الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

الأحد السادس للفصح
ظهور يسوع للرسل في العليّة  

(5 أيار 2024)

::: مـدخــل :::

• في الأحد السّادس من زمن الفصح، نتأمّل في الإيمان وفي الأثر الّذي يتركه في حياتنا.
• مع العهد القديم، نجد في النصّ، تشجيعَين: تشجيع للشعب كلّه على لسان موسى وتسمية يشوع بن نون قائدًا وتشجيع يشوع بن نون على لسان موسى كي يتشدّد، في سبيل تمام ذلك الطريق الطويل نحو الحرية.
• شبّه بولس الجماعة بالجسد وإستبدل الأفراد بالأعضاء وفي ذلك حكمة إلهيّة. فهل كلّ جماعة تجسّد حضور الله؟! وهل كل الأفراد هم أعضاء فيها؟!
• في إنجيل اليوم، نتأمّل كيف أنّه لا أحد يستطيع عيش السلام الداخلي دون اضطراب وقلق وخوف في كل الظروف إذا لم يكن ممتلئًا من الروح القدس، فهو عطية مجانية لكل مَن كرّس نفسه للحب الأعظم.
• نصلّي كي نكون أقوياء في إيماننا فنشعر كلّ يومٍ أكثر بحضور الربّ في حياتنا. 

::: صـلاة :::

أيها الرّب يسوع المسيح، يا مَن بدَّدت خوف تلاميذك حين ظهرت في وسطهم، وبجراحاتك شفيت جراحات شكوكهم. تعال الآن إلى قلوبنا وبدِّد ضعف خوفنا وقلقنا وإمنحنا سلامك الّذي يقوِّنا لكي نكون "شهودًا" لقيامتك ولخلاصك. فنشكرك ونبارك إسمك القدوس وإسم أبيك وروحك القدوس الآن وإلى الأبد، آمين. 

:::  العهـد القديـم  :::

1 ومضى موسى وكَلَّمَ إِسْرائيلَ كُلَّه بِهٰذا الكَلامِ، وقالَ لَه:
2 «أَنا اليَومَ ٱبنُ مِئَةٍ وعِشْرينَ سَنَة، فلم أَعُدْ أَستَطيعُ الخُروجَ والدُّخول، وقد قالَ لِيَ الرَّبّ: إِنَّكَ لن تَعبُرَ هٰذا الأُردُنّ.
3 فالرَّبُّ إِلٰهُكَ يَعبُرُ أَمامَكَ، وهو يُبيدُ تِلكَ الأُمَمَ مِن أَمامِكَ فتَرِثُها، ويَشوعُ هو يَعبُرُ أَمامَكَ، كما قالَ الرَّبّ.
6 فتَشَدَّدوا وتَشَجَّعوا ولا تَخافوا ولا تَرتَعِدوا أَمامَها، فإِنَّ الرَّبَّ إِلٰهَكَ هو السائِرُ معَكَ ولا يُهمِلُكَ ولا يَترُكُكَ».
7 ثُمَّ دعا موسى يَشوعَ وقالَ لَه أَمامَ عُيونِ إِسْرائيلَ كُلِّه: «تَشَدَّدْ وتَشَجَّعْ، فإِنَّكَ أَنتَ تُدخِلُ هٰذا الشَّعبَ الأَرضَ الَّتي أَقسَمَ الرَّبُّ لِآبائِهم أَن يُعطِيَهم إِيَّاها، وأَنت تُورِثُهم إِيَّاها.
8 والرَّبُّ هو السائِرُ أَمامَكَ، وهو يَكونُ معَكَ ولا يُهمِلُكَ ولا يَترُكُكَ، فلا تَخَفْ ولا تَفزَعْ».
9 وكَتَبَ موسى هٰذه الشَّريعة، وسَلَّمَها إِلى الكَهَنَةِ بَني لاوي، حامِلي تابوتِ عَهْدِ الرَّبِّ، وسائِرِ شُيوخِ إِسْرائيل.

( سفر تثنية الإشتراع – الفصل 31 – الآيات 1 إلى 3 و 6 إلى 9) 

::: أفكار من وحي العهد القديم  :::

التعريف بالكتاب:

لقد حمل هذا السفر كلمة "تثنية" بسبب إعادته للشريعة الأولى. إنه نصٍّ ثانٍ للشريعة نفسها التي أعطاها الله لموسى على جبل سيناء. فالشريعة الأولى الواردة في سفر الخروج على جبل سيناء، أُعطِيَت مرة ثانية على شكل خطاب يُلقيه موسى على جبل مؤاب، شرقي البحر الميت، المشرف على أرض الميعاد. وكأننا نسمح لذواتنا بأن نقول: الشريعة الأولى أعطاها الله في بداية طريق الصحراء التي دامت أربعين عامًا، والتثنية أعطاها الله بعد أربعين عامًا في نهاية الطريق.

ظروف كتابة النص:
هذا النص يُخبرنا كيف أن الله قال لموسى -الّذي صار عجوزًا- بأنه لن يدخل مع الشعب إلى أرض الميعاد، بل سيدخل معه شخص آخر هو يشوع بن نون. في ذلك سؤال يُسبب الحيرة: كيف لله أن يدعو موسى للقيام بكل ما فعله، ولدعوة شعب إسرائيل إلى الحرية في أرض الميعاد، وفي نهاية الطريق، لا يدعه يُكمل الهدف، إنما يُكمله شخص آخَر؟
للإجابة على هذا السؤال نكتشف سوية حكمة الله الفائقة: الشعب ما زال حديث الإيمان، لذلك، إن دخل موسى معه إلى الأرض، سيقول للأجيال اللاحقة بأن موسى هو مَن أتى بهم من مصر، وليس الله. بوقوف موسى عند مشارف الأرض الموعودة، وموته هناك، وإختفاء قبره، وعدم دخوله إلى الأرض، جعل الله للشعب درسًا بأن المشروع الخلاصي هو إلهي، وليس مشروع موسى، ومشروع الله لا يتوقف على شخص بل على منطق ورسالة ومسيرة.

مضمون النص:
في هذا النص تشجيعَين:
1- تشجيع الشعب: لقد شجع الله الشعب كلّه على لسان موسى وسمى يشوع بن نون قائدًا، وعزّاه وشدِّده.
2- تشجيع يشوع بن نون: شجع الله يشوع على لسان موسى ليُشدِّده، ويساعده على إتمام ذلك الطريق الطويل نحو الحرية.
في النهاية كتب موسى هذه الشريعة وسلّمها للكهنة وشيوخ إسرائيل لتصبح دستورًا يسير عليه كل مؤمن.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
في رسالته إلى أهل روما يقول بولس الرسول عن بني إسرائيل ما حرفيته: «أَنَا أَشْهَدُ لَهُم أَنَّ فيهِم غَيْرَةً لله، وَلكِنْ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ صَحيحَة. فقَدْ جَهِلُوا بِرَّ الله، وحَاوَلُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِم، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ الله؛ لأَنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا هِيَ المَسِيح، لِكَي يَتَبَرَّرَ بِهِ كُلُّ مُؤْمِن. وقَدْ كَتَبَ مُوسَى عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقَال: «مَنْ يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يَحْيَا بِهَا».» هذا ما نراه في النص الّذي قرأناه في سفر تثنية الإشتراع: سلم موسى الشريعة للجميع ليكون الله هو الهدف، فنسي الشعب الهدف الحقيقي وصار هدفه تحقيق للشريعة بحرفيتها القاتلة.
لذلك، عندما ظهر يسوع على تلاميذه وبدّد منهم الخوف وعزّاهم وشجعهم، نقرأ: «حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب. ثُمَّ قالَ لَهُم: «هكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ المَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث. وبِإسْمِهِ يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم. وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.». فالمعرفة الصحيحة لله إكتملت بيسوع الّذي بذل ذاته ومات وقام ليُعطي البشر الحرية الكاملة: القيامة والحياة.

خاتمة تطبيقية:
إيّانا والغيرة في تطبيق الشريعة، ففي ذلك معرفة غير صحيحة لله! نحن مدعوّون لقبول الخلاص بيسوع الّذي بذل ذاته عنا، فأعطانا التبرير والحياة الأبدية. فهل نحن شهود على ذلك الحب العظيم؟ 

::: الرسالة :::

1 أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنَّ بُغْيَةَ قَلْبي وتَضَرُّعِي إِلى اللهِ مِنْ أَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَخْلُصُوا.
2 فأَنَا أَشْهَدُ لَهُم أَنَّ فيهِم غَيْرَةً لله، وَلـكِنْ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ صَحيحَة.
3 فقَدْ جَهِلُوا بِرَّ الله، وحَاوَلُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِم، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ الله؛
4 لأَنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا هِيَ الـمَسِيح، لِكَي يَتَبَرَّرَ بِهِ كُلُّ مُؤْمِن.
5 وقَدْ كَتَبَ مُوسَى عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقَال: "مَنْ يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يَحْيَا بِهَا".
6 أَمَّا عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الإِيْمَانِ فَيَقُول: "لا تَقُلْ في قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلى السَّمَاء؟"، أَيْ لِيُنْزِلَ الـمَسِيحَ مِنَ السَّمَاء.
7 ولا تَقُلْ: "مَنْ يَهْبِطُ إِلى الـهَاوِيَة؟"، أَيْ لِيُصْعِدَ الـمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
8 بَلْ مَاذَا يَقُول؟ "الكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، في فَمِكَ وَقَلْبِكَ"، أَيْ كَلِمَةُ الإِيْمَان، الَّتي نُنَادِي بِهَا.
9 فَإِنِ إعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبّ، وآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، تَخْلُص.
10 فالإِيْمَانُ بِالقَلْبِ يَقُودُ إِلى البِرّ، والإعْتِرَافُ بِالفَمِ يَقُودُ إِلى الـخَلاص؛
11 لأَنَّ الكِتَابَ يَقُول: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لا يُخْزَى".
12 فلا فَرْقَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ ويُونَانِيّ، لأَنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفْسُهُ لِجَميعِهِم، يُفِيضُ غِنَاهُ عَلى جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ.
13 فَكُلُّ مَنْ يَدْعُو إسْمَ الرَّبِّ يَخْلُص.

( الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 10 – الآيات 1 إلى 13) 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

في هذا الأحد، نتأمّل مع الكنيسة في هذه القراءة من الرسالة إلى أهل روما حيث يدعونا مار بولس إلى التنبّه بأنّ "الغيرة لله" لا تنفع الإنسان المؤمن إن لم تقترن ﺒ"معرفة صحيحة" تستند إلى "الإيمان بالقلب" الّذي "يقود إلى البرّ" ويؤدّي إلى "الإعتراف بالفمّ" الّذي بدوره "يقود إلى الخلاص".

كلمة "الغيرة" كلمة ملتبسة جدًّا وغالبًا ما تُفهَمُ بمعنى الغيرة من أحدهم لإمتلاكه ميزةً أو شيئًا نفتقده لدينا أو نرغب في إمتلاكه أو حيازته.
ولكنّ الغيرة هنا لا تأتي بهذا المعنى بل المقصود بها "الغيرة لله" أي الحماسة لله ولتعاليمه ولطرقه.
تنطبق هذه الآية على الكثير من المسيحيّين في عالم اليوم إذ يتمتّعون بغيرة كبيرة لله ولكنّها تقودهم أحيانًا بعيدًا عن درب الإنتماء إلى الكنيسة لأنّ غيرتهم لا تستند إلى معرفة صحيحة بل إلى معرفة جزئيّة أو ربّما مغلوطة تغذّي فيهم إجمالاً روح التعصّب والإنغلاق بإسم الله أو الدين والأدهى هو حين تبيح لهم العنف الماديّ أو المعنويّ بإسم الحميّة أو الدفاع عن الدين.
ما من خطأ في أن يكون للإنسان المسيحيّ "غيرةٌ" على الإيمان ولكن من أكبر الأخطاء أن تتحوّل هذه الغيرة إلى تشدّد يُضحي خطرًا على شهادتنا ورسالتنا الّتي تدعو النّاس إلى التوبة إلى الله وليس إلى مجرّد تصنيفهم وفقًا لقناعاتهم!
فالهدف الأهمّ هو أن نقود النّاس إلى الخلاص الّذي هو معرفة الربّ يسوع المسيح معرفةً وثيقة وعميقة تغيّر جذريًّا قلوبهم وحياتهم بالمحبّة والغفران!
يوضح مار بولس في هذا المقطع خريطةً واضحة للطريق: الإيمان بالقلب الّذي يقود إلى البرّ!
الإيمان هو تقبّل محبّة الله وحضوره في حياتنا، فيما البرّ هو ترجمة هذا الإيمان بأقوالٍ وأعمالٍ يظهر من خلالها مجد الله وقدسيّة أسمه ومحبّتنا للإنسان الّذي نلتقي به أو نتحاور معه أو نعيش معه...

هنا يظهر صدق إنتمائنا المسيحيّ ومدى جديّة إلتزامنا بتطبيق ما نؤمن به في أسلوب حياةٍ دائم، لا ينحصر في مناسبات أو ظروف محدّدة خاصّةً أنّ الله ليس بحاجةٍ إلينا للدفاع عنه بل، بالعكس، إستبدل منطق الإنتقام بمنطق الغفران وصولاً إلى أقصى حدود المحبّة: محبّة الأعداء.
في هذا الإطار، ينبّهنا مار بولس إلى ضرورة إقتران "الغيرة لله" ﺒ"معرفة صحيحة" لهذا "الله"!
حلّ هذه المعضلة سهل وهو العودة إلى حاضنة الكنيسة التي تُساعدنا بتعاليمها على فهم كلمة الله التي هي "قَرِيبَةٌ مِنّا، في فَمِنا وَقَلْبنا" فالكنيسة أمّ ومعلمة تقود بنيها إلى مَن هو الطريق والحقّ والحياة! 

::: الإنجيل :::

36 وفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا، وَقَفَ يَسُوعُ في وَسَطِهِم، وقَالَ لَهُم: "السَّلامُ لَكُم!".
37 فإرْتَاعُوا، وإسْتَوْلى عَلَيْهِمِ الـخَوْف، وكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُم يُشَاهِدُونَ رُوحًا.
38 فقَالَ لَهُم يَسُوع: "مَا بَالُكُم مُضْطَرِبِين؟ وَلِمَاذَا تُخَالِجُ هـذِهِ الأَفْكَارُ قُلُوبَكُم؟
39 أُنْظُرُوا إِلى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، فَإِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي، وأنْظُرُوا، فإِنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ وَلا عِظَامَ كَمَا تَرَوْنَ لِي!".
40 قالَ هـذَا وَأَرَاهُم يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه.
41 وَإِذْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَح، وَمُتَعَجِّبِين، قَالَ لَهُم: "هَلْ عِنْدَكُم هُنَا طَعَام؟".
42 فَقَدَّمُوا لَهُ قِطْعَةً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيّ، وَمِنْ شَهْدِ عَسَل.
43 فَأَخَذَهَا وَأَكَلَهَا بِمَرْأًى مِنْهُم،
44 وقَالَ لَهُم: "هـذَا هُوَ كَلامِي الَّذي كَلَّمْتُكُم بِهِ، وَأَنا بَعْدُ مَعَكُم. كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا كُتِبَ عَنِّي في تَوْرَاةِ مُوسَى، وَالأَنْبِيَاءِ وَالـمَزَامِير".
45 حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب.
46 ثُمَّ قالَ لَهُم: "هـكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ الـمَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث.
47 وبِإسْمِهِ يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الـخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم.
48 وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.

(إنجيل القدّيس لوقا – الفصل 24 – الآيات 36 إلى 48) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

التأمل: "أَلسَّلامُ لَكُم!..."

يُردِّد البشر هذه التحية في الشرق والغرب ملايين المرات وفِي كل اللغات كمبادرة جميلة وحلوة وطيبة للتقارب فيما بينهم، وإعلان النية على الحضور والعمل من أجل السلام.
ولكن مَن يستطيع إعطاء السلام؟ فقط مَن لديه السلام في قلبه يستطيع أن يعطيه لغيره دون تردّد!!!
مَن لديه السلام يعيش السلام رغم كل الظروف!!
مَن لديه السلام، بحسب مار بولس، يحيا حياة الروح (روما 8). اذا تأملنا بالفصل الثامن من رسالة القديس بولس الى أهل روما نفهم كيف يمكننا أن نحيا السلام عندما نعيش حياة الروح:
 المسيح هو مصدر تلك الحياة فلا نبحث خارجًا عنه..
 اذا بحثنا خارجًا عنه نخضع لشريعة المادَّة أي لشريعة الجسد، فنهتم بالجسد والإهتمام بالجسد تمردٌ على الله، أما الإهتمام بالروح فهو حياةٌ وسلام. إذًا لنراقب ونوجه إهتماماتنا اليوم ومن ثم سوف نحصل على السلام!!!
 الأجساد ستموت حتمًا أما الروح فهو باقٍ حتمًا، فمَن يحيا حياة الجسد سيموت أما إذا أمتنا بالروح أعمال الجسد فسنحيا!!
 الّذي يُفقدنا السلام الداخلي هو الخوف والقلق الداخليين... أليس الخوف هو خبزنا اليومي في هذا الشرق الحزين لا بل في العالم أجمع؟ أليس القلق هو مرض العصر؟ هل نعلم ما هي نسبة الّذين يتناولون الأدوية المهدئة للأعصاب في وسطنا؟؟ ألا تتحول أفراحنا إلى مآتم في لحظات؟ ألا تنهار علاقات كنَّا نظن أنها باقية إلى الأبد؟
هل نعيش السلام الداخلي؟ هل يوجد سلام في بيوتنا؟ هل يعيش أطفالنا بسلام؟ هل يتمتع أبناؤنا بالسلام؟
السلام يُصنَع ولا يُعطى.... ومَن يصنعه يُصبح إبنًا لله، لا بل هو الطريق السريع وربما الوحيد للوصول إلى الله والإتحاد به. ألم يُعطِ يسوع الطوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون؟
لا أحد يستطيع عيش السلام الداخلي دون إضطراب وقلق وخوف في كل الظروف إذا لم يكن ممتلئًا من الروح القدس، فهو عطية مجانية لكل مَن كرّس نفسه للحب الأعظم.
تراه مبتسمًا راضيًا غافرًا في أحلك الظروف، لا يقابل الشر بالشر بل يردّ على الإساءة بالغفران وعلى الطعنة بلمسة حب وعلى الجرح بغمرة عطف.
ما هذه القدرة على الغفران؟ ما هذه الارادة الصلبة على صنع الخير وبناء السلام؟ لا يُصدّق ما يفعله الممتلئون من الروح القدس.
علاجنا الوحيد والمجاني هو الخضوع للروح الّذي وهبنا إياه الرّب في المعمودية عندما صرنا أبناءً لله وبه نصرخ الى الله "أيها الأب أبانا" ... وما دمنا "أبناء فنحن ورثة وشركاء المسيح في الميراث، نشاركه في آلامه لنشاركه أيضًا في مجده" (روما 8: 17)..
يا رب السلام أمطر علينا السّلام...
يا رب السلام إمنح بلادنا السلام... 

::: تــــأمّـل روحي  :::

لا خوف بعد الآن

منذ تلك الليلة التي أُسلِمَ فيها يسوع، ليلة خميس الأسرار، ونحن نحتفل يوميًّا بالسرّ المرسوم بيديه المقدّستين، السرّ الأكثر روعةً على الإطلاق، حيث "الله الخالق يعلن ذاته الله-الإفخارستيا"، ذروة وهب الحبّ اللامحدود. سرٌّ غيّر وجه الأرض وأدخل الإنسان في مسيرة حياةٍ خلاصيّة جديدة تُعلِن به (بهذا السرّ الحيّ) أنّ الإنسان لم يولد للموت بل للحياة. وهكذا، وقبل أن يصعد إلى أبيه، يترائى لتلاميذه عدّة مرّات بكلّ لطفٍ وهدوء لِيسمح لهم أن يعرفوه برؤيتهم جروحات يديه ورجليه، ثمّ مرّةً جديدة يفتح بصائرهم على الكتب والأنبياء وكيف أنّها تكلّمت عنه. لكن الحالة النفسية في موقفٍ كهذا يجعل منطقهم عاجزًا عن الربط والتفسير رغم أن القلب منهم يضطرم فرحًا لما يرونه ويسمعونه، أمّا، الربّ والمعلّم، وليجعلهم واثقين بأن ما قاله تلك الليلة عند رسم السرّ الإفخارستي حيث ينكشف نوره يجب أن يستمرّ ("إصنعوا هذا لذكري") وذلك بنقل إيمانهم وتعليم يسوع من جيلٍ إلى جيلٍ وفي مقدّمتها سرّ الإفخارستيّا. ومنذ ذلك اليوم وحتى مجيئه الثاني ستستمر بشرى الخلاص من خلال عمل الروح القدس في المؤمنين، فيفتح بصيرتنا على ضرورة ما كان لنصبح على ما نحن عليه اليوم، أبناءً لله، مخلَّصين بيسوع المسيح إبنه المفتدي البشرية مرّة واحدة بموته على الصليب.

نتناول القربان، الحيّ بجسد ودم يسوع، ولدقائق، نشعر به يرافقنا لِيأخذنا عنده، إلى حيث يسكن، يُدخِلنا إلى حيث الفرح والراحة الكلّية به، إلى حيث الحبّ يفيض ويغمرنا بروحه لتكون لنا الجرأة والقوّة على وضع ذواتنا بين يديه متخلّين عن "أنا"يّتنا، صائرين هو وهو نحن، قياميّون.

ولكن، ما الّذي يتغيّر حالما نعود إلى بيوتنا؟ غالبًا ما نكون غرباء عنه، نعود إلى علّيّتنا خائفين، وبدل أن نفرح بحضوره حيث يتملّكنا الضعف نبقى في خوفنا ولا نفطن إلى حضوره الدائم هناك، في قلب تلك العليّة الصغيرة حيث سكناه. نعود منشغلين بمَلئ حياتنا بالكثير مِمّا لا يتناسب مع هويتنا كأبناء له أو التي لا قيمة لها مهما كانت ثمينة في أعين البشر إلّا أنّها لا تسهم في الحفاظ على تماسك أساسات مسكنه داخلي، أو ننشغل في كلّ باطلٍ على صعيد الجسد والفكر والمادّة، أو تأخذنا من حضنه هموم العائلة والعمل وغيرها.

وعلى حساب خلاصنا وفرحِنا الوحيد الصامت والهادئ الساكن في العمق، يسعى عصرنا الحالي جاهدًا ليوهمنا بالكثير من الأشياء الجذّابة التي يغري بها أهواءنا، رغباتنا وميولنا البشرية التي تطفو على سطح أمواه وسائل التواصل الإجتماعي المتعدّدة: بالصوت والصورة والكتابة وحتّى الإيحاءات الوهمية، فتُظهِر للعَيان بأنّ ما يقدّمه لنا هو الطريق إلى السعادة حتى إذا ما إستسلمنا وصدقناه، يسهل عليه إصطيادنا بشبكة وجهه الخدّاع وينجح بإخفاء الوجه الحقيقي عنّا، ويحبس أنفاسنا حتّى الوقوع في المركب كلّما حاولنا التقدّم بشراعنا من أجل العودة إلى برّ الأمان، فيصعُب علينا الخروج منه (من المقلب الثاني) بسبب تلك المياه المضطربةِ التي تعكّرها عواصفه المستدامة.

بإختصار، نفقد البوصلة ويصبح همّنا اليومي في الغدِ، ويومنا الحاضر يغرق في ذاته دون أن ندرك بأنّه كان من قبلُ غدًا ولم نعرف كيف نعيش فيه مِلئ نعمةِ "فرح الحياةِ" الموهوبة لنا في الإفخارستيا، لم ندرك أنّنا، قبل أن نصعد في مركبنا اليومي، تلقيناها بأصابع مفتوحة لتنساب كالرمال وتتناثر في مهبّ رياح الحياةِ بدل أن نستقبلها بكلتا يدينا ونضمّها إلى قلبنا كأثمن عطية أسرارية نورانيّة، كجوهرةٍ فريدة لا شبيه لها مهما كانت الصعوبات. فلنبحر إلى العمق، عمق أعماق القلب حيث يسود الصمت والسكينة حيث هناك اليقين، هناك الحقيقة الحقيقيّة، هناك شخص فريد حاضر، إتحدنا به في القربان، يسمع كلّ منّا كلماته المشجّعة: "لا خوف بعد الآن، أنا معكَ/كِ وسلامي لكَ/كِ" حتّى إنقضاء الدهر.  

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... كتب القديس بولس، قبل ما يُقارب على ألفي سنة، في رسالته لأهل روما في وصفه لبني إسرائيل الّذين لم يؤمنوا بمَن أرسلتَ مُخلّصًا مُلبِسًا الإنسان ثوب البِر حين المثول أمامك: "أشهدُ لهم أنَّ فيهم غَيْرةً لله، ولـكن بدون معرفةٍ صحيحة" (روما 10: 2). وما زال ينطبق، في أيامنا هذه، هذا القول على كثيرون، ليس فقط من بني إسرائيل إنما على أمم آمنت بك أو بأنّ هناك قوّة خلقت هذا الكون وتسعى لعمل الأعمال الصالحة دون أن تعرفك معرفة صحيحة. أمِنَ الممكن أنهم لم يسمعوا، أو قيلَ لهم كذِبًا بأنّ الإنسان قادرًا بأعماله أن يُخلِّص نفسه، أو حرصًا على وجودهم أنكروا المسيح المذبوح القائم من بين الأموات الّذي لم يترك تلاميذه دون أن يُريهم ذاته بعد قيامته ليثبتوا في إيمانهم ويكونوا شهودًا له ولمحبّتك وتدبيرك الإلهي لخلاص الإنسان من كلّ الأمم دون تفرقة فأطلقوا فكرة ثلاثة أديان أو التعايش السلمي والإنسانية؟ أنت إلهٌ واحد ولا تتغيّر، أُحبّك وأشكرك.

ربّي وإلهي ... قد يقول البعض أنّ التلاميذ حبًّا بشخص الرّب يسوع قدّموا ذاتهم وقبلوا الموت لكي لا يُكذّب مُعلّمهم، ولكن ما هو الدافع لقبول كثيرون الموت على يد أُناسًا آخرون يُخالفونهم بالإيمان دفاعًا عن الإيمان أو عدم التنازل عنه؟ كثيرون من المبشّرين قُتلوا في الأراضي التي ذهبوا إليها ليُبشّروا بالمسيح، وإنتشر الإيمان في تلك الأماكن بعد موتهم؛ وهناك كهنة رفضوا أن يُغلقوا أبواب الكنيسة أمام المُصلّين فقُتلوا. أبي إسمه "نوئيل" وهو إنسانٌ مؤمن وبسيط وقيل له يومًا: "غيّر إسمك فتكون لك الوظيفة" ولم يفعل على الرغم من أنّها كانت وظيفة لدرجة "مدير المشروع" وهي فرصة لن تسنح له مرة أخرى، وشهد أخي بأن المسيح هو محبة وسلام ولا يأمر أحدهم بحلمٍ بإقامة حرب كما إدّعى أحدهم، وكانت هذه آخر كلماته. أنعم علينا يا رب بإيمانٍ حي لنكون شهودًا لحبّك لمَن لا يعرفك معرفة صحيحة، ولك الشكر على الدوام، آمين.  

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)

1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ، كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار … (صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين، منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي. أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة، الصلاة وأفكار من الرّسالة  

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

أفكار من الانجيل 

من إعداد
الخوري كامل كامل
perekamel@outlook.com
https://www.facebook.com/KamelYoussefKamel

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس