الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

  زمن الصليب

الأحد الثاني بعد عيد الصليب
(22 أيلول 2024)

::: مـدخــل :::

• في الأحد الثاني من زمن الصليب، فلنتأمل في الصليب كعلامة رجاء وكدعوة للإيمان.
• مع العهد القديم، يُعلن يوئيل قُرب يوم الرّب، ويَحُضُّ الشعب من خلال هذا النص على الإعتراف بملكية الرّب (دون سواه) عليه، والعودة إليه بالتوبة والصوم والدموع.
• في رسالة اليوم، يُفهمنا القدّيس بولس أنّ المؤمن الحقيقي هو المؤمن بالقيامة والّذي يحتمل ضيق هذا العالم، ورجاؤه في مجد أبديّ بعد القيامة.
• إنجيل اليوم يدعونا كي نحافظ على صورة "الله- المحبّة" التي خُلقنا على مثالها، علينا أن لا نخسر أعظم علامة محبّة تعمّدنا لنشهد لها، علينا أن لا نهمل رسالتنا الأساس، الشّهادة للمحبّة.
• فليكن رجاؤنا بالقيامة علامة حيّة وسط هذا العالم بأنّنا ولو سلكنا في وادي ظلال الموت، فإن إلهنا حاضر وفاعل وهو سيقود العالم إلى الملء والكمال. 

::: صـلاة :::

يا ربّ، نتوسّل إليك أن تغيّر مفهومنا للحياة لنعي أنّ أجسادنا هي هياكل للروح القدس، فنحترم أجسادنا ونحترم بعضنا البعض ونتجدّد بتبدّل عقولنا وتصرّفاتنا، لك المجد إلى الأبد، آمين. 

:::  العهـد القديـم  :::

1 أُنفُخوا في البوقِ في صِهْيون وآهتِفوا في جَبَلِ قُدْسي ولْيَرتَعِدْ جَميعُ سُكَانِ الأَرض فإِنَّ يَومَ الرَّبِّ آتٍ وهو قَريب
10 مِن وَجهِه إرتَعَدَتِ الأَرض ورَجَفَتِ السَّموات وأَظلَمَتِ الشَّمسُ والقَمَر وسَحَبَتِ الكَواكِبُ ضِياءَها
11 وجَهَرَ الرَّبُّ بِصَوتِه أَمامَ جَيشِه لِأَنَّ عَسكَرَه كَثيرٌ جِدًّا مُقتَدِرٌ يُنَفِّذُ كَلِمَتَه لِأَنَّه عَظيمٌ يَومُ الرَّبِّ وهائِلٌ جِدًّا فمَنِ الَّذي يُطيقُه؟
12 فالآنَ، يَقولُ الرَّبّ: «إِرجعوا إِلَيَّ بكُلِّ قُلوبِكم وبِالصَّوم والبُكَاءَ والِإنتِحاب».
13 مَزِّقوا قُلوَبَكم لا ثِيابَكم وإرجِعوا إِلى الرَّبِّ إِلهكم فإِنَّه حَنونٌ رَحيم طَويلُ الأَناة كَثيرُ الرَّحمَة ونادِمٌ على الشَّرّ.
15 أُنفُخوا في البوقِ في صِهْيون وأَوصوا بصَومٍ مُقَدَّس ونادوا بِإحتِفال.
16 إِجمَعوا الشَّعبَ وقَدِّسوا الجَماعَة وإجمَعوا الشُّيوخ وإجمَعوا الأطفالَ وراضِعي الأَثْداء ولْيَخرُجِ العَريسُ مِن مُخدَعِه والعَروسُ مِن خِدرِها.

(سفر يوئيل– الفصل 2- الآيات 1 و 10 إلى 13 و 15 إلى 16) 

::: أفكار من وحي العهد القديم  :::

التعريف بالكتاب:
لا نعرف الكثير عن شخص النبي يوئيل، إنما تمكّن الباحثون من خلال دراسة كتاباته، إلى خلاصة تقول أن يوئيل هو من الأنبياء الّذين عاشوا في فترة ما بعد العودة من السّبي إلى بابل، وهو نبي مرتبك بخدمة الترنيم في الهيكل على الأرجح، لأن كتاباته فيها طابع ليتورجي. على كل حال، نفهم من خلال هذا الكتاب فكرة أساسية: يوم الرّب سوف يأتي، وهو يومٌ رهيبٌ ومخيف... فما العمل؟ جواب يوئيل كان: التّجرّد، والصلاة، والتوبة الحقيقية إلى الله... هكذا نصل بسلام إلى ذلك اليوم العظيم.

ظروف كتابة النص:
يُعلن يوئيل قُرب يوم الرّب، ويَحُضُّ الشعب من خلال هذا النص على الإعتراف بملكية الرّب (دون سواه) عليه، والعودة إليه بالتوبة والصوم والدموع.

مضمون النص:

ينقسم هذا النص إلى محورَين:
1- إعلان يوم الرّب وملكيته على الأرض وكل ما فيها:
• يوم الرّب سيأتي لا محالة: فالأرض خلقها الله، وهو الّذي يجب أن يملك عليها. لذلك: كل الشرور والشكوك والموت سيغلبها الله بحضوره في ذلك اليوم.
• العودة إلى ما قبل الخلق: فالأرض والسماء تهتزّان بعدما ثبّتهما الرّب في وقت الخلق، والشمس والقمر والكواكب التي ساعدت الإنسان على تحديد مواقيت الصلاة والأعياد لم يعد لها من وجود لأن الإنسان لم يعد بحاحة إليها لتُذكّره بالرّب، لأنه في ذلك اليوم سيكون حاضرًا في وسط الشعب.
• صوت الرّب وجيشه: كلمة الرّب هي الحقيقة، والحقيقة مُخيفة لمَن شوّهها ورفضها ولم يعمل بها... لذلك كل مَن يعمل بها ويعيشها ويقبلها هو من جيش الرّب الّذي سيدين كل الكاذبين والخطأة الّذين رفضوا أن يتوبوا.
2- دعوة الشعب للعودة إلى الرّب:
• العودة إلى الرّب بالحزن والنحيب وتمزيق القلب والصّوم،
• الرّب هو حنون ورحيم مع جميع الّذين يقبلونه ويتوبون عن شرورهم،
• النفخ في البوق ليجتمع الشعب هو عادة مُتّبعة لدى اليهود في وقت الصلاة (خصوصًا يوم السبت والأعياد)، فيكون صوت البوق هو دعوة للصلاة والإجتماع حول كلمة الرّب.

علاقة هذا النص بالقراءات اللاحقة:
يصف يسوع يوم الرّب بعبارات تشبه ما قرأناه في سفر يوئيل.

خاتمة تطبيقية:
يوم الرّب سيأتي فجأة... فهل نحن مستعدون للقاء الرّب؟ 

::: الرسالة :::

19 إِنْ كُنَّا نَرْجُو الـمَسِيحَ في هـذِهِ الـحَيَاةِ وحَسْبُ، فَنَحْنُ أَشْقَى النَّاسِ أَجْمَعِين!
20 وَالـحَالُ أَنَّ الـمَسِيحَ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وهُوَ بَاكُورَةُ الرَّاقِدِين.
21 فَبِمَا أَنَّ الـمَوْتَ كَانَ بِوَاسِطَةِ إِنْسَان، فَبِوَاسِطَةِ إِنْسَانٍ أَيْضًا تَكُونُ قِيَامَةُ الأَمْوَات.
22 فَكَمَا أَنَّهُ في آدَمَ يَمُوتُ الـجمِيع، كَذلِكَ في الـمَسِيحِ سيَحْيَا الـجَمِيع،
23 كُلُّ وَاحِدٍ في رُتْبَتِه: الـمَسِيحُ أَوَّلاً، لأَنَّهُ البَاكُورَة، ثُمَّ الَّذِينَ هُمْ لِلمَسِيح، عِنْدَ مَجِيئِهِ.
24 وَبَعْدَ ذلِكَ تَكُونُ النِّهَايَة، حِيْنَ يُسَلِّمُ الـمَسِيحُ الـمُلْكَ إِلى اللهِ الآب، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ رِئَاسَةٍ وكُلَّ سُلْطَانٍ وَقُوَّة،
25 لأَنَّهُ لا بُدَّ لِلمَسِيحِ أَنْ يَمْلِك، إِلى أَنْ يَجْعَلَ اللهُ جَمِيعَ أَعْدَائِهِ تَحْتَ قَدَمَيه.
26 وآخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الـمَوْت.
27 لَقَدْ أَخْضَعَ اللهُ كُلَّ شَيءٍ تَحْتَ قَدَمَيْه. وَحِينَ يَقُولُ الكِتَاب: "أُخْضِعَ لَهُ كُلُّ شَيء"، فَمِنَ الوَاضِحِ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي اللهَ الَّذي أَخْضَعَ لَهُ كُلَّ شَيء.
28 ومَتَى أُخْضِعَ لِلإبْنِ كُلُّ شَيء، فَحِينَئِذٍ يَخْضَعُ الإبْنُ نَفْسُهُ لِلَّذي أَخْضَعَ لَهُ كُلَّ شَيْء، حَتَّى يَكُونَ اللهُ الكُلَّ في الكُلّ.
29 وإِلاَّ فَمَاذَا يَفْعَلُ الَّذِينَ يَتَعَمَّدُونَ مِنْ أَجْلِ الأَمْوَات؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لا يَقُومُونَ أَبَدًا، فَلِمَاذَا يَتَعَمَّدُونَ مِنْ أَجْلِهِم؟
30 ونَحْنُ، فَلِمَاذَا نُعَرِّضُ أَنْفُسَنَا كُلَّ سَاعَةٍ لِلخَطَر؟
31 أُقْسِمُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، بِمَا لي مِنْ فَخْرٍ بِكُم في الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا، أَنِّي أُوَاجِهُ الـمَوْتَ كُلَّ يَوْم.
32 إِنْ كُنْتُ صَارَعْتُ الوُحُوشَ في أَفَسُس، لِغَايَةٍ بَشَرِيَّة، فأَيُّ نَفْعٍ لي؟ وإِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لا يَقُومُون، فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَب، لأَنَّنَا غَدًا سَنَمُوت!
33 لا تَضِلُّوا! إِنَّ الـمُعَاشَرَاتِ السَّيِّئَةَ تُفْسِدُ الأَخْلاقَ السَّلِيمَة!
34 أَيْقِظُوا قُلُوبَكُم بِالتَّقْوَى، ولا تَخْطَأُوا، فَإِنَّ بَعْضًا مِنْكُم يَجْهَلُونَ الله! أَقُولُ هـذَا لإِخْجَالِكُم!

(الرّسالة الأولى إلى أهل قورنتوس – الفصل 15- الآيات 19 إلى 34) 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

يفهمنا القدّيس بولس أنّ المؤمن الحقيقي هو المؤمن بالقيامة والّذي يحتمل ضيق هذا العالم، ورجاؤه في مجد أبديّ بعد القيامة.
آ 19: إن كان رجاؤنا، من خلال إيماننا بالمسيح، ينصّب على هذه الحياة الأرضية فقط فما أشقانا. فالمسيح لم يعط أتباعه وعدًا بأي مجد في هذا العالم، بل أوضح أنّ مَن يتبعه سيجتاز الضيق والألم ويتعرّض لإضطهادات كثيرة، ولكنه وعدنا برجاء في ميراث أبدي في ملكوته بعد القيامة.
آ 20 : لكن المسيح قد قام حقًّا من الأموات، وقيامته هذه هي عربون قيامة الراقدين على الرجاء للمجد الأبدي.
باكورة الراقدين: رغم أنه ليس أول من قام من الأموات، فقد سبقه من أقامهم إيليا وإليشع ومن أقامهم هو نفسه مثل لعازر وإبنة يايرس وإبن أرملة نايين ولكنه تميّز عنهم بأنه أقام نفسه، وكذلك لم يمت ثانية، بالإضافة إلى أنه قام ليُقيمنا فيه فقد مات، وهو بلا خطية، عنا ليفدينا.
آ 21: إن كان الموت قد دخل إلى الجنس البشري بواسطة آدم الأول الّذي خالف وصية الله، فهكذا أيضا بواسطة آدم الثاني، الّذي هو المسيح، تتحقق القيامة من الأموات. فكل إبنٍ لآدم يرث عنه الموت، وكل إبنٍ للمسيح يرث عنه الحياة الأبدية.
آ 22: لأنه كما أورث آدم الموت لأحفاده، هكذا أيضًا بإتحاد المؤمنين بالمسيح سيحيون. وهذا يوضح أول شروط الخلاص وهو الإيمان بالمسيح وموته وقيامته.
آ 23: رتبته في الأصل اليوناني جاءت بمعنى بالتتابع أو بالتوالي أي كل واحد في دوره. فالمسيح قام أولًا كالباكورة وبعده سيقوم المؤمنون في المجيء الثاني ليعيشوا المجد الأبدي. فدور البشر يأتى يوم الدينونة ويتمجدون مع المسيح.
كما تشير عبارة "كل واحد في رتبته" إلى أن الأجرة بعد القيامة هي على حسب تعب كل واحد فهناك درجات في المجد الأبدي ليدفعنا ذلك إلى بذل المزيد من الجهد هنا من أجل الله ليكون لنا الأجر الأبدي.
الرجاء في الأبدية يملأ قلبك فرحًا بما أعدّه الله لك، فتحتمل آلام الحياة المؤقتة، فمهما كانت صعبة أو طويلة ستنتهى. ومن ناحية أخرى تشعر بدافع للجهاد الروحي في العبادة والخدمة لتنال المكافأة العظمى في السموات.
ليتنا نفتكر خمسة دقائق كل يوم في الأبدية التي تنتظرنا. 

::: الإنجيل :::

1 وخَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الـهَيْكَلِ ومَضَى. فَدَنَا مِنهُ تَلامِيذُهُ يُلْفِتُونَ نَظَرَهُ إِلى أَبْنِيَةِ الـهَيْكَل.
2 فَأَجَابَ وقَالَ لَهُم: "أَلا تَنْظُرونَ هـذَا كُلَّهُ؟ الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ يُتْرَكَ هُنَا حَجَرٌ عَلى حَجَرٍ إِلاَّ ويُنْقَض".
3 وفيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلى جَبَلِ الزَّيتُون، دَنَا مِنْهُ التَّلامِيذُ على إنْفِرَادٍ قَائِلين: "قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هـذَا، ومَا هِيَ عَلامَةُ مَجِيئِكَ ونِهَايَةِ العَالَم؟".
4 فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُم: "إِحْذَرُوا أَنْ يُضِلَّكُم أَحَد!
5 فكَثِيرُونَ سَيَأْتُونَ بِإسْمِي قَائِلين: "أَنَا هُوَ الـمَسِيح! ويُضِلُّونَ الكَثِيرِين.
6 وسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وبِأَخْبَارِ حُرُوب، أُنْظُرُوا، لا تَرْتَعِبُوا! فلا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ هـذَا. ولـكِنْ لَيْسَتِ النِّهَايَةُ بَعْد!
7 سَتَقُومُ أُمَّةٌ عَلى أُمَّة، ومَمْلَكَةٌ عَلى مَمْلَكَة، وتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وزَلازِلُ في أَمَاكِنَ شَتَّى،
8 وهـذَا كُلُّه أَوَّلُ الـمَخَاض.
9 حِينَئِذٍ يُسْلِمُونَكُم إِلى الضِّيق، ويَقْتُلُونَكُم، ويُبْغِضُكُم جَمِيعُ الأُمَمِ مِنْ أَجْلِ إسْمِي.
10 وحِينَئِذٍ يَرْتَدُّ الكَثِيْرُونَ عَنِ الإِيْمَان، ويُسْلِمُ بَعْضُهُم بَعْضًا، ويُبْغِضُ بَعْضُهُم بَعْضًا.
11 ويَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ الكَثِيرِين.
12 ولِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَفْتُرُ مَحَبَّةُ الكَثِيْرين.
13 ومَنْ يَصْبِرْ إِلى النِّهَايَةِ يَخْلُصْ.
14 ويُكْرَزُ بِإِنْجيلِ الـمَلَكُوتِ هـذا في الـمَسْكُونَةِ كُلِّهَا شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَم، وحينَئِذٍ تَأْتِي النِّهَايَة.

(إنجيل متى – الفصل 24 - الآيات 1 إلى 14) 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

مَن منّا لا تخنقه الإضطهادات، الشّدائد والضّيقات!
مَن منّا لا يعيش الأزمات على مختلف المستويّات!
مَن منّا لا يتألّم من الظّلم!
كلّها شرور، إلا أنّ إنجيل اليوم ينبّهنا من شرٍّ أعظم، ألا وهو "فتور المحبّة".

أحبائي، قد نُضطهد من الخارج، قد نعاني الشّدائد والضّيقات وكلّ الأزمات وقد نُظلم إلا أنّه لا يحقّ لنا أن نخسر نعمة المحبّة التي زرعها الله في قلوبنا.
ففتور المحبّة هو فتور العلاقة مع "الله- المحبّة"، وفقدان المحبّة هو إغلاق باب العلاقة مع "الله- المحبّة"، وبالنّتيجة بالفتور والفقدان لهذه المحبّة نتحوّل من متلقّين للشرّ من الخارج إلى فاعلي شرٍّ بإراتنا من الدّاخل، وهذا هو الشرّ بحدّ ذاته، لا بل هذا هو الشرّ الأعظم، وهذا ما يهدّد بالتّأكيد هويّتنا ورسالتنا ووجودنا كمسيحيّين في هذا العالم.
لِذا علينا أن نُغذّي إستمرارٍ نار المحبّة في قلوبنا، علينا أن نحافظ على صورة "الله- المحبّة" التي خُلقنا على مثالها، علينا أن لا نخسر أعظم علامة محبّة تعمّدنا لنشهد لها، علينا أن لا نهمل رسالتنا الأساس، الشّهادة للمحبّة.

أحبّائي مهما عاكستنا الظّروف الخارجيّة، مهما إشتدّت علينا التّجارب الدّاخليّة، علينا أن لا نرسب في إمتحان عيش المحبّة. وكيلا نرسب في هذا الإمتحان علينا أن نعيش المحبّة تجاه الله وتجاه إخوتنا في الإنسانيّة وذلك بالجهاد اليومي، بالسّهر والصّلاة وبالتقرّب من الربّ الحاضر في الإنجيل، بالسّجود بخشوعٍ وإيمانٍ وتقوى وبتناول جسد الربّ المقدّس كلّ يومٍ إن أمكن...

أحبّائي، غياب المحبّة كره، غياب المحبّة حقد، غياب المحبّة أذيّة، غياب المحبّة هو أصل الشّرور وكلّنا مدعوّون لزرع المحبّة، كلّنا مدعوّون لزرع كلمة الخير، كلّنا مدعوّون لزرع الكلمة التي تجمع وتبني، الكلمة التي توَحّد وتنشر السّلام، وكلّنا مدعوّون لزرع الكلمة التي تردّ الكرامة لكلّ إنسان.

أحبائي، علينا أن لا ننسى أنّ الربّ هو جوهر حياتنا والمحبّة رسالتنا، علينا أن نثبت في المحبّة "ومَن يصبر الى النّهاية يخلص". 

::: تــــأمّـل روحي  :::

"من يصبر إلى المنتهى يخلص"

نولد وتبدأ مسيرتنا بالنموّ في القامة والمعرفة خطوة بخطوة، وندخل في معترك الحياة منذ أن يبدأ إدراكنا يعي ما يدور في فلكه كلٌّ بحسب عمره، تربيته على الإنفتاح على عالمه الصغير فالعالم الأوسع وثمّ الممتدّ، وتحفيز قدراته على الإستيعاب، الفهم والتحليل. أمّا أوّل سؤالٍ يطرحُ نفسه على الإنسان-الطفل هو الّذي يفرضه أوّل حدث موتٍ على واقعه. والأجوبة كثيرة لكنّها ليست شافية عادةً، فإمّا أن يرفضها وإمّا يقبلها لِتبدأ رحلته في البحث عن مصير الإنسان ما بعد الموت وعلاقة الحياة بالخلاص.

معادلة صعبة إن لم نَكُن في نور الحقيقة التي تركها لنا الله بشخص إبنه يسوع حتّى إذا ما نظرنا نرى، وإذا ما سمعنا نفهم، وإذا ما تكلّمنا نطقنا بالإعتراف بحقيقة حلول الملكوت مع تجسّد يسوع ليصبح قريبًا منّا جدًّا حتّى أنّه بات أقرب من الذات إلى الذات.

الخطوة الأولى فتبدأ الطريق مع كلّ زوجين إثنين كرسولين مؤتمَنَين على البشارة بذلك بدءً بعلاقتهما الثلاثيّة وشهادتهما على حَبّةِ خردل الحبّ الّذي لا ينكسر بل يوحّد في السّراء والضرّاء والمُعطى لهما من الله، الّذي يحتمل الشدائد والمشقات، يعرف كيف يواجه التحدّيات ويعي بأنّ ليس هناك من زواجٍ كامل المثاليّة بل سعيٌ دائم نحو الكمال، وأنّه ليس من السهل الوقوف بثباتٍ أمام معضلات الحياة المتنوّعة مِن أفكارٍمستجدّة تضرب الإنسان في عمق كينونته لتطال منه العقل فتبرمجه بفك شيفرة كلمة سر الكشف عن ضعفه، "الحريّة الحوا آدمية"، ومن هناك تذهب إلى ضرب كلّ ما يسمو بالإنسان وينميه في ذاته العميقة حيث سكنى الروح فيه. أن يدركا بأنّهما سيصبحان أبًا وأمًّا والمعلّمَين الأولَين في مدرسة الحبّ الأولى لأولادهما وأبوين رسولين ملتزمين بنقل القيم الروحيّة وتنميتها عندهم وتغليبها على كلّ ما هو آخر في حياتهم العملية لأنّه ليس سوى وسيلة للعيش الآني بينما ما يكتسبوه في مدرسة الحبّ والصبر هو أساس الحياة الخلاصيّة التي تبدأ في الملكوت من هنا لتكتمل في ما بعد الإنتقال بالموت.

الخطوة الثانيّة والتي لا تقلّ أهميّةً عن الأولى فهي تربية الأولاد. فرحهما بأنّهما سيصبحان أبًا وأمًّا ليكونا المعلّمَين الأولَين في مدرسة الحبّ الأولى لأولادهما، أبوين رسولين ملتزمين بنقل القيم الروحيّة وتنميتها عندهم، هو الركيزة الأولى في هذا المضمار. فقبل كلّ شيء، بالنسبة للأولادِ هما المثال الأول والقدوة الأهم اللذين يُحتذى بهما من أجل ولادة روابط روحية صحيحة ومتينة تُنمّيها الصلاة وقراءة الكلمة في الإنجيل المقدّس فالتأمل بها ممّا يؤدّي إلى هدوء داخلي، نقطة الإرتكاز في تعلّم الصبر، كما أنّ مناقشتها تفتح فكرهم على فهم ما تكتنفه من القيم المسيحية والأخلاقية من محبّة وتسامح ورحمة وتجعلهم يتلمّسون أولى خيوط الإيمان الصحيح.

الخطوة الثالثة: أمّا هذه الخطوة فهي بداية ظهور ثمار ما علّماهما إيّاه في الطفولة الأولى. وما يزالان هما القائدين الأوّلين اللذين يدربانهما على الإنخراط في المجتمع الروحي- الإجتماعي من خلال إصطحابهما لهما إلى الكنيسة وإشراكهم في الأنشطة المتنوّعة ليشعروا بالإنتماء فتُفتح أمامهم آفاق التعرّف على الآخر، وإكتشاف تمايز وفرادة كلّ شخصٍ بشخصه فقبوله، وتقبّله وإحترامه بكلّ إختلافاته كما هو.

هما المرافقَين الدائمين اللذَين، أكثر من أيّ شخصٍ آخر، بإستطاعتهما أن يخلقا بيئة عاطفيّة سليمة فيها مِن الحبّ ما يكفي لتعزيز ثقة الأولاد بأنفسهم ممّا يحضّرهم إلى الإقبال على تعلّم كيفية مواجهة التحدّيات وسرجهم موقد بالإيمان، وتخطّي الصعاب بصبرٍ كانوا قد تمرّسوا عليه، الصبر المسيحي النّابع من الحبّ والرحمة وتقدير المواقف لا النابع من الإجبار أو الفَرض، مسنودين منهما دون طلب الكمال منهم أو توبيخهم والقسوة عليهم أو تعنيفهم حين يفشلون كي لا يُحبَطوا وتتزعزع ثقتهم بأنفسهم، ويشكّون في رضا الله عنهم ربّما، فيشعرون بعدم الكفاءة ويفقدون الصبر ليبرز مكانه الغضب على الذات أو على الآخرأو على الإثنين معًا، فتخمد عزيمتهم خوفًا من مواجهة هكذا موقف بعدها أو ينحرفون بحثًا عن أمانٍ آخرٍ ما.

سوف أنتقل إلى ما قاله يسوع في"مَن يصبر إلى المنتهى يخلص" ( مت24: 13) آية كثيرًا ما نسأل أنفسنا عن قصد يسوع منها. الخلاص المرتبط بـ"المنتهى" يرتكز على الصبر لا الّذي نعرفه في قواميس لغاتنا البشرية المسطّحة، بل ذاك الصبر المسيحي المسؤول من المعلّمين الأوّلين: الأهل.

ربما نعتقد أن فكرة الصبر مجردة ليس لها علاقة بحياتنا اليومية. ولكن عندما نفكر في الأمر مليًّا، نجده عملي للغاية، لأنه يؤثر على نظرتنا لكيفية عيش الحياة العائلية والإجتماعية بنوعٍ من القداسة المدعوين إليها. أمّا الخوف يكمن في التقليل من شأن ما يحدث في هذه الأيّام وما يستجدّ من تيارات فكرية ومكتباتٍ ناطقة بالإلحاد، والجنس الثالث وغيرها، مُهينة بحق كرامة الإنسان في العديد من المجالات، بعيدةً كلّ البعد عن جوهره المخلوق على صورة الله ومثاله، فنرضى عنها ونكون قد وضعنا ختم موافقتنا على قتل كلّ ما ذُكِر سابقًا في أولادنا فنوقف مسيرة الإحتمال بصبرٍ واعٍ مسؤول وواثق من الوصول به إلى ميناء الخلاص، أو نرضى بها لأنّ الواقع لا يمكن إلغاءه، أو، إن بعدم رضانا عنه تُضْرَب مصالحنا، ولا ننتبه أنّ الحلّ هو الصبر بإيمانٍ مع إقرارٍ باطني بأن الله يُمهل ولا يترك للشّر أن يغلب الحقيقة الوحيدة: كلمته لا تزول ولا ترجع إليه فارغة.

اليوم كلٌّ منّا، خاصّةً الآباء والأمّهات، مدعو بشخصه إلى الإخلاص لعطيّة الحبّ والثبات على الإيمان في حياتنا والحفاظ على علاقتنا مع الله؛ مدعوّ إلى الوقوف بصبرٍ مسيحي في وجه كلّ ما يعترض حياتنا من تحدّياتٍ وصعوبات لأنّها كلّها كأتونِ نارٍ يختبر معدن إيماننا في حياتنا مع الله من خلال رسالتنا. فلا نضيّعن إذًا مفتاح "المنتهى"، فلا يعد بإستطاعتنا الدخول ولا ندع أولادنا يدخلون. 

::: تـــــأمّـل وصلاة :::

ربّي وإلهي ... مَن يقرأ الإنجيل بكلّ تمعّن يكتشف أن أهم نعمة تريدها أن تبقى في فكر وقلب الإنسان إلى آخر لحظة من حياته هي "المحبة". هذا ما قاله الرّب يسوع: "ولِكثرةِ الإثمِ تَفترُ محبَّةُ الكثيرين. ومَن يَصبِر إلى النهايةِ يخلُصْ" (متى 24: 12-13)، وأكّد أهمية المحبة القديس بولس الرسول في رسائله (قورنتوس 13: 1-13). وإن سألتُ نفسي عن أي نعمة محبة يتكلّمان سأجد الجواب في الوصيتين اللتين تلخص وصاياك (لوقا 10: 27) ألا وهما: "أحبِب الرَّبَّ إلهَكَ بكلِّ قلبِكَ، وكلِّ نفسِكَ، وكلِّ قُوّتِكَ" (تثنية الإشتراع 6: 5) وأحبِبْ قريبَكَ حبّك لنفسِكَ" (الأحبار 19: 18)، ولعل الوصية الأولى تعني أن لا ننكر وجودك وأعمالك وهباتك المجانية بل نؤمن بها ونُبشر الآخرين لتمتلئ قلوبهم من حبّك إذ يرتفع بقلبهم الصليب ويؤمنوا بالقيامة لمغفرة الخطايا، علامة إبن الإنسان، ويُدركوا كم أحببْتنا فيُبادلونك المحبة بتمجيد أسمك بأفعالهم. ليس من السهل أن يتحوّل "الصليب المرتفع" في فكر الإنسان من أداة تعذيب وألم إلى أداة إنتصار وفرح، هو أمرٌ يحتاج لزلزلة الفكر وحروب بداخل الذات من أجل إنتصار ما يطلبه هذا الإرتفاع منّا: "المحبة"، ليتمّ "يوم الرّب" لذلك الإنسان وهو على الأرض لحين مجيئ الرّب الثاني على السحاب للدينونة.

ربّي وإلهي … أنتَ أحببتنا من كل قلبك وأرسلت المسيح مُخلِّصًا بالموت على الصليب وقيامته، ولن ترسل آخر وليس هناك خلاص بسواه؛ ونحن، هل نُحبّك؟ من المؤكد أنّ فقدان المحبة بين أطراف العائلة يؤدي إلى الإنقسام والتشتّت، فما بالك عن عائلتك الكبيرة ونحن ندعوك "أبانا"، هل مازالت المحبة هي التي توحّدها؟! ما حسبته أمرًا طبيعيًّا إكتشفت أن الظروف ممكن أن تغيّره، لذلك أنعم علينا أن تبقى المحبة الحقيقية تجاهك وتجاه الآخرين في فكرنا وقلبنا إلى النفس الأخير من حياتنا، ولك الشكر على الدوام، آمين. 

::: نـوايا للـقدّاس :::

نوايا للقدّاس

(نوايا نافور مار مرقس البشير)

1- (المحتفل): عظّم يا ربّ شأن كنيستك المقدّسة المنتشرة في الأقطار الأربعة، وإحفظ رعاتها المستقيميّ الرأي، بالأمان والسلام جميع أيّام حياتهم، لا سيّما مار … بابا روما، ومار … بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار … مطراننا، والأساقفة، والكهنة الأتقياء، والشمامسة الأطهار، وكلّ خدمة مذبحك المقدّس، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، مع هؤلاء جميع الّذين يدعون إسمك القدّوس: بارك القريبين، أرجع البعيدين، إفتقد المرضى، قوِّ الضعفاء، أطلق المسجونين، أعضد المظلومين، ردّ الضالّين إلى مخافتك، وجازِ المجازاة الحسنة جميع الّذين قرّبوا القرابين في كنيستك المقدّسة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، حكّامنا والمسؤولين بيننا، وجميع أبناء البيعة المقدّسة، إمنحهم الأمان والسلام، وأبعد عنهم النـزاعات الداخليّة والخارجيّة، فيحيوا حياة هادئة، إحفظهم برسم صليبك الحيّ والظافر، خلّص المضطهدين المهجّرين من رعيّتك، كن للغرباء ملجأً، للمسافرين رفيقًا. إمنح الرهبان والمتوحّدين والقاطنين في الجبال وكهوف الأرض آخرة صالحة. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): أذكر، يا ربّ، في هذا الوقت، على مذبحك السماويّ، وعلى هذا المذبح، القدّيسة الدائمة البتوليّة، والدة الله مريم، والأنبياء، والرسل والشهداء، والمعترفين والمبشّرين، ويوحنّا المعمِّد والسابق، وإسطفانوس رئيس الشمامسة وأوّل الشهداء، ومار… (شفيع الكنيسة)، ومار… (صاحب العيد)، وجميع القدّيسين، أنظمنا في أجواقهم، وأشركنا في عيدهم السعيد. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، جميع الّذين عَبَروا من هذا العالم وبلغوا إليك، بَلِّغهم مساكنك السعيدة وأمحُ كلّ خطاياهم، لأنّه ما من أحد على الأرض بدون خطيئة إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم. 

 

الأيقونة
من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة


المراجعة العامّة، المقدّمة والصلاة

من إعداد
الخوري نسيم قسطون
nkastoun@idm.net.lb
https://www.facebook.com/PriestNassimKastoun

 

 أفكار من العهد القديم

من إعداد

الخوري يوحنا-فؤاد فهد
fouadfahed999@gmail.com
https://www.facebook.com/fouad.fahed.902?fref=ts

 

أفكار من وحي الرسالة
من إعداد
الخوري حنا عبود

https://www.facebook.com/pere.abboud

 

أفكار من الانجيل 

من إعداد

الخوري بول الدويهي
https://www.facebook.com/paul.douaihy.7


 تأمّل روحي

من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com

https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts

 

تأمّل وصلاة  - تدقيق

السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون
niran_iskandar@hotmail.com 

https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts

 

نوايا  للقدّاس
من إعداد
اللجنة الليتورجيّة – كتاب القدّاس