الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

الأحد الرابع للفصح
ظهور يسوع للرسل على البحيرة

(21 نيسان 2024)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد، نغرف من الرّسالة والإنجيل تعمّقًا في مفاهيم الإيمان والصّلاة والبركة الإلهيّة.
• في قراءة العهد القديم، نتأمّل في الخلق الّذي تمّ بالكلمة.
• تدعونا رسالة اليوم إلى قبول مشيئة الله في حياتنا والعمل بموجبها فنتقدّس ونقدّس من هم حولنا!
• يروي إنجيل ليتورجيّا اليوم (يوحنا 21: 1-19) ظهورَ يسوع القائم من بين الأموات للرّسل للمرة الثّالثة.
• إنها دعوة موجهة لكل إنسان ليكون تلميذًا وفي الوقت عينه نورًا لكلِّ مَن يبحث عن يسوع. 

::: صـلاة :::

أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك ترشدنا إلى النّور وسط الظلام وإلى الحقيقة وسط الأكاذيب وإلى الغفران وسط الأحقاد لأنّك طريق الحقّ والحياة، لك المجدُ مع أبيك وروحك القدّوس إلى الأبد، آمين. 

:::  العهـد القديـم  :::

20 وقالَ الله: "لِتَعِجَّ المِياهُ عَجًّا مِن ذَواتِ أنَفُسٍ حَيَّة ولْتَكُنْ طُيورٌ تَطيرُ فَوقَ الأرَضِ على وَجهِ جَلَدِ السَّماء".
21 فخَلَقَ اللهُ الحِيتانَ العِظام وكلَّ مُتَحَرِّكٍ مِن كُلِّ ذي نَفْسٍ حَيَّةٍ عَجَّت بِه المِياهُ بِحَسبِ أصنَافِه وكُلَّ طائرٍ ذي جَناحٍ بِحَسبِ أصنافِه. ورأىَ اللهُ أنَّ ذلك حَسَن.
22 وبارَكَها اللهُ قائلًا "إنْمي وٱكثُري وٱملْإِي المِياهَ في البِحار وَلْتكثُرِ الطُّيورُ على الأرَض".
23 وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاح: يَوْمٌ خَامِس.

(سفر التكوين– الفصل 1 – الآيات 20 إلى 23) 

::: أفكار من وحي العهد القديم  :::

التعريف بالكتاب:
سفر التكوين، أول كتب الشريعة الخمسة (التوراة)، هو مجموعة من القصص التي تختلف بالزمان والمكان والأسلوب، بحسب الموضوع المطروح، وبحسب الظروف الّذي كُتِبَت فيها؛ وتتضمن الكثير من النصوص التي ترسم خطًّا تشريعيًّا واضحًا.

ظروف كتابة النص:
إن النص الّذي منه نقرأ هذا المقطع يتّفق أغلب شرّاح الكتاب المقدس على أنه "القصة الأولى للخلق"، وهو نص كهنوتي، أي كتبه الكهنة في ظرف دقيق: سبي الشعب ودمار الهيكل. فعندما دمر البابليون أورشليم بما فيها وسبوا الشعب إلى بابل، دخل الشعب في أزمة إيمان. أمام هذه الأزمة بدأ الكهنة يُنظمون هذا النص الّذي فيه يؤكدون عظمة الله الّذي خلق الكون في سبعة أيام، وفي هذا النص الشاعري لازمة تُعاد بعد كل يوم توحي بأن ذلك النص كان أغنية: «وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاح: يَوْمٌ أول، ثاني، خَامِس...إلخ). هذا المقطع الّذي يُقرأ على مسامعنا في هذا الأحد يشرح ما خلق اليوم في اليوم الخامس.

مضمون النص:
مضمون النص يمتاز ببساطة كبيرة: قال الله وأمر بأن تمتلئ البحار بالأسماك والأرض والسماء بالطيور... ولكن الكلمة الأهم في هذا النص هي: وقال الله... سنشرحها في الفقرة اللاحقة.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
اللاعب الأساسي في القراءات الثلاث لهذا الأحد هي كلمة الله: "وقال الله"...
هذه الكلمة التي كانت مع الله منذ الأزل،
بهذه الكلمة خلق الله الكون،
وهذه الكلمة صارت بشر،
وهذه الكلمة المتجسدة تألمت وماتت وقُبِرَت وقامت من الموت،
إنها الكلمة المنتصرة على العدو الأكبر الّذي هو الموت هي التي تجعلنا كاملين في كل صلاح،
وهذه الكلمة الحية التي بها جعل الله البحار تعج بالأسماك، هي التي قامت ونادت وأمرت الرسل وملأت الشباك بالأسماك،
والكلمة عينها هي التي أعطت ذاتها خبزًا مكسورًا...

خاتمة تطبيقية:
لنتمسك بالكلمة، فنكون معها منتصرين على موتنا. 

::: الرسالة :::

18 صَلُّوا مِن أَجْلِنَا، فَإِنَّنَا واثِقُونَ أَنَّ ضَمِيرَنَا صَالِح، ونَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَسْلُكَ مَسْلَكًا حَسَنًا في كُلِّ شَيء.
19 وأَطلُبُ إِلَيكُم بإِلْحَاحٍ أَنْ تَفْعَلُوا ذلِكَ، حَتَّى يَرُدَّنِي اللهُ إِلَيْكُم سَرِيعًا!
20 وإِلـهُ السَّلام، الَّذي أَصْعَدَ مِنْ بَينِ الأَمْوَاتِ رَبَّنَا يَسُوع، رَاعِيَ الـخِرَافِ العَظِيمَ بِدَمِ عَهْدٍ أَبَدِيّ،
21 هُوَ يَجْعَلُكُم كَامِلِينَ في كُلِّ صَلاح، لِتَعْمَلُوا بِمَشيئَتِهِ، وهُوَ يَعْمَلُ فينَا مَا هُوَ مَرْضِيٌّ في عَيْنَيه، بِيَسُوعَ الـمَسِيح، لهُ الـمَجْدُ إِلى أَبَدِ الآبِدِين. آمين.
22 وأُنَاشِدُكُم، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنْ تحْتَمِلُوا كَلامَ التَّشْجِيع، فَإِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكُم بإِيْجاز!
23 إِعْلَمُوا أَنَّ أَخَانَا طِيمُوتَاوُسَ قد أُخْلِيَ سَبِيلُهُ. فَإِنْ أَسْرَعَ في مَجِيئِهِ، سَأَذْهَبُ مَعَهُ وأَرَاكُم.
24 سَلِّمُوا عَلى جَمِيعِ مُدَبِّرِيكُم وجَمِيعِ القِدِّيسِين. يُسَلِّمُ عَلَيكُم الإِخْوَةُ الَّذِينَ في إِيطالِيا.
25 النِّعْمَةُ مَعَكُم أَجْمَعِين!

(الرّسالة إلى العبرانيين– الفصل 13– الآيات 18 إلى 25)+

::: أفكار من وحي الرسالة :::

تحوي الرّسالة إلى العبرانيّين الكثير من المقاربات الفكريّة واللاهوتيّة الساعية إلى تقريب الجماعة اليهوديّة من الجماعة المسيحيّة النّاشئة، ولكن ليس على حساب جوهر الإيمان بالمسيح يسوع كإبن لله وكمخلّص للبشريّة.
في الأحد الرابع في زمن الفصح، نتأمّل في هذه القراءة من الرسالة إلى العبرانيين التي ستتيح لكلّ واحد أن يفحص قلبه وروحه بشفافيّة ليعرف مدى إلتزامه بتعاليم الربّ يسوع!
لا شكّ في أنّ الصلاة تشكّل ركنًا أساسيًّا من أركان الحياة الروحيّة المسيحيّة، بكونها وسيلة التواصل والتخاطب والحوار ما بين الله والإنسان المؤمن.
كثيرًا ما يطلب النّاس الصلاة من أجلهم أو من أجل أناسٍ آخرين بحاجة لها!
هذا الطلب معناه أنّ الصلاة هي لغة تخاطب ما بين النّاس حتّى إنّها تعبّر عن مكنوناتهم أو عن إهتمامهم ببعضهم البعض إضافةً إلى كونها لغة التخاطب مع الله!
تعبير "صلّوا من أجلنا" يؤشّر إلى التضامن الإجتماعيّ ما بين النّاس فليس كلّ ما يحتاجه النّاس ماديًّا فكثيرةٌ الأمور التي تعجز المادّة والنّاس عن شرائها...
يعجز المال عن شراء المحبّة ويعجز عن شراء الوفاء كما يعجز عن شراء الولاء الحقيقي ويعجز طبعًا عن زرع إبتسامة على ثغر حزين مهما بلغت ثروته!
أمّا الصلاة فتكسر حلقة الأنانيّة عبر إنفتاح القلب على الله وإنفتاح الذهن والبصيرة على حاجات الآخرين!
قد لا يتحقّق ما نطلبه في الصلاة بالمعنى الفعليّ، ولكن، بأقلّ تعديل، سيتحقّق تواصلٌ إنسانيٌّ مع الله ومع الآخرين ممّا يعوّض مرارة الوضع بالتضامن والتعاطف!
هذا يقودنا إلى ما ورد أيضًا في مطلع الرسالة: "فَإِنَّنَا واثِقُونَ أَنَّ ضَمِيرَنَا صَالِح"!
كثيرون يدّعون إنّهم بلا خطيئة رغم أن حياتهم لا تعكس عيشهم "مَسْلَكًا حَسَنًا في كُلِّ شَيء" لا بل يفضّلون الإستمرار في الخطأ مقدّمين آلاف الحجج على ذلك، ولا يجرؤون على الإقرار بضرورة تغيير حياتهم، كما فعل يسوع مع الرّسل حين حوّلهم من صيّادي سمك إلى صيّادي بشر!
لا يمكن أن يكون الضمير صالحًا حين يكون بعيدًا عن الله حتّى بالنسبة لأبسط قواعد الحياة الاجتماعيّة الواردة في المثل القائل: "قلْ لي من أعاشر، أقلْ لك من أنت!".
ليس معنى هذا أنّ الصالحين هم فقط من يذهبون إلى الكنيسة، بل ما يجب عليه أن يكون الّذين يذهبون إليها دوريًّا، أي أن "معشر الله" يفترض أن يظهر في تصرّفاتهم وفي ردّات فعلهم وفي حرصهم على عدم التسبّب في إبعاد من كانوا بعيدين أساسًا. وهو ما لمّح إليه الكاتب بالقول: «ونَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَسْلُكَ مَسْلَكًا حَسَنًا في كُلِّ شَيء".
إرادتنا هي التي تتيح للربّ بأن يحقّق مشيئته فينا وفق ما قال القدّيس أوغوسطينوس: "إنّ الله الّذي خلقنا من دون إرادتنا، لا يستطيع تخليصنا إلّا بإرادتنا"!
فما يريده الربّ لنا لا يمكنه أن يتمّ من دون قبولنا له كخيرنا الأعظم... وإن بدا في بعض الأحيان صعبًا أو قاسيًا في المقاييس العاطفيّة أو الإنسانيّة أو حتى الماديّة...

في مطلق الأحوال، الله محبّة والمحبّة خيّرة وما تريده المحبّة لا يمكن أن يكون إلّا خيرًا حتّى لمن لا يفهمها أو يُقدّرها!
وعليه، تدعونا رسالة اليوم إلى قبول مشيئة الله في حياتنا والعمل بموجبها فنتقدّس ونقدّس من هم حولنا! 

::: الإنجيل :::

1 بَعْدَ ذلِك، ظَهَرَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ مَرَّةً أُخْرَى عَلى بُحَيْرَةِ طَبَرَيَّة، وهـكَذَا ظَهَر:
2 كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُس، وتُومَا الـمُلَقَّبُ بِالتَّوْأَم، ونَتَنَائِيلُ الَّذي مِنْ قَانَا الـجَلِيل، وإبْنَا زَبَدَى، وتِلْمِيذَانِ آخَرَانِ مِنْ تَلامِيذِ يَسُوع، مُجْتَمِعِينَ مَعًا.
3 قَالَ لَهُم سِمْعَانُ بُطْرُس: "أَنَا ذَاهِبٌ أَصْطَادُ سَمَكًا". قَالُوا لَهُ: "ونَحْنُ أَيْضًا نَأْتِي مَعَكَ". فَخَرَجُوا وَرَكِبُوا السَّفِينَة، فَمَا أَصَابُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ شَيْئًا.
4 ولَمَّا طَلَعَ الفَجْر، وَقَفَ يَسُوعُ عَلى الشَّاطِئ، ولـكِنَّ التَّلامِيذَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ يَسُوع.
5 فَقَالَ لَهُم يَسُوع: "يَا فِتْيَان، أَمَا عِنْدَكُم قَلِيلٌ مِنَ السَّمَك؟". أَجَابُوه: "لا!".
6 فَقَالَ لَهُم: "أَلْقُوا الشَّبَكةَ إِلى يَمِينِ السَّفِينَةِ تَجِدُوا". وأَلقَوْهَا، فَمَا قَدِرُوا عَلى إجْتِذَابِهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَك.
7 فَقَالَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُس: "إِنَّهُ الرَّبّ". فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبّ، إِتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في البُحَيْرَة.
8 أَمَّا التَّلامِيذُ الآخَرُونَ فَجَاؤُوا بِالسَّفِينَة، وهُمْ يَسْحَبُونَ الشَّبَكَةَ الـمَمْلُوءَةَ سَمَكًا، ومَا كَانُوا بَعِيدِينَ عَنِ البَرِّ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَي ذِرَاع.
9 ولَمَّا نَزَلُوا إِلى البَرّ، رَأَوا جَمْرًا، وسَمَكًا عَلى الـجَمْر، وخُبْزًا.
10 قَالَ لَهُم يَسُوع: "هَاتُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذي أَصَبْتُمُوهُ الآن".
11 فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ إِلى السَّفِينَة، وجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلى البَرّ، وهِيَ مَمْلُوءَةٌ سَمَكًا كَبِيرًا، مِئَةً وثَلاثًا وخَمْسِين. ومَعَ هـذِهِ الكَثْرَةِ لَمْ تَتَمَزَّقِ الشَّبَكَة.
12 قَالَ لَهُم يَسُوع: "هَلُمُّوا تَغَدَّوا". ولَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ التَّلامِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: "مَنْ أَنْت؟"، لأَنَّهُم عَلِمُوا أَنَّهُ الرَّبّ.
13 وتَقَدَّمَ يَسُوعُ وأَخَذَ الـخُبْزَ ونَاوَلَهُم. ثُمَّ فَعَلَ كَذلِكَ بِالسَّمَك.
14 هـذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ فيهَا يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ بَعْدَ أَنْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.

(إنجيل يوحنا – الفصل 21– الآيات 1 إلى 14) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

"يَا فِتْيَان، أَمَا عِنْدَكُم قَلِيلٌ مِنَ السَّمَك؟"

في الظهور الثالث ليسوع على تلاميذه في بحيرة طبريا تجلّت قدرته على قيادة مَن يُحب ومَن أتى لتكون لهم الحياة ومَن بذل نفسه من أجل خلاصهم.
تجلّت قدرته في تحويل الفشل إلى نجاح من خلال التوجه إلى يمين السفينة وإلقاء الشباك. واليمين هو جهة الخراف الّذين باركهم الربّ "ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ." (مت 25: 34).
التوجّه إلى اليمين هو "خيار" إنساني بإمتياز ينطلق من الحرية ويتجه إلى العمق فتحصل الإعجوبة وتكون الخاتمة بالشبع، وليس "فرضًا" على طريقة الأمر بالمعروف لتحقيق شعائر أو حفظ عقائد أو تطبيق وصايا سطحية خارجية لا تطال جوهر الانسان.
بدايةً نجد التلاميذ يتبعون بطرس إلى الصيد (قَالَ لَهُم سِمْعَانُ بُطْرُس: «أَنَا ذَاهِبٌ أَصْطَادُ سَمَكًا». قَالُوا لَهُ: «ونَحْنُ أَيْضًا نَأْتِي مَعَكَ».)، لهم فيه ثقة فتبعوه دون تردد، لكنهم أمضوا الليل كله دون أن يصيبوا شيئًا. عادوا وشباكهم فارغة وبطونهم فارغة وعقولهم فارغة.
مع بطرس عملوا حسب القدرات البشرية، لكن دون جدوى. بالطبع هذا حال كل من يتبع بشرًا لن يجد لنفسه سوى الخيبة. لم يقودهم بطرس إلى جهة اليمين حيث الصيد الوفير، قادهم إلى حيث "هو" موجود وليس إلى حيث "الله" موجود. هو إعتاد على الشريعة ويعرف الوصايا فإذا طبّقها نال الخلاص. تلك الشريعة لم تغيّر بطرس والدليل أنه لا زال عريانًا ("فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبّ، إِتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في البُحَيْرَة".)
ماذا يعني أن يكون الإنسان عاريًا؟ أي أنه وصل إلى الفراغ لا بل إلى الموت دون أن يُدرك النهار، فيشعر أنه غير ذي منفعة ولا معنى من وجوده فيلقي بنفسه في البحيرة أي إلى الموت. لنعلم أن كل "شريعة" دينية لا تتبنى منطق "الحبّ الأعظم" تحطّم الإنسان من الداخل وتعرّيه من إنسانيته فيتحوّل إلى لوحٍ خشبي يابس أولى وحشٍ بشري مفترس.
يسوع يدعو ولا يأمر، يرافق ولا يُهيمن، معه يتغير كل شيء لمصلحة الإنسان الجائع والخائب والمائت.
تدخل حين إنتهى الليل وبزغ الفجر، إنتظرهم عند الشاطىء (إنتهى عملهم). هو يحترم إرادة الانسان إلى حدّ بعيد. فالرّب ليس مديرًا تنفيذيًّا لمشروع أو شركة أو مملكة وليس قائدًا يُتابع سير المعركة عن بعدٍ فيما الجنود يموتون، وليس "داعيةً" يُنظّر على المنابر فيما الناس يُعانون الأوجاع.
سألهم يسوع إن كانوا يملكون بعض السمك وهو يعلم أن أياديهم فارغة وشباكهم أيضًا وهم جائعون عملوا طوال الليل ولم يُدركوا الفجر. (فَقَالَ لَهُم يَسُوع: «يَا فِتْيَان، أَمَا عِنْدَكُم قَلِيلٌ مِنَ السَّمَك؟». أَجَابُوه: «لا!»)
حتى القليل لا يملكون. وهم بالتالي "فتيان" أو مراهقون والفتى هو "الشابُّ أوَّلَ شبابه بين المراهقة والرُّجولة" لم يبلغ سنّ الرشد والنضج الانساني.
حين حلّ الفجر وطلع النهار تدخّل يسوع، وكأن الإنسان يعيش ليلاً طويلاً في غربته عن الله ولا تشرق شمس نهاره إلا في حضوره.
طلب منهم يسوع أن يُلقوا الشبكة على يمين السفينة («أَلْقُوا الشَّبَكةَ إِلى يَمِينِ السَّفِينَةِ تَجِدُوا»)، أطاعوه دون أي إعتراض فوجدوا سمكًا كثيرًا. لم يطلب منهم الذهاب بعيدًا في وسط البحيرة، أو تغيير الشبكة أو تبديل السفينة. ولم يُلقي اللوم على أحدٍ منهم، أرشدهم إلى حيث الحياة والحياة على يمينهم لكنهم لم يُدركوها.
قبل أن يتدخل يسوع القائم من الموت كان كلٌ منهم يصطاد لنفسه، فتتضارب المصالح والرغبات ويفشل الجميع. لكن يسوع يوحّد الإنسان في ذاته ويجعله منسجمًا مع نفسه ومتكاملاً مع الجماعة البشرية فينجح ويفرح ويشبع مع الكل.
لا يمكن أن تكون برفقة يسوع "جهة اليمين" وتبقى شباكك فارغة بل مليئة بالخيرات. سيفهم بطرس ومعه التلاميذ وجميع من يسمعون صوته عبر التاريخ كيف يتحول المشهد من "الفراغ" إلى "الإمتلاء" من نعم السماء ("فَجَاؤُوا بِٱلسَّفِينَة، وهُمْ يَسْحَبُونَ الشَّبَكَةَ المَمْلُوءَةَ سَمَكًا".)
هذا الفيض من النِعم لم يُكلّف التلاميذ الكثير من التعب ("ومَا كَانُوا بَعِيدِينَ عَنِ البَرِّ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَي ذِرَاع"). غيّروا فقط الإتجاه فحصلوا على وجبة غنيّة بالحب على شاطىء تلك البحيرة.
والمفارقة الجميلة أن الطاهي هو يسوع "خادم الحبّ" بإمتياز الّذي ينتظر كلًّ منّا على شاطىء الحياة (ولَمَّا نَزَلُوا إِلى البَرّ، رَأَوا جَمْرًا، وسَمَكًا عَلى الجَمْر، وخُبْزًا) يدعوه مع مَن معه إلى الإمتلاء بعد جوع مضني قائلاً: «هَلُمُّوا تَغَدَّوا».

«ونَحْنُ أَيْضًا نَأْتِي مَعَكَ» يا رب لأن يدك تحملنا وتحمينا، لأن يدك "كالت المياه وقاست السموات" (أشعيا 40: 12)... لأن يدك "تجمع الحملان، تحملها قريبة من قلبك، وتقودها برفق" (اشعيا 40: 11)  

::: تــــأمّـل روحي  :::

فجرٌ جديد

في عمق البحيرة، قُلةً من التلاميذ المهزومين والمحطَّمة آمالهم، المحزونين، المنكسيري القلبِ لِموت مَن تركوا كلّ شيءٍ وراءهم ليتبعوه، يسوع، وها هم يعودون معًا إلى موطنهم ومهنهم القديمة بعد أن خسروا المعركة وكأن شيئًا لم يكن ممّا كان.
عادوا هذه المرّة معًا محاولين أن يتماسكوا، أن يتضامنوا في المحنة فيقف واحدهم بجانب الآخر ليجدوا لهم صيغة حياةٍ يوميةّ تشبه بظاهرها البشري تلك التي قضوها معًا في السنوات الثلاث التي خلت، أمّا جوهرها فهو حبٌ مجروح وحنانٌ دفين لم يستطيعوا بعد إكتشاف إسمهما. لكن حتّى الليل لم يرد أن ينزع عنهم نير ظلمة اليأس، فلم يترك لهم حتّى التعزية بسمكةٍ يصطادونها بعد جهادٍ طويلٍ مع البحر والشباك طيلة ساعات.

مع أواخر الليل المظلم وأوّل خيوط الفجر، شخصٌ ما لم يعرفوه على حافة الشاطئ ينظر نحوهم يُشاهد ما يحدث، غريبٌ، يأمرهم بإلقاء الشباك إلى الجانب الأيمن من السفينة، وكأنّه بهذه الحركة يلفت إنتباههم إلى "جنبِ" الحياة الجديدة التي سيولدون فيها من جديد: "جنبِ اليمين الّذي خرج منه دم وماء" على الصليب، دم وماء الحياة للبشرية كلّها وأوّلهم، من شاركوه خطوات مسيرة حياته العلنية وتقاسموا معه الخبز، الحلو والمرّ من على نهر الأردن وعرس قانا الجليل حتّى الصليب:
• لهؤلاء، أعلن طلوع الفجر الجديد، لهؤلاء ولنا الّذين غالبًا ما نشبههم في ضيقنا حين نفتكر أنّ الله تخلّى عنّا - أو أقولها بطريقة أخرى: تراودنا فكرة أنّه نكس بوعده معنا - قدّم بصمت هذه العطيّة التي لم تسمع بها أذنٌ من قبل قيامته ولم يصدقها قلبٌ تحجّر من كثرة الألم أو التعصّب وغيره.
• ولهؤلاء ولنا كانت وستكون مدى الدهر هذه العطية، هناك، معنا على الموعد في كل وليمةٍ حول الإفخارستيا، وسننالها حتّى ولو عن غير إستحقاق سوى لفتة الثقة بالجنب اليمين ورحمته الإلهية. أمّا رمي شبكتنا فكثيرًا ما توقفها ردّات فعلنا البشرية لنبقى على مستوى الواجب الخالي من أيّ حياة.
• لهؤلاء ولنا دعوة يسوع إلى الحياة هذه موجّهة لنا: العمل في حقل الحياة داخل هذا الفجر الجديد النورانيّ القياميّ، فهو قد منحنا إمتياز إلتصاقنا به وبعمله الخلاصي بكل الحبّ من خلال مشاركته "الغذاء" الّذي أعدّه لنا مسبقًا بنار قلبه بالإضافة إلى القليل مما حملته شباكنا ("هاتوا قليلًا من السمك الّذي إصطدتموه.
• ولهؤلاء ولنا اليوم يفتح البصيرة منّا على الشركة معه، لأنّنا عبثًا نسعى لملئ شباكنا بقوّتنا الذاتيّة دون نعمته، دون أن نثق به ونتركه يقودنا ويرشدنا بروحه، دون أن نسمع ما يطلبه منا ونعمل به بتواضع الفرح.

في الختام ليس هناك "أجمل من أن يجتمع الإخوة معًا" متضامنين حول الكلمة القدّوس، بكلّ بساطة القلب، في شركة تقاسم ثمار الحبّ، إشباع الجوع، إراحة التعب، إفراح الحزن حتّى يلقي بذاته بين يديه، مؤمنين أن ذاك الغريب على شواطئنا الداخلية ما هو إلّا وجه يسوع الحبيب القائم من بين الأموات ينتظر قبولنا الدعوة. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... دخلتُ في نقاشٍ مع أحدهم بشأن قلة تبشيرنا بالخلاص بالرّب يسوع إذ إعتقد هذا الشخص بأنه مع إنتشار وسائل الإتصال الألكترونية فلا بدّ للجميع في هذه الأيام أن يكونوا قد سمعوا عن شخص "الرّب يسوع المسيح" فلا داعٍ للتبشير، وحاولت أن أُفهمه بأن هذا الكلام غير صحيح إذ ما يزال الكثير الكثير ممّن لم يسمعوا ولا يعرفوا مَن هو الرّب يسوع بل ويجهلوك أيضًا. أنا شخصيًّا لا أعرف كلّ المشاهير في كلّ المجالات في العالم على الرغم من أنّ المعلومات عنهم متوفرة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلقد تعرّفتُ على أشخاصٍ لم يسمعوا عن الرّب يسوع إلا بعد أن أدخلوا أبناءهم لمدارس كاثوليكية لأنها كانت مدارس جيّدة من ناحية التدريس ورأوا أبناءهم يُصلّون قبل تناول الطعام والنوم وهذا الشيء جذبهم للتعرف أكثر عن هذه الممارسات والإيمان المسيحي فدخلوا دورة لإعدادهم وشرح الإيمان وتُرك لهم حرية الإختيار بالإيمان والمعمودية بإسم الآب والإبن والروح القدس والتثبيت وتناول القربان المقدّس فأحبّوك وقالوا "نعم، نؤمن" فأصبحوا من أبناءك وإشتركوا مع بقية المؤمنين في تسبيحك وتناول الوليمة المقدّسة.

ربّي وإلهي ... لم يصطد التلاميذ أيّ سمكٍ من البحر بشبكهم القديم (يوحنا 21: 2-3) وكأن البحر قد أُفرِغ من السمك، إلا أنّ الرّب يسوع أثبت لهم غير ذلك، وأنّ البحر ما زال يحمل بداخله الكثير الكثير منه، وإنّه بالإمكان إصطياده. هذا الحدث هو ما يزال قائم في يومنا هذا، وما زال هناك الكثير من الصيد ينتظر أن يُصطاد بشباك/كلام/أفعال المؤمنين بك [أي ثمار مواهب الروح القدس]، إذ كيف لهم أن يؤمنوا دون أن يسمعوا ويفهموا، أو كيف لهم أن يُخرَجوا من البحر دون صنارة أو شبكة؟! أنعم علينا أن نسمع ونفعل بحسب كلمتك فيعمل فينا روحك القدّوس ليتم الخلاص للجميع ولا ندع اليأس أو إعتقادنا بأنّ الجميع قد بُشِّر بأنْ نتوقف عن التبشير وإخراج الآخرين من الظلمة للنور وإطلاق سراحهم من أسر الخطيئة للقداسة، من العيش من دونك للعيش معك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)

1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ، كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار … (صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين، منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي. أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة، الصلاة وأفكار من الرّسالة  

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

أفكار من الانجيل 

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/KamelYoussefKamel

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس