|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمـن الصوم |
|
::: مـدخــل ::: |
• نبدأ مع هذا الأحد بمسيرة
الصوم الكبير التي تبدأ بآية عرس قانا حتى الشعانين ومن بعدها نخوض مسيرة
الآلام حتى نهايتها بآية عرس الصليب؛ تبدأ بالعذراء مريم التي تُمثّل الكنيسة
توجّه الآخرين نحو الربّ يسوع وتنتهي بها عند الصليب شاهدةً بثبات بأنه هو
إبنها المُخلّص الّذي وطئ الموت بالموت.
• مع العهد القديم، يُركز النبي آشعيا على نعمة
الرب المجانية التي تُعطَى لكل مَن قرر الخروج من حياة الخطيئة إلى سلام الرّب
ومحبته.
• في الرّسالة، نتأمّل في نصّ يدعونا للإرتقاء من
المستوى الماديّ إلى المستوى الرّوحيّ خاصّةً حين يؤكّد: "فَلَيْسَ مَلَكُوتُ
اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس"!.
• ضمن مشهديّة العرس في قانا الجليل، نبدأ الصوم
بالطاعة وبالتجرّد وبالإصغاء إلى صوت المسيح، لعلّه يريد أن يصنع آية جديدة
اليوم بواسطتنا؟
• النَّواقِص فينا كَثيرَة، وَيَسوع دَومًا حاضِر
لِيَعضُد ضُعفَنَا وَيَسُدَّ نَقصَنَا وَيَشفي جِرَاحَنَا.
|
::: صـلاة ::: |
أيها المسيح إلهنا، يا مَن حوَّلت الماء خمرًا بطلبٍ من أمِّك البَتول الطاهرة، إقبل صلاتنا على يديها بما أنَّك منحتنا إياها أمًّا وشفيعة، وإمنحنا أن نستعِدَّ في هذا الزمن المبارك لكي نسير معك نحو الجلجلة في نكران الذات وحمل الصليب. بارك صيامنا، وإجعلهُ مسيرة حُبٍّ توصلـُنا إلى ميناءِ الخلاص، إلى عيد قيامتك المجيدة، لك المجدُ إلى الأبد، آمين.
|
::: العهد القديم ::: |
1 تَعَالَوا أَيُّهَا
الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا الْمِيَاهِ، وَهَلُمُّوا أيُّها المُعْدَمُونَ
من الفِضَّة، إبْتَاعُوا وَكُلُوا، إبْتَاعُوا خَمْرًا وَلَبَنًا مَجَّانًا من
غَيْرِ فِضَّة.
6 أُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ مَوجَودًا،
أدْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.
7 لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، والأثيمَ
أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَليَرْجَع إِلَى
إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ.
8 لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ مُمَاثِلَة
لأَفْكَارِكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ مِثْلَ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ.
9 فَكَمَا إرتَفَعَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ
الأَرْضِ، كَذَلك إرتَفَعَت طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ، وَأَفْكَارِي عَنْ
أَفْكَارِكُمْ.
10 وكَمَا تَهْطِلُ الأمْطَارُ وَيَنْهَمِرُ
الثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ، وَلاَ تَرْجِع إِلَى هُنَاكَ، بَلْ تَرْوِي
الحُقُولَ والأَشجارَ وَتجْعَل البُذورَ تُنْبِتُ وَتنمو وتُثمِر زَرْعًا
لِلفَّلاحِ وَخُبْزًا لِلْجِيَاع.
11 هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَصْدُرُ
عنّي مثمرة دائمًا، وَتُحَقِّقُ مَا أرْغَبُ فِيهِ وَتُفْلِحُ بِمَا أَعْهَدُ
بِهِ إلَيْهُا.
12 لأَنَّكُمْ ستَتْرُكُون بَابِلَ بِفَرَحٍ
وَسَلاَمٍ فَتَتَرَنَّمُ الْجِبَالُ وَالتِلالُ أَمَامَكُمْ بَهْجَةً
وتُصَفِّقُ أشَجَارَ الْحَقْلِ بِأَيدِيها غبطةً،
13 وحَيْثُ كانَ الشَّوْكُ والْقُرَّاَصُ، تنمو
أشجارَ السَّرْوِ وَالآسِ: فَيَكُونُ ذَلِك تخليدًا لِإسمِ الرَّبِّ
وَعَلاَمَةً أَبَدِيَّةً لاَ تُمحى.
(سفر أشعيا – الفصل 55 – الآيات 1 و 6 إلى 13)
|
::: أفكار من العهد القديم ::: |
التعريف بالكتاب:
يَقول البَاحِثون في الكِتَاب المُقَدَّس بِأنَّ
أشَعيا كَانَ لَهُ المَكَانَة وَالتَّأثير البَالِغَين في حَياة الجَماعَة
المُؤمِنَة لِدَرَجَة أنَّ تَلامِيذه صارُوا كُثُر، وَقَد أضافوا بعد وفاة
أشعيا فُصولاً جَديدَة تَتَبَنَّى مَدرَسَتَهُ، وَلَكِن في ظُروف جَديدَة
وَمُغايِرَة. لِذلِكَ، يُقسَم سِفر أشعيا إلى ثلاثة أقسام:
- القِسم الأوّل: أيّام المَلِك مَنَسَّى، وَقَد
كَانَ هُنَاكَ مَشاكِل سِياسِيَّة كَثيرَة من خِلالِهَا بَشَّرَ أشَعيا
بكَلِمَة الله وَالخَلاص الآتي من الإيمان،
- القِسم الثاني: أيَّام السَّبي إلى بابِل، يَومَ
إنقَسَمَت مملَكَة إسرائيل، وَكانَت نَتيجَة هذا الإنقِسام كارِثِيَّة، إذ أتَى
نَبوخذ نَصَّر مَلِك البابِلِيّين وَسَبَى الشَّعب إلى بابل. في هذا القِسم
يُذَكِّر سِفر أشعيا بِأهَمّيّة الحِفاظ على الإيمان بالرُّغم من المِحنَة،
وَبِأهَمِّيَّة العَودَة إلى الأرض، حيث الحريَّة، حيث الحياة مع الله، حيث
أورشليم والهيكل،
- القِسم الثالِث: يَتَكَلَّم عَن الفَترَة التي
عادَ فيها الشَّعبُ حُرًّا من بابِل إلى أورشَليم.
ظُروف كتابَة النَّص:
في النص الّذي يُقرأ على مسامعنا في الأحد الأول
من زمن الصوم نحن في القسم الثالث من كتاب أشعيا... فكيف عبّر أشعيا عن توبة
وعودة الشعب إلى الله؟ يُنادي ويقول للشعب: تعالوا... وأطلُبوا...
مضمون النص:
يُركز أشعيا في هذا النص على نعمة الرب المجانية
التي تُعطَى لكل مَن قرر الخروج من حياة الخطيئة إلى سلام الرّب ومحبته... حتى
لو كان الإنسان عطشانًا جائعًا فقيرًا... عندما يتوب، له النصيب الأفضل من عند
الرّب... لذلك يُذكِّر أشعيا الشعب التائب ويقول له بأن الرّب هو قريب يسمع
صراخه وآلامه فيستجيب ويُعطي بِسَخاء:
- الغفران: يأخذه كل تائب يُدرك ما هو طريق الرّب
البعيد تمامًا عن طريق الإنسان المليء بالإخفاق والسقوط.
- الكلمة: هي العطية التي تسقي كل جفاف، وتُعيد
الحياة لكل يباس وتعطي ثمرًا كثيرًا حيث العقم والفراغ.
- الحرية: هي عطية الله للتائب الّذي إرتوى من
كلمة الله، فيعيش حُرًّا في أرضِهِ الخصبة، التي تنمو وتزدهر كعلامة يُعطيها
الرّب لإثبات حريته.
علاقة النص بالقراءات
اللاحقة:
كما شدد أشعيا على الغفران والحرية، شدد بولس
الرسول في رسالته اليوم على بناء العلاقة الصحيحة مع الإخوة وعيش الحرية
المسؤولة...
وكما شدد آشعيا على عطية الكلمة، سمع الخَدَم كلمة
الرّب يسوع فكان الخمر الكثير علامة على الإرتواء من هذه الكلمة، والفرح علامة
على أن أهل العرس قد تحرّروا من ألم الجفاف، والفقدان، وغياب الرّب...
خاتمة تطبيقية:
لنتذكر في بداية زمن الصوم: طلب الغفران، الإرتواء
من الكلمة، عيش الحرية... هذه هي القِيَم الثلاثة التي تدعونا الكنيسة إلى
عيشها.
|
::: الرسالة ::: |
14 وإِنِّي عَالِمٌ ووَاثِقٌ،
في الرَّبِّ يَسُوع، أَنْ لا شَيءَ نَجِسٌ في ذَاتِهِ، إِلاَّ لِمَنْ
يَحْسَبُهُ نَجِسًا، فَلَهُ يَكُونُ نَجِسًا.
15 فإِنْ كُنْتَ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ تُحْزِنُ
أَخَاك، فَلا تَكُونُ سَالِكًا في الـمَحَبَّة. فَلا تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ
ذَاكَ الَّذي مَاتَ الـمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ!
16 إِذًا فَلا تَسْمَحُوا بَأَنْ يَصِيرَ
الـخَيْرُ فيكُم سَبَبًا للتَجْدِيف.
17 فَلَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا،
بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ القُدُس.
18 فَمَنْ يَخْدُمُ الـمَسِيحَ هـكَذَا فهوَ
مَرْضِيٌّ لَدَى الله، ومَقْبُولٌ لَدَى النَّاس.
19 فَلْنَسْعَ إِذًا إِلَى مَا هوَ لِلسَلام، ومَا
هُوَ لِبُنْيَانِ بَعْضِنَا بَعْضًا.
20 فَلا تَنْقُضْ عَمَلَ اللهِ مِنْ أَجْلِ
الطَّعَام؛ لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ طَاهِر، ولـكِنَّهُ يَنْقَلِبُ شَرًّا عَلى
الإِنْسَانِ الَّذي يَأْكُلُ وَيَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيه.
21 فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ لا تَأْكُلَ لَحْمًا، ولا
تَشْرَبَ خَمْرًا، ولا تَتَنَاوَلَ شَيئًا يَكُونُ سَبَبَ عَثْرَةٍ لأَخِيك.
22 وإحْتَفِظْ بِرأْيِكَ لِنَفْسِكَ أَمَامَ الله.
وطُوبَى لِمَنْ لا يَدِينُ نَفْسَهُ في مَا يُقَرِّرُهُ!
23 أَمَّا الـمُرْتَابُ في قَرَارِهِ، فَإِنْ
أَكَلَ يُدَان، لأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ صَادِرٍ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَان. وكُلُّ
عَمَلٍ لا يَصْدُرُ عَنْ يَقِينٍ وإِيْمَانٍ فَهُوَ خَطِيئَة.
(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 14 – الآيات 14 إلى 23)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
في صغري، كنت أسمع من النّاس
كلامًا كثيرًا عن الصوم وعن نوايا الصوم...
قسمٌ منها إعتادته أذناي صغيرًا ولكن علمتُ لاحقًا
أنّها لا تتطابق وروح الصوم...
سمعت كثيرين يقولون بأنّهم سيصومون عن الكذب أو
الثرثرة أو النميمة... ولكن أدركت لاحقًا أنّ المسيحي الحقيقي لا يصوم عمّا هو
أساسًا غير متطابق مع مسيحيّته!
في الواقع، يتناقض هذا الصوم مع مفهوم عن الصوم
الأساسيّ كفعلٍ إنقطاعٍ عمّا نحبّ في سبيل روحانيّة أكثر عمقًا، لمدّةٍ من
الزمن، على أن نعود لاحقًا، بعد القيامة، إلى ما سبق وصمنا عنه!
في مطلع مسيرة الصوم الكبير، نتأمّل في نصّ يدعونا
للإرتقاء من المستوى الماديّ إلى المستوى الرّوحيّ خاصّةً حين يؤكّد: "فَلَيْسَ
مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ بِرٌّ وَسَلامٌ وفَرَحٌ في الرُّوحِ
القُدُس"!.
زمن الصّوم يشكّل فرصةً لكلّ إنسان كي يتحرّر من
قيود المادّيات ليحرّر قلبه من كلّ ما يأسر روحه أو يعيقها عن تأدية دورها في
هذا العالم.
هذا التحرّر يدعّم التكامل بين الجسد والرّوح
ويزيل المعوقات التي تؤدّي إلى التنافر أو النّزاع بينهما والّذي يعرقل الإنسان
المسيحيّ عن تأدية رسالته!
زمن الصوم هو بالتالي زمن تمرينٍ وترويض على
الإبتعاد عن كلّ ما قد نحبّه أكثر من الله!
الصوم لا يكون إذًا عمّا هو شرّ بل يكون إمتناعًا
عمّا خلقه الله أساسًا من خيرات ("لا شَيءَ نَجِسٌ في ذَاتِهِ") في سبيل تحقيق
أمرين:
• التقرّب إلى الله عبر جعله أولويّةً في حياتنا
نُترجمها عبر...
• مشاركة المحتاج فيما لدينا من خيرات...
هاتان الطريقتان (صوم المشاركة وترويض الذات) ليسا
هدفًا بقدر ما هما وسيلة، ولذلك هما يَتِمّان بحريّة الإبن الضّال الملهوف
للعودة إلى حنان أبيه وبيته!
فهلمَّ إلى مغامرة حبّ مع الله وصوب الله مع
الإنسان ومن خلال كلّ إنسان!
|
::: الإنجيل ::: |
1 وفي اليَوْمِ الثَّالِث،
كَانَ عُرْسٌ في قَانَا الـجَلِيل، وكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاك.
2 ودُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إِلى
العُرْس.
3 ونَفَدَ الـخَمْر، فَقَالَتْ لِيَسُوعَ أُمُّهُ:
"لَيْسَ لَدَيْهِم خَمْر".
4 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "مَا لِي ولَكِ، يَا
إمْرَأَة؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْد!".
5 فقَالَتْ أُمُّهُ لِلْخَدَم: "مَهْمَا يَقُلْ
لَكُم فَإفْعَلُوه!".
6 وكَانَ هُنَاكَ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حَجَر،
مُعَدَّةٌ لِتَطْهيِر اليَهُود، يَسَعُ كُلٌّ مِنْهَا مِنْ ثَمَانِينَ إِلى
مِئَةٍ وعِشْرينَ لِترًا،
7 فقَالَ يَسُوعُ لِلْخَدَم: "إِملأُوا
الأَجْرَانَ مَاءً". فَمَلأُوهَا إِلى فَوْق.
8 قَالَ لَهُم: "إستقوا الآنَ، وقَدِّمُوا
لِرَئِيسِ الوَلِيمَة". فَقَدَّمُوا.
9 وذَاقَ الرَّئِيسُ الـمَاءَ، الَّذي صَارَ
خَمْرًا - وكانَ لا يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، والـخَدَمُ الَّذينَ إسْتَقَوا
يَعْلَمُون - فَدَعَا إِلَيْهِ العَرِيسَ
10 وقَالَ لَهُ: "كُلُّ إِنْسَانٍ يُقَدِّمُ
الـخَمْرَ الـجَيِّدَ أَوَّلاً، حَتَّى إِذَا سَكِرَ الـمَدعُوُّون، قَدَّمَ
الأَقَلَّ جُودَة، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الـخَمْرَ الـجَيِّدَ إِلى
الآن!".
11 تِلْكَ كَانَتْ أُولَى آيَاتِ يَسُوع،
صَنَعَهَا في قَانَا الـجَلِيل، فَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، وآمَنَ بِهِ تَلامِيذُهُ.
(إنجيل يوحنا - الفصل 2 – الآيات 1 إلى 11)
|
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
خمر قانا
تسكن آية عرس قانا ذاكرتنا.
تعوّدنا أن نندهش كيف أن إبن الله، عند سماع إستغاثة الترابيين المتمثّلين
بمريم العذراء، إستبق الوقت وأظهر مجده. اليوم، بغية مقاربة هذه الآية سنتخذ
زاوية أخرى، سنقف إلى جانب الخدم، الّذين لم يتفوهوا بكلمة، ولكنهم رأووا كلّ
شيء وعاينوا كلّ شيء، قاموا بالعمل المنوط بهم، بكلّ بساطة، ولكنهم ساهموا
وأصبحوا شركاء في صنع الآية، التي ستنجلي مكنوناتها عند أقدام الصليب، الآية
العظمى.
تواصل الخدم مع مريم أم يسوع، التي قالت لهم بكلّ
بساطة: "مهما يقل لكم فإفعلوه". وماذا قال لهم يسوع؟ "إملأوا الأجران ماء".
هؤلاء الخدم وقعوا في حيرة من أمرهم، كونهم كانوا قد أفرغوا الأجران المعدّة
لتطهير اليهود الّذين شاركوا في وليمة العرس. ها يسوع يعود ليطلب منهم أن
يملأوا الأجران من المياه وكلّ منها يتّسع إلى ثمانين أو مئة وعشرين لترًا.
عملٌ مضنٍ وليس له فائدة بنظر الخدم والكميّة كبيرة جدًّا، كونه كان هناك ستّة
أجران. لماذا كلّ هذه الكميّة من المياه والمدعوون جالسون إلى المائدة ولا حاجة
بهم لهذه الكميّة من المياه؟ بالتأكيد موقف مريم لعب دورًا بارزًا في إقناع
الخدم، كانت هي المقتنعة فأقنعت الآخرين. إمتثلوا لطلبها ولطلب وحيدها ودون
تأفف أو تلكىء، كونهم "ملأوا الأجران إلى فوق".
عندها دعاهم يسوع قائلاً: "إستقوا الآن، وقدموا
لرئيس الوليمة". وكأننا هنا في صدد مشهدية غير مسبوقة: الّذين يتكلمون لا
يدركون شيئًا، والّذين يدركون كلّ شيء يصمتون. ما بين الأجران وكأس العريس، تمّ
فعلٌ غير مسبوق: المياه أصبحت خمرًا. الخدم وحدهم يعرفون المصدر ومن سواهم ملء
الأجران ماء؟ نسمع رئيس الوليمة يهنىء العريس الّذي لم يكن مضطلعًا على شيء،
ومريم في كلّ هذا بقية صامتة صمت الخدم، أوليست هي خادمة السرّ؟ حقّق يسوع
الآية، ولكنه حتى اللحظة الأخيرة إستعان بعمل الخدم، وبفضل مياه الطاعة أوجد
الفرح للوليمة.
لا يقول لنا يوحنا الإنجيليّ شيء عن تلقّف الحضور
هذه الآية ولا كيف تمّ الإعتراف بدور مريم الأساسيّ. بكلّ بساطة يختتم يوحنا
هذا المشهد بالقول: "تلك كانت أولى آيات يسوع، صنعها في قانا الجليل، فأظهر
مجده، وآمن به تلاميذه". نعم، بكلّ بساطة وتجرّد، يظهر هذا النصّ الكثير من
التعليم لنا، لذلك إختارته الكنيسة الإنطاكية السريانية المارونية في مطلع
الصوم الكبير، كونه يحمل بشرى سارة تفوق إنتظاراتنا وتطلعاتنا.
أولاً: نحن نعلم علم اليقين بأن مَن يصنع مشيئة
الآب "لتكن مشيئتك"، "مهما يقل لكم فافعلوه"، كلّ الروحانية المريميّة مسكوبة
في هذه الكلمات البسيطة. إنها نصيحة الأمّ لنا، إنها رغبة الوالدة أن نحقق
مشيئة الربّ يسوع في حياتنا. أولم تقل هي مسبقًا "فليكن لي بحسب قولك"؟ إنها
الرغبة عينها في عيش التسليم الكليّ للربّ، وإلى هذه الحريّة الإراديّة تريد
مريم أن تصطحبنا وأن نسكن فيها.
ثانيًا: ما طاعتنا الإراديّة إلا عنوانًا لرفعتنا،
بفضلها نصبح عاملين وعاملات نشيطين لتحقيق الآية. كان بإستطاعت يسوع، "سبب
سرورنا"، أن يصنع الآية منفردًا، ولكنه بصنيعه هذا أعطى هؤلاء الوضعاء فرح
الشراكة. بالحقيقة يسوع هو مَن يصنع كلّ شيء ويعطينا أن ندبّر كلّ شيء، بفعله
هذا أشرك بشريتنا بفرح بناء الملكوت الساكن فينا. يقول أحد آباء الكنيسة "لم
يستطع المدعوون أن يشربوا كلّ هذا الخمر، فلازلنا نحن اليوم نشرب ونفرح".
بالرغم من وضاعتنا وحقارتنا ومكانتنا، نحن خدم الملكوت، ولكننا مدعوون بفضل
المسيح إلى وليمة الحمل، وما الإفخارستيا إلاّ وليمة عرس الحمل.
المهمّ هو أن نتلقف كلمات يسوع، بمعنى آخر علينا أن نكون على إستعداد دائم
لنملء إلى فوق أجران الماضي، حتى ينسكب الخمر الجديد، الّذي يأتي به المسيح
وحده بفعل كلمته المحوّلة والمجددّة والمطهّرة.
أخيرًا، دعونا نبدأ هذا الصوم بالطاعة وبالتجرّد
وبالإصغاء إلى صوت المسيح، لعلّه يريد أن يصنع آية جديدة اليوم بواسطتنا؟ دعونا
لا نعاد المعلّم الأوحد ولا نتلكىء في تحقيق مشيئته، إنه من خلال هشاشتنا يصنع
فرحًا عظيمًا.
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
خليقة جديدة
في العرس تبدأ حياة جديدة وزمنًا
جديدًا تتكلّل بمولودٍ جديد من صلب العروسين يتكوَّنَ بالحبّ الثلاثي بينهما وبين
الله الشاهد الأوّل على هذا الحبّ. أمّا في عرس قانا، حيث النقص الأهم في وليمة عرس
-الخمر- الّذي يعبّر عن سعادة العروسين والأهل كما عن الفرح الّذي يبثّه في نفوس
المدعوّين المتحلّقين حولهما، تجلّت، في عمق هذا النقص، بداية زمن جديد وخلقٍ جديدٍ
من نوعٍ آخر، يفتح البصيرة على فهم حقيقة الحياة وأسس السعادة التي يفني الإنسان
عمره بحثًا عنها. من عمق نقصنا أظهر يسوع المعنى الحقيقي للزمن الجديد، لا بل ذهب
إلى أبعد من ذلك بكثير: بتحويله الماء إلى خمرٍ، وبكَرَمٍ ما بعده كَرَم (لقد ذهب
أبعد من المنظور بكثير بحيث طلب ملئ ستة أجاجين وليس ستة للوضوء وليس جرار للماء
إشارة إعطاء الخمر طبيعة روحية) كأنّه يشير مسبقًا إلى سرّ الإفخارستيّا، سرّ جسده
ودمه المقدّسين، سرّ الخليقة الجديدة.
أليس يسوع هو العريس الحقيقي في هذه العرس؟
أوليست العروس الرقيقة الجميلة التي قالت نعم، هي
عروسه التي تمثّلنا، نحن البشرية جمعاء؟
أليس مرورنا من جرن ماء المعمودية إلى سرّ الإفخارستيا
هو ما أكمل صورة الخليقة الجديدة فينا؟
كيف لا ومن خلقنا بالحبّ من رحمه، بإبنه يسوع بكليّته،
بالماء والدم المتدفقان من قلبه أمام أعيننا، ينتظرنا بشوقٍ للدخول إلى وليمة العرس
الأبدي التي إليها دعانا منذ خلقنا وأعطانا الحياة هنا ليجعلنا نغوص أكثر فأكثر في
السرّ الحبّ الإفخارستي يوميًّا حيث يملأ نقصنا وإفتقارنا إليه مرّة بعد مرّة كي
نتحضّر لهذا العرس بقدر ما أعطانا من الحبّ إلى أن تحين ساعة اللقاء الأبدي.
مسيرتنا مستمرّة نحو هذا اللقاء المنشود، لكنّ المهمّ
أن نعرف كيف نتحضّر له بتعزيز حميمية علاقتنا بعريس نفوسنا الحاضر فينا كي يتمّم
رغبتنا في أن نكون سعداء ندخل ردهة العرس الروحي، المعدّة لمن إختاره عريسًا
لِنفسه، حيث يكتمل فرحنا.
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... دُعيتُ يومًا إلى
عرسٍ ويا ليت كان بأحد المدعوين شخصًا له من الحكمة بالتصرف كما كان للعذراء مريم
حين نفد الخمر من العرس فإستعانت بالرّب يسوع. هذا العرس لم يفرغ منه الخمر، وإنما
نفد الحب بين المدعوّين لأسبابٍ قد تكون تافهة ولكن محورها أنّ صاحب الحفل إستاء من
أحد المدعوين لأنه إعتذر عن الحضور فحزن آخرون وأصبح هذا الإستياء حجر عثرة لهم إذ
ملأ قلبهم نوعًا من السخط على هذا المدعو وقاطعوه لفترة، ووسعت دائرة السخط
والمقاطعة لتشمل العوائل فيما بينها، ولعب الكذب والـ"أنا" دوره حين أراد أحد
الأطراف أن يُبرّر موقفه ممّا زاد من "نفدان الخمر" ولم يعد للفرح مكانة.
ربّي وإلهي ... حجرات العثرة كثيرة ونحن بسهولة يمكننا
أن نكون حجر عثرة لآخرين، ولكن أن نسأل أنفسنا إن كان تصرفنا هو سبب عثرة لآخرين هو
أمرٌ بات شبه منعدم!! الصدق، الأمانة، حبّ الآخر، إعطاء الآخر حرية التصرّف أي فِهم
الآخر هي من الأمور التي بدأت تنفد من "التعامل بين الناس" وكل طرفٍ بدلاً من
اللجوء للمحبة يلجأ لتبرير الذات!!
ربّي وإلهي ... عرس قانا الجليل هو حال الدنيا، يبدء
بفرح ولكن سرعان ما تنفد فيه أسباب الفرح، والإيمان بقدرتك هو الأمر الوحيد الّذي
يمكننا بواسطته أن نُعيد الفرح للقلبِ المنكسر. زدنا إيمانًا يا رب لنُحسن التصرّف
مع الآخرين ولخير الآخرين فنلجأ إليك ولكلمتك في كلِّ حين، ولك الشكر على الدوام،
آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
(نوايا نافور مار مرقس البشير)
1- (المحتفل): عظّم يا ربّ شأن
كنيستك المقدّسة المنتشرة في الأقطار الأربعة، وإحفظ رعاتها المستقيميّ الرأي،
بالأمان والسلام جميع أيّام حياتهم، لا سيّما مار … بابا روما، ومار … بطرس
بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، والأساقفة، والكهنة الأتقياء، والشمامسة
الأطهار، وكلّ خدمة مذبحك المقدّس، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، مع هؤلاء جميع الّذين
يدعون إسمك القدّوس: بارك القريبين، أرجع البعيدين، إفتقد المرضى، قوِّ الضعفاء،
أطلق المسجونين، أعضد المظلومين، ردّ الضالّين إلى مخافتك، وجازِ المجازاة الحسنة
جميع الّذين قرّبوا القرابين في كنيستك المقدّسة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا،
وجميع أبناء البيعة المقدّسة، إمنحهم الأمان والسلام، وأبعد عنهم النـزاعات
الداخليّة والخارجيّة، فيحيوا حياة هادئة، إحفظهم برسم صليبك الحيّ والظافر، خلّص
المضطهدين المهجّرين من رعيّتك، كن للغرباء ملجأً، للمسافرين رفيقًا. إمنح الرهبان
والمتوحّدين والقاطنين في الجبال وكهوف الأرض آخرة صالحة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، يا ربّ، في هذا الوقت، على مذبحك
السماويّ، وعلى هذا المذبح، القدّيسة الدائمة البتوليّة، والدة الله مريم،
والأنبياء، والرسل والشهداء، والمعترفين والمبشّرين، ويوحنّا المعمِّد والسابق،
وإسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار… (شفيع الكنيسة)، ومار… (صاحب العيد)،
وجميع القدّيسين، أنظمنا في أجواقهم، وأشركنا في عيدهم السعيد. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- )المحتفل): أذكر، يا ربّ، جميع الّذين عَبَروا من
هذا العالم وبلغوا إليك، بَلِّغهم مساكنك السعيدة وأمحُ كلّ خطاياهم، لأنّه ما من
أحد على الأرض بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته
نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة، المقدّمة، الصلاة وأفكار من الرّسالة من إعداد
أفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |