الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

أسبوع الآلام

جمعة الآلام

(29 آذار 2024)

::: الرسالة :::

12 لِذلِكَ قَوُّوا الأَيْدِيَ الـمُسْتَرْخِيَة، والرُّكَبَ الوَاهِنَة،
13 وإجْعَلُوا لأَقْدَامِكُم سُبُلاً قَوِيْمَة، لِئَلاَّ يَزِيغَ العُضْوُ الأَعْرَجُ عنِ السَّبِيل، بَلْ بِالـحَرِيِّ أَنْ يُشْفَى.
14 أُطْلُبُوا السَّلامَ مَعَ جَمِيعِ النَّاس، والقَدَاسَةَ الَّتي لَنْ يُعَايِنَ الرَّبَّ أَحَدٌ بِدُونِهَا.
15 تيَقَّظُوا لِئَلاَّ يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ عَنْ نِعْمَةِ الله، ولِئَلاَّ يَنْبُتَ عِرْقُ مَرارَةٍ يُزْعِج، فيُفْسَدُ بِهِ الكَثِيرُون،
16 ولِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ فَاجِرًا أَو مُدَنَّسًا مِثْلَ عِيسُو، الَّذي بَاعَ بِكْرِيَّتَهُ بأَكْلَةٍ وَاحِدَة،
17 فأَنْتُم تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ ذلِكَ، أَرادَ أَنْ يَرِثَ البَرَكَةَ فَرُذِل، لأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ سَبيلاً إِلى تَغْيِيرِ رأْيِ أَبِيه، معَ أَنَّهُ إلْتَمَسَ ذلِكَ بِالدُّمُوع.
18 فَإِنَّكُم لَمْ تَقْتَرِبُوا إِلى جَبَلٍ مَلْمُوس، ونارٍ مُتَّقِدَة، وضَبَابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة،
19 وهُتَافِ بُوق، وصَوتِ كَلِمَاتٍ طَلَبَ الَّذِينَ سَمِعُوهَا أَلاَّ يُزَادُوا مِنهَا كَلِمَة؛
20 لأَنَّهُم لَمْ يُطِيقُوا تَحَمُّلَ هـذَا الأَمْر: "ولَو أَنَّ بَهِيمَةً مَسَّتِ الـجَبَلَ تُرْجَم!".
21 وكانَ الـمَنْظَرُ رَهِيبًا حَتَّى إِنَّ مُوسَى قال: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!".

(الرسالة إلى العبرانيّين – الفصل 12 – الآيات 12 إلى 21) 

::: الإنجيل :::

31 وإِذْ كَانَ يَوْمُ التَّهْيِئَة، سَأَلَ اليَهُودُ بِيلاطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُ الـمَصْلُوبِينَ وتُنْزَلَ أَجْسَادُهُم، لِئَلاَّ تَبْقَى عَلى الصَّليبِ يَوْمَ السَّبْت، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا.
32 فَأَتَى الـجُنُودُ وكَسَرُوا سَاقَي الأَوَّلِ والآخَرِ الـمَصْلُوبَينِ مَعَ يَسُوع.
33 أَمَّا يَسُوع، فَلَمَّا جَاؤُوا إِلَيْهِ ورَأَوا أَنَّهُ قَدْ مَات، لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْه.
34 لـكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الـجُنُودِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَة. فَخَرَجَ في الـحَالِ دَمٌ ومَاء.
35 والَّذي رَأَى شَهِدَ، وشَهَادَتُهُ حَقّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الـحَقَّ لِكَي تُؤْمِنُوا أَنْتُم أَيْضًا.
36 وحَدَثَ هـذَا لِتَتِمَّ آيَةُ الكِتَاب: "لَنْ يُكْسَرَ لَهُ عَظْم".
37 وجَاءَ في آيَةٍ أُخْرَى: "سَيَنْظُرُونَ إِلى الَّذي طَعَنُوه".

(إنجيل القدّيس يوحنّا – الفصل 19 – الآيات 31 إلى 37) 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

لقد مات الرّب يسوع في وقت ذبح خروف الفصح.
في العهد القديم، لم تكن تكسر عظمة واحدة من عظام حمل الفصح الكفّاري، لذلك فما حدث مع يسوع عند موته له معنى روحي ولاهوتي عميق، فيسوع هو حمل الله الحقيقي، هو الذبيحة الكاملة التامة عن خطايا العالم كلّه.

هذه التفاصيل التصويرية الحيّة أمام الصليب وعند موت الرّب يسوع مهمّة جدًّا، في كتابة القديس يوحنا لإنجيله، فقد كان شاهد عيان لهذا الحدث المهيب. وعندما نتأمل بهذا المشهد، نرى الإنسان بطبيعته يتعلق بالحياة فيقاوم الموت لذلك يصارع الإنسان الموت ليبقى معلقًا على الصليب فترة طويلة، أمّا المسيح فإذ أكمل مهمته أسلم روحه سريعًا إذ هو غير متعلق بالأرض، بل هو مشتاق أن يذهب ليتابع عمله الخلاصي ويختمه بالعودة إلى الآب أبيه.

بغض النظر عن التفسير العلمي والطبي لما حدث فلنفهم المعنى الروحي، هم طعنوه ليتأكدوا من موته. وبطعنة هذا الجندي تحققت النبوة أولاً وتحقق الجميع أن المسيح مات فعلاً فلا يقول اليهود حينما يقوم المسيح أنه كان فاقدًا لوعيه. وللوقت حينما طعنه الجندي خرج دم وماء خرج دم حي خلافًا لما قد ينزل من أي إنسان ميت حين يطعن، والميت يتجمد الدم في عروقه. وخرج مع الدم ماءٌ نقي، والميت لا يخرج منه ماء نقي. إذًا خروج دم وماء من جسد ميت يخالف طبيعة الإنسان.

هذا فيه إشارة واضحة أن الجسد مات، ولكن لم يَرَ فسادًا. وبالتالي فهو جسد إبن الله حقًا. وبسبب ما حدث نمزج في كأس الإفخارستيا ماء مع الخمر. نحن هنا أمام صورة ذبيحة حية فما أمامنا يخالف الموت الطبيعي وعلاماته، هي ذبيحة حية ناطقة على المذبح الناطق السماوي تعلن أن الفداء قد تم، لنحيا نحن بموته. بالماء الخارج من جنبه نعتمد بموته وقيامته، وبشربنا دمه ننال روحه فنحيا به. فدم المسيح هو دم حي فيه قوة حياة أبدية لإتحاد اللاهوت بالناسوت. وجسد المسيح الّذي قدّمه ذبيحة عنا، حلّ فيه كل ملء اللاهوت، ونحن ممتلئون فيه، فصار لنا اللاهوت المتحد بجسد المسيح مصدر حياة أبدية وتقديس، لإتحادنا نحن بجسد المسيح. 

::: تــــأمّـل روحي على ضوء الإنجيل :::

اليوم، الأرض في عطلةٍ رسميّة والناس منشغلون في إعداد دفنٍ لائق لمَن أعطاهم كلّ شيء: جسده قربانًا وروحه ميراثًا وأمّه شفيعةً وتلاميذه كنيسة!
تاريخيًّا، مثل هذا اليوم، مات الله!
مات الربّ يسوع مرّةً واحدة في ذلك اليوم، يوم الجمعة الّذي أصبح من يومها عظيمًا، على الصليب في الجلجلة...
أليس ذلك غريبًا؟
لِمَ قرّر الله أن يموت هكذا؟
هل رغب الله في الإنتحار يأسًا من الحياة ومآسيها أو من البشريّة وخطاياها؟
هل شبع من العمر وقد سبق البداية؟ هل "ختير" فقرّر الإنسحاب؟
هل يعقل أن يختار الله هذه الطريقة الشنيعة للإنسحاب من الحياة وقد كان بوسعه الإختفاء بكلّ بساطة؟
ولكنّه الله!
ألا يعقل بأنّه أراد أن "يقول" شيئًا من خلال ما فعله؟
ألا يعقل بأن الهزيمة الظاهرة أخفت خطّة الربّ لتحقيق الإنتصار الأعظم في تاريخ البشريّة؟
ألا يعقل بأنّه تخطّى كلّ حدود المنطق البشريّ المحدود في الزمان والمكان ليحقّق ما يتخطّى كلّ الحدود الزمنيّة والمكانيّة؟

إذا كان أحد هذه الأسئلة معقولاً بنظرنا فنحن مدعوّون إلى التنبّه جيّدًا إلى جملة الأحداث التي جرت اليوم والتي، رغم فظاعتها، ستقودنا إلى شكر المجرمين:
- يهوذا الإسخريوطي لأنّه سلّم إلهه الحقيقيّ إلى يد الحاقدين مختارًا أن يعبد المال لا الله!
- رؤساء الكهنة والكهنة والفرّيسيّيون والصدوقيّون لأنّهم خدمونا بحقدهم الّذي أعطانا، ولو من دون قصدهم، الخلاص بآلام موت الربّ وموته الّذي منحنا فيض نعم القيامة...
- بيلاطس البنطي لأنّه بجبنه وبتخاذله سمح لأمّة "شعب الله المختار" أن تخون الله عبر قتل إبنه الوحيد...
- جنود روما لأنّهم حرسوا إلهنا وهو يقود مسيرة الخلاص من أجلنا في موكب موته بنظرهم ونظر أعدائه وموكب القيامة بالنسبة لإيماننا...
- الجندي الرّوماني لأنّه طعن الربّ يسوع بحربته ففاض دمه على أرضنا لينقّيها بالمحبّة وسال ماؤه ليسقيها من الرّجاء...

لننظر اليوم ولنتأمّل بالمصلوب الّذي:
- حقّق ما دعا إليه فغفر لأعدائه ولكلّ مَن أساء إليه مبرّرًا إياهم بأنّهم "لا يدرون ماذا يفعلون"!
- شرّع أبواب الملكوت أمام كلّ تائب ولو كان من أدهى اللصوص!
- أظهر أن الموت والألم يرافقان الحياة ولكنّهما يتوقفان لحظة الموت بينما الحياة تستمرّ بعد الموت فهو قال للصّ التائب: "اليوم ستكون معي في الملكوت"!
- حقّق وعده للسامريّة إذ تحدّث عن ماءٍ يشرب منه الإنسان ولا يعطش وهو ماء الحياة الّذي سال من خاصرته فوق الصليب!
- ظلّ حتى الرمق الأخير فياضًا بالحنان فإهتمّ بأمه وبالتلميذ الحبيب بدل أن يهتما هما به!
- غادر الحياة بالجسد بعد أن سلّمنا أهم ما عنده: الروح! فهو أسلمه لا بمعنى أنّه مات كما قد نظنّ بل بمعنى أنّه سلّمه كما قصد يوحنّا في إنجيله حيث مات يسوع وقام ومنح الروح في آنٍ معًا!

علينا اليوم أن تتّخذ قرارًا جريئًا: فإمّا أن تكون ممّن سيشاهدون أكبر جريمة في التاريخ دون أن يتحرّكوا... وإمّا أن تكون ممّن سيرون في كلّ متألّم أو مجروح أو مظلوم وجه المسيح المتألّم والمصلوب الّذي يثق بأنّك كيوحنّا ستهتمّ بمريم، صورة الكنيسة، فتحضن كلّ محتاجٍ إلى قلبك حيث يريد المسيح أن يسكن ويطيب له أن يقيم!
يا ريتنا نكون اليوم في عداد موكب الصلب المؤدّي إلى القيامة كسمعان القيرواني، نحمل عن يسوع صليب بعض النّاس المتألّمين في محيطنا وعائلاتنا وقرانا ومدننا... فمنهم مَن بحاجة لإبتسامة ومنهم من هو بحاجة لكلمة تعاطف أو تعاضد ومنهم مَن بحاجة إلى تشجيع كي يُتابع المسير ويقوى على متابعة المسير...
فلنقف اليوم مع مريم ويوحنّا قرب الربّ المتألّم لنشبع عينينا من مجده المجروح بالدماء الرّوحيّة التي نسبّبها له بنقص محبّتنا له وللقريب...
فلنخشع أمام عرش الصليب في حضرة الملك السّماوي الّذي "مات فينا" حبًّا فمات حقًّا "من أجلنا ومن أجل خلاصنا"...
فلننظر إلى الصليب الّذي سيفرغ ليصبح علامة نصر الحياة على الموت ونصر المحبّة على الحقد ونصر الرّجاء على اليأس ونصر الإيمان على الشكّ لأنّ هذا الرجل الميت أمامنا هو حقًّا إبن الله الحيّ إلى أبد الآبدين!

إن فكّرنا هكذا، ستكون جمعتنا حقًّا عظيمة لأنّنا سنكون قد غلبنا موتنا بموت المسيح عنّا!
من على الصليب، فتح الربّ لنا من جديد أبواب الملكوت... فهلمّ نقرع الباب ونموت عن كلّ ما يميت الله في حياتنا فنستحقّ أن نقوم معه إلى الحياة التي لا تنتهي! 

::: من وحي الجمعة العظيمة :::

في زَمَنِ الصومِ والآلامِ وَالموتِ وَالقِيَامَةِ هذا، وأَمَامَ شَخصِ المسيحِ الإلهِ الـمُتَجَسِّد في حَرَكَتِهِ التَنَازُلِيَّةِ وَالتَّصَاعُدِيَّةِ عَلى السَّوَاء، نَطرَحُ سِلسِلَةً مِنَ الأَسئِلَةِ حَوْلَ عبثيّة التَجَسُّدِ والموتِ والقيامة.
لِنَقرَأْ سَوِيَّةً وَنَتَأَمَّلَ مِنْ ضِمنِ المعَاني الّتي يَحمِلُها هَذا الزَمَن – الصّوم – بِمَا يُسَمَّى بالعبثية ِأو اللامُبَالِاةِ والفَرَاغ، في مُقَابِلِ التَّسمِيَةِ الّلاهوتِيَّةِ المسيحيَّةِ بِمَا يُعرَفُ بـ"العناية الإلهية".

لِلْمُتَأَمِّلِ المتَعَمِّقِ في المعَاني الوجودِيَّة، أَو بِمعنَى الوجُود، لا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ حَدَثِ المسيح، مَوقِفَ الـمُنْدَهِشِ مِنْ عُمْقِ إتحادِ الطَّبيعةِ الإِلهيَّةِ بالطَّبيعَةِ البَشَرِيَّةِ بالفِعلِ الّذي قَامَ بِهِ المسيحُ بِذَاتِه. وَهَذا التَّأَمُّل بِمَفهومِ الإتِّحَادِ لا بُدَّ لَهُ أَيضًا إلَّا أَنْ يَقودَ إِلى سُلُوكِ الطَّريقِ الّذي يُؤَدّي إِلى مَفَاهيمَ مُطلَقَةً مِثلَ: الحُب، التَّضحِيَة، العِنَايَة، الرَّحمَة، وَالأُبُوَّة وَسِوَاها الكَثير.
كَمَا لا بُدَّ لِلمُتَأمِّلِ الـمُتَعَمِّقِ بِصدقٍ وَشَفَافِيَّة، أَمَامَ حَدَثِ المسيح، إِلَّا أَنْ يَكتَشِفَ وَيُقَدِّرَ فِعْلَ التَّوَاضُعِ الّذي تَحَلَّى بِهِ هَذا الإله - الإِنسان، وَلَا يَزال، بِحيثُ لا يُمكِنُ لِلإنسَانِ مِنْ أَنْ يُدخِلَ إِلَيها، أَوْ أَنْ يَصْبَغَها بِصَبغَةِ مَفهُومِ النِّسبِيَّة، وَلا عَلَى سِوَاهَا مِنَ المفَاهيمِ الإِلَهيَّة.

"الإنسانُ المحدُودُ بِكُلِّ المعَايير، أَمَامَ الإِلَهِ المطلَقِ بِكُلِّ المعَايير". أَمَامَ هَذا كيفَ يَسمَحُ الإِنسَانُ لِنَفسِهِ أَنْ يَختَرِعَ مَفَاهيمَ مِثلَ العَبَثِيَّةِ وَاللامُبَالاةِ وَالـمَاديَّةِ أَمَامَ مَفَاهيمَ مطلَقَةٍ مِثلَ العِنَايَةِ وَالحبِّ وَالتَّضحِيَةِ وَالأُبُوَّةِ وَسِوَاها؟ لَكنْ هذا إِنْ دَلَّ فَإِنَّمَا يَدِلُّ عَلى مَدَى صِغَرِ الإِنسَانِ وَمَحدُودِيَّتِهِ، كَمَا عَلَى جَهْلِهِ وَأَحيانًا عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِمِثلِ هَذِهِ المفَاهيم، لأَسبَابٍ إِمَّا شَخصِيَّة، أَو تَربَويَّة، أَو إجتِمَاعيَّة وَسِوَاها الكثير.
لِنَنْظُر إِلى فِعلِ التَجَسُّدِ بِكَامِلِهِ مِنْ لَحظَةِ الوِلادَةِ حَتّى مَا قَبْلَه، إِلى اليومْ، فَهَلْ نَجِدُ فيهِ مَكانًا لِلعَبَثِيَّةِ أَوْ اللامُبَالَاة؟ لا أَعتَقِد.
هَلْ نَجِدُ فيهِ مَكانًا لِغَيرِ حُبِّ اللهِ لِلإِنسَان؟ لا أَعتَقِد.
هَلْ نَجِدُ في آلامِ السَّيِّدِ المسيحْ غَيرَ فِعلِ رَحمَةٍ وَغُفران؟ لا أَعتَقِدْ. الخ...

إذًا أَينَ هِيَ هَذِهِ العَبَثِيَّة؟
لِنَتَوَقَّفَ إِخْوتي قليلًا بَعدَ أَلفَيْ عامٍ وَنَيِّفْ مِنَ التَّنَازُلِ الإِلَهيّ مِنْ أَنْ نَعتَبرَ أَنفُسَنا قَاصِرِينَ في مَجَالِ الحبّ، أَقزَامًا أَمَامَ فِعلِ الأُلُوهَةِ المتَجَسِّدَة، وَلْنَبْدَأْ مَسيرَةَ الإنفِلاتِ مِنَ المحدُودِيَّةِ إِلى الـمُطلَقِيَّةِ الّتي دُعينَا إِليها، وَلْنُؤْمِنْ أَنَّ مَنْ آَمَنَ بِنَا أَنَّهُ بإستِطَاعَتِنا فِعلُ ذَلكَ، قَدْ سَلَّحَنا بِكُلِّ القِوَى اللازِمَةِ وَأَكثَر. فَلنُحَطِّم صَنَمَ عَدَمِ ثِقَتِنَا بِأَنفُسِنا وَبِهِ، وَلنُحَلِّقْ عَالِيًا في عَالَمِ الأُلُوهَةِ، مُنتَصرينَ مَعَ المسيحِ عَلَى صِغَرِنَا وَمَحدُودِيَّتِنَا، فَيَتَمَجَّدَ بِنَا.

بِإختصَار، نَحنُ مَدعُوّونَ لَيسَ فَقَطْ إِلى كَمَالِ بَشَرِيَّتِنا، وَلَيسَ فَقَطْ إِلَى قَدَاسَتِنا، بَلْ إِلى أَنْ نَكونَ مَسيحًا آخَر، نُبَشِّرُ وَنَتَأَلَّمُ وَنَموتُ وَنَقُومُ مَعَهُ. آمين. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... حين أتأمل بموت الرّب يسوع المسيح على الصليب وقيامته وبحياتي كمؤمنة به وبسرّي العماد والتثبيت أستطيع أن أقول: "في ذاتي شيئان: الموت من خلال الجسد، والحياة من خلال الروح القدس" (رومة 8:8-11). هذه الحياة التي وهبتني إيّاها حين "أسلم الرّب يسوع الروح" تجعلني أُقدّم جسدي لك كما قدّمته العذراء مريم لك، كمادة الشمع للفتيلة التي بداخلها: الفتيلة تشتعل وتعطي نورًا وهّاجًا يُنير الظلمة، والشمع يذوب ويقل ويذوب مُقدّمًا ذاته للفتيلة لتشتعل حبًّا بالله وبالآخرين. أجل، هكذا هي علاقة العذراء مريم مع الرّب يسوع إبنها الإله الّذي تجسّد في رحمها، هو نور العالم، وهي التي جاز سيفًا في قلبها؛ هو يحترق ويُنير وهي تذوب. وهذا هو حال الكنيسة التي تُقدّم ذاتها وتعمل كلّ ما بوسعها ليُنير المسيح في القلوب أجمعين، ولا يبقى أحدًا في ظلام.

ربّي وإلهي ... أتراني أخاف أن أضع النار المتقدة في قلبي، أخاف أن تحرقني وتُذيبني، فأبتعد عنها وأكتفي بالوقوف أمامها بمسافةٍ تكفي فقط للحصول على الدفئ دون أن أُقدّم نفسي لها ليزداد إتِّقادها؟ هل نسيتُ أنّك سرتَ أمام الشعب في البرية في الليل في عمودٍ من نار (خروج 13: 21-22) وأريت مجدك كـ"نارٍ آكلة في رأس الجبل" (خروج 24: 17،)، وذكر بولس الرسول للعبرانيّين [بنو إسرائيل] أنك "نارٌ آكلة" كما قال لهم سابقًا النبي موسى (تثنية الإشتراع 4: 24، عبرانيّين 12: 29)؟! هي نارٌ تُنير الطريق وتمحو الآثام وتُقدّس وتُحيي، فمِمّا أخاف!!

ربّي وإلهي ... يا مَن بروحك القدّوس وضعت الفتيلة بداخل الشمع وأشعلتها فأنارت وفاضت بالنعمة والرحمة على جميع البشر، أنعم علينا نحن المؤمنين بحبّك لنا وتدبيرك الإلهي لخلاصنا بأن نُبقي الفتيلة مُشتعلة ونُريها بأفعالنا وأقوالنا لكلّ مَن لا يزال قابعًا في الظلمة بعيدًا عنك وعن حبّك، ولك الشكر على الدوام، آمين.

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة وتأمل روحي على ضوء الانجيل  

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

 أفكار على ضوء الانجيل

من إعداد

الخوري شارلي عبدالله

https://www.facebook.com/ne7na1


من وحي الجمعة العظيمة
من إعداد
الخوري روجيه بعقليني
https://www.facebook.com/roger.baaklini.7


تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts