|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن الصليب |
|
::: مـقدّمة ::: |
• في هذا الأحد، الأخير من زمن
الصليب، نتأمّل كيف أنّنا لا نستطيع أن نعيش حياتنا كواقع إجتماعيّ فقط، بل
بالأحرى كلقاء مع يسوع الّذي يحملنا نحو الآخرين.
• مع العهد القديم، نتأمّل في حياة النبي أيوب،
الرجل البارّ الّذي تعرّض لاختبارات شديدة بفقدان أهله وماله وصحته، بناءً على
تحدٍّ بين الله والشيطان. رغم قساوة محنته، لم يكفر أيوب بالله، مؤكدًا على
وفائه وتقواه.
• في رسالة اليوم، نتأمّل في الحياة التي فيها
الألم والأمراض والضيقات والاضطهادات ورغم كل هذا يحيا المؤمن المحبّ والمتعبّد
حياة النصرة والسلام والفرح الّذي يُعطيه الربّ يسوع.
• في إنجيل اليوم، من خلال إنجيل هذا الأحد، إلى
نصّ الدّينونة العامّة، حيث نراه يُميّز ويفصل بين الجداء والخراف.
• قانون السماء هو: يكفي أن تكون إنسانًا لكي
تلتقي بالله.
|
::: صـلاة ::: |
أيها الإبن السّماوي، نشكرك على محبّتك العظمى لنا التّي تجلّت في موتك على الصليب وقيامتك من أجلنا ومن أجل خلاصنا... ونحمدك لأنّك جعلت المحبّة مقياسًا للدينونة وبهذا نعي بأنّ محبّتنا لك وللآخرين هي جواز عبورنا إلى الملكوت حيث نمجّدك مع الآب والرّوح القدس، من الآن وإلى الأبد، آمين.
|
::: العهـد القديـم ::: |
1 وَعَادَ أَيُّوبْ إِلَى
ضَرْبِ مِثْلِهِ فَقَالَ:
2 مِنْ لِي بِمَثَلِ اَلشُّهُورِ اَلسَّالِفَةِ
وَمَثَلِ الأيّامِ اَلَّتِي كَانَ اَللَّهُ فِيهَا حَافِظِي
3 حِينَ كَانَ مِصْبَاحُهُ يُضِيءُ عَلَى رَأْسِي
فَأَسْلُكُ اَلظُّلْمَةَ نفي نُورِهِ
12 لِأَنِّي كُنْتُ أُنْجِي اَلْمِسْكِينُ
اَلْمُسْتَغِيثَ وَالْيَتِيمَ اَلَّذِي لَا مُعِينَ لَهُ
13 فَتَحِلُّ عَلَيَّ بَرَكَةُ اَلْمَائِتِ
وَأَجْعَلُ قَلْبَ اَلْأَرْمَلَةِ يَتَهَلَّل.
14 لَبِسْتُ اَلْبِرَّ فَكَانَ لِبَاسِي وَكَانَ
حَقِّي حُلَّةً وَتَاجًا لِي.
15 كُنْتَ عَينًا لِلْأَعْمَى وَرِجْلاً
لِلْأَعْرَج
16 وَكُنْتُ أَبًا لِلْمَسَاكِينِ أَسْتَقْصِي
قَضِيَّةَ مِنْ لَمْ أَعْرِفْهُ
(سفر أيّوب – الفصل 29 – الآيات 1 إلى 3 و 12 إلى
16)
|
::: تـأمّل من وحي العهد القديم ::: |
التعريف بالكتاب:
سفر أيوب هو من أصعب الأسفار الحِكَميّة في الكتاب المقدس... هو قصة يتفق عليها أغلب شرّاح الكتاب المقدس على أنها رمزية، يطرح فيها الكاتب المُلهَم مسألة شائكة جدًّا من الناحية الإنسانية، وهي: سر الألم (الموت- الفقدان- الخسارة- المرض- الألم النفسي...الخ).
ظروف كتابة النص:
لكي نقدر على فهم معاني هذا
النص، لا بد أولاً من فهم القصة التي جرت مع أيوب. لقد كان ذلك الرجل كاملاً،
يُلازم الخير، يتجنب الشر، وكان بنو الله في السماء مجتمعين ودخل بينهم
الشيطان... وعندما سأل الله الشيطان: من أين أقبلت؟ أجابه الشيطان: من الطواف
في الأرض والتردد فيها...
جواب الشيطان كان قاسِيًا: فالأرض التي خلقها الله
وصنع فيها الإنسان لم تعد لله -بحسب الشيطان- ولم يعد لكلمة الله فيها مكانًا.
فالشيطان لم يعد فيها غريبًا، يتنزه فيها ويتردد إليها، أي، في كل مرة يعود،
يجد لنفسه مكانًا.
فالشيطان كان يؤكد لله بأنه ليس خالقًا! فلو كان
كذلك لما فشلت الأرض خليقته، وصارت للشيطان...
أمام إتهام الشيطان يجيب الله: هل إنتبهت إلى عبدي
أيوب؟ إنه كامل ويحبني، انت لا تقول الحقيقة أيها الشيطان! فكان الشيطان أكثر
وقاحة في إتهامه: أيوب لا يحبك مجّانًا، خذ منه أرضه وأمواله وأبناؤه وأنظر كيف
يُجدِّف عليك! فترك الله الشيطان ليسلب من أيوب كل ما له، وصحته، وأتت إمرأته
لتهزأ به، ورفاقه ليبحثوا معه عن خطيئة أدت إلى هذا الشر، وكل ذلك، سبَّب ألمًا
كثيرًا لأيوب وهو البريء الّذي لم يرتكب ظلمًا، ومع ذلك، لم يكفر بالله.
هذا النص يأتي جوابًا من أيوب على كلام "بِلدَد"
أحد أصدقائه الّذين جلسوا معه.
مضمون النص:
يشرح أيوب لِصَديقه "بِلدَد"
كيف كانت حالته عندما كان يشعر بحضور الله وحِفظه له:
كان أيوب يسير في النور فلا يتعثر،
كان يساعد المسكين والفقير فينال البَرَكَة،
كان يلبس البِرّ ويعيش في تقوى الرّب فكان ذلك
على رأسه تاجًا،
كان يُعين جميع المحتاجين للمساعدة: من الأعمى
حتى الكسيح،
كان يحمل قضية المسكين حتى لو لم يعرفه.
فالله أعطاه تلك الهالة من المجد والكرامة، لأنه
كان صانع خير وسلام.
علاقة النص بالقراءات اللاحقة:
يؤكد يسوع بأن إبن الملكوت هو الّذي يفعل الخير ويبني السلام، تمامًا كما فعل أيوب، ولكن يسوع أعطى ذلك معنى خاصًّا: كل خير نفعله يعني أننا فعلناه مع يسوع نفسه.
خاتمة تطبيقية:
علامة حضور الله في حياتنا هي فعل الخير لجميع الناس. نفعل الخير لجميع الناس كأننا نفعله ليسوع نفسه.
|
::: الرسالة ::: |
9 وَلْتَكُنْ مَحَبَّتُكُم
بِلا رِيَاء: تَجَنَّبُوا الشَّرّ، ولازِمُوا الـخَيْر.
10 أَحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا مَحَبَّةً
أَخَوِيَّة، وبَادِرُوا بَعْضُكُم بَعْضًا بِالإِكْرَام.
11 كُونُوا في الإجْتِهَادِ غَيْرَ مُتَكَاسِلِين،
وبالرُّوحِ حَارِّين، ولِلرَّبِّ عَابِدِين،
12 وبالرَّجَاءِ فَرِحِين، وفي الضِّيقِ
ثَابِتِين، وعَلى الصَّلاةِ مُوَاظِبِين،
13 وفي حَاجَاتِ القَدِّيسِينَ مُشَارِكِين، وإِلى
ضِيَافَةِ الغُرَبَاءِ سَاعِين.
14 بَارِكُوا الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُم،
بَارِكُوا ولا تَلْعَنُوا.
15 إِفْرَحُوا مَعَ الفَرِحِين، وَإبْكُوا مَعَ
البَاكِين.
16 كُونُوا مُتَّفِقِينَ بَعْضُكُم مَعَ بَعْض،
مُتَوَاضِعِينَ لا مُتَكَبِّرِين. لا تَكُونُوا حُكَمَاءَ في عُيُونِ
أَنْفُسِكُم.
17 ولا تُبَادِلُوا أَحَدًا شَرًّا بِشَر،
وإعْتَنُوا بِعَمَلِ الـخَيْرِ أَمَامَ جَمِيعِ النَّاس.
18 سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاس، إِنْ أَمْكَن، عَلى
قَدْرِ طَاقَتِكُم.
19 لا تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُم، أَيُّهَا
الأَحِبَّاء، بَلِ إتْرُكُوا مَكَانًا لِغَضَبِ الله، لأَنَّهُ مَكْتُوب: "ليَ
الإنْتِقَامُ، يَقُولُ الرَّبّ، وَأَنَا أُجَازِي".
20 ولـكِنْ "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فأَطْعِمْهُ،
وإِنْ عَطِشَ فَأَسْقِهِ، فإِنَّكَ بِفِعْلِكَ هـذَا تَرْكُمُ عَلى رأْسِهِ
جَمْرَ نَار".
21 لا تَدَعِ الشَّرَّ يَغْلِبُكَ، بَلِ إغْلِبِ
الشَّرَّ بِالـخَيْر.
(الرّسالة إلى أهل روما – الفصل 12 – الآيات 9 إلى
21)
|
::: تـأمّل من وحي الرسالة ::: |
الحبّ هو الّذي يربط الكنيسة
معًا كأعضاء حيّة متكاملة. والمحبّة هي الأساس. المحبّة بلا رياء هي التي لا
تطلب شيئًا في مقابلها، هي التي بدافع إرضاء الله وخدمة الناس بالإخلاص.
نحن مدعوّون إلى أن نسعى لتكريم القريب وإظهار
المحبّة التي في القلب وهنا نحتاج إلى أن نمتلئ بالروح القدس. الحياة فيها ألم
وأمراض وضيقات وإضطهادات ورغم كل هذه إلّا أن المؤمن المحبّ والمتعبّد يحيا
حياة النصرة والسلام والفرح الّذي يُعطيه الربّ يسوع.
وأمّا تعاملنا مع الآخر فيبدأ بالدّعاء والبركة
وذكر محاسنهم وألّا نجازي عن الشتيمة بشتيمة بل نُصلّي ونطلب للآخرين الخيرات
ولا نفكّر في الإنتقام. ونحن نبارك ما باركنا المسيح، ومن يبارك مضطهديه يُظهر
أنه يُسرّ بإحتمال الآلام من أجله.
المحبّة فضيلة إلهيّة فنشعر فورًا أنّها محبّة
صعبة، بل من المستحيل أن نعيش هذه المحبّة إن لم نحيَ في الله. فطبيعتنا
البشريّة تجعلنا نحبّ بشكل عفوي ما هو صالح وجميل. وبإسم المثال أو المودة
الكبيرة يمكننا أيضًا أن نكون أسخياء ونقوم بأعمال بطوليّة. لكن محبّة الله
تتجاوز هذه المعايير. المحبّة المسيحيّة تعانق غير المحبوب، وتقدّم المغفرة –
كم صعبٌ علينا أن نغفر! وكم من المحبّة نحتاج لكي نغفر! – والمحبّة المسيحيّة
تبارك اللاعنين. بينما نحن متعوّدون على أن نردّ على الإساءة بإساءة وعلى
اللّعنة بلعنة. إنّها محبّة جريئة جدًّا لدرجة أنّها تبدو شبه مستحيلة، لكنّها
الشّيء الوحيد الّذي سيبقى منّا.
إن المعمودية والتوبة المستمرّة والثبات في المسيح
وتناول جسده ودمه تطهرّ الإنسان. ولا ننسى أن أعمال الرحمة والمقترنة بمحبّة
المسيح هي تاج فخر للمؤمن حيث إنه يعيش إيمانه ويمارسه دون مفاخرة أو كبرياء.
فلنحاول أن نجد في وجهِ كل مريض وجائع ومتألّم وجه يسوع الودود.
أحبّائي، عمل خلاصنا تمّ على الصليب ونحن جميعًا
علينا أن نختار الباب الّذي نمرّ من خلاله إلى أبديَّتنا.
|
::: الإنجيل ::: |
31 ومَتَى جَاءَ إبْنُ
الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ الـمَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ
مَجْدِهِ.
32 وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم،
فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الـخِرَافَ مِنَ
الـجِدَاء.
33 ويُقِيمُ الـخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ
وَالـجِدَاءَ عَنْ شِمَالِهِ.
34 حِينَئِذٍ يَقُولُ الـمَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ
يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا الـمَلَكُوتَ الـمُعَدَّ
لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛
35 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ
فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني،
36 وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا
فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ.
37 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا
رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟
38 ومَتَى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو
عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟
39 ومَتَى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا
فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟
40 فَيُجِيبُ الـمَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: الـحَقَّ
أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هـؤُلاءِ الصِّغَار،
فَلِي عَمِلْتُمُوه!
41 ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ:
إِذْهَبُوا عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الـمُعَدَّةِ
لإِبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛
42 لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي،
وعَطِشْتُ فَمَا سَقَيْتُمُوني،
43 وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي،
وعُرْيَانًا فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي!
44 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هـؤُلاءِ أَيْضًا
قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا
أَو مَريضًا أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟
45 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: الـحَقَّ
أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هـؤُلاءِ الصِّغَار، فلِي
لَمْ تَعْمَلُوه.
46 ويَذْهَبُ هـؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ،
والأَبْرَارُ إِلى الـحَيَاةِ الأَبَدِيَّة".
(إنجيل القدّيس متى – الفصل 25 – الآيات 31 إلى 46)
|
::: تـأمّل من وحي الإنجيل ::: |
هذا الأحد هو الأحد الأخير من
السّنة الطّقسيّة، التي إستذكرنا فيها مراحل حياة الربّ يسوع، ووصلنا معه
اليوم، من خلال إنجيل هذا الأحد، إلى نصّ الدّينونة العامّة، حيث نراه يُميّز
ويفصل بين الجداء والخراف.
لا بُدّ أنّ هذا التّمييز يُحزِن قلب الربّ
ويُحزِنُ قلوبنا، لأنّ رغبة قلبه الكبرى أن يرانا معه في الملكوت نشاركه مائدته
السّماويّة، كما أنّ الوصول إلى الملكوت هو هدف حياتنا الأرضيّة.
لكنّ الربّ واضح، فإن أردنا أن نكون مِمّن
يستحقّون السّماء، علينا أن نعمل ما يؤّهلنا لدخولها، أيّ علينا أن نبتعد عن
كلّ ما يُعيق سلامنا الرّوحي كالبُغض والقسوة والأنانيّة،...
لأنّ الملكوت لا يُمتلك بالتسلّط والأذيّة
والكراهيّة والسّماء ما تُعاش بالتمنّي، إنّما بالمحبّة.
نعم، إنّها المحبّة، فأحبِب دون شروط، أحبِب
بالخدمة، أحبِب بالرّحمة، أحبِب باللّطف، أحبِب بالوداعة، أحبِب بهدف إفراح قلب
أخيك الإنسان، أحبِب بهدف الإهتمام بأخيك الإنسان، أحبِب لأنّك تريد سلامة أخيك
الإنسان، أحبِب وأنت لا تفكِّر إلا بالربّ يسوع السّاكن في قلب كلّ إنسان.
أحبّائي تحدّي المسيحيّة هو القدرة على تبنّي
مشروع الحبّ وعَيشِه "لتكن محبّتكم بلا رياء: تجنّبوا الشرّ ولازموا الخير"
(روما 12: 9).
تحدّي المسيحيّة هو الشّهادة بالفعل على أنّنا
تلاميذ الربّ لا بالكلام: "بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي، إن كان فيكم حبّ
بعضكم لبعض" (يو13: 35).
تحدّي المسيحيّة هو رؤية كلّ إنسانٍ بعيون الربّ
يسوع، بغضّ النّظر عن إسمه، عن دينه أو حتّى عن إنتمائه والعَيْش بسلامٍ مع
إخوتنا: "سالموا جميع النّاس، إن أمكن، على قدر طاقتكم" (روما 12: 18).
أحبّائي طريق السّماء وعَيْش الملكوت يتطلّب منّا
نقلةً نوعيّةً بطريقة تفكيرنا وأسلوب عَيْشنا، يتطلّب منّا رؤيةً جديدةً في
مقاربة نموّنا الرّوحي، يتطلّب منّا تفانيًا مطلقًا لنشر المحبّة وعَيْش
الأخوّة، كما يتطلّب جهدًا كبيرًا وإماتةً للذّاتِ تشبّهًا بالمعلّم.
فلنرفع صلاتنا معًا في ختام هذه السّنة الطقسيّة
وبداية أخرى نريد من كلّ قلبنا أن نعيشها مع الربّ ونقول:
"أعطنا يا ربّ من شعاع محبّتك اللّامتناهية شعاع
محبّةٍ لقلوبنا، أعطنا من أنوار مجدك نورًا يهدي أرواحنا وحكمةً إلهيّةً توجّه
أهدافنا، وقدرةً ونعمةً لنَعيش بحسب رغبة قلبك وكما علّمتنا، لنشهد لك في
حياتنا ونستحقّ سماءك بعد الممات... آمين.
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
زمن الرحمة
كلّما تأمّلت في الجسد وجدت أنه
يتغذّى من روح الكلمة الّتي تسكنه ويستقي نَفَسَ الحياة من كرَمِ وصفاءِ حبّ الله
في ثالوثه المعطي من ذاته هباتٍ خصّه بها، واهبًا إياه نعمة الحرّية الشخصية، لتشعّ
من الداخل فرحًا سلامًا ومشاركة، واثقًا بـِ"أحسن" خليقته صنعها بسمات ابنه من قبلِ
أن يتجسّد، فكان الإنسان: آدم – حوّاء. فأوكلَ إليه العناية بكلّ ما خلقه من حوله
وأن يحبّ من جعله من جنسه ليأتي بثمارٍ تليق بجمال الألوهة التي جعله عليها في
الصورة والمثال. فأين نحن من استئهالنا لهذا كلّه؟
السقطة كانت مميتة حين لم يدرك الإنسان بأنّه كائنٌ
علائقي وبأنّ قراراته وأفعاله لا تقتصر على الّذات بفرديّتها فكلّفته (تلك السقطة)
حياته الحرّة إذ قيّد حريّته بالأنا التي افترضها للحظات أنّها حريّة مطلقة تتعلّق
بفرديته وما ترغب به، ولكنّها كانت تلك الرغبة الجامحة سجنًا له دون أن ينتبه،
لتستمرّ عواقبها وصدى ألمها يتردّد يومًا بعد بعد يومٍ من جيلٍ إلى جيل. ومذّاك
باتت حريّته خاضعة لاختبار الحقيقة والحب في كلّ ما يقوم أو يفكّر به.
أين نحن اليوم من هذا الإختبار، خاصّة في ظلّ هذه
الظروف الموجعة المؤلمة؟
ألا يلفت انتباهنا نص متّى 25: 31-46؟
ربّما إن غصنا في مراجعة يوميّاتنا لاكتشفنا بأن يسوع
يخاطبنا اليوم بنوعٍ خاصّ. لنبادر بسؤال أنفسنا: من منّا، بغض النظر عن الأسباب، لم
يرفض أبدًا التصدّق إلى فقيرٍ أو إطعام جائعٍ أو تلبية أحدهم حاجته؟ من منّا لم يشح
بنظره أبدًا عن طفلٍ-مراهقٍ، أو أيٍّ كان، يشعر بأنّ كرامته قد سُلِبت منه وبات
يستعطي النظرة الحنون ويستجدي الكلمة التي تردّ له الحياة في ذاته وهي كانت قد
تحطّمت بفعل ظلمٍ أو ضغينة أو تعجرف قلبٍ تحجّر؟ من منّا لم يحكم مطلقًا على شخصٍ
هبط إلى الحضيض لسببٍ ما، أو لم يسجن شخصًا آخر بأحكامنا المسبقة وكأننا قضاة لنا
الحقّ في إصدار الأحكام "دون مشورة ولا دستور"؟ من منّا لم يسمع عن فلان أو من منّا
نحن بالذات لم يعامل أحدهم بتحيّزٍ أو لم يكبّله بفرض قيودٍ مهنيةٍ عليه خارج
المنطق وتخلو من العدالة المُحِبّة، أو لم يعنّف أحدًا بتعريته لفظيًا فأصابه في
الصميم لأن واحدنا يظنّ نفسه أعلى منه شأنًا؟ من منّا لم يساعد أو لم يكترث ولو
لمرّة لغريبٍ يبحث عن مأوى مؤقّت؟ من منّا لم منّا لم يحضر في ذهنه ماضي أشخاصٍ أو
فئاتٍ في مواقف أو حالاتٍ لم ولا يتقبّلها، فدفن أحاسيسه الخيّرة تجاههم وأغلق قلبه
عن الرأفة والرحمة حتّى أنّه بات لا يتأثّر بما حدث ويحدث لا لهم ولا لأيّ إنسان
آخر؟ هل فكّر أحد منّا، ولو لمرّة، أن هوية هؤلاء الأشخاص ومن مثلهم هم "أولئك
الصغار "الّذين كلّمنا عنهم يسوع وجعل هويّتهم من هويّته؟
الأمثلة الواقعية من حياتنا اليوميّة والكثيرة تشهد
على ذلك. فعن أيّ حريّة داخلية نتكلّم، وأي إشعاعٍ سننشر؟ أليست حريتنا مقيّدة إمّا
بمزاجيّتا أو بخوفنا، أو بجروحاتٍ نحملها ولم تُشفى بعد أو بأمورٍ أخرى مختلفة؟
الكلام ربّما هو سهل لأننا سرعان ما نقول في لغتنا:
التنظير سهل ولكن العبرة في التنفيذ. صحيح مئة في المئة، ولكن إن لم تكن هناك شعلة
لا نستطيع أن نضيء فتيل سُرجنا المطفأة مهما كان الزيت فيه جيّد النوعيّة والعكس
صحيح. وهنا يكمن إختبار حريّتنا الحقيقي، إختبار الحقيقة والحبّ المتجرّد اللذان
يكشفان معدن مسيحيّتنا، إيماننا بمن أحبّنا بحريّةٍ مطلقة، ، هذا الحبّ الّذي به
افتدانا يسوع، فهو وثق بنا وأراد أن يكون كلّ منّا مسيحًا آخر، يتصرّف بحريّة أبناء
الله، يقوم بالخير وأعمال الرحمة بكامل العفوية والإرادة مدركًا ومؤمنًا بما قاله
يسوع لأبنائه: "تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا الـمَلَكُوتَ الـمُعَدَّ
لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم".
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... "مَن يُدخِل
الطمأنينة لقلب إنسانٍ مُحتاج؟" سؤالٌ تردّد اليوم بقلبي وأنا أرى أنّ الفقر والجوع
والتهجير من المنازل قد إزداد، وبالتالي أتساءل "ما هي أعمال الرحمة التي أوصيت
بها؟". أعمال الرحمة هي أعمال تُرجع الطمأنينة للقلب وتضع به سلامًا، هي أعمال تشهد
لقلبك المُحِب الرحوم الّذي لم يتهاون عن فعل أي شيءٍ ليُعيد الطمأنينة للقلوب التي
ذرفت دمعًا وعاشت الخوف من فقدان الحياة الأبدية معك في ملكوتك السماوي إذ أنها
تؤمن بأنك خالقها على صورتك وأنك تود أن تزيل الخوف أيّ كان نوعه بمدّ يدك نحو
الإنسان فتقوم هذه القلوب بأفعالٍ تجاه الآخرين لها ذات التأثير في قلب الآخر.
ربّي وإلهي ... يا ليت العالم فهم ما عنيته بقولك:
"أريدُ رحمةً [أو طاعةً] لا ذبيحةً" (هوشع 6:6، متى 9: 13؛ 12: 7)، يا ليته فهمك
وعمِل بما طلبته منه مرارًا لأنه عملٌ صالح: "أن يصنع العدل ويُحبّ الرحمة ويسير
بتواضع معك" (ميخا 6: 8، زكريا 7: 9). يا ليته فهم أن طاعة كلمتك بعمل أعمال الرحمة
نحو الآخر هي التي ستُدخل الطمأنينة لقلبِه هو إذ بهذه الأعمال يقول لكَ أنّه إبنكَ
صاحب القلب الّذي يُشابه قلبكَ: قلبكَ روى عطشنا، قلبكَ أشبع جوعنا، قلبكَ ألبسنا
ثوبًا أبيضًا كالثلج نلقاك به، قلبكَ أسكننا بيتكَ، قلبكَ شفى أمراضنا، قلبكَ فكّ
أسرنا من قيد الخطيئة. أعمال الرحمة هذه، سواءً للجسد أو للروح، تقول لكَ أننا
فهمنا أنّك إلهٌ واحدٌ أبًا للكل مُحب ورحوم وتود أن تُدخل الطمأنينة لقلب الجميع.
ربّي وإلهي ... يا مَن أظهرتَ لنا عجائبك وأمانتك
ورحمتك وحبّك، غيّر قلوبنا وأنعِم علينا بقلوبٍ بارّة، مُحبة ورحومة، تصرخُ لكَ
بأفعالها: "أبانا الّذي في السموات"، ولك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
نوايا للقدّاس
(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)
1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في
وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، ولا سيّما مار
فرنسيس بابا روما، ومار بشارة بطرس بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر
الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك،
نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل
بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في
البحر واليبس والجوّ، أسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا
رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم
القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ،
كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء
والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار …
(صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ
يا رَبّ.
5- (المحتفل): : أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا
عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين،
منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي.
أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما مِن أحد من بني البشر بدون
خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال
المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة، المقدّمة والصلاة من إعداد
أفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
أفكار من وحي الرسالة https://www.facebook.com/pere.abboud
أفكار من الانجيل
من إعداد
الخوري بول الدويهي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |