الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

زمن العنصرة
 

الأحد الثامن من زمن العنصرة

 (7 تموز 2024)

::: مـدخــل :::

• في هذا الأحد من زمن العنصرة، تضع لنا الكنيسة رسالة وإنجيل يتمحوران حول روحانية الرسول وذلك تباعًا لما جاء من قَبل حول الإرسال. ما معنى روحانية؟ هل كل ما هو روحيّ هو من المسيح؟ كيف للمؤمن أن يُميِّز؟
• مع العهد القديم، نتأمّل في نصّ من سفر أشعيا يُثبت من خلاله للشعب بأن الله يُحبّه رغم المحنة الكبيرة التي وقع فيها.
• في رسالة هذا الأحد، نتأمّل كيف أنّ روح الله الّذي أقام الربّ من بين الأموات يسكن فينا نحن المؤمنين به، وهو الّذي يُحيي أيضًا أجسادنا المائتة بهذا الروح عينه.
• نتأمّل في إنجيل هذا الأحد كيف رفض البعض الربّ يسوع رغم وداعته وتواضعه.
• ما مِن إحتقار لكل ما خلقه الله ورآه حسنًا لا بل إنّ المسيح تجسَّد ليلتقي بكل إنسان ويجعل من جسده هيكلاً للروح القدس. 

::: صـلاة :::

أيّها الإبن السّماوي، نرفع قلوبنا إليك ونسألك نعمة ونور الرّوح القدس ليرشدنا وسط دروب هذا العالم فنختار ما يتوافق مع إرادتك القدّوسة ونُثمر في العالم ثمار المحبة فيتمجد بنا أسم الثالوث الأقدس إلى الأبد، آمين. 

:::  العهـد القديـم  :::

1 هُوَذَا عَبْدِيَ الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِيَ الَّذِي رَضِيَتُ عَنْهُ نَفْسِي، قَدْ جَعَلْتُ رُوحِي عَلَيْهِ، فَهُوَ يُبْدِي الْحَقَّ لِأُمَمٍ.
2 لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَلَا يُسْمِعُ صَوْتَهُ فِي الشَّوَارِعِ.
3 الْقَصَبَةُ الْمَرْضُوضَةُ لَنْ يَكْسِرَهَا، وَالْفَتِيلَةُ الْمُدَخِّنَةُ لَنْ يُطْفِئَهَا، يُبْدِي الْحَقَّ بِأَمَانَةٍ.
4 لَا يَنِي وَلَا يَنْثَنِي إِلَى أَنْ يُحِلَّ الْحَقَّ فِي الْأَرْضِ، فَلِشَرِيعَتِهِ تَنْتَظِرُ الْجُزُرُ.
5 هَٰكَذَا قَالَ اللَّهُ الرَّبّ، خَالِقُ السَّمِّٰوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الْأَرْضِ مَعَ مَا يَنْبُتُ مِنْهَا، الَّذِي يُعْطِي الشَّعْبَ عَلَيْهَا نَسَمَةً، وَالسَّائِرِينَ فِيهَا رُوحًا:
6 أَنَا الرَّبَّ دَعَوْتُكَ فِي الْبِرّ، وَأَخَذْتُ بِيَدِكَ وَجَبَلْتُكَ. وَجَعَلْتُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلْأُمَمِ،
7 لِكَيْ تَفْتَحَ الْعُيُونَ الْعَمْيَاءَ، وَتُخْرِجَ الْأَسِيرَ مِنَ السِّجْنِ، وَالْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ مِنْ بَيْتِ الْحَبْسِ».
8 أَنَا الرَّبُّ وَهُٰذَا ٱسْمِّيَ، وَلَا أُعْطِي لِآخَرَ مَجْدِي، وَلَا لِلْمَنْحُوتَاتِ حَمْدِي.

(سفر أشعيا – الفصل 42 – الآيات 1 إلى 8) 

::: أفكار من وحي العهد القديم  :::

التعريف بالكتاب:
يَقول البَاحِثون في الكِتَاب المُقَدَّس بِأنَّ أشَعيا كَانَ لَهُ المَكَانَة وَالتَّأثير البَالِغَين في حَياة الجَماعَة المُؤمِنَة لِدَرَجَة أنَّ تَلامِيذه صارُوا كُثُر، وَقَد أضافوا بعد وفاة ذلِكَ النَّبي فُصولاً جَديدَة تَتَبَنَّى مَدرَسَتَهُ، وَلَكِن في ظُروف جَديدَة وَمُغايِرَة. لِذلِكَ، يُقسَم سِفر أشعيا إلى ثلاثة أقسام:
• القِسم الأوّل: أيّام المَلِك مَنَسَّى والمَلِك حَزقيّا، وَقَد كَانَ هُنَاكَ مَشاكِل سِياسِيَّة كَثيرَة من خِلالِهَا بَشَّرَ أشَعيا بكَلِمَة الله وَالخَلاص الآتي من الإيمان.
• القِسم الثاني: أيَّام السَّبي إلى بابِل، يَومَ إنقَسَمَت مملَكَة إسرائيل، وَكانَت نَتيجَة هذا الإنقِسام كارِثِيَّة، إذ أتَى نَبوخذ نَصَّر مَلِك البابِلِيّين وَسَبَى الشَّعب إلى بابل. في هذا القِسم يُذَكِّر سِفر أشعيا بأهَمِّيَّة الحِفاظ على الإيمان بالرُّغم من المِحنَة، وَبِأهَمِّيَّة العَودَة إلى الأرض، حيث الحريَّة، حيث الحياة مع الله، حيث أورشليم والهيكل، ويُسَمّى هذا القسم: كتاب التعزية.
• القِسم الثالِث: يَتَكَلَّم عَن الفَترَة التي عادَ فيها الشَّعبُ حُرًّا من بابِل إلى أورشَليم، وهو في غالبه أناشيد تعزية وتشجيع.

ظروف كتابة النص:
هذا النص ينتمي إلى القسم الثاني من سفر أشعيا: كتاب التعزية. فالمحنة التي وقع فيها الشعب كبيرة، ويأتي هذا النص من سفر أشعيا ليُثبت له بأن الله يُحبّه.

مضمون النص:
ينقسم هذا النص إلى محورَين:
1- عمل عبد الله.
2- عمل الله لعبيده.
في البداية علينا أن نشرح كلمة "عبد"؛ هي لا تشير إلى العبوديّة والرّق الّذي مارسته البشرية لمدة طويلة، والّذي أهان الإنسانيّة... هذه الكلمة تشير إلى كلمة عبرانية «عَبَد» أي «صَنَعَ وأبدَعَ». فالعبد هنا هو إبداع الله وخليقته. إذًا نحن لا نتكلم عن الإستعباد الّذي هو نتاج ذُلّ الإنسان لأخيه الإنسان، إنما نتكلم عن العبد الّذي أبدعه الخالق، وأحبه، فصار هذا العبد (طَوعًا لا كُرهًا) خادمًا لهذا الخالق.
1. عمل عبد الله: يتكلم الله عن عمل عبده، للّذي هو بعيد كل البعد عن عدالة البشر. فالبشر يُزيلون الخاطئ والغير نافع ليتخلصوا منه. أما عبد الله لا يحاسب بحسب فكر الناس، بل بحسب حب الله، فلا يصرخ ولا يكسر ولا يُطفئ، لا يواجه للشر بل يصنع الخير ويسير أمام الجميع بإستقامة.
2. عمل الله لعبيده: هو يدعو عبيده، يُقيمهم من عبوديّة الذل التي صنعها البشر إلى خدمة المحبة التي أقامها الله. يجعل الله عبيده نورًا، أي شُعاعًا منه هو النور الأعظم، فيُبصر العميان ويتحرّر الأسرَى، وينطلق الجميع نحو حرّيّة المجد الّذي أعدّه ذلك الّذي خلق السماء والأرض.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
يقرأ يسوع هذا النص في المجمع أمام المؤمنين، ويُبشّرهم بأن هذه الآية تمت اليوم، أي، في كل يوم يقبل المؤمن أن يكون عبدًا لله فقط، يُصبح حُرًّا عزيزًا.

خاتمة تطبيقية:
نحن مدعوون لنكون خُدّام الّذي صنعنا، والّذي أقامنا من موتنا، والّذي إختارنا لنكون نورًا للأمم. 

::: الرسالة :::

1 إِذًا فلاَ حُكْمَ بِالْهَلاكِ بَعْدَ الآنَ على الَّذينَ هُم في الـمَسِيحِ يَسُوع؛
2 لأَنَّ شَرِيعَةَ رُوحِ الـحيَاةِ في الـمَسِيحِ يَسُوع، قَدْ حَرَّرَتْني مِنْ شَريعَةِ الـخَطِيئَةِ والـمَوت.
3 فإِنَّ مَا عَجِزَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَة، وقَد أَضْعَفَهَا الـجَسَد، أَنْجَزَهُ الله، حينَ أَرْسَلَ إبْنَهُ في جَسَدٍ يُشْبِهُ جَسَدَ الـخَطِيئَة، تَكْفيرًا لِلخَطِيئَة، فقَضَى في الـجَسَدِ عَلى الـخَطِيئَة،
4 لِكَي يَتِمَّ بِرُّ الشَّرِيعَةِ فينَا، نَحْنُ السَّالِكينَ لا بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الـجَسَدِيِّ بَلْ بِحَسَبِ الرُّوح؛
5 لأَنَّ السَّالِكِينَ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الـجَسَدِيّ، يَرْغَبُونَ في مَا هُوَ لِلجَسَد، والسَّالِكينَ بِحَسَبِ الرُّوحِ يَرْغَبُونَ في مَا هُوَ لِلرُّوح.
6 فرَغْبَةُ الـجَسَدِ مَوْت، أَمَّا رَغْبَةُ الرُّوحِ فَحَيَاةٌ وَسَلام.
7 لِذلِكَ فَرَغْبَةُ الإِنْسَانِ الـجَسَدِيِّ عَدَاوَةٌ لله، لأَنَّهَا لا تَخْضَعُ لِشَريعَةِ اللهِ ولا تَسْتَطيعُ ذلِكَ.
8 وإِنَّ السَّالِكينَ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الـجَسَدِيّ، لا يَسْتَطيعُونَ أَنْ يُرْضُوا الله.
9 أَمَّا أَنْتُم فَلَسْتُم أُنَاسًا جَسَدِييِّنَ بَلْ رُوحِيُّون، إِنْ كَانَ حقًّا رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فيكُم. وَلـكِنْ مَنْ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الـمَسِيح، لَيْسَ هُوَ لِلمَسِيح.
10 أَمَّا إِذَا كَانَ الـمَسِيحُ فيكُم، فَبِرَغْمِ أَنَّ الـجَسَدَ مَيْتٌ بِسَبَبِ الـخَطِيئَة، فَالرُّوحُ حيَاةٌ لَكُم بِفَضْلِ البِرّ.
11 وإِذَا كَانَ رُوحُ اللهِ الَّذي أَقَامَ يَسُوعَ مِنْ بَينِ الأَمْواتِ سَاكِنًا فيكُم، فالَّذي أَقَامَ الـمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يُحْيي أَيْضًا أَجْسَادَكُمُ الـمَائِتَةَ بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُم.

(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 8 – الآيات 1 إلى 11) 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

المقطع الّذي قرأناه من رسالة بولس الرسول إلى أهل روما، فيشدِّد على أنَّ روح الله الّذي أقام الربّ من بين الأموات يسكن فينا نحن المؤمنين به، وهو الّذي يُحيي أيضًا أجسادنا المائتة بهذا الروح عينه.

1- "أنتم لستم جسديّين": نحن المؤمنين بالمسيح وُلدنا بحسب الجسد من أمَّهاتنا. ولكن يوم معموديّتنا وُلدنا ثانية بحسب الروح، فما عدنا جسديّين طالما أنَّ روح الله يسكن فينا، بل أصبحنا روحيّين. وروح الله الساكن فينا هو يعمل أعمالاً ترضي الله. فكلُّ عمل صالح نقوم به يأتي من قوّة الروح الحالّ فينا. وكلُّ مرّة نبتعد عن الأعمال الصالحة نترك للأمور الجسديّة أن تسيطر علينا. والخطيئة ما دامت متربّصة تنتظر الإنقضاض علينا لتوقعنا في حبائلها. وبالرغم من سقوطنا فيها، يبقى المسيح الساكن فينا بفضل روحه هو القوّة التي تعيدنا إلى البرارة بالتوبة والمصالحة.
نعيش اليوم في عصرٍ تتغلَّب الماديّات فيه على الروحيّات. نهتمُّ بالمظاهرالخدّاعة لنُري أنفسنا أننا ناسٌ جيّدون. وبالرغم من ضعفنا وسقطاتنا، روح الله يسكن فينا ويعطينا القوّة والزخم لكي نعود كلّ مرّة نسقط في الخطيئة، إلى الله الّذي يقدّسنا ويقودنا إلى الحياة الحقّة.

2- "يُحيي الروح أجسادكم المائتة": الصراع دائم بين الروح والجسد، بين الخير والشرّ، بين النور والظلمة، بين النهار والليل... إن إستسلمنا لأهواء الجسد نعيش كأناس جسديّين، لأنَّ كلّ الشرور تأتي من طبيعتنا البشريّة الضعيفة التي تشدُّنا إلى الأسفل، إلى الخطيئة والشر. ولكن، إن إستسلمنا للروح، ننقاد للأعمال الصالحة التي تقود إلى البرّ. وكلُّ الأعمال الروحية تقودنا إلى عيش حياة تحت نظر الربّ، حياة برّ وصلاح.
هذا الروح الّذي أقام الربّ من بين الأموات، والّذي نفى الخوف عن قلوب الرسل والتلاميذ يوم العنصرة، فإنطلقوا يذيعون بشرى الخلاص، هو عينه الّذي يعمل فينا، يُصلّي فينا، يُحيي فينا أجسادنا المائتة.

3- "الروح حياة لكم": إذا كانت الأعمال الجسديّة تؤول إلى الموت، فأعمال الروح تؤول إلى الحياة، حياة البرارة. وإذا إنقاد المسيح لهذا الروح فعمل على شفاء المرضى وتحرير الخطأة من عبوديَّة الخطيئة، فإنقيادنا لهذا الروح عينه يحرّرنا من قيود الخطيئة ويجعلنا أبناء أبينا السماويّ الأحرار والأبرار.
لا نستطيع أن ننقاد لهذا الروح إلّا بالعودة تائبين إلى الله، مستعدّين أن نخضع لكلمته، ونعمل إرادته ونعيش بحسب مرضاته.

ألا أعطِنا يا ربَّنا روح الحكمة والبرارة لنعمل إرادتك ونقود الآخرين إلى عيش البرارة بحسب الروح الّذي إقتبلناه يوم معموديَّتنا، فنتركه يعمل فينا ويقودنا إلى البرّ والقداسة. آمين. 

::: الإنجيل :::

14 وخَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ فَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِيُهْلِكُوه.
15 وعَلِمَ يَسُوعُ بِالأَمْرِ فَإنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك. وتَبِعَهُ كَثِيرُونَ فَشَفَاهُم جَمِيعًا،
16 وحَذَّرَهُم مِنْ أَنْ يُشْهِرُوه،
17 لِيَتِمَّ مَا قِيْلَ بِالنَّبِيِّ آشَعيا:
18 "هُوَذَا فَتَايَ الَّذي إخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذي رَضِيَتْ بِهِ نَفْسِي. سَأَجْعَلُ رُوحي عَلَيْهِ فَيُبَشِّرُ الأُمَمَ بِالـحَقّ.
19 لَنْ يُمَاحِكَ ولَنْ يَصيح، ولَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ في السَّاحَات.
20 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَنْ يَكْسِر، وفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَنْ يُطْفِئ، إِلى أَنْ يَصِلَ بِالـحَقِّ إِلى النَّصْر.
21 وبِإسْمِهِ تَجْعَلُ الأُمَمُ رَجَاءَها".

(إنجيل متى – الفصل 12 – الآيات 14 إلى 21) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

"تشاوروا على يسوع ليُهلكوه"
كيف أمكنهم أن يتشاوروا عليك ليهلكوك وأنت الوديع المتواضع والرّحوم؟
لماذا رفضوك قبل أن يعرفوك ولماذا خافوك؟
ألأنّك أردت إيقاظهم من غيبوبتهم أم لأنّ صدقك كشف رياءهم وخبثهم وأنانيّتهم؟
ألأنّ قلوبهم القاسية أبت أن تلين أمام طيبتك وعدلك؟
ألأنّ آذانهم صُمّت عن سماع كلمة الحياة وعيونهم فضّلت الظّلمة على النّور؟
هل فضّلوا الإختباء وراء الإحترام الظّاهري للشّريعة أو التّمسّك الحرفي بكلمة الكتاب بدل الإنفتاح على الرّوح الّذي يُحيي.
وأنا؟ أأنا مثلهم أختبىء وراء أعذاري وقيودي أم أقبلك في كلّ جوانب حياتي؟
أأستسلم لنورك كي يُضيء ظلمتي أم أستكين لظلمتي خوفًا من إنكشاف ضعفي؟

"وتبعه كثيرون فشفاهم جميعًا"
بالرّغم من الخطر الّذي كان محدقًا بك، بالرّغم من ما كانوا يُضمرون لك من شرٍّ وحقد، بقيت كما أنت، دون تأفّف ولا إنتقام، بقيت قلبًا مُحبًّا صافيًا منفتحًا على الجميع وتريد توبة وخلاص الجميع.
لم تتبدّل ولم تسمح للظّروف بالتّأثير عليك، أنت الّذي لا تطفىء فتيلةً مدخّنة ولا تكسر قصبةً مرضوضة، أنت الّذي علّمتني وما زلت تعلّمني أن أبقى أمينًا لرسالتي، غير آبه بما يضمره لي شرّ الآخرين.
أنت الّذي علّمتني وتعلّمني كلّ يومٍ الصّبر والثّبات والتّركيز على مداواة جراح الإنسانية المتألّمة المنتظرة مَن يرأف بها ويتحنّن عليها.
نعم إخوتي، هذا معلّمنا وسيّدنا، فلنتشبّه به ولا ندع أحدًا يقف في طريقنا، طريق الخلاص لنفوسنا ونفوس إخوتنا. 

::: تــــأمّـل روحي  :::

في ذلك الزمن الغابر، حيث كانت النفوس تئن تحت وطأة الظلم والخطيئة، جاء يسوع حاملاً مشعل الحب والنور، ليكون المخلِّص الّذي يُحرر القلوب من أثقال الذنوب. في إنجيل متى (12: 16-15)، يتجلى لنا مشهدٌ مليءٌ بالرحمة والحنان؛ إذ حينما علم يسوع بمخططات الفريسيين لقتله، إنصرف دونما ضجيج أو صياح، وتبعه جمهورٌ كبير، فشفى مرضاهم، وأمرهم ألا يُخبروا أحدًا. هذا هو الإله الّذي لم ينظر إلى الوراء لحظة، ولم يُدِن أحدًا، بل غفر لهم، وحررهم من قيود خطاياهم.

لقد تحققت نبوءة أشعيا في يسوع: "هذا هو فتاي الّذي إخترته، سأفيض روحي عليه فيُعلن للشعوب إرادتي". يسوع لم يأتِ ليحمل السيف أو ليصرخ في الأسواق، بل جاء ليكون نورًا هادئًا يضيء دروب الحيارى والمثقلين. إنه صوت الحق الّذي لا يخبو، كلمة الحياة التي تنبض في الأعماق، تُلامس الوجدان بلطف السماء وسلامها، فتوقظ في النفس الرجاء، وتُحيي الإيمان الناعس في القلوب.

إن يسوع لم يخاصم ولم يصيح، ولم يسمع أحد صوته في الشوارع. إنه الفادي الّذي جاء ليكون نورًا للعالم، ليعلن مجد الله من خلال حياته اليومية. كان يسوع يدعو الناس إلى التوبة والتجدد، يشفي المرضى ويحررهم من قيود خطاياهم، يحنو على المنكسرين ويُجبر قلوبهم. إنه لم يكسر قصبةً مرضوضةً، ولم يُطفئ فتيلةً مدخنةً، بل نفخ فيها من روحه، ليشع الحب والنور في القلوب.

في عالم اليوم، حيث تزداد الصراعات والكراهية، نحتاج إلى إستعادة تلك القيم النبيلة التي جاء بها يسوع. علينا أن نؤمن بكلمته الأبدية التي لا تزول، أن نعيش محبته ورحمته في حياتنا اليومية، أن نكون نورًا للعالم كما كان هو. فكم من الممالك والملوك قد إندثروا، وكم من الحروب أبكت الرجال وأثكلت الأمهات، واليوم لم يبقَ منها إلا الذكرى. أما كلمة الله، فهي باقية، تزرع الأمل وتعزز الرجاء، تقودنا إلى الحق والخير، وتُجدّد حياتنا بنور المسيح.

لقد شفى يسوع الجميع من أمراضهم، الجسدية والنفسية. لقد شفى نفوسهم من الـ"أنا" التي تشد الإنسان بعيدًا عن الجماعة المتحدة. شفاهم من تعلّقهم بإنسانهم العتيق، ليجعل منهم أُناسًا متجدّدين، يتمتعون بسلام القلب وطهارة الروح والفكر، وإتّقاد القلب. كما قال في متى 11: 28: "تعالوا إليَّ يا جميع المثقلين وأنا أريحكم". لقد دعانا يسوع إلى تلقّي العلاج المناسب لنفوسنا، بإتّباعه والسير على خطاه.
في قصص الحب النقي، نجد تجسيدًا لمحبته. تلك الطفلة الإفريقية التي كانت تحمل أخاها على ظهرها، وقالت بلا تردد: "إنه ليس وزنًا، بل هو أخي الّذي أحبّه كثيرًا". هكذا ينبغي أن تكون علاقتنا بالمسيح، حبًّا مجرّدًا وصادقًا، يحمل أثقالنا ويشفي نفوسنا، دون تأفّف أو تذمّر. إنّ المسيح لم يتفاخر بقوته، بل تواضع حتى غسل أرجل تلاميذه، ليُعلمنا أن الخدمة هي الطريق إلى العظمة الحقيقية.

علينا أن ندرك أهمية الصليب في حياتنا، فهو ليس مجرد رمز للمعاناة، بل هو نيرٌ لطيفٌ وحمله خفيف. إنه يرمز إلى تحمّل الصعوبات والضيقات بإيمان ورجاء، إلى النضال من أجل إيماننا ورسالتنا في الحياة. إن الصليب هو دعوة إلى المصالحة مع الذات ومع الله ومع الآخرين، إلى حمل أثقال الآخرين بحب وتفانٍ، كما حمل يسوع أثقالنا وغفر لنا خطايانا.
لقد أفرغ الله ذاته في يسوع، ليكون لنا مثالاً أعلى في المحبة والتواضع. لقد جاء يسوع ليعلن إرادة الله للإنسان، إرادة مبنية على العدل والحب والرحمة. إن إرادة الله هي خلاص الإنسان من الموت، وهي الدعوة إلى حياة جديدة، مبنية على الإيمان والمحبة، على الإحترام المتبادل والعدل. علينا أن نستجيب لهذه الدعوة، أن نكون نورًا في العالم، أن نعيش قيم المحبة والرحمة في حياتنا اليومية.

يسوع لم يكن شخصًا عاديًّا، بل كان صوت الله في العالم، نوره الّذي لا يخبو. لقد جاء ليكون لنا نورًا، ليُعلّمنا كيف نحب وكيف نغفر، كيف نعيش في سلامٍ ووئامٍ مع الآخرين. إنه الفادي الّذي حمل عنّا خطايانا، الّذي جاء ليُعلن مجد الله بين الشعوب. علينا أن نتعلم من يسوع، أن نكون مثله، أن نحمل نوره إلى العالم، أن نعيش رسالته في حياتنا اليومية.

إن يسوع هو الفتى الحبيب الّذي به رضيت نفس الله، الّذي أُرسل ليكون لنا نورًا وخلاصًا. علينا أن نتّبع خطاه، أن نعيش رسالته، أن نكون نورًا في العالم، أن نُعلن مجد الله من خلال حياتنا اليومية. فلنكن رسل المحبة والرحمة، فلنعش قيم يسوع في حياتنا، ولنجعل من العالم مكانًا أفضل، بفضل نوره الّذي يضيء دروبنا.

في الختام، إنَّ دعوة يسوع لنا هي دعوة إلى الحياة الحقيقية، دعوة إلى الحب والرحمة، دعوة إلى العيش بسلامٍ ووئامٍ مع الآخرين. علينا أن نستجيب لهذه الدعوة، أن نعيش قيم يسوع في حياتنا، أن نكون نورًا في العالم، أن نُعلن مجد الله من خلال حياتنا اليومية. فلنكن رسل المحبة والرحمة، فلنعش قيم يسوع في حياتنا، ولنجعل من العالم مكانًا أفضل، بفضل نوره الّذي يضيء دروبنا. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... "بإسمه جعلت الأمم رجاءها"، كلمات قلتها على لسان النبي أشعيا وحققتها بالرّب يسوع المسيح المخلّص. كتب داود الملك مُتكلِّمًا معك: "أُذكر لعبدِك كلمتك التي جعلتني أرجوها. هذه تعزّيني في بؤسي أنَّ قولك يُحييني" و"أنتَ ستري وترسي، وكلمتك رجائي" (مزمور 119: 49-50 و 114) و"أوامر الرّب مستقيمة تُفرح القلوب، وصية الرّب صافيةٌ تُنير العيون" (مزمور 19: 9)، وغيرها من الكلمات التي جاءت بكلا المزمورين لتُشيد بكلمتك وأحكامك ووعودك بالرحمة والخلاص لِمن عمِل بكلمتك، ففهم بمعونة روحك القدّوس وكتب الإنجيلي يوحنا بعد أن عاش مع الرّب يسوع المسيح وتبعه وأحبّه مُعرِّفًا به وبرسالته: "في البدء كان الكلمة والكلمة لدى الله والكلمة هو الله … الكلمة صار بشرًا فسكن بيننا …" (يوحنا 1:1-18). وأتساءل: "الكلمة" جال يصنع خيرًا، ولكن هل تبعه الجميع؟ ولأي غرضٍ تبعه مَن تبعه؟ ولماذا لم يتبعه البعض وأرادوا قتله وإسكاته؟ ما هو رجائي فيه؟ أأكون على مثال المرضى أو مَن لديهم مريض فآتي إليه أترجّى الشفاء، شفاء الجسد، وحين أُشفى أتركه أو قد أشهد له للآخرين ليُحضروا مرضاهم إليه فيُشفَون؟!

ربّي وإلهي … الأمراض الجسدية في غالبيتها هي واضحة وظاهرة ويمكن للشخص أن يشعر بها فيذهب للطبيب للعلاج، ولكن ما أصعب أن يعترف الإنسان بأن به مرضًا بروحه فيأتي إليك تائبًا طالبًا المغفرة والخلاص، ما أصعب أن يرى أنّ شهواته الجسدية سواءً مادية أو الشعور بالعظمة والـ"أنا" وحب التملّك أو الغيرة والنميمة أو الكذب تجعله إنسانًا خاطئًا أعمى عن رؤية ما بداخل قلبه وفكره، تجعله أسيرًا لمعتقداته التي تُخالف صورتك. ما أسهل أن نرى أخطاء وعيوب الآخرين ولكننا لا نرى أخطائنا. ذهبت يومًا للإعتراف، وفيما كنت أبرِّر غضبي بسبب تصرفات الآخرين معي وأُظهر له عيوبهم إستوقفني الكاهن وقال لي: "تكلّمي عن نفسك ولا تديني الآخرين؛ ما هي خطيئتك؟". أجل، أنا لم أرى سبب إنفعالي الّذي قد يكون الـ"أنا" التي بداخلي، أنا لم أتعلّم المغفرة، أنا لم تكن لديّ الحكمة للتصرف بحسب مشيئتك … أمورًا كثيرة يمكنني أن أغيرها بحياتي إن طلبتُ منك أن تفتح عينيّ وتطلق أسري منها لأكون على صورتك، لأكون من الأبناء الّذين رضيت عنهم بطاعة كلمتك.

ربّي وإلهي … كُن مُعلّمي وإشفِني، وأنعمْ عليّ بأن أسمع وأفهم وأعمل بكلمتك وأؤمن بها فهي ليست فقط نورًا لسبيلي ولكن أيضًا رجاءً لخلاصي، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور الإثني عشر)

1- (المحتفل) نقدم لك يا رب هذه الذبيحة الإلهية من أجل رعيتك، لا سيما من أجل آبائنا المغبوطين: مار فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا، ومار ... مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ إمنحهم يا رب، حياةً لا لوم فيها، وأيامًا مجيدة ليرعوا شعبك بالبرّ والقداسة، نسألك يا رَب.
2- أذكر يا ربّ شعبك القائم أمامك لا سيما الّذين قدّموا هذه القرابين؛ وإغفر لهم ليحيوا دائمًا في حضرتك بغير لوم، ويعرفوا ما تسبغ عليهم من الخير، لأنك الصالح كثير النعمة، نسألك يا رَب.
3- أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا وفي العالم كلّه، ليُقيموا العدل ويحلّوا السلام، نسألك يا رَب.
4- أذكر يا ربّ، الّذين أرضوك منذ البدء، لا سيما القديسة والدة الله مريم، والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين، ويوحنا المعمدان، وإسطفانوس رئيس الشمامسة، ومار ... (شفيع الكنيسة ,ومار… (صاحب العيد))، أشركنا يا ربّ، في صلواتهم وأهلنا لنصيبهم، وهب لنا أن نتنعّم معهم في ملكوتك، نسألك يا رَب.
5- أذكر يا ربّ، الآباء والمعلّمين المستقيمي الرأي، الّذين إحتملوا الشدائد من أجل بيعتك وشعبك، وهب لنا أن نقتفي آثارهم بصدقٍ وأمانة، نسألك يا رَب.
6- (المحتفل) أذكر يا رب، الموتى المؤمنين المُنتقلين مِنـَّا إليك، الراقدينَ على رجائِكَ، المُنتظرينَ ذلكَ الصَوتَ المُحيي، الّذي سيَدعوهُم إلى الحياة، إقبَل القَرابينَ التي نـُقدِّمُها لـَكَ عَنهُم، وأرِحهُم في ملـَكوتِكَ، لأنَّ واحِدًا ظَهَرَ على الأرضِ بـِلا خطيئة، وهو ربُّنا يسوع، الـَّذي بواسِطـَتـِهِ نرجو أن نـَنالَ المَراحِمَ وغـُفرانَ خطايانا وخطاياهُم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

أفكار من وحي الرسالة
من إعداد
الخوري حنا عبود

https://www.facebook.com/pere.abboud

 

أفكار من الانجيل 

من إعداد

الخوري بول الدويهي
https://www.facebook.com/paul.douaihy.7


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس