الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن القيامة

خميس الصعود
(9 أيار 2024)

::: مـدخــل :::

• في عيد الصّعود، نتأمّل في مسيرة الكنيسة بعد صعود الربّ يسوع وقبل حلول الرّوح القدس.
• مع العهد القديم، نتأمّل في موت إيليا، وقد عبّر الكاتب عن موته بصورة المركبة النارية التي فصلت بينه وبين أليشاع وذهبت به إلى السماء. وخلال صعوده بقي ثوبه بين يدي أليشاع، وهذه علامة على تحقيق طلبه، ورسالة له لينطلق نحو الشعب ليعلن كلمة الله.
• نتأمّل سويّة في النص الإفتتاحي لسفر أعمال الرسل حيث يخاطب يسوع تلاميذه للمرّة الأخيرة قبل صعوده إلى السماء، مذكّرًا إيّاهم بدعوتهم الأساسية وهي "وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
• في الإنجيل، تتأمّل الكنيسة فيما قاله الربّ للرسل في لقائه الأخير معهم بالجسد (مرقس 16: 15-20) وفيه من وعود القوّة الرّوحيّة ما شجّعهم ويشجّعنا على المضي في حقول الرّسالة والشهادة للربّ مهما قست الظروف وصعبت وقد عدّد الربّ منها: عوائق الشرّ واللغة والأعداء والسمّ بكلّ معانيها الماديّة والرّوحيّة!
• التركيز في خميس الصعود هو على إرسال المسيح لرسله بقوة الروح القدس إلى العالم أجمع. هي دعوة لكل مسيحي ليعي أهمية رسالته في العالم اليوم. 

::: صـلاة :::

أيها الرّب يسوع، في عيد صعودك إلى السماء، نشكرك على نِعمك التي تمنحنا إيّاها، وخاصة نعمة القوة للشهادة لك في حياتنا اليومية. ثبِّتنا في محبتنا لك، وساعدنا بقوة روحك القدوس كي لا يُنسينا هذا العالم الزائل دعوتنا الأساسية الوحيدة، وهي أن نكون على الدوام شهودًا لمحبّتك التي سنحيا بها إلى الأبد في ملكوتك السماوي، لك المجد مع أبيك وروحك الحيّ القدّوس، إلى الأبد، آمين. 

:::  العهـد القديـم  :::

1 وقَبلَ أَن يَرفَعَ الرَّبُّ إِيلِيَّا في العاصِفَةِ نَحوَ السَّماء، ذَهَبَ إيلِيَّا مع أَليشاعَ مِنَ الجِلْجال.
8 فأَخَذَ إِيلِيَّا رِداءَه ولَفَّه وضَرَبَ بِه المِياه، فإنفَلَقَت إِلى هُنا وهُناك، وعَبَرا كِلاهُما على اليَبَس.
9 فلَمَّا عَبَرا، قالَ إِيلِيَّا لأَليشاع: «سَلْني ماذا أَصنَعُ لَكَ، قَبلَ أَن أُوخَذَ عنكَ» فقالَ أَليشاع: «لِيَكُنْ لي نَصيبُ إثنَينِ مِن روحِكَ علَيَّ».
10 قال: «قد سأَلتَ أَمرًا عَسيرًا: إِن أَنتَ رَأَيتَني عِندَما أُوخَذُ مِن عِندِكَ، يَكونُ لَكَ ذٰلك، وإِلاَّ فلا».
11 وفيما كانا سائِرَين، وهُما يَتَحادثان، إِذا مَركَبَةٌ نارِيَّةٌ وخَيلٌ نارِيَّةٌ قد فَصَلَت بَينَهما. وصَعِدَ إِيلِيَّا في العاصِفَةِ نَحوَ السَّماء،
12 وأَليشاعُ ناظِرٌ وهو يَصرُخ: «يا أَبي، يا أَبي، يا مَركَبَةَ إِسْرائيلَ وفُرْسانَه!». ثُمَّ لم يَعُدْ يَراه. فأَمسَكَ ثِيابَه وشَقَّها شَطرَين.
13 ورَفَعَ رِداءَ إيلِيَّا الَّذي كانَ قد سَقَطَ عنه، ورَجَعَ فوَقَفَ على شاطِئِ الأُردُنّ.

(2 ملوك – الفصل 2 – الآية 1 و 8 إلى 13) 

::: أفكار من وحي العهد القديم  :::

التّعريف بالكِتاب:
سِفر المُلوك (الأوّل وَالثاني) يَروي تاريخ ملوك ومملكة إسرائيل منذ بِدايَة حكم سُلَيمان المَلِك. وَمَا يَهُمُّنَا هُوَ لاهوت التاريخ الّذي يُظهرُهُ لَنَا هذا السّفر من خلال جِزئَيه: من خِلال الأحداث التّاريخيَّة يَظهَر عَمَل الله الحاضِر في قَلبِ التَّاريخ لِيُقَدِّسهُ وَيُحَوِّلهُ لِخَير الّذينَ يُحِبُّونَهُ. يَذكُر هذان الكِتابان أنبِياء عُظَمَاء أمثال آشعيا وإيليّا، وَفي سِفر المُلوك الثاني يَظهَر النَّبي أليشاع الّذي لَم يَكُن قَوِيًّا كَإيليّا، وَلَكِنَّهُ كَانَ أقرَب مِن إيليَّا إلى النَّاسِ وَحَاجَاتِهِم.

ظُروف كِتَابَة النّص:
في هذا النص نرى كيف صعد النبي إيليا إلى السماء أمام عَينَي أليشاع، وكيف فصلت مركبة النار بينهما... فما الّذي حدث بالفعل؟

مضمون النص:
في هذا النص أحداث رمزية مهمة:
• فصل إيليا الماء ومرَّ هو وأليشاع، فظهر لأليشاع كموسى الّذي شق البحر الأحمر. هذا الفصل هو الحد بين الحياة والموت.
• أنبأ إيليا أليشاع بموته وأعطاه المجال ليطلب منه ما يشاء. أراد أليشاع أن يسير بروح معلمه إيليا، فعبّر له إيليا عن صعوبة ذلك، إلا إذا رآه وهو صاعد إلى السماء.
• مات إيليا، وقد عبّر الكاتب عن موته بصورة المركبة النارية التي فصلت بينه وبين أليشاع وذهبت به إلى السماء. وخلال صعوده بقي ثوبه بين يدي أليشاع، وهذه علامة على تحقيق طلبه، ورسالة له لينطلق نحو الشعب ليعلن كلمة الله.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
لقد نظر الرسل إلى السماء حتى حجبت غمامة يسوع عنهم، وقد صعد أمام أعينهم... فكانت دعوة لهم ليُنفِّذوا وصية الرّب التي نسمعها في الإنجيل، التي هي الإنطلاق نحو العالم لإعلان البشارة، وبالتالي، عدم النظر إلى السماء، إنما إلى بناء الآخر.

خاتمة تطبيقية:
لا يهمنا وجود يسوع معنا في الجسد، لأننا نلنا الروح القدس وأصبحنا له تلاميذ، شهودًا لقيامته وحاملين لإنجيله. فهل نحمل البشرى السارة إلى المحيطين بنا؟ 

::: الرسالة :::

1 لَقَدْ دَّوَنْتُ في الكِتَابِ الأَوَّل، يَا تِيُوفِيل، كُلَّ مَا عَمِلَ يَسُوعُ وعَلَّم، مُنْذُ بَدْءِ رِسَالَتِهِ،
2 إِلى اليَوْمِ الَّذي رُفِعَ فِيهِ إِلى السَّمَاء، بَعْدَ أَنْ أَعْطَى بِالرُّوحِ القُدُسِ وَصَايَاهُ لِلرُّسُلِ الَّذينَ إخْتَارَهُم.
3 وقَدْ أَظْهَرَ لَهُم نَفْسَهُ حَيًّا بَعْدَ آلامِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَدِلَّة، وهُوَ يَتَرَاءَى لَهُم مُدَّةَ أَرْبَعِينَ يَومًا، ويُكَلِّمُهُم عَنْ شُؤُونِ مَلَكُوتِ الله.
4 وفِيمَا هُوَ يَأْكُلُ مَعَهُم، أَمَرَهُم أَلاَّ يُغَادِرُوا أُورَشَلِيم، بَلْ أَنْ يَنْتَظِرُوا فيهَا وَعْدَ الآبِ "الَّذي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي؛
5 لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالمَاء، أَمَّا أَنْتُم فَسَوفَ تُعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ القُدُسِ بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّام".
6 وكَانَ الـمُجْتَمِعُونَ يَسْأَلُونَهُ قَائِلين: "يَا رَبّ، أَفِي هـذَا الزَّمَانِ تُعِيدُ الـمُلْكَ لإِسْرَائِيل؟".
7 فَقَالَ لَهُم: "لَيْسَ لَكُم أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ والأَوْقَاتَ الَّتِي حَدَّدَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ الخَاصّ.
8 لكِنَّكُم سَتَنَالُونَ قُوَّةً بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيْكُم، وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
9 ولَمَّا قَالَ هـذَا، رُفِعَ بِمَرأًى مِنْهُم، وحَجَبَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ عُيُونِهِم.
10 وفيمَا كَانُوا شَاخِصِينَ إِلى السَّمَاء، وهُوَ ذَاهِب، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وقَفَا بِهِم في ثِيَابٍ بَيْضَاء،
11 وقَالا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الـجَلِيلِيُّون، مَا بَالُكُم واقِفِينَ تُحَدِّقُونَ إِلى السَّمَاء؟ إِنِّ يَسُوعَ هذَا الَّذي رُفِعَ عَنْكُم إِلى السَّمَاءِ سَيَأْتي كَمَا رَأَيْتُمُوهُ ذَاهِبًا إِلى السَّمَاء!".
12 حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلى أُورَشَليمَ مِنَ الـجَبَلِ الـمَدْعُوِّ جَبَلَ الزَّيْتُون، وهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أُورَشَلِيم، على مَسِيرَةِ سَبْتٍ مِنهَا.
13 ولَمَّا دَخَلُوا المَدينَة، صَعِدُوا إِلى العِلِّيَّة، الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا، وهُم: بُطْرُسُ ويُوحَنَّا ويَعْقُوبُ وأَنْدرَاوُس، فِيلبُّسُ وتُومَا، بَرْتُلْمَاوُسُ ومَتَّى، يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وسِمْعَانُ الغَيُورُ ويَهُوذَا بْنُ يَعْقُوب.
14 هـؤُلاءِ كُلُّهُم كَانُوا مُوَاظِبينَ عَلى الصَّلاةِ بِنَفْسٍ وَاحِدَة، مَعَ بَعْضِ النِّسَاء، ومَرْيَمَ أُمِّ يَسُوع، ومَعَ إِخْوَتِهِ.

(أعمال الرسل – الفصل 1 – الآيات 1 إلى 14) 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

نحتفل بعيد الصعود، في اليوم الأربعين بعد القيامة، ونتأمّل فيه بكلام الربّ يسوع التالي: "وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض"!

لم يصعد يسوع إلى السماء تاركًا إيّانا أيتامًا بل وهبنا الرّوح القدس معزّيًا ومحاميًا وعضدًا وسندًا.
لنشكر الربّ اليوم، في هذا العيد، على محبّته وخاصةً على عطيّة الروح القدس!

في يوم خميس الصعود، نتأمّل سويّة في هذا النص الإفتتاحي لسفر أعمال الرسل حيث يخاطب يسوع تلاميذه للمرّة الأخيرة قبل صعوده إلى السماء، مذكّرًا إيّاهم بدعوتهم الأساسية وهي "وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
كلام الربّ يسوع يُشجّعنا وفي نفس الوقت يُحمِّلنا مسؤوليّة كبيرة إذ يدعونا لنكون على قدر المسؤوليّة والجهوزيّة للشهادة له في كلّ الظروف والأوقات والمناسبات وخاصّةً في إنسجام أقوالنا وأفعالنا في إطار حياتنا العمليّة واليوميّة!
يدعونا نصّ اليوم، إخوتي، إلى أن يسأل كلّ واحدٍ منّا ذاته عن مدى أمانته لهذه المهمّة وعن مدى نجاحه في تأديتها على كافّة المستويات العائليّة والمهنيّة ... خاصّة إذا تنبّهنا إلى أنّه لا يكفي بأن نشهد ليسوع بفمنا إذا كان قلبنا وروحنا بعيدَين عنه.
هنا نفهم أهميّة الوعد بالروح القدس الّذي من أبرز أدواره نزع الخوف من قلوب المؤمنين ومنحهم الشجاعة والقوّة للإنطلاق في ميادين الرّسالة المتعدّدة داخل الأسرة والعمل والمجتمع!
هذا يذكّرنا بقول الربّ يسوع: "خَيْرٌ لَكُم أَنْ أَمْضِي. فَإِنْ لَمْ أَمْضِ لا يَأْتِ إِلَيْكُمُ البَرَقْليطُ الـمُعَزِّي" (يو 16: 7).
ما هذا القول سوى تأكيدٌ لمدى فهم ربّنا للطبيعة البشريّة للرسل وللجماعة الأولى ومن بعدهم الكنيسة كلّها التي كان لا بدّ من "فطامها" عن حضور الربّ "الماديّ" لتكبر وتنمو بالرّوح القدس ومع الروح القدس بنعمة حضور الربّ "الروحيّ" والأسراريّ.

فلو بقي الربّ يسوع معهم لما أصبح الرسل شهودًا شجعانًا ولإكتفوا بالوقوف خلف "المعلّم" في لحظات القوّة وتلطّوا خلفه في أوقات المحن!
الإيمان العميق بالربّ يسوع يستنير بالرّوح القدس إلّذي يدعّم أسس العلاقة الدائمة مع الربّ عبر الصلاة الفرديّة والجماعيّة التي تشدّ عصب الجماعة الكنسيّة كما يظهر في آخر قراءة اليوم من خلال الإشارة إلى أنّ "هـؤُلاءِ كُلُّهُم كَانُوا مُوَاظِبينَ عَلى الصَّلاةِ بِنَفْسٍ وَاحِدَة، مَعَ بَعْضِ النِّسَاء، ومَرْيَمَ أُمِّ يَسُوع، ومَعَ إِخْوَتِهِ."

الشهادة والصلاة صنفان إذًا في مسيرة المسيحي الرّاغب في تتميم وصية يسوع بأن يكون شاهدًا للرب وللخلاص الّذي حقّقه من أجله ومن أجل العالم كلّه. فالصلاة تدعّم الإيمان الّذي يُترجم، عمليًّا، من خلال السلوك المبني على ما تعاليم ومنهجية ومثال يسوع، كما يرد في الكتاب المقدّس وفي تعليم الكنيسة.

تدعونا هذه القراءة إذًا إلى عدم الوقوف (أي الجمود) محدّقين إلى السماء، بل إلى المضيّ من جديد في طرق الرّسالة (أي الحركة) كلّ من موقعه وحيث شاء له الربّ أن يعيش ليشهد لمحبّته ولعظمته!
لنسأل الربّ، في مناسبة هذا العيد، أن يمنحنا بقوّة الرّوح القدس ومعونته الشجاعة والإرادة لنعود ولنظلّ شهودًا له إلى أبد الدهور، آمين. 

::: الإنجيل :::

1 ثُمَّ قَالَ لَهُم: "إِذْهَبُوا إِلى العَالَمِ كُلِّهِ، وَإكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّها.
2 فَمَنْ آمَنَ وَإعْتَمَدَ يَخْلُص، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ فَسَوْفَ يُدَان.
3 وهـذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنين: بِإسْمِي يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِين، ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ جَدِيدَة،
4 ويُمْسِكُونَ الْحَيَّات، وَإِنْ شَرِبُوا سُمًّا مُمِيتًا فَلا يُؤْذِيهِم، ويَضَعُونَ أَيْدِيَهُم عَلى الـمَرْضَى فَيَتَعَافَوْن".
5 وبَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ يَسُوع، رُفِعَ إِلى السَّمَاء، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الله.
6 أَمَّا هُم فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا في كُلِّ مَكَان، والرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُم وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ بِمَا يَصْحَبُها مِنَ الآيَات.

(إنجيل مرقس - الفصل 16 - الآيات 15 إلى 20) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

في اليوم الأربعين من زمن الفصح، نحتفل بصعود الربّ إلى السماء حين ترك لرسله ولتلاميذه أن يتابعوا المسيرة، مسيرة الخلاص، في الكنيسة وعبرها.
كثيرون لا يفقهون أهميّة هذا العيد!

صعود الربّ مهّد لمرحة انتقالية مهمّة جدّاً ما بين القيامة والعنصرة، عاش خلالها الرسل فترة فراغ ما بين حضور الربّ بالجسد وحلول الروح القدس عليهم...
هذه الفترة كانت مهمّة جدّاً لنمو النضوج الرّوحيّ في الكنيسة الناشئة فتتعايش مع "غياب الله الماديّ" وتعتاد حضوره الرّوحيّ في الصلاة وفي الأسرار وفي استذكار أعماله والّذي كان يحصل شفهياً في مرحلة أولى إلى أن تمّ ذلك كتابةً في الإنجيل لحفظ الأحداث كلّها...
درجت العادة في هذا العيد أن تتأمّل الكنيسة فيما قاله الربّ للرسل في لقائه الأخير معهم بالجسد (مرقس 16: 15-20) وفيه من وعود القوّة الرّوحيّة ما شجّعهم ويشجّعنا على المضي في حقول الرّسالة والشهادة للربّ مهما قست الظروف وصعبت وقد عدّد الربّ منها: عوائق الشرّ واللغة والأعداء والسمّ بكلّ معانيها الماديّة والرّوحيّة!
تتأمّل الكنيسة في هذا المقطع الختاميّ من إنجيل القدّيس مرقس الّذي يشكّل نوعًا ما وصيّة يسوع الأخيرة إلى رسله وهو فيما بينهم وهي وصيّة تتوجّه أيضًا إلينا!

يوصينا الربّ يسوع بشموليّة الرّسالة المسيحيّة فما من زمان لها وما من مكانٍ أو ظرفٍ يحدّها...
الحدود شيء مصطنع نرسمه نحن فيما بيننا تحت عناوين شتّى منها الحقوق والواجبات... فيما لا حدود للمحبّة الّتي تغلب الشرّ (بِٱسْمِي يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِين) وتؤمّن التواصل مع كلّ النّاس (ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ جَدِيدَة) وتتجاوز العوائق والأحكام المسبقة المجبولة بالخوف (ويُمْسِكُونَ الْحَيَّات) وتبقى قادرةً على العطاء رغم الحقد أو القلق أو أيّ سببٍ يقود إلى الفرقة (وَإِنْ شَرِبُوا سُمًّا مُمِيتًا فَلا يُؤْذِيهِم) وتزرع التضامن ما بين النّاس المحتاجين إلى المؤاساة النفسيّة أو إلى المؤازرة في أوان الأمراض (ويَضَعُونَ أَيْدِيَهُم عَلى المَرْضَى فَيَتَعَافَوْن).

وصيّة الربّ يسوع وصيّةٌ شاملة ومتكاملة، ترسم لكلِّ إنسان مسيحيّ خريطة طريق واضحةٍ إلى بناء ملكوت الله على الأرض...
ما من خوفٍ يعيقنا، وفق هذا النصّ، عن القيام بمهمّتنا في هذا العالم إن ذكرنا على الدوام كلام الربّ إلينا وتشجيعه لنا على اختراق جدران الشرّ كي نصل إلى العالم كلّه والخليقة كلّها!
يدعونا هذا العيد، نحن الّذين ننعم بمرافقة الروح القدس لنا في الكنيسة ومن خلالها، إلى تقدير حضور الله الدّائم في حياتنا في الأسرار والكتاب المقدّس ولا سيّما في سرّ جسده ودمه، القربان!
تعالوا اليوم لنرفع عيوننا إلى العلى فنستمدّ القوّة من الربّ لنحافظ على وديعة الإيمان التي أودعنا إيّاها الربّ بشخص الرّسل ونساهم في نشر رسالته في العالم!
قد يظنّ البعض أن الإيمان الشخصي يكفي ويغني عن هذه المهمّة الجَماعيّة التي تتضافر فيها جهود الكلّ في سبيل عالمٍ أفضل يسوده الحقّ ويزيّنه السلام! ولكن، الحقيقة هي أنّ الخلاص لن يكون يوماً فرديّاً ولكن، من جهةٍ أخرى، من يسعى إلى خلاص نفسه بالمعنى الرّوحيّ يساهم ولو دون ان يدري في بناء مجتمعٍ وعالمٍ أقرب إلى قلب الله!

في هذا العيد، نسأل الله أن يمنحنا الشّجاعة لمواجهة الرياح المخالفة بقوّة الإيمان وعمق الوفاء لما أراده الربّ منّا!
كلّ عيد وأنتم بخير! 

::: تــــأمّـل روحي  :::

(سبق نشره في 2022)

أمرٌ وطاعة

هل يمكننا إستحضار حدثٍ عاين فيه أحدنا والدًا يقف مكلّمًا ولده، الّذي ينظر إليه بفمٍ غائرٍ غير قادرٍ على إستيعاب رؤيته معافى، ويأمره بإبلاغ العائلة بخروجه من المستشفى وهو الّذي كان البارحة في حالة حرجة جدًا؟ فرحٌ، دهشةٌ، عدم تصديق ما تراه عيناه وما إلى هنالك من مشاعر وأحاسيس مختلفة تسد الكيان في تلك اللحظات. ربّما لا تستطيع فهمها في آن، لكن حالًا وعلى الفور تنطلق لتزفّ الخبر المفرح للجميع.
ليس هناك بمثالٍ حياتيٍّ أبسط من ذلك عن مدى دهشةِ وفرحةِ إنسانٍ لإنسانٍ تركتهما تلك الحقيقة في نفس الإبن. أمَرَه؟ صحيح، أطاع؟ نعم ومبتهجًا أيضًا بأنّ الحياة عادت تنبض من جديدٍ في العائلة، فهناك الحبُّ، المثالُ الأكبر؛ فكم بالحريّ عندما يتعلّق الحدث بواهب الحياة بعينها ومعطي الخلاص لمَن خُلق على صورته ومثاله، ومَن غيره يستطيع أن ينقلنا من الكلمة إلى الفعل، ومن خوف النسوة من سرقة الأمل الوحيد من القبر "ليس ها هنا" إلى الدهشة "رابوني"، والإيمان الجرئ "لقد قام"، والطاعة "ويسبقكم إلى الجليل" ليلاقي خوفنا وينقلنا من الجلجلة إلى جليلنا حيث نجده ينتظرنا ليكلّمنا، يشدّدنا ويأمرنا أمر الوالد الّذي يؤمِّن لولده كلّ ما يحتاجه ليكمل مسيرته قبل أن ينتقل بصعوده إلى المكان الّذي منه أتى.
ردّ الفعل هو بهذا الحجم لأن الخبر إنتقل من المحسوس إلى الملموس ليبقى حاضرًا، منذ اللحظة الأولى لإنطلاقة مسيرة الكنيسة الجديدة، في السرّ الإفخارستيّ وفي باقي الأسرار الإلهية التي، من خلالها، ورغم غياب الجسد البشري، حاضرًا ، نلمس حضوره الحيّ في الآخر.
أمّا التعزية الكبرى تكمن في أنّ الله يشاء خلاص كلّ الإنسان، وأنّ الوعد قد تحقق، فاتحًا بصره وبصيرته على هويّة المصير النهائية لكلّ مَن آمن به وإنطلق في المسيرة الخلاصيّة بكل قلبه وعقله، وفكره فرِحًا لا واجبًا أو طمعًا أو خوفًا.. جعله يرى مدى إحترامه لمن تبنّاه بإبنه يسوع ولحريّته علامةً على جديّة الخلاص وأهميّة التعليم الّذي بشّرنا به. كما جعله يكتشف أنّ التعزية الحقيقية في الأزمات والصعاب، في الضعف والضياع، في مجابهة السموم القاتلة، لا يجدها إلّا في الله، تاركًا له إتخاذ القرار الشخصي في إختيار الإنضمام إلى العائلة الثالوثية والنظر إلى السماء أم إختيار الإبتعاد عنها ليبقى وحيدًا مهما إجتمعت حوله الأجساد والأصوات.
اليوم كمؤمنين، نحن مودعوّين في عيد "الصعود" إلى النظر في طاعة أمر أبينا الّذي يحبّنا ونحبه، فلا نعد نخشى كثرة تلك السموم المنتشرة في العالم، سموم الشرّ التي تحاول أن تفتك بالنفس - ولربّما كانت تختبئ فينا أيضًا بأشكالٍ وأسماءٍ لا حصر لها- ولا تتعب من قرع طبولها كي تخدّر الفكر والعواطف لتتلاعب بها كما تشاء، ثمّ تحاول سجننا في زنزاناتها (بأوجه الحقد والتنمّر، الكره والإنتقام، الأنانية والغيرة القاتلة، العنف النفسي والجسدي، الإفتراء وغيرها من الشرور) لتحجب عنّا صوت الربّ الّذي وعدنا في مثل هذا اليوم، بأنّه سيبقى في كُلِّ زمانٍ ومَكَان، يَعْمَلُ مَعَنا وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ التي تركها لنا طريقًا نحو السماء نبشّر بها.
فلنؤمن ولنندهش ولكن للنطلق أيضًا إلى معركة الحبّ التي وبكلّ تأكيد، وهي تقودنا صوب القيامة والصعود، لا يخرج منها خاسرًا سوى الشرّ وأعوانه. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... لعلّ من أكثر الكلمات/الأمور التي يصعب تفسيرها في هذه الأيام، وكلّ إنسانٍ يُفسّرها ويفعلها بأسلوبه الخاص والّذي يناسبهُ هو ويُقنع نفسه بأنه يفعلها على الرغم من مفهومه الخاطئ هي "التبشير". "تثبيت المؤمن بإيمانه أو إعادة الخراف الّذين إبتعدوا عن الحظيرة" هو ليس "تبشيرًا" كما يعتقد البعض ولكنه "رعاية". الكلام الأخير للربّ يسوع المسيح مع تلاميذه قبل صعوده للملكوت السماوي كان واضحًا: "إذهبوا إلى العالم كلِّهِ، وإكرزوا بالإنجيلِ لِلخليقةِ كُلِّها. فَمَن آمنَ وإعتمدَ يخْلُص" (مرقس 16: 15)، وهو لا يتكلّم عن رعاية مَن آمنوا وإعتمدوا بل عن فتح أعين الّذين ما يزالون يسلكون في الظلمة دون معرفة مقدار حبّك لنا وأنّك قد خلّصت نفوسنا. قد يُجادل البعض بأن التبشير في زمن التلاميذ كان سهلاً لأنك صحبت رسالتهم بأعاجيب وبالأخص بشفاء المرضى فآمن الّذين رأوا، أمّا الآن فهذا لا يحدث، أليس لهم ثقة بكلامك؟ ألم يستطع بقوة الروح القدس القديس بطرس الرسول أن يجذب نحو ثلاثة آلاف شخص بخطبة واحدة (أعمال الرسل 2: 41)؟ ويُجادل آخرون بأن على المُبشّر أن يترك أهله لكي لا يُصابوا بسوءٍ أو إضطهاد من قِبل مَن يُبشّر له في حين أنّ كلّ التلاميذ كانوا مجتمعين هم ونساءهم وكُنّ يُرافقونهم في مسيرتهم ولم يخافوا من الإضطهاد!!

ربّي وإلهي ... أدهشني رد فعل أحد الأشخاص المسيحيين المُنتمي لطائفة غير الطائفة المسيحية التي أنتمي إليها وأنا أخبره عن كيفية التبشير في طائفتي، بقوله بغضب: "أتريدين أن تجعليني من طائفتك؟" وأدركت حينها كم هو صعب أن يُدرك الإنسان ما هي الغاية من كلام الآخر: هو مسيحي ومؤمن وأنا لم أرد أن أُغيّر إيمانه ولكني أردتُ أن أُشدّد على فعل "التبشير لغير المؤمنين" وبأنه ما زال يحدث بهذه الأيام وإنه واجبٌ لا بدّ من القيام به.

ربّي وإلهي ... أنعم علينا بما نحتاج إليه لنوصل الآخرين لقلبك وفكرك، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)

1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ، كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار … (صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين، منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي. أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة، الصلاة، أفكار من الرّسالة وأفكار من الانجيل 

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس