|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الصليب |
|
::: مـدخــل ::: |
• في عيد الصّليب المقدّس
وبداية زمن الصّليب، لا بدّ لنا من التأمّل في معنى "الصليب"...
• مع العهد القديم، ... نتأمّل في صورة محاربة
العمالقة في رَفيديم، بعدما إقترب الشعب العبراني من دخول أرض الميعاد، حين
إنتصر العبرانيون عندما بقي موسى رافعًا العصا بيده.
• في رسالة اليوم، يُرينا القديس بولس أنّ صليب
المسيح في نظر غير المؤمنين، الّذين سيهلكون لعدم إيمانهم، هو نوع من الحماقة،
لأنه يظهر ضعف المسيح. وأما عندنا، نحن الّذين نخلص بفعل الصليب، فهو قوة الله
التي تنقلنا من موت الخطية إلى الحياة بالمسيح.
• إنجيل اليوم يدعونا كي نتأمّل في المسيح المصلوب
والقائم من الموت الّذي حرّرنا، ولنحبّ كما أحبّنا لنبنيَ لنا عالمًا أجمل
وأرحم.
• عيد الصليب يدعونا إلى إكتشاف ذواتنا كمسيحيّين
مدعوّين لنشهد لمحبّة الله لنا من خلال محبّتنا لبعضنا البعض!
|
::: صـلاة ::: |
أيها الرّب يسوع يا مَن إخترت الصليب بإرادتك، علّمنا أن نحمله ونزهد بنفوسنا كلّ يوم ونتبعك، أعطنا القوة لنحتمله بطيبة خاطر ونصبر على الأعباء الثقيلة والمحن الكثيرة. ساعدنا أن نموت عن ذاتنا لنحيا فيك. آمين.
|
::: العهـد القديـم ::: |
8 وجاءَ العَمَالِقةً
فَحَارَبوا اسْرَائِيلَ فِي رَفِيدِيمَ.
9 فَقَالَ مُوسَى لِيَشُوعَ: «إخْتَرْ لَنَا
رِجَالا وَأخْرُجْ لمُحَاربَةِ العَمَالِقَة، وَغَدًا أنَا أقِفُ عَلَى رَأسِ
التَّلَّ وَعَصَا اللهِ فِي يَدِي».
10 فَفَعَلَ يَشُوعُ كَمَا قَالَ لَهُ مُوسَى في
أمرِ مُحَارَبَةِ العَمالِقة. أمَّا مُوسَى وَهَارُونُ وَحُورُ فَصَعِدُوا إلى
رَأسِ التَّلّ.
11 فَكَانَ إذَا رَفَعَ مُوسَى يَدَهُ، يَغْلِبُ
بَنُو إسْرَائِيل وَإذَا حَطَّها، تغلِب العَمالِقة.
12 وَلَمَّا ثَقُلَت يَدَا مُوسَى، أخَذَا حَجَرًا
وَجَعَلاهُ تَحْتَهُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ وأَسنَدَ هَارُونُ وَحُورُ يَدَيْهِ،
أحَدُهما مِنْ هُنَا وَالآخَرُ مِنْ هُنَاكَ. فَكَانَتْ يَدَاهُ ثَابِتَتَيْنِ
إلَى مَغيبِ الشَّمْسِ.
13 فَهَزَمَ يَشُوعُ عَمَالِيقَ وَقَوْمَهُ
بِحَدِّ السَّيْفِ.
14 وقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «أكْتُبْ هَذَا
ذِكرًا فِي كِتَاب، وَضَع فِي أذُنَي يَشُوعَ انِّي سَأمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ
مَحْوًا مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ».
15 وَبَنَى مُوسَى مَذْبَحا وَسَمَّاهُ «الرَّبُّ
رايتِي».
(سفر الخروج – الفصل 17 - الآيات 8 إلى 15)
|
::: أفكار من وحي العهد القديم ::: |
التعريف بالكتاب:
سفر الخروج هو ثاني كُتُب الشريعة، وفيه قصة خروج
الشعب العبراني من مصر بعدما أتى إليها يعقوب وبَنوه ليبقوا مع يوسف الّذي نجد
قصته في سفر التكوين، إذ باعه إخوته ليصير في مصر، ويصل هناك إلى السلطة. في
هذا الكتاب، نجد كيف أصبح الشعب العبراني الخصب الكثير الإيلاد يُخيف المصريين،
وكيف جمع موسى هذا الشعب ونظم حياته الدينية إستعدادًا لدخول أرض الميعاد مع
يشوع بن نون. يمكننا قراءة قصة ترسم إطارًا تاريخيًّا مُلفِتًا، فيه تدخّل الله
ليُقدّس التاريخ ويُخَلّص الإنسان.
ظروف كتابة النص:
في هذا النص نجد صورة محاربة العمالقة في رَفيديم،
بعدما إقترب الشعب العبراني من دخول أرض الميعاد. لقد إنتصر العبرانيون عندما
بقي موسى رافعًا العصا بيده.
مضمون النص:
يتمحور هذا النص حول فكرة أساسية هي: العصا.
فالعصا هي رمز الرعاية، والسلطة وقدرة الله. فقد
حملها موسى، وفي كل مراحل عمله مع شعب الله كان لتلك العصا الرمزية المرئية
لحضور الله وعمل ذراعه القوية. لذلك كان العبرانيّون يغلبون العمالقة عندما
يرفع موسى العصا.
ما يزيد من قوة المشهد، هو أنه لما ثَقُلَت يدا
موسى وتعب من رفعهما، وضع مُرافقاه حجرًا تحته ورفعا له يدَيه، فكان مع عصاه
وكأنه مصلوبًا. لقد حافظ هارون وحور على موسى وعصاه، وساعدا موسى على رفع العصا
التي هي راية الرب.
إنتصر العبرانيّون براية الرّب، وعلامة لهذا
الإنتصار كان بناء مذبح "الرّب رايتي".
علاقة النص بالقراءات اللاحقة:
يُشدد بولس الرسول على أن راية الصليب هي قوة
الله، كما أن يسوع يشدّد في إنجيل يوحنا أنه متى إرتفع على الجلجلة، على
الصليب، سيجذب إليه الجميع، وأيضًا كان للعصا بيد موسى دور كبير في إنتصار
الشعب، لأنها كانت علامة على قوة الله.
خاتمة تطبيقية:
الصليب هو أساس في حياتنا: بإرتفاع المسيح عليه،
صار علامة مجد وإنتصار، علامة إنكسار الموت.
|
::: الرسالة ::: |
8 إِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ
عِنْدَ الـهَالِكِينَ حَمَاقَة، أَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الـمُخَلَّصِينَ
فَهِيَ قُوَّةُ الله؛
9 لأَنَّهُ مَكْتُوب: "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ
الـحُكَمَاء، وأَرْذُلُ فَهْمَ الفُهَمَاء!".
10 فَأَيْنَ الـحَكِيم؟ وأَيْنَ عَالِمُ
الشَّرِيعَة؟ وأَيْنَ البَاحِثُ في أُمُورِ هـذَا الدَّهْر؟ أَمَا جَعَلَ اللهُ
حِكْمَةَ هـذَا العَالَمِ حَمَاقَة؟
11 فَبِمَا أَنَّ العَالَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا
عَرَفَ اللهَ بِحَسَبِ حِكْمَةِ الله، رَضِيَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ بِحَمَاقَةِ
البِشَارَةِ الَّذِينَ يُؤْمِنُون؛
12 لأَنَّ اليَهُودَ يَطْلُبُونَ الآيَات،
واليُونَانِيِّينَ يَلْتَمِسُونَ الـحِكْمَة.
13 أَمَّا نَحْنُ فَنُنَادِي بِمَسِيحٍ مَصْلُوب،
هُوَ عِثَارٌ لِليَهُودِ وحَمَاقَةٌ لِلأُمَم.
14 وأَمَّا لِلمَدْعُوِّينَ أَنْفُسِهِم، مِنَ
اليَهُودِ واليُونَانِيِّين، فَهُوَ مَسِيحٌ، قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ الله؛
15 فَمَا يَبْدُو أَنَّهُ حَمَاقَةٌ مِنَ اللهِ
هُوَ أَحْكَمُ مِنَ النَّاس، ومَا يَبْدُو أَنَّهُ ضُعْفٌ مِنَ اللهِ هُوَ
أَقْوَى مِنَ النَّاس.
(الرّسالة الأولى إلى أهل قورنتوس – الفصل الأوّل - الآيات 18 إلى 25)
|
::: أفكار من وحي الرسالة ::: |
يرينا القديس بولس أنّ صليب
المسيح في نظر غير المؤمنين، الّذين سيهلكون لعدم إيمانهم، هو نوع من الحماقة،
لأنه يظهر ضعف المسيح. وأما عندنا، نحن الّذين نخلص بفعل الصليب، فهو قوة الله
التي تنقلنا من موت الخطية إلى الحياة بالمسيح.
آ 19: مكتوب (في إشعياء 29: 14) أن الحكمة الإلهية
بتحقيق الخلاص بالصليب أبطل بها الرّب كل ما كان للحكماء من حكمة بشرية عجزت عن
إصلاح الإنسان، ولذلك إتخذت الكنيسة الصليب كرمز للخلاص.
آ 20: يتساءل الرسول سؤالًا إستنكاريًّا بغرض كشف
فشل اليهود وفلاسفة الأمم، بكل ما لهم من حكمة ومعرفة أو قدرة على المجادلة، في
إصلاح الفساد الّذي لحق بالإنسان.
آ 21: لم يستطع العالم معرفة الله عن طريق حكمته
المعلنة بوضوح في كل الخليقة، فإستحسن أنْ يُخلِّصهم من الخطية بما أتمّه بموته
على الصليب، الّذي ينظر إليه غير المؤمنين على أنه جهالة.
آ 22-23: لأن اليهود يطلبون مُخلِّصًا قويًّا
جبارًا يعمل أعمالًا معجزية، واليونانيين يطلبون مُخلِّصًا يتّصف بالفلسفة
والحكمة لذلك فكرازتنا بالمسيح مصلوبًا لا يقبلها اليهود، الّذين كانوا ينتظرون
الخلاص من الرومان وليس من الخطية، وتتعارض مع حكمة اليونانيين، الّذين يعتبرون
الكرازة بالصليب جهالة.
فلنرفع عيوننا إلى الصليب ونجتهد بنعمة الله ولا
نفكّر إلاّ بعظمة هذا الحبّ الشافي والمُطهِّر والمُخلِّص، فيكون الصليب في
قلوبنا وحياتنا وأمام ناظرَيْنا دائمًا، فلا نُضيِّع الدرب إلى الأبديّة، ولا
نُشتَّت بملذّات هذا العالم الزائل، ولا نكون حجر عثرة للآخرين، ونبتعد عن
الـ"أنا" ونكون مُتشبّهين بالرّب يسوع الّذي أتمّ مُخطّط الآب الخلاصي.
|
::: الإنجيل ::: |
20 وكَانَ بَينَ الصَّاعِدِينَ
لِيَسْجُدُوا في العِيد، بَعْضُ اليُونَانِيِّين.
21 فَدَنَا هـؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ
بَيْتَ صَيْدَا الـجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين: "يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ
نَرَى يَسُوع".
22 فَجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس،
وجَاءَ أَنْدرَاوُسُ وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع.
23 فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: "لَقَدْ
حَانَتِ السَّاعَةُ لِكَي يُمَجَّدَ إبْنُ الإِنْسَان.
24 الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ
الحِنْطَة، إِنْ لَمْ تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ
مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِير.
25 مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُهَا، ومَنْ
يُبْغِضُهَا في هـذَا العَالَمِ يَحْفَظُهَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّة.
26 مَنْ يَخْدُمْنِي فَلْيَتْبَعْنِي. وحَيْثُ
أَكُونُ أَنَا، فَهُنَاكَ يَكُونُ أَيْضًا خَادِمِي. مَنْ يَخْدُمْنِي
يُكَرِّمْهُ الآب.
27 نَفْسِي الآنَ مُضْطَرِبَة، فَمَاذَا أَقُول؟
يَا أَبَتِ، نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَة؟ ولكِنْ مِنْ أَجْلِ هـذَا بَلَغْتُ
إِلى هذِهِ السَّاعَة!
28 يَا أَبَتِ، مَجِّدِ إسْمَكَ". فَجَاءَ صَوْتٌ
مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: "قَدْ مَجَّدْتُ، وسَأُمَجِّد".
29 وسَمِعَ الـجَمْعُ الـحَاضِرُ فَقَالُوا:
"إِنَّهُ رَعد". وقَالَ آخَرُون: "إِنَّ مَلاكًا خَاطَبَهُ".
30 أَجَابَ يَسُوعُ وقَال: "مَا كَانَ هـذَا
الصَّوْتُ مِنْ أَجْلِي، بَلْ مِنْ أَجْلِكُم.
31 هِيَ الآنَ دَيْنُونَةُ هـذَا العَالَم. الآنَ
يُطْرَدُ سُلْطَانُ هـذَا العَالَمِ خَارِجًا.
32 وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ
إِليَّ الـجَمِيع".
(إنجيل يوحنّا - الفصل الثاني عشر - الآيات 20 إلى 32)
|
::: أفكار من وحي الإنجيل ::: |
ما أعظم إقتناء الصّليب، مَن
إقتناه فقد حاز كنزًا" (القدّيس اندراوس التّكريتي).
في هذا اليوم الّذي نحتفل فيه بعيد الصّليب، نحن
مدعوّون إلى التّأمّل بهذا السرّ العظيم، سرّ محبّة الله للعالم الّذي من خلال
صليبه خلّصنا.
فالصّليب أصبح مصدر حياة ومغفرة ورحمة وعلامة
مصالحة وسلام.
فلننظر إلى المسيح المصلوب كي ننال الشّفاء من
الخطيئة، كما يعلّمنا القديس أوغوسطينس ولنرفع هذا الصّليب بكلّ فخرٍ وإعتزاز،
لأنّه علامة محبّة الله لنا، ولنشكر الله لأنّه من الشّجرة التي جلبت الموت
إنبثقت الحياة من جديد.
إنّ الصّليب يخبرنا أنّ المحبّة أقوى من الموت
وأقوى من ضعفنا وخطايانا.
إنّ قوّة المحبّة أقوى من الشرّ الّذي يهدّدنا،
فكرامتنا، كأبناء الله التي شوّهتها الخطيئة، قد أستُعيدَت لنا على الصّليب.
فلننظر إلى المسيح المصلوب والقائم من الموت وهو
يحرّرنا، ولنحبّ كما أحبّنا لنبنيَ لنا عالمًا أجمل وأرحم.
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
تأملاتي في الحياة والإيمان تنطلق
من رؤية عميقة للحب الإلهي الّذي يُحيط بنا من كل جانب، ويُجسد جوهر رسالتنا كأبناء
الله. الحب ليس مجرد شعور عابر أو نزوة، بل هو القوة التي تعبر الحدود الزمنية
والمادية لتلامس كل نفس، بغض النظر عن مكانتها في المجتمع. يتجلّى هذا الحب في
إنتظارٍ دائمٍ وصامت، تمامًا كما يقرع الحب باب القلوب المتحجرة، فيدعوها لتفتح
وتسمح له بالدخول. ومع ذلك، قليلون هم الّذين يُدركون قيمة هذا الحب الأسمى، قلةٌ
مَن يسمعون النداء ويفتحون قلوبهم، ليعيشوا في تناغم أبدي مع هذه القوة الربّانية.
الّذين يقبلون الحب في قلوبهم يشهدون تحولًا جذريًّا
في حياتهم. لا ينظرون إلى الدنيا كحقلٍ مليءٍ بالأشواك والزؤان، بل يرونه كمكان
ينتظر أن تمتد إليه أياديهم المؤمنات لتزرع فيه بذور الخير. هؤلاء الّذين يتلقون
الحب الإلهي يصبحون سفراء للحب في هذا العالم، يزرعون الحنطة المقدسة ويحرسونها من
يد الشر التي تسعى جاهدة لإفسادها. لقد أدركوا أن الوقت حان، أن ساعة مجد إبن
الإنسان قد أزفت، وأن هذه الساعة ليست مرتبطة بتوقيت زمني أرضي، بل هي ساعة إلهية
تعبر عن وعد الآب لأبنائه.
لكن الحب الإلهي لا يأتي دون تحديات، فهو يتطلب التخلي
عن العوائق التي تعترض الطريق. إنه يشبه حبّة القمح التي تحتاج إلى أن تموت لتثمر.
إنها دعوة لنا جميعًا للتخلي عن الذات والأنانية، لنسلك الطريق الصعب الّذي يقود
إلى الحياة الحقيقية. للأسف، الكثيرون يفضلون الطريق الأسهل، غير مدركين أن هذا
الجسد الّذي يعتنون به سيزول، ولن يبقى منهم إلا ما وهبهم الله من ذاته، الروح التي
أودعها فيهم. هذه الروح ستقف أمام الخالق لتُحاسب على ما أنجزته، على مدى إقترابها
من الحب الإلهي وعلى قدرتها على التوهج بنوره.
يا إله الحب الّذي حول الصليب من رمز للعار إلى جسر
نحو الحياة الأبدية، إجعلنا نفهم أن الحب أقوى من الموت. علمنا أن إرادة الحياة معك
هي دربٌ مفتوح على الأبدية، دربٌ لا ينتهي. إن الحياة في هذا العالم ما هي إلا رحلة
نحو الحب الإلهي، نحو تلك القوة التي تغلب الشر والخطيئة. ولعلنا نستذكر كلمات
البابا يوحنا بولس الثاني: "يا رب، إجعل قوة حبك تنصرنا على الشر الّذي يهددنا".
فالحب الّذي تجلّى في صليب المسيح هو القوة الوحيدة القادرة على طرد "سيد هذا
العالم" وتهديم حصونه.
لقد جاء المسيح ليكون ملكًا على القلوب وليس على
العروش. رفض أن يكون حاكمًا سياسيًّا كما أراد له الكثيرون في زمانه، ليكون بدلاً
من ذلك حاكمًا على النفوس. صليبه لم يكن رمزًا للضعف، بل هو الصولجان الّذي كسر
قيود الخطيئة والموت، ليُحرّر الإنسان من عبودية الجسد وأهوائه. نحن اليوم، كما في
الماضي، نبحث عن القوة والسلطة، نبحث عن المسيح في العروش والمناصب، ننسى أن عظمته
تكمن في تواضعه، وأنه قدم لنا حياة جديدة من الحب والفرح والسلام.
لكن المسيح ليس بعيدًا عنا كما نتصور. إنه أقرب إلينا
من ذاتنا، كما قالت القديسة تريزا. إنه في أعماق قلوبنا، يتحدث إلينا بلغة الحب
التي لا يفهمها الكثيرون. ليتنا نفتح أعيننا على هذا الحب الّذي يغمرنا، فنراه كما
هو: ليس صوتًا مدويًا أو صدى للفراغ، بل هو نداء عميق ينبع من قلب الله ذاته. ليتنا
نتمكن من نزع غشاوة الجهل عن أعيننا، فنرى الطريق الّذي يقودنا إلى حضن الآب.
الرجاء في هذا السياق هو القوة التي تدفعنا للإستمرار.
الرجاء هو القوة التي تمنحنا الصمود أمام تجارب الحياة وصعوباتها. إنه نداءٌ دائمٌ
يطلب منّا أن نحمل صليبنا، وأن نتحمل الألم والمشقات بإيمان وفرح. المسيح لم يعدنا
بحياة خالية من الصعوبات، بل وعدنا بأن صليبه سيكون لنا مصدر قوة، وأنه من خلال
الألم سنجد الخلاص.
إن الحب الّذي نعيشه اليوم، في هذا العالم المليء
بالتحديات، ليس ضعفًا ولا جنونًا. إنه القوة التي تقودنا إلى القيامة، التي تجعل من
كل ألم ووجع فرصة للنمو والتطور الروحي. إن هذا الحب الّذي دفع المسيح إلى قبول
الموت على الصليب هو الحب الّذي يدعونا إلى التخلّي عن ذواتنا، والعيش من أجل
الآخرين. إنه حب يحمل في طياته جنون الصليب، الّذي جعل المسيح يقبل الموت من أجل
خلاصنا.
لعلنا نعي أن الحياة الحقيقية تبدأ عندما نُقرّر أن
نحب، وأن نعيش هذا الحب في كل تفاصيل حياتنا. هذا هو سر الحياة المسيحية، التي تقوم
على الإيمان بالمسيح والعمل بمحبته. المسيحية ليست مجرد عقيدة أو فلسفة، بل هي "فن
العيش" في العالم، بتناقضه مع القيم المادية والأنانية. إنها دعوة لحمل الصليب بفرح
وإيمان، لنشهد للعالم عن قوة القيامة والخلاص.
إن كل يوم هو فرصة جديدة لقبول المسيح في حياتنا،
وفرصة لطرد سلطان هذا العالم الّذي يحاول السيطرة على قلوبنا. إنه يوم نختار فيه
الإيمان بالحب الّذي لا يعرف الحدود، الحب الّذي يطرد كل خوف وكل ضعف. اليوم هو يوم
النصر، يوم القيامة. إنه اليوم الّذي نعلن فيه إنتصار الحب على الموت، وندعو فيه
العالم ليختبر هذا الحب الّذي لا ينتهي.
في النهاية، الإيمان هو جوابنا على محبة الله. إنه ليس
مجرد إلتزام أخلاقي أو فكرة عظيمة، بل هو لقاء شخصي مع الحب الإلهي الّذي يُغير
حياتنا. عندما نفتح قلوبنا لهذا الحب، نصبح قادرين على أن نحب كما أحبنا المسيح،
ونعيش حياتنا كعلامة حيّة على وجوده.
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... مَن قال أنّ تمجيد
أسمك سيكون سهلاً في يومٍ ما؟ مَن قال أنّ إظهار "الله محبة" هو أمرٌ سهلٌ؟ بالنسبة
للرّب يسوع إستوجب ذلك تَحمُّل الإهانات والآلام والموت على الصليب، تَحمّل خيانة
الإنسان لكَ وأحبّ الأعداء، وبالنسبة لنا فإن طاعة كلمتك، صليب الروح، هو شيئًا
يتطلب منّا التخلّي عن أمورًا كثيرة وأهمها الـ"أنا" لنضع مكانها الـ"الله ونحن"
لنعمل بما أوصى به الرّب يسوع: "أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مُبغضيكم. وباركوا
لاعنيكم، وصلّوا من أجل المُفترين الكذب عليكم. مَن ضربكَ على خدّك فأعرض له الخد
الآخر. ومَن إنتزع منكَ رداءك فلا تمنعه قميصك ... وكما تُريدون أن يُعاملكم الناس،
فكذلك عامِلوهم. فإن أحببتم مَن يُحبّكم، فأي فضلٍ لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يفعلون
ذلك ... أحبّوا أعداءكم ... تكونوا أبناء العلِيّ لأنهُ هو يلطفُ بالكفرة والأشرار.
كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم" (لوقا 6: 27-38). أليس هذا هو تعاملكَ معنا وجسّده
الرّب يسوع على الصليب؟!
ربّي وإلهي ... يقول أحدهم: "أعطوا مجد لله"، فيردّون
عليه: "المجد لله"، وكأن تمجيد أسمك هو فقط بكلمات!! كلا، تمجيد أسمك هو بأفعال
تُظهر للآخرين بأنك ملكًا على القلب من خلال طاعة كلمتك وإتمام مشيئتك، من خلال نشر
ملكوتك حيث تصبحُ أنت ملكًا على النفس، ملكًا يُحبنا وأظهر حبّه لنا بمصالحتنا
بمغفرة خطايانا بالرّب يسوع المسيح الّذي دعس رأس الحية وأقال إبليس من عرشه في
القلب وأجلسكَ: ملكوت خدمة ورحمة حبًّا بك وبالآخرين، ملكوت يكون فيه "إعطاء
الحياة" هو الهدف من الوجود كهدف تناول الخبز وسريان الدم للجسد. أجل أنتَ تُحبّنا
كما نحن ولكن أنتَ قدّوس ولقد قدّستنا بموت الرّب يسوع على الصليب، ولكنك تود أن
نتعامل معك كأبٍ للجميع، ونتعامل مع الجميع كأخوة، وهذا ليس بالشيء السهل، فيا رب
ساعدنا على حمل صليبنا وإملأ قلبنا من المحبة الإلهية ليصبح حملنا خفيف، وكأن
المحبة هي التي تحمل عنّا ثِقل الصليب كما فعل الرّب يسوع، ولك الشكر على الدوام،
آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
(نوايا نافور مار مرقس البشير)
1- (المحتفل): عظّم يا ربّ شأن
كنيستك المقدّسة المنتشرة في الأقطار الأربعة، وإحفظ رعاتها المستقيميّ الرأي،
بالأمان والسلام جميع أيّام حياتهم، لا سيّما مار … بابا روما، ومار … بطرس
بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، والأساقفة، والكهنة الأتقياء، والشمامسة
الأطهار، وكلّ خدمة مذبحك المقدّس، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، مع هؤلاء جميع الّذين
يدعون إسمك القدّوس: بارك القريبين، أرجع البعيدين، إفتقد المرضى، قوِّ الضعفاء،
أطلق المسجونين، أعضد المظلومين، ردّ الضالّين إلى مخافتك، وجازِ المجازاة الحسنة
جميع الّذين قرّبوا القرابين في كنيستك المقدّسة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا،
وجميع أبناء البيعة المقدّسة، إمنحهم الأمان والسلام، وأبعد عنهم النـزاعات
الداخليّة والخارجيّة، فيحيوا حياة هادئة، إحفظهم برسم صليبك الحيّ والظافر، خلّص
المضطهدين المهجّرين من رعيّتك، كن للغرباء ملجأً، للمسافرين رفيقًا. إمنح الرهبان
والمتوحّدين والقاطنين في الجبال وكهوف الأرض آخرة صالحة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، يا ربّ، في هذا الوقت، على مذبحك
السماويّ، وعلى هذا المذبح، القدّيسة الدائمة البتوليّة، والدة الله مريم،
والأنبياء، والرسل والشهداء، والمعترفين والمبشّرين، ويوحنّا المعمِّد والسابق،
وإسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار… (شفيع الكنيسة)، ومار… (صاحب العيد)،
وجميع القدّيسين، أنظمنا في أجواقهم، وأشركنا في عيدهم السعيد. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، جميع الّذين عَبَروا من
هذا العالم وبلغوا إليك، بَلِّغهم مساكنك السعيدة وأمحُ كلّ خطاياهم، لأنّه ما من
أحد على الأرض بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته
نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة، المقدّمة والصلاة من إعداد
أفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
أفكار من وحي الرسالة https://www.facebook.com/pere.abboud
أفكار من الانجيل
من إعداد
الخوري بول الدويهي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |