سَمِعُوهَا أَلاَّ يُزَادُوا مِنهَا كَلِمَة؛
20 لأَنَّهُم لَمْ يُطِيقُوا تَحَمُّلَ هـذَا الأَمْر: "ولَو أَنَّ بَهِيمَةً مَسَّتِ الـجَبَلَ تُرْجَم!".
21 وكانَ الـمَنْظَرُ رَهِيبًا حَتَّى إِنَّ مُوسَى قال: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!".
22 بَلِ إقْتَرَبْتُم إِلى جَبَلِ صِهْيُون، وإِلى مَدِينَةِ اللهِ الـحَيّ، أُورَشَلِيمَ السَّماوِيَّة، وإِلى عَشَرَاتِ الأُلُوفِ منَ الـمَلائِكَة، وإِلى عِيدٍ حَافِل،
23 وإِلى كَنِيسَةِ الأَبْكَارِ الـمَكْتُوبِينَ في السَّمَاوَات، وإِلى اللهِ ديَّانِ الـجَمِيع، وإِلى أَرْواحِ الأَبْرَارِ الَّذِينَ بَلَغُوا الكَمَال،
24 وإِلى وَسِيطِ العَهْدِ الـجَدِيد، يَسُوع، وإِلى دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!

(الرّسالة إلى العبرانيين – الفصل 12 - الآيات 18 إلى 24) 

::: أفكار من الرسالة :::

إذا أردنا أن نختصر رسالة هذا الأسبوع، وهي من الرسالة إلى العبرانيين، بجملةٍ واحدة، يمكننا عندها القول: القدّيس لا يخاف من الله!
لقد خضعنا جميعًا، منذ طفولتنا، لتربيةٍ إجتماعيّة وأحيانًا دينيّة، شوّهت صورة الله وحوّلته إلى نوعٍ من "البعبع"، كما نقول في العاميّة، لحتّى يمكن القول إن لسان حال معظمنا، في علاقتنا مع الله، يختصر بجملة موسى، المذكورة في النصّ: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!".
لقد سيطر مبدأ الخوف على العلاقة بين النّاس والله كما يظهر من خلال العهد القديم حيث نرى الله القاضي والمنتقم والديّان!
لقد تكوّنت هذه الصورة القاسية عبر العصور من جرّاء تأثّر العبرانيّين اليهود بالمفاهيم المحيطة بهم حول الألوهيّة.
فالإله لدى الوثنيّين هو مركّب من كلّ ما قد يخافه المرء أو يتمنّاه فنجد لديهم إله الحبّ فيما يقابله إله الحرب ونجد إلهًا للخصب يقابله إلهٌ للموت...

هذا المزيج الفكريّ أدّى بشعب العهد القديم إلى التأرجح ما بين ما يُوحَى له عن الله كأبٍ وراعٍ وما يعرفه من محيطه عن الآلهة من أساطير أو روايات أوصلت إلى إزدواجيّة مريعة في النظرة إلى الله!
بالمقابل، لا بدّ من التوقّف أمام التدرّج التالي:
• مع إبراهيم الخليل تعرّف الله إلى وحدانيّة الله فالله واحد ولا إله سواه.
• مع موسى تعرّف إلى الله كإلهٍ يرافق شعبه بكلّ أمانة ويغفر له خطاياه المتكرّرة.
• مع القضاة، تبلورت العلاقة أكثر على مستوى التفاصيل الحياتيّة اليوميّة والخلافات ما بين النّاس.
• مع الملوك فظهر نمط مختلف من الحكم. ففي الدول المجاورة كان الملك يؤلّه أمّا في إسرائيل فبقي الملك عرضة للمحاسبة بموجب الشريعة الإلهيّة حين يخطئ، كما حصل مع الملك داود في مسألة إمرأة أوريّا مثلاً.
• مع الأنبياء وفي مرحلة السبي، تميّز المشهد بالدّعوة الدائمة إلى التوبة وإلى العودة إلى الله وهنا بدأت بالتبلور صورة الله كإله يرحم ويعفو...

في هذا النصّ من الرّسالة إلى العبرانييّن نتأمّل في الإنتقال من مفهوم الخوف من الله إلى مفهوم محبّة الله الفادي والمخلّص.
كاتب الرّسالة إلى العبرانيّين يتوجّه إلى جماعةٍ من أصل يهوديّ فيقيم هذه المقارنة ليدعو أفراد هذه الجماعة إلى تجاوز الأفكار القديمة نحو ما أظهره الربّ يسوع عن الله كإله محبّة وغفران وصفحٍ وفداء.

تدعونا رسالة اليوم إلى الإنقلاب على هذه المفاهيم "الراسخة" عبر التأمّل بشخصيّة المسيح يسوع الّذي فدانا ﺒـ"دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!".
الدينونة هنا هي دينونةً للخطيئة وللشرّ وليس للخاطئ الّذي مات الإبن على الصليب ومن ثمّ قام من أجل تخليصه من مفاعيل هذه الخطيئة وهذا الشرّ.
لذا ما على الخاطئ إلّا التوبة وإلّا فهو يدين ذاته قبل أن يدينه الله لأنّه يرفض أن يُغمَرَ بمحبّة الله، مفضّلاً الخنوع لوضعه وضعفه ومحدوديته.
هذه التوبة هي علامة قبول الخاطئ لدعوة الله إليه ليعود إبنًا، وارثًا في ملكوت الآب، كما أوضح لنا الربّ يسوع في مثل الإبن الضّال.
وهي أيضًا أولى الخطوات نحو القداسة فوعي الإنسان لضعفه ومحدوديّته يؤهّله ليبتعد عن كل ما قد يورّطه ويبعده عن الله وتصبح هذه المعرفة لذاته عنوانًا لقوّته في مواجهة التجارب والصعاب.

بمختصر مفيد، يبدأ الإنسان مسيرة القداسة حين يتجاوز مرحلة الخوف من الله لينطلق في مسيرة محبّة الله التي تقترن بالخوف على ذاته وعلى خلاصه إذا ما عاش بعيدًا عن الله. فالربّ يحزن إذا ما خسر نفسًا ولكنّه يبقى الله أما الإنسان فحين يبتعد عن الله يخسر كلّ ما يعطي معنى لحياته.

لا يجب إذًا أن نفهم المخافة بمعنى الخوف بل علينا أن نبقي نصب عيوننا أنّ "الله محبّة" (1 يوحنا 4: 8) وهو الّذي "لَنا فيه الفِداءُ وغُفْرانُ الخَطايا" (قولوسّي 1: 14) ولذلك يختصر المزمور (130: 4) مضمون هذا التأمّل كاملاً بالقول: " إِنَّ المَغفِرَةَ عِندَكَ، لِكَي تَكونَ المَهابَةُ لَكَ"! 

::: الإنجيل :::

31 ومَتَى جَاءَ إبْنُ الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ الـمَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ.
32 وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الـخِرَافَ مِنَ الـجِدَاء.
33 ويُقِيمُ الـخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالـجِدَاءَ عَنْ شِمَالِهِ.
34 حِينَئِذٍ يَقُولُ الـمَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا الـمَلَكُوتَ الـمُعَدَّ لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛
35 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني،
36 وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ.
37 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟
38 ومَتَى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟
39 ومَتَى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟
40 فَيُجِيبُ الـمَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هـؤُلاءِ الصِّغَار، فَلِي عَمِلْتُمُوه!
41 ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ: أذهبوا عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الـمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛
42 لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَمَا سَقَيْتُمُوني،
43 وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي، وعُرْيَانًا فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي!
44 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هـؤُلاءِ أَيْضًا قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا أَو مَريضًا أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟
45 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هـؤُلاءِ الصِّغَار، فلِي لَمْ تَعْمَلُوه.
46 ويَذْهَبُ هـؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الـحَيَاةِ الأَبَدِيَّة".

(إنجيل القدّيس متّى – الفصل 25 – الآيات 31 إلى 46) 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

في الأسبوع الثاني للتذكارات، بحسَب الطّقس الليتورجيّ المارونيّ، تدعونا كنيستُنَا للتأمُّل في سيرةِ حياةِ الأشخاصِ الأبرار، لتكون هذه الذكرى محطَّةً هامَّةً في حياتنا، فيها نتذكَّر، بواسطة نصوص العهد القديم والجديد، أنّنا بيسوعَ ربِّنا إقتربنا من عرشِ الله، من السماويِّين والملائكة (عب 12: 22-24)، فالقداسةُ إذًا، هي دعوةُ جميع المؤمنين والعاملين بوصيّة المحبّة (مت 25: 34-36).

في نصُّ الإنجيل، حيثُ يضعُ متّى الرسول لوحةَ دينونةِ الأبرار، فيها الربُّ يسوع يُورثُ أبراره مُلك السماواتِ، في جوٍّ من الفرحِ والسلام. وفي المقابل، لوحةَ دينونة الأشرار، فيها يُلقي الرَّب يسوع فاعلي الشرور، وقُساة القلوب في الجَحيم، في جوٍّ من الضيقِ والكآبة والندم المؤلم.

فبواسطة هذه النصوص، لهذا الأحد، تُحذِّرنا كنيستنا المارونية أوَّلاً، من خطرِ البقاءِ في فكر العهد القديم والشريعة والخوف من الرَّبِّ وثانيًا من قساوة القلب وقلّة الرحمة بمن هم أضعف الضعفاء وأحوج المحتاجين. وَتُشَجِّعُنَا أَوَّلاً، للإقْتِرَابِ مِنَ الرَّبِّ وَرَفَعِ الأَبصارِ إلى السَّمَاءِ، مَسكِنِ الله، بثقةٍ وبهجةٍ، لأنَّ ربَّنا يسوع المسيح قد حرَّرنا من خطايانا بدمه على الصليب. وثانيًا، تُشجّعنا للعمل الصالح من قَلبِ مِلؤُه الحُبُّ والرحمة والعطف على الفقراء، والمرضى، على الغرباء والمسجونينَ، لأنّنا بواسطتهم نخدم إبن الله ربَّنا يسوع المسيح وننال الملكوت ميراثًا.

مع هذه القراءات، يلمع في عقولنا نصُّ "الطريقين" من سفر تثنية الاشتراع: "أنظر! إني قد جعلتُ اليوم أمامَكَ الحَياةَ وَالخير، والموتَ والشرّ" (راجع تث 30: 15-20).
لنطلب من الرّبّ في هذا النّهار، نعمةَ الإنفتاح على حقيقة حياتنا. فحياتُنا تستحقُّ المجاذفة، لدخولِ الملكوتِ والتنعُّم بالفرح والسُّكنى في ديار الرّبِّ. 

::: تــــأمّـل روحي :::

بالصدق والبرّ

"ومَتَى جَاءَ إبْنُ الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ الـمَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ."(مت 25: 31)
هو يسوع إبن الله، هو الإله من إله، الّذي تجسّد وصار إبن الإنسان.
هو نفسه سيعود يومًا جالسًا على عرشِ مجده ينظر إلى كلّ مَن إفتداهم، إلى كلّ من أوكلهم بإخوته الصغار ليكونوا لهم السند واليد الممدودة للخير، والحضن الدافيء لضعفهم وحاجاتهم من أيّ نوعٍ كانت.
بإختصار، أوكلهم بالحبّ الأكمل الّذي على صورة الله ليروه في الآخر بنفسٍ متجرّدة من الأنا. فهو أراد أن يكون" مجد الله هو الإنسان الحي، وحياة الإنسان رؤية الله" كما يقول القديس إيريناوس.
هو الله الّذي أظهر ذاته لنا بالإبن – الكلمة من خلال طينتنا، ووهب الإنسان نعمة رؤيته أولًا بالحضور الجسدي، المرئي والملموس، ثم بسر القربان في اللقاء الإفخارستي، الّذي يحوي سرّ الحبّ الأسمى والأكمل، المانح الحياة في إعتلانه يوميًّا لكلّ مَن يؤمن به.
هو روحه القدوس الّذي تركه لنا لنتلمّسه في ذاتنا الحيّة به وفي حياة كلّ من يحمل صورته، فتصبح حياتنا فعلَ حبٍّ، لإخوة يسوع الصغار، يعبّر عن محبة الله لنا وفيض رحمته علينا. هو الّذي جاد بإبنه الوحيد من أجل خلاصنا، إبنه الّذي أحبّنا أكثر من ذاته فبذلها ليحيينا، أفلا يدفعنا ذلك إلى أن نحبّ، أقلّه، قريبنا وإخوتنا الصغار حبّنا لنفسنا؟

لقد فعلها الصديقون والأبرار وأدركوا أنّه: هو الله العالم بطبيعة الإنسان الضعيفة، فجعل قوّة من ضعف كلّ من تبعه ومشى في طريقه وقلبه متوقّدٌ بحبّ من إختاره مسكنًا له، وخطاه تأخذه بثباتٍ نحو من أحبّه بتواضعٍ وأمانة، مرتاحًا إلى رفقة الروح الّذي يعلّمه ويعدّه بصبرٍ وطول أناة، تاركًا وراءه كلّ رغبة من العالم ليستنير بالكلمة إلى أن يدرك طريقة الإقامة معه في جوهره، فيعيش شراكة "فرح الحبّ" النورانيّة ليضحي سراجًا منيرًا لكلّ من يلتقيه وهو لا يدري.

فطوبى لأولئك الّذين جلَّلت يد الخالق أعماقهم بذهب الحبّ الخالص، وأفواههم حُرِقَت لتنطق شفاههم ببخور الحقّ ورائحة البرارة، أمّا أيديهم الممسكة بشباك الفضائل فإمتلأت من خيرات ما أُعْطَوا ومِن النفوس العطشى، المتفقرة إلى معنى هذا الحب الحقيقي وصاحبه، المختلفة الأشكال والألوان الّذي بهم يُسَرّ جدًا، ويزيّن من حملها إليه، بكلّ الصدق والبرِّ، بجميل الحُلل البيضاء وأكاليل المجد والقداسة "حتى أن الملك نفسه يكون مفتونًا بجمالها". 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... إستوقفني اليوم ما كتبه القديس بولس الرسول للعبرانيين عن دم يسوع الحمل الّذي حمل خطايا العالم ودم هابيل، والكلام الّذي نطق به كلاهما (عبرانيين 12: 24). فدم هابيل صرخ إليك من الأرض وأصبح أخاه الّذي قتله ملعونٌ من الأرض (تكوين 4: 9-11) ووقعت عقوبة سفك دمه ودماء غيره من الصدّيقين على الكتبة والفريسيين المراؤون الّذين كانوا من جيل الرّب يسوع (متى 23: 33-35). صرخ إليك دم هابيل وكأنه يطلب الإنتقام، ألعله لم يعرفك جيّدًا وتفكيره كان تفكير إنسان يُفكّر بنفسه فقط دون التفكير بالآخر؟ ما هو ردّك لصرخة هابيل؟ أليس هو ما بيّنته لنا بما قاله لك دم يسوع الحمل المذبوح: "يا أبتِ إغفر لهم، لأن لا يعلمون ما يفعلون" (لوقا 23: 34)!! محبة الآخر العدو تتجلّى بطلب المغفرة له دون الإنتقام وتعكس صورة قلبك المُحب الرحوم لبني البشر، والمغفرة ومعرفة طيبة قلبك هي أسمى ما تحتاجه روح الإنسان كإحتياج الجسد للماء والغذاء والكساء والمأوى والكلمة الطيبة.

ربّي وإلهي ... أعمال الرحمة للجسد هي أسهل بكثير من أعمال الرحمة للروح، ومع ذلك هناك مَن لا يبالي بمدّ يد المعونة للمحتاج ولا يُفكّر سوى بذاته، وهؤلاء هم الّذين إختاروا بأنفسهم أن يبتعدوا عنك وعن تعاليمك التي تدعو بالمحبة والرحمة. كثيرون جاهدوا في عمل الخير وعكس قلبك المُحب للآخرين وإستحقوا بعد تعبٍ أن ينالوا لقب "قدّيس"، فأنعم علينا بقلوبٍ محبة ورحومة تعمل بحسب مشيئتك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)

1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ، كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار … (صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- )المحتفل): : أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين، منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي. أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.


 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، الصلاة وأفكار من الرّسالة  

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

المقدّمة وأفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts


أفكار من الإنجيل
من إعداد
الخوري حنا عبود
https://www.facebook.com/pere.abboud


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس