الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمـن الصوم

أحد شفاء المنزوفة 
(25 شباط 2024)

::: مـدخــل :::

• تُقدِّم لنا أمنا الكنيسة في الأحد الثالث من زمن الصوم تأمّلاً في تعزية الله لنا وفي شفائه لقلوبنا.
• في العهد القديم، نجد خطابًا وجّهه الرب لموسى فيه شريعة متعلقة بهدب الثوب الّذي يرمز إلى شريعة الربّ.
• يتكلّم مار بولس في رسالة هذا الأحد عن "الحزن الّذي يؤدّي إلى التوبة" ويميّز بينه بين حزن العالم موضحًا أنّ "الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا"!
• يتمحور إنجيل هذا الأحد حول المرأة النازفة التي كانت من عداد الأشخاص الذين إلتحقوا بموكب المسيح، بطريقة سريّة وخفيّة فإختبرت العبور مع المسيح من الموت إلى الحياة.
• لنعد إلى الله فيلمس أفكارنا وعقولنا وقلوبنا ويشفينا من نزفنا الرّوحيّ! 

::: صـلاة :::

أيها المسيح شفاؤنا وحياتنا، إقبل صلاتنا نرفعها إليك على نية جميع الّذين شعلة إيمانهم تحتضر، حتى تُجدِّد بقوة روحك القدوس رجاءهم وتؤجِّج في قلوبهم نار الإيمان، وإمنحنا من إيمان النازفة فنقترب مثلها إليك، ومن تواضع رئيس المجمع فنُطيعك على الدوام، لتتمجّد في حياتنا مع أبيك المبارك وروحك القدوس، الآن وإلى الأبد، آمين. 

::: العهد القديم :::

37. وَخَاطَبَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً:
38. "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُرْهُمْ: أَنْ يَصْنَعُوا لَهُمْ أَهْدَابًا على أَذْيَالِ ثِيَابِهِمْ مَدَى أَجْيَالِهِمْ، وَيَجْعَلُوا عَلَى هُدْبِ الذَّيْلِ سِلكًا مِنْ البِرْفِير البَنَفْسَجّي.
39. فَيَكُونُ ذلِك لَكُمْ هُدْبًا، فَتَرَوْنَه وَتَذْكُرُونَ جَمِيعَ وَصَايَا الرَّبِّ وَتَعْمَلُونَ بِهَا، وَلاَ تَتِيهونَ وَرَاءَ قُلُوبِكُمْ وَعُيُونِكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ تَزْنُون وَرَاءَهَا،
40. فَتَتَذْكُرُوا وَتَعْمَلُوا بِجَمِيعِ وَصَايَايَ، وَتَكُونُوا مُقَدَّسِينَ لإِلهِكُمْ.
41. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِيَكُونَ لَكُمْ إِلهًا: أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ".

(سفر العدد – الفصل 15 – الآيات 37 إلى 41) 

::: أفكار من العهد القديم  :::

التعريف بالكتاب:
سفر العدد هو من الأسفار التي يصعب على القارئ إستيعابها أو التمتع بقراءتها، لأن نصوصه جامدة، فيه من التاريخ والعَدّ وفيه من التعليم والإيمان، وفيه إحصاء يغلب على كل النصّ. صحيح بأن هذا السفر ليس بحيوية أسفار الملوك وصموئيل التي تحوي قصصًا شيّقة، إلا أن سطوره تحوي الكثير من التعليم البنّاء لحياتنا الإيمانية.

ظروف كتابة النص:
في هذا النص نجد خطابًا وجّهه الرب لموسى فيه شريعة متعلقة بهدب الثوب... فما قصة هذا الهدب ذو السلك البنفسجي؟

مضمون النص:
طلب الرّب من موسى أن يأمر الشعب بخياطة هدب بسلك بنفسجي على أطراف ثيابهم، لعدة أسباب:
1. ذكر وصايا الرب والعمل بها، عند رؤية الهدب.
2. القلوب والعيون تطلب ما تشتهي... ولكن هذا الهدب للّذي يحمل القليل من الألوان، يُهذّب القلوب والعيون، ليصبح الرّب هو الهدف.
3. عند ذلك يتذكر الشعب الوصايا ويعمل بها، فلا يزني وراء آلهة أخرى (لأن الزنى هو أيضًا عبادة إله آخر غير إله اسرائيل)، بل يكون شعبًا مُقَدّسًا للرب.
4. لذلك يُذكّر الرّب الشعب بأنه الإله القدير الّذي خلصه من عبودية فرعون وأعطاه الحرية ليكون لله شعبًا.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
النازفة هي نجسة خاطئة، لمست هدب ثوب يسوع فأخذت الشفاء. هذا الهدب يرمز إلى شريعة الرّب ومحبته لشعبه، كان موضع نظر تلك النازفة التي آمنت بأن مَن يحمله هو الّذي سيعطيها الحرية والشفاء.

خاتمة تطبيقية:
عندما تغلبنا الخطيئة لننظر إلى الهدب، إلى شريعة الرّب. لنلتمس طريق الرّب إيمان فنخلص.

::: الرسالة :::

4 إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ إمْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
5 فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل!
6 لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس،
7 لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِإشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي إزْدَدْتُ فَرَحًا.
8 وإِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين،
9 قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛
10 لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا.
11 فَأنْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الإجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الإعْتِذَار، بَلْ مِنَ الإِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذلِكَ أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.

(الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس – الفصل 7 – الآيات 4 إلى 11) 

::: أفكار من الرسالة :::

تفرض الحياة على الإنسان صراعات عديدة لإثبات الذات ولحجز مكان في مفكّرة التاريخ!
فهو يصارع ليعيش ويصارع كي يبتعد عن الموت أو كي يبتعد عنه الموت... يصارع ليحصّل المال أو المناصب أو المجد، ولكنّه غالبًا ما يكتشف أن حياته فارغة ولو كان لديه كلّ هذه...
فصراع الإنسان مع عوامل الخارج أساسه في داخله وفق ما قال مار بولس: "صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل"، لأنّه يخاف من ذاته ويخاف عليها في حين!
عادةً، يخاف الإنسان من المجهول ومن الغد ومن عوامل الزمن ويخاف من المرض والألم والموت... وكلّ هذا سببه عادةً العلاقة السطحيّة مع الله الّتي لا تجعلنا نشعر بالرّجاء (نقيض الخوف) ولا بالتعزية، بل بالحزن!

يتكلّم مار بولس في رسالة هذا الأحد عن "الحزن الّذي يؤدّي إلى التوبة" ويميّز بينه بين حزن العالم موضحًا أنّ "الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا"!
حزن العالم هو الحزن المرتبط باليأس أو بالإحساس بالذنب المتطرّف حين يفقد الإنسان الأمل والرّجاء. هذا النّوع من الحزن يؤدّي إلى الموت بمعنى إنفصال الإنسان عن واقع الحياة والغرق في دوامة الألم وفقدان معنى الحياة.
أمّا الحزن المؤدّي إلى التوبة فهو حزن مَن أدرك عُمق محبّة الله له وعلم في آن مدى الجرح الّذي سبّبه لهذا الإله المحبّ، ولكن هذا لا يؤدّي إلى اليأس لأنّ الله يبقى أمينًا على محبّته لنا، مهما قمنا به لأنّ مشروعه الأساسيّ هو خلاصنا وإتحادنا الدّائم به!
هذا النّوع من الحزن يرتبط بالتوبة، أي بإستنتاج الدروس والعبر من الأخطاء المرتكبة ووضع الأسس السليمة لولادة جديدة بالله ومعه الله!
قد يظنّ قارئ الرّسالة بأنّ هناك تناقضًا ما بين مفهوم التعزية ومفهوم الحزن الوارد في القسم الثاني من رسالة اليوم.
بينما الواقع هو بأنّهما يتكاملان فالتعزية تأتي من الله لكلّ مَن شعر ﺒ"الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا".
هذا الحزن أساسه فهم الإنسان لحقيقة جوهريّة هي بأنّ الله محبّة ومن أساء إلى المحبة لا بدّ له من الشعور بالحزن لأنّه أساء إلى مَن أفاض عليه الخير وسيستمرّ بمنح الخير والحبّ لمَن يفتح قلبه له بالتوبة الحقيقيّة التي تقتضي الإقرار بما أخطأنا به وإدراك ما سبّبناه من أذىً لذاتنا وللآخرين ولعلاقتنا مع الله!
هذا الحزن هو حزن ندم "يُبلل الوسادة" على الأعمال الخاطئة التي تُبعد الإنسان عن الله، وهو حزنٌ ينتج عن مراجعة الضمير بما يُرضي الله بعد الإستماع لكلمته، ويقود إلى التوبة والفرح كما حدث مع أهل قورنتوس.

توضح رسالة اليوم أنّ الله "يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ" ولو عانوا من الحزن الّذي يتحوّل بالنسبة إليهم إلى بركة لأنّ "الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا"!
فما علينا سوى أن ننقاد لنور الرّوح القدس فنفتح قلوبنا للربّ كي يُعزّينا وكي ينشلنا من حزننا إلى توبةٍ محيية من "حُزْنُ العَالَمِ" الّذي "َيَصْنَعُ مَوْتًا"!

لا بدّ هنا من تمرينٍ دائم للضمير ليبقى منفتحًا على أنوار الرّوح القدس الّتي تمنح البصيرة الرّوحيّة لسائليه فيدركوا ما يسبّب النزف الرّوحيّ في حياتهم وفي علاقاتهم!
فلنبقِ ضميرنا حيًّا عبر محبّة الله وترجمة هذه المحبّة في العلاقة مع من هم حولنا، فنجد سلامنا المفقود ونعود إلى الفرح والسعادة مع الله ومع الذات ومع الآخرين! 

::: الإنجيل :::

40 وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، إسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا بِرَجُلٍ أسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ المَجْمَع، جَاءَ فإرْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ،
42 لأَنَّ لَهُ إبْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ إثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ.
43 وَكانَتِ إمْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ إثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا.
44 دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.
45 فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!".
46 فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!".
47 وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وإرْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال.
48 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا إبْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".
49 وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ يَقُول: "مَاتَتِ إبْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!".
50 وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا إبْنَتُكَ!".
51 وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا.
52 وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال: "لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!".
53 فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ.
54 أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا الصَّبِيَّة، قُومِي!".
55 فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا.
56 فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا حَدَث.

(إنجيل القدّيس لوقا - الفصل 8 – الآيات 40 إلى 56) 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

إن الأحد الثالث من زمن الصوم الكبير، يتمحور حول أيقونة المرأة النازفة التي كانت من عداد الأشخاص الّذين إلتحقوا بموكب المسيح، بطريقة سريّة وخفيّة، كما تصورها لنا الأناجيل الإزائية (لوقا 8: 40-48 ؛ متّى 9: 18- 26 ومرقس 5: 21-43)، فإختبرت العبور مع المسيح من الموت إلى الحياة. لا شفاء لهذه المرأة من قبل أطباء هذا العالم، مهمّشة هي من قبل محيطها وبيئتها بسبب مرضها، لأكثر من إثنتي عشرة سنة وهي لا تزال تنزف الحياة وتنتظر الموت. يا له من موقف. وسط هذه الحالة الميؤوس منها، "تجلّى لطف الله" ومحبته لها وبطريقة غير موصوفة وبفيضٍ مطلق. غريب أمر هذه المرأة، وسط الجموع المحتشدة، إحترمت التباعد الجسديّ، كما هو الحال اليوم مع وباء الكورونا، وما مطلبها سوى أن تلمس ثوب يسوع، وما غايتها سوى أن تتخلص من مرضها المزمن. إنّ هذا التباعد الجسديّ الّذي يُضيّق علينا اليوم أكثر فأكثر، إختبرته المرأة النازفة وذلك لأكثر من إثنتي عشرة سنة. لكن اللامتوقع قد تمّ: بنت المرأة بينها وما بين يسوع ثقة عمياء، شدّها إليه محبّة لا وصف لها، أسقطت معها وبفضلها الحواجز النفسيّة والإجتماعيّة والصحيّة. كالنازفة نحن اليوم، في عزلة عن بعضنا البعض ونعيش كلّنا في إنقطاع كليّ، حتى عن الله وما أحوجنا إلى قفزة نوعيّة.

وسط الجموع فضح يسوع أمر المرأة كونه شعر بقوّة خفيّة تخرج منه كي تلامس الآخر: "مَن لمسني؟". إنّ شفاء المرأة تمّ بالصمت بالخفاء، وها هو يسوع يريد أن ينقلها من حالة مستترة إلى حالة معلنة. غايته ردّ إعتبارٍ وإعادة كرامة مسلوبة. اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، كثيرون هم مَن يعيشون في عزلة، في غربة عن العالم وعن الحياة، بسبب جراحهم وآلامهم ومشاكلهم ومخاوفهم وهواجسهم، الداخلية والخارجيّة، الباطنيّة والعلنيّة ... ويسوع هو هو، يُبلسم الجراح الدفينة فينا، يزورونا على قارعات طرقاتنا، يبحث عنّا ويريد أن يلتقي بنا كي نلمسه، كي نُخرج طاقةَ الحبِّ الساكنة فيه. يريدنا من جديد في عداد الأحياء، يريدنا من جديد أن ننطلق في الطريق. اليوم، وفي قلب عالمٍ تكنولوجيّ متطور، تَظهر البشرية في أبهى هشاشتها. تتجلى صورتها الأفقر والأكثر ضعفًا. نعم، البشرية مُعدمة أمام وباء سجنها، كبّلها، حطّمها،... لربما لا يوجد سوى العزلة، سوى الخروج من ضجيج وصخب الحياة والعودة إلى الصمت كمخرجٍ جديدٍ إلى الحياة. ولكن حذار من الخوف ومن الإنطواء ومن الإنعزال.

هنالك دومًا في حياتنا، حتى في زوايا هذه الحياة الأرضيّة، حضورًا خفيًّا لله. بالتأكيد، لا نعلم من أين يأتي ولا الساعة التي فيها يتجلّى لنا. ولكن جلّ ما في الأمر، هو أن الربّ يُفاجئنا على الدوام، كما يفعل الحبيب مع الحبيبة. عندما "يتجلّى لطف الله مخلّصنا، ومحبّته للبشر" (طيطس 3: 4) نُدرك عظمة محبّته المجانيّة لهذه البشرية بالرغم من هشاشتها وضعفها. إن الربّ يقلب المقاييس، يُبدّل حزننا إلى فرح شرط أن نسمح له العبور بنا من الألم والموت والخطيئة إلى السلام والمحبّة والوداعة. المرأة النازفة إكتشفت كلّ ذلك فراهنت على يسوع وحده. هي التي تعبت من عيادات الأطباء ومن تفاقم وضعها الصحيّ ضحّت بكلّ شيء كي تربح الكنز الأوحد، ولمجرّد اللمسة تمّ الشفاء كعطيّة وكهبة من الله. بإمكاننا اليوم أن نلمس قلب الله، بإمكاننا أن نستسلم له بمجانية ولو لبرهة وهو سيحوّل كلّ حياتنا وهو سيعبر بنا من الموت إلى الحياة. هنا يبدأ مشوار الرجاء الّذي لا حدّ له ولا نهاية. 

::: تــــأمّـل روحي :::

حركة حبّ

أن تحبّ هو أن تعطي كلّ ما لديك. وما من أحدٍ إلّا ولديه الكثير ليُعطيه، فالله عندما خلق الإنسان أغناه بذاته حين نفخ فيه من روحه وسكب من قلبه فيضًا من الحياة بحركة الحب الّتي لا تتوقّف في الوهب والإستقبال، لأنّه ليس لذاته بل يدور في فلك الجماعة وإلّا لما سمّيَ حبًّا بل أنانية.
• هذا الحبّ لا يعرف التفرقة بين البشر أيًا كانوا.
• هذا الحبّ المتخلّي عن ذاته يترك المساحة لمَن يحتاجه كي يلمسه دون إذنٍ ويتركه يغرف منه ويمتلئ به لترتوي فيه تلك الحاجة إلى شفاءٍ أو تعزية أو أيّ جوعٍ نقيٍّ إليه.
• هذا الحبّ يجعلك مقيمًا مع أبناء الملكوت إن جعلته يقيم فيك، تُسَرُّ به وتشعر بفرحٍ عارمٍ دون أن تعرف ما إسمه حتّى أو تراه؛ ودون أن تدري، ترى نفسك مختلفًا عمّا عهدت ذاتك من قبل، لأنّه كالنسيم لطيفٌ وكعطر الورود تنتعش بشذاه وهو خفيٌّ عن ناظريك.

هو ذاك الدّم الجديد الّذي يتدفّق في الأعماق: كالمرأة النازفة مكان دمها منذ سمعت عنه فآمنت بشفائها قبل أن تلمس رداء الحبّ، ومَن غيره يسوع، وتسلب منه حاجتها للشفاء لتعود بمعافاة النفس والجسد إلى حياة جديدة لم تكن لتحصل عليها لولا إيمانها بقدرة هذا الحبّ على العطاء.
هو ذاك النَفَسُ المحيي الّذي ينساب في النفسِ: كتلك الصبية إبنة يائير التي إستقبلته وهي مائتة لتقوم بحلّةِ جديدة إلى حياةٍ ممهورة بختم الحبّ الشافي.
هنا تتوقفّ الكلمات البشرية عن وصفه، فكلمة حبٍّ لربّما هي أعظم وأعمق وأبلغ كلمة، بِلُغتنا وعلى قدر فهمنا نحن المخلوقين من رحمه، تصف أفعاله في إطار شخصه الإلهي، لكن الكلمة تبقة بشرية أمام الله خالق الكون وضابط كلّ ما يُرى وما لا يُرى.
ربّما من الصعب جدًّا اليوم أن نجد حبًّا كمثل هذا الحبّ ما عدا القديسين الّذين لم ينشدوا إلّا حبّ إلهٍ أصبح طفلًا صغيرًا (كيف لا أحبّ إلهًا أصبح طفلًا من أجلي، تقول القديسة تريزيا الطفل يسوع) مِن أجلنا وإفتدانا بموته على الصليب.
ربّما نسينا لمسة المنزوفة للرداء وإيمان يائيرس والد الصبية المائتة، نسينا صرخة الأعمى ورغبة الأبرص وتوق المخلّع التي تنضح كلّها بجواب الحبّ حتى ثمالة كأس الصليب.
لربّما تحوّلت علاقتنا مع واهب هذا الحبّ إلى حبٍّ مشروط: إذا أعطيتني أعطيك سامحين لأنفسنا أن نشترط عليه طريقة الحبّ والعطاء.
ولربّما لا ندرك أنّ هذا الحبّ لا يُرى بل يُنتِج ثمارًا مرئيّة للبصر ولبصيرة القلب، وأنّه يهب بالمجان لدرجة أنّه يترك للمستّقبِلِ حرّية قبول الحياة الجديدة فيه أو رفضها! عندها، أليس من الغريب أن نتفاجأ بتدهور علاقاتنا بين بعضنا البعض أو تشوّهها حتّى النزف وأحيانًا حتى الموت، عنيت به الطلاق بين الأفرقاء بدءً بحبّ الزوجين لبعضهما وللأولاد، وحبّ الإخوة لبعضهم البعض، مرورًا بالعائلة الأوسع حتّى الوصول إلى المجتمع؟

لنأخذ اليوم بضع دقائق صمتٍ ونقف فيها أمام مرآة النفس في نور الكلمة مؤمنين أننا أبناء الحياة لا الموت، ولنفتح كبيرًا بصيرتنا في ضوئها مصممين على رؤية مسببات الفجوات والآفات التي تهدّد حياة الحبّ النازف فينا، متوجّهين إلى يسوع وكلنا إيمان بأنّه هو وحده القادر على وقف النزف وإحياء ما تهدّم فينا حتّى ولو كنّا نشعر بالخجل. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... أغمضتُ عينيَّ اليوم فشاهدتُ لا أعلم أهي سيدة متقدمة في العمر أو صبية في مقتبل العمر، وكانت جالسة على الأرض مُمسكةً ركبتيها بيديها في زاوية غرفة شبه مظلمة ويبدو الخوف عليها؛ ممّا تخاف؟ لا أعلم. أمورٌ كثيرة تُدخل المرء في حالة ذعر تجعله يبتعد عن الآخرين وينعزل؛ قد يكون إنسانًا آخر سبّب خوفه وعُزلته بسوء تصرفه معه، وقد يكون نوعًا من الإدمان على أمورٍ تُنجِّس الإنسان كالمخدرات أو القمار أو الشهوات الجنسية أو اللجوء للمُنجمين وقارئي البخت وغيرها من الأمور التي تدفع الله والآخرين جانبًا [التيهان وراء شهوة القلب والعين (العدد 15: 39)]، أو مرضٌ نفسي يُعشعش منذ مدة طويلة في خباياه، أو كراهية وحقد، أو شعورٌ بالعظمة، وتذكرت المرأة النازفة التي شعرت وكأنها مسجونة والخوف يملأ قلبها في زاويةٍ بغرفةٍ مظلمة بعد أن حاولت كل جهدها لتُزيل سبب إنعزالها دون جدوى، ومرّ بها الرّب يسوع. لا أعلم كيف تجرّأت على لمس طرف رِدائِهِ، أتقول له "أنا أعلم أنّك قدّوس وأنّ الخيط البنفسجي بطرف رداءك لم يوضع ليُذكّرك بوصايا الله بل ليُذكرني أنا بنجاستي ويشفيني أيضًا فيُقدّسني، أنت تُعطيني ممّا هو لكَ فأحيا"؟، ولكن بالنسبة لها هذا كان أملها الوحيد. الرغبة في التحرّر من التقوقع بهذه الغرفة المظلمة هي الخطوة الأولى للخروج، والخطوة الثانية والأهم هي اللجوء إليك وقول "يا رب، إرحمني"، فما كان منكَ سوى أن تُغدقها بالحب المنبعث منك فتُقيمها من إنحنائها لا بل ترفعها لأعلى كما يرفع الأب طفله ليُجلسه على سياج البيت ليراه الجميع فرحًا دون خوف لأن أباه هو سنده.

ربّي وإلهي … لا أعلم إن عرف الإنسان بأن الخطيئة أية كان سببها ونوعها فهي تبعده عنكَ وكأنه أسيرًا محبوسًا في سجنٍ، ورغبتك أن يتحرّر الكل منه مبتدءً بالندامة والتوبة واللجوء لمعونتك بالرّب يسوع المسيح لتغفر وتُطلق أسره، لتُقيمه من حالة الموت الروحي وتحييه! إرحمنا يا رب، وإغفر لنا بدم إبنك الحبيب وأشفنا وأحيِنا، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور الإثني عشر)

1- (المحتفل) نقدم لك يا رب هذه الذبيحة الإلهية من أجل رعيتك، لا سيما من أجل آبائنا المغبوطين: مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا، ومار ... مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ إمنحهم يا رب، حياة لا لوم فيها، وأيامًا مجيدة ليرعوا شعبك بالبرّ والقداسة، نسألك يا رَب.
2- أذكر يا ربّ شعبك القائم أمامك لا سيما الّذين قدّموا هذه القرابين؛ وإغفر لهم ليحيوا دائمًا في حضرتك بغير لوم، ويعرفوا ما تسبغ عليهم من الخير، لأنك الصالح كثير النعمة، نسألك يا رَب.
3- أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا وفي العالم كلّه، ليقيموا العدل ويحلّوا السلام، نسألك يا رَب.
4- أذكر يا ربّ، الّذين أرضوك منذ البدء، لا سيما القديسة والدة الله مريم، والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ويوحنا المعمدان، وإسطفانوس رئيس الشمامسة، ومار ... (شفيع الكنيسة ,ومار… (صاحب العيد))، أشركنا يا ربّ، في صلواتهم وأهلنا لنصيبهم، وهب لنا أن نتنعّم معهم في ملكوتك، نسألك يا رَب.
5- أذكر يا ربّ، الآباء والمعلّمين المستقيمي الرأي، الّذين إحتملوا الشدائد من أجل بيعتك وشعبك، وهب لنا أن نقتفي آثارهم بصدقٍ وأمانة، نسألك يا رَب.
6- (المحتفل) أذكر يا رب، الموتى المؤمنين المُنتقلين مِنـَّا إليك، الراقدينَ على رجائِكَ، المُنتظرينَ ذلكَ الصَوتَ المُحيي، الّذي سيَدعوهُم إلى الحياة، إقبَل القَرابينَ التي نـُقدِّمُها لـَكَ عَنهُم، وأرِحهُم في ملـَكوتِكَ، لأنَّ واحِدًا ظَهَرَ على الأرضِ بـِلا خطيئة، وهو ربُّنا يسوع، الـَّذي بواسِطـَتـِهِ نرجو أن نـَنالَ المَراحِمَ وغـُفرانَ خطايانا وخطاياهُم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة، الصلاة وأفكار من الرّسالة  

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts


أفكار من الإنجيل
من إعداد
الخوري ريمون باسيل
https://www.facebook.com/remond.bessil 


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس