|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
زمن القيامة
الأحـد الجـديد (27 نيسان 2025)
|
|
::: مـدخــل ::: |
• إنّه الأحد الجديد وفيه
تدعونا الكنيسة من خلال القراءات لكسر حلقة الشكّ بالإيمان والرّجاء
المستندَيْن المُستنِد إلى اللقاء مع الربّ يسوع!
• مع العهد القديم، نتأمّل في القسم الثالث من
كتاب أشعيا. حيث نجد تعزية وتشجيع للشعب الّذي بعد أن سُبِيَ إلى بابل، بأنّه
سيعود حُرًّا قويًّا، فالرّب الّذي ترك صهيون (شعب إسرائيل) بسبب خطيئتها،
سيعود إليها، ويُعلن بأنه ملك عليها.
• نتأمّل أيضًا في مقطع من رسالة القدّيس بولس
الثانية إلى أهل قورنتوس في أهميّة مفاعيل القيامة في حياتنا.
• أمّا في الإنجيل، فنتأمّل في إختبار توما الّذي
لا يجب أن نحصره في صورة التلميذ المتردّد فحسب، بل أن نراه مرآةً تعكس واقعًا
إنسانيًّا مشتركًا.
• في الأحد الجديد، فلنجدّد إيماننا وحياتنا مع
الله وفي الله.
|
::: صـلاة ::: |
أيها المسيح إلهنا، نشكرك كل الشكر بقيامتك التي بها رفعتَ اليأس من قلبنا وإلى الأبد. نشكرك يا حبيبنا يسوع من أجل القيامة التي بدَّدْتَ بها كل خوف، خوف من موت وخوف من كل ما يؤول إلى موت. وماذا في الأرض، يا رب، ماذا في الأرض كلها يُخيف الإنسان إلا موت أو شيء يؤول إلى موت؟ وهوذا، يا ربّي، بقيامتك بدّدتَ الخوف تبديدًا، لأنه لا موت بعد قيامة ولا في قيامتك أبدًا موت، وأنت أعطيتنا قيامتك لتكون فينا ولنا من الآن وإلى الأبد، آمين.
|
::: العـهد الـقديم ::: |
7 ما أَجمَلَ على الجِبالِ
وَقعَ قَدَمَيِ المُبَشِّرِ، الَّذِي يُذِيعُ سَلَامًا وَيَنشُرُ بشَائِرَ
الخَيْرِ، القائِلِ لِصِهْيونَ: "قد مَلَكَ إِلٰهُكِ!".
8 ها رُقَباؤكِ قد رَفَعُوا صَوْتَهُمْ مَعًا
وشَدَوْا بِفَرَحٍ، لأَنَّهُمْ يَشهَدُونَ عِيَانًا رُجُوعَ الرَّبِّ إِلى
صِهْيَوْنَ.
9 إِهتِفِي مُتَرَنِّمَةً يا أَرْضَ أُورَشَليمَ
الخَرِبَةَ، لِأنَّ الرَّبَّ قد عَزَّى شَعبَهُ وٱفتَدى أُورَشَليمَ.
10 شَمَّرَ الرَّبُّ عن ذِراعِ قُدسِه، أمامَ
عُيونِ كلِّ الأُمَمِ، فتَرَى أَقَاصِي الأَرضِ خَلاصَ إِلٰهِنا.
11 إِنصَرِفوا، ٱنصَرِفوا وأخرُجُوا مِن هُنَاكَ،
ولا تَمَسُّوا نَجِسًا. أُخرُجُوا مِن وَسَطِ بابِل، وطَهِّروا أَنفُسَكُمْ يا
حَامِلِي آنِيَةِ الرَّبِّ.
12 لِأَنَّكُمْ لَنْ تَخرُجُوا مِن بابِلَ في
عَجَلَةٍ، وَلَن تُغادِرُوهَا هَارِبِينَ، لِأَنَّ الرّبَّ سَيَسِيرُ
أَمَامَكُمْ، وإِلٰهُ إِسْرائيلَ يَحْرُسُ مُؤَخَّرَةَ قافِلَتِكُمْ.
(سفر آشعيا - الفصل 52 – الآيات 7 إلى 12)
|
::: أفكار من العـهد الـقديم ::: |
أزمة شعب:
في فترة السّبي إلى بابل كان الشعب يعيش حالة
نكران، وشعور بأنّ الرّب غائب وقد ترك الجميع في مهبّ الرّيح...
أزمة نبي:
تألم أشعيا ليأس شعبه الّذي بدأ يشك بحضور الرّب،
فكانت على لسانه ما يُسميه دارسو الكتاب المقدّس بـ"نصوص التّعزية"، فيها بدأ
أشعيا يُشدّد الشعب ويُعزّيه.
كلمة الرّب وتعزياته:
لقد عزّى الرّب شعبه بعَودَتِهِ لنصرته وفرحه
وخلاصه وحريّته:
- عودة الرّب منتصرًا: لقد دمر نبوخذنصر الهيكل،
ودنس قدس الأقداس، وبقي الرّب صامتًا! هذا هو الحدث الّذي إعتبره شعب إسرائيل
بأن الرّب قد تركه، وهو لم يعد حاضرًا فيما بينهم. ولكن، عندما لاحظ هذا الشعب
إزدهاره في بابل العبوديّة، فهم أن الرّب لا يسكن في هيكل الحجر، إنما في
القلوب. فكان كل مَن يشهد لإزدهار هذا الشعب، يعلم في قرارة ذاته أن الرّب في
وسطه.
- فرح أورشليم بخلاص الرّب: لن يترك الرّب شعبه
بدون خلاص... كالعامل الّذي يُشمّر عن ذراعه ليُتقن عمله، هكذا فعل الرّب
ليَبني خلاص هذا الشعب. وأول علامة على هذا الخلاص هو الفرح والتعزية بعد مسيرة
آلام طويلة.
- الدعوة إلى الخروج من بابل للعودة إلى أورشليم:
فالرّب الّذي صنع الخلاص، لا يمكن أن يترك شعبه في مكان عبوديّته! لا بد للعودة
إلى أورشليم حيث الحرية... فالشعب الّذي إزدهر في أرض العبوديّة، صعب عليه أن
يترك إزدهاره ليعود إلى مدينة مدمّرة، إلا إذا إقتنع في صميم قلبه بأن حريته
أمام عينَي الرب هي أهم من كل ثروة ومال...
أزمتنا اليوم:
في كثير من إنكساراتنا نفقد الرجاء ويزول منّا
الفرح بالمسيح الّذي مات من أجلنا وشفانا بقيامته.
تعزية الرّب لنا اليوم:
مع توما وكل الّذين شكّوا وفقدوا رجاء القيامة،
نلمس جراح المسيح التي هي جراحنا، فنفرح بشفائها، ونقوم مع المسيح مُنتصرين.
|
::: الرسالة ::: |
11 إِذًا، بِمَا أَنَّنَا
نَعْرِفُ مَخَافَةَ الرَّبّ، نحُاوِلُ أَنْ نُقْنِعَ النَّاس. وَنَحْنُ
مَعْرُوفُون لَدَى الله، ولكِنِّي آمَلُ أَنْ نَكُونَ مَعْرُوفِينَ أَيْضًا في
ضَمَائِرِكُم.
12 ولَسْنَا نَعُودُ فَنُوَصِّيكُم بِأَنْفُسِنَا،
بَلْ نُعْطِيكُم فُرْصَةً لِلإفْتَخَارِ بِنَا تُجَاهَ الَّذينَ يَفْتَخِرُونَ
بِالـمَظْهَرِ لا بِمَا في القَلْب.
13 فإِنْ كُنَّا مَجَانِينَ فَلِلّه، وإِنْ كُنَّا
عُقَلاءَ فَلأَجْلِكُم؛
14 إِنَّ مَحَبَّةَ الـمَسِيحِ تَأْسُرُنَا،
لأَنَّنَا أَدْرَكْنَا هـذَا، وهوَ أَنَّ وَاحِدًا مَاتَ عَنِ الـجَمِيع،
فَالـجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا.
15 لَقَدْ مَاتَ عَنِ الـجَمِيع، لِكَي لا يَحْيَا
الأَحْيَاءُ مِنْ بَعْدُ لأَنْفُسِهِم، بَلْ لِلَّذي مَاتَ عَنْهُم وقَامَ مِن
أَجْلِهِم.
16 إِذًا فَمُنْذُ الآنَ نَحْنُ لا نَعْرِفُ
أَحَدًا مَعْرِفَةً بَشَرِيَّة، وإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الـمَسِيحَ
مَعْرِفَةً بَشَرِيَّة، فَالآنَ مَا عُدْنَا نَعْرِفُهُ كَذلِكَ.
17 إِذًا، إِنْ كَانَ أَحَدٌ في الـمَسِيحِ فَهُوَ
خَلْقٌ جَدِيد: لَقَدْ زَالَ القَدِيم، وصَارَ كُلُّ شَيءٍ جَدِيدًا.
18 وكُلُّ شَيءٍ هُوَ مِنَ الله، الَّذي
صَالَحَنَا مَعَ نَفْسِهِ بِالـمَسِيح، وأَعْطَانَا خِدْمَةَ الـمُصَالَحَة؛
19 لأَنَّ اللهَ صَالَحَ العَالَمَ مَعَ نَفْسِهِ
بِالـمَسِيح، ولَمْ يُحَاسِبِ النَّاسَ عَلى زَلاَّتِهِم، وأَوْدَعَنَا
كَلِمَةَ الـمُصَالَحَة.
20 إِذًا فَنَحْنُ سُفَرَاءُ الـمَسِيح، وكَأَنَّ
اللهَ نَفْسَهُ يَدْعُوكُم بِوَاسِطَتِنَا. فَنَسْأَلُكُم بِإسْمِ الـمَسِيح:
تَصَالَحُوا مَعَ الله!
21 إِنَّ الَّذي مَا عَرَفَ الـخَطِيئَة، جَعَلَهُ
اللهُ خَطِيئَةً مِنْ أَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ فِيهِ بِرَّ الله.
(الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس الفصل 5 – الآيات 11 إلى 21)
|
::: تأمّـل من وحي الرسالة ::: |
الأحد الثاني للقيامة، أو
الأحد الجديد، هو تأكيد لقيامة الربّ يسوع لرسوله توما، ومن خلاله لنا جميعًا.
مع الرسول بولس نُدرك أهميّة مفاعيل القيامة في حياتنا.
تجدُّد الحياة: يدعونا بولس اليوم، كما دعا أهل
قورنتوس، أنْ نكون خلقًا جديدًا " إذا كان أحد في المسيح فهو خلق جديد".
إيماننا بقيامة الربّ يدفعنا لأن نقوم معه في حياة
جديدة. فهو مات عن الجميع، يقول الرسول: "لا ليحيا الأحياء بعد لأنفسهم، بل
للّذي مات عنهم وقام من أجلهم".
ع 11: مخافة الرّب: أي
متذكّرين دائمًا يوم الدينونة، فنترك الخطيّة ونحيا للبرّ.
نقنع الناس: التبشير بالمسيح المخلّص والإستعداد
للأبديّة.
إذ يتذكّر بولس الدينونة الأخيرة، تتولّد فيه
مخافة الله ويكرز ويُعلّم بذلك حتى يستعدّ الكلّ للأبدية. وهو إذ يخاف الله،
يشعر أن الله يرى كلّ ما في داخله من تغرّب عن الشهوات الشريرة وإشتياق للحياة
الروحية. ويتمنى أن يكون المؤمنون في قورنتوس عالمین وفاهمين لهذا عن طريق
ضميرهم الحيّ أيّ صوت الله فيهم، بمعنى أن يثقوا فى بولس أنّه يخاف الله ويهتمّ
بأبديّته.
ع 12: بالوجه: الإفتخار الظاهريّ وليس الحقيقيّ.
لم يقصد بولس الرسول في دفاعه عن نفسه أن يمدحها،
بل أراد أن يثبت رسوليّته ليؤكّد تعاليمه، وإذ يرى المؤمنون في قورنتوس علاقته
القوية مع الله يردّون على المعلّمين الكذبة، الّذين يشكّكون في تعاليمه
ويفتخرون بأمور ظاهرية ليبعدوا المؤمنين عن الإيمان السليم الّذي ينادي به
بولس.
ع 13: إتّهم المعلّمون الكذبة بولس بالإختلال
العقلي، ولعلّ أكبر الأسباب هو إهتمامه بتبشير الأمم، فإغتاظ اليهود من ذلك
وإتّهموه بالإختلال. وهو يقبل أن يُتّهم بالإختلال من أجل خدمة الله ولكن
يُنبّه المؤمنين في قورنتوس أنه عاقل في كل تعليم بشَّرهم به وليس هناك أي
هذيان أو إختلال في تعاليمه لهم عن المسيح.
+ دافع عن نفسك من أجل مجد الله وخدمته وليس لأجل
تمجيد نفسك وكرامتك. إبحث عن مجد الله وليس عن مجد نفسك، وإحتمل الآلام لأجله
فيمجّدك في أعين الناس ولو بعد حين، ثم في ملكوت السموات.
|
::: الإنجيل ::: |
26 وبَعْدَ ثَمَانِيَةِ
أَيَّام، كَانَ تَلامِيذُ يَسُوعَ ثَانِيَةً في البَيْت، وتُومَا مَعَهُم.
جَاءَ يَسُوع، والأَبْوَابُ مُغْلَقَة، فَوَقَفَ في الوَسَطِ وقَال: "السَّلامُ
لَكُم!".
27 ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: "هَاتِ إِصْبَعَكَ إِلى
هُنَا، وأنْظُرْ يَدَيَّ. وهَاتِ يَدَكَ، وضَعْهَا في جَنْبِي. ولا تَكُنْ
غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ كُنْ مُؤْمِنًا!".
28 أَجَابَ تُومَا وقَالَ لَهُ: "رَبِّي
وإِلـهِي!".
29 قَالَ لَهُ يَسُوع: "لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي
آمَنْت؟ طُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَوا وآمَنُوا!".
30 وصَنَعَ يَسُوعُ أَمَامَ تَلامِيذِهِ آيَاتٍ
أُخْرَى كَثِيرَةً لَمْ تُدَوَّنْ في هـذَا الكِتَاب.
31 وإِنَّمَا دُوِّنَتْ هـذِهِ لِكَي تُؤْمِنُوا
أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الـمَسِيحُ إبْنُ الله، ولِكَي تَكُونَ لَكُم، إِذَا
آمَنْتُم، الـحَيَاةُ بِإسْمِهِ.
(إنجيل يوحنا – الفصل 20 - الآيات 26 إلى 31)
|
::: تـــأمّل من وحي الإنجيل ::: |
في أعماق كلّ واحدٍ منّا نزعةٌ
خفيّة نحو الحقيقة، ولو تغطّت أحيانًا بستار من التردّد أو تغلّفت بقشرة من
الشكّ. لسنا نبحث فقط عن أجوبة، بل عن معنى يحضن تساؤلاتنا ويهبها إتّجاهاً.
فما يبدو ضعفًا في الإيمان عند البعض، قد يكون بداية مسار يقود إلى اللقاء
الأصدق مع الله، ذاك اللقاء الّذي لا يحتاج برهانًا بصريًّا بقدر ما يتطلّب
قلبًا مفتوحًا.
حين نتأمّل في إختبار توما (يوحنا 20: 26-31)، لا
يجب أن نحصره في صورة التلميذ المتردّد فحسب، بل أن نراه مرآةً تعكس واقعًا
إنسانيًّا مشتركًا. فليس في الشكّ إدانة، بل في الإستسلام له دون سعي أو بحث.
توما لم يغادر الجماعة رغم شكّه، ولم يغلق قلبه نهائيًّا، بل إحتفظ بجرأة
السؤال، بإنتظار حضورٍ يُعيد إلى روحه الطمأنينة.
إنّ يسوع، في ظهوره، لم يوبّخ توما، بل خاطبه
برقّة ولبّى رغبته في اللمس والرؤية، مؤكّدًا أنّ الله لا ينزعج مِن شكّ مَن
يطلبه بصدق، بل يقترب منه أكثر. بهذا الفعل، كشف الربّ عن عمق محبّته، إذ لم
ينتظر الإيمان الأعمى، بل إقترب إلى حدود الإنسان، حيث الجرح والقلق، حيث
الحاجة الماسّة إلى لمسٍ يعيد الثقة، وإلى كلمة تعيد بناء اليقين.
الإيمان، في جوهره، ليس رفضًا للمنطق، بل إتّساعٌ
له. فالعقل وحده لا يملك كلّ المفاتيح. وما من حبّ حقيقيّ يخضع لمعادلة
رياضيّة، ولا من فرحٍ يمكن إختزاله بمعادلات فيزيائيّة. لذا كان على الإيمان أن
يولد في الحقل الأوسع: قلب الإنسان. هناك، تتلاقى الحواس والعقل والروح لتقول
لله: "ربّي وإلهي"، كما صرخ توما من الأعماق.
فكم منّا اليوم ينتظرون علامة ليؤمنوا؟ كم منّا
يقفون على عتبة الكنيسة أو حافة الإيمان بإنتظار برهان محسوس؟ ولعلّهم لا
يدركون أنّ الله حاضر في قلب السؤال نفسه، في الجماعة التي يصلّون معها، في
الكلمة التي يقرأونها، في الأسرار التي تُمنح لهم، وفي الفقراء الّذين
يلتقونهم.
الإيمان ليس إعلانًا عن خلوّ الحياة من الأسئلة،
بل هو قرار بالسير رغمها، والثقة بأنّ الله ليس بعيدًا بل يسير معنا، حتى عندما
تُغلَق الأبواب. فحضور يسوع لا يحتاج مفاتيح، إذ يخترق الحواجز، لا بجسده فقط،
بل بكلمته التي تحيي، بسلامه الّذي يسبق الفهم، وبحضوره الّذي يبدّد الخوف.
في زمنٍ تغمره الضوضاء، حيث تُنشر آلاف الآراء
والتفاسير، تزداد صعوبة التمييز بين الحقّ والوهم، ويكاد صوت الله يخفت وسط
صراخ العالم. لكنّ الإيمان لا يُقاس بعدد الإجابات، بل بثبات القلب وسط
العاصفة. والله لا يترك مَن يطلبه، بل يتجلّى له كما تجلّى لتوما، في توقيته
الإلهيّ، وفي طريقته التي تفوق توقّعاتنا.
ما من أحدٍ مُعفى من لحظات الإرتباك، ولكن ثمّة
فرق بين مَن يستخدم الشكّ لبناء إيمان أعمق، ومَن يجعل منه ذريعة للإنسحاب. لقد
علّمنا توما أنّ العودة إلى الجماعة، حيث تُتلى الكلمة وتُكسر الخبزة، هي
الخطوة الأولى نحو اللقاء، وأنّ الجرح قد يصبح، حين يُلمس بالإيمان، مصدر حياة.
كلّ لقاء مع الربّ، سواء عبر كلمة أو صلاة أو سرّ
من أسرار الكنيسة، هو فرصة لتجديد الإيمان، لا فقط في حقيقة الله، بل في محبّته
الشخصيّة لنا. فليس المطلوب أن نكون كاملين، بل أن نكون حقيقيّين. والله لا
يتعامل مع الأقنعة بل مع القلوب.
أن نؤمن لا يعني أن نعرف كلّ شيء، بل أن نثق بمَن
يعرف كلّ شيء. وهكذا، كلّما تقدّمنا في الإيمان، كلّما إكتشفنا أنّنا لا نحتاج
إلى أدلّة خارجيّة، لأنّ النعمة وحدها تفتح العين وتُنير الدرب.
فلنطلب من الربّ اليوم أن يُنير قلوبنا بنور
الإيمان، لا الإيمان الأعمى، بل الإيمان المولود من حبّ، من شوق، من إنتظار...
ذلك الإيمان الّذي لا يتوقّف عند بوّابة الحواس، بل ينفذ إلى القلب، حيث يسكن
الله، ويهمس لكلّ توما فينا: "سلامٌ لك".
|
::: تــــأمّـل روحي ::: |
في لحظات الحيرة والضعف، يقف الإنسان عاجزًا أمام نفسه، محاولاً فهم ما يتجاوز حدود عقله وحواسّه. كيف يمكن تصديق ما لا يُرى؟ كيف يمكن الإيمان بما لا يُلمس؟ توما، ذلك الرسول الّذي أحبّ يسوع بكل جوارحه، لكنه لم يستطع أن يتخطى حاجز الشك في لحظة القيامة، هو صورة حيّة عن كل إنسان يبحث عن الحقيقة في ظلمة اليأس. كان قلبه ينفطر ألمًا على فقدان مَن إعتبره نور حياته، وكان عقله يرفض إستيعاب فكرة القيامة بعد مشاهدته للصليب والدماء.
لكن يسوع، بمحبته اللامتناهية، لم يترك توما أسير شكوكه. عندما إلتقاهم في اليوم الثامن، لم يوبخه أو يحرجه، بل مدّ له يده الجريحة قائلاً: "ضع إصبعك هنا وأنظر". لم يكن هذا مجرد دليل مادي، بل لفتة رحمة إلهية تجاوزت حاجة توما المادية إلى لمس المسامير، ليزرع في قلبه إيمانًا عميقًا ويثبت فيه يقينًا لا يتزعزع. كانت كلمته الرائعة "ربّي وإلهي" هي ثمرة هذا اللقاء، وهي الكلمات التي أصبحت منذ ذلك الحين شهادة خالدة على قوة الإيمان القائم على التجربة الروحية لا الجسدية فقط.
نحن جميعًا مثل توما في لحظات الشك والضعف. هناك أمور كثيرة في حياتنا لا تفسير لها، وأحداث تبدو وكأنها مستحيلة. قد نشعر بالخوف من الغد، أو بالحزن العميق بسبب الخسارات، أو حتى بالوحدة حينما يبدو العالم غارقًا في الظلام. ولكن رسالة توما لنا هي أن نفتح قلوبنا لنور المسيح، وأن نثق بأن الله لا يتركنا وحدنا في أي حال من الأحوال. فالقيامة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي وعد دائم بالحياة والرجاء، ودعوة إلى النظر بعين الإيمان لا بعين الجسد.
إذا تأملنا في موقف توما، سنجد أنه ليس فقط شخصًا شكّ وطلب البرهان، بل هو أيضًا شخصًا شجاع جدًّا في البحث عن الحقيقة. كان بإمكانه أن يبقى بعيدًا عن الجماعة، يغرق في شكوكه ويستسلم لليأس. لكنه إختار العودة إلى الجماعة في اليوم الثامن، حيث كان لقاء القيامة الحقيقي بإنتظاره. وهذا درس لنا جميعًا: عندما نشعر بالضياع أو الشك، يجب أن نعود إلى الجماعة المؤمنة، إلى الكنيسة، حيث نجد المسيح حاضرًا بيننا رغم كل شيء.
كذلك، علينا أن نتعلم من توما أهمية طرح الأسئلة بصراحة وصدق. فالإيمان ليس إنغلاقًا على الذات ولا رفضًا للتفكير، بل هو علاقة حية مع الله تبدأ بالسؤال وتنتهي بالمعرفة. عندما سأل توما "كيف نعرف الطريق؟"، أجابه يسوع بكل بساطة: "أنا هو الطريق والحق والحياة". هذه العبارة تُعيدنا إلى جوهر الإيمان المسيحي، الّذي يقوم على العلاقة الشخصية مع المسيح، وليس على مجرد تعاليم أو قوانين.
اليوم، وفي عالم مليء بالتحديات والأزمات، نحن بحاجة إلى أن نكون مثل توما – شجعان في البحث عن الحقيقة، متواضعين في طرح الأسئلة، ومفتوحين على عمل الروح القدس في حياتنا. فالقيامة ليست حدثًا بعيدًا، بل هي حقيقة يومية تتجدد في داخلنا كلما آمنا بقوة الله وقدرته على تحويل الألم إلى فرح، والشك إلى يقين، والموت إلى حياة.
لنثق إذن بيسوع، ولنؤمن بقيامته التي غيرت وجه التاريخ ووجه حياتنا. فهو القائل: "طوبى للّذين آمنوا ولم يروا". فلنكن من هؤلاء الّذين يعيشون بالإيمان، ويجعلون من قلوبهم مسكنًا دائمًا للمسيح القائم من الموت.
|
::: تـــــأمّـل وصلاة ::: |
ربّي وإلهي ... أنتَ قلت أن "الدم
هو الحياة" (تثنية الإشتراع 12: 23) ولعلّني حين قرأتُ ما قلتَ إفتكرت بأهمية الدم
لإعطاء حياةً للإنسان، ولكني اليوم عرفتُ أهمية الدم، وليس أيّ دم بل دم الرّب يسوع
بالذات. ثلاثُ مراتٍ سقط دم الرّب يسوع المسيح على الأرض دلالة على "حياة"، ولذلك
أبقيتَ آثار مواقع تساقط الدم على جسده بعد القيامة (يوحنا 20: 24-28) لتكون شاهدًا
لرحمتكَ الإلهية التي أحيتنا:
1. قبل أن يُحكم عليه: في بستان الزيتون بضيعة
جتسمانيّة قبل القبض عليه حين كان يُصلي وسقط عرقه كدمٍ على الأرض (لوقا 22: 39-44)
دلالة على تأكيد حب إبن الإنسان لله ورغبته بإتمام مشيئته، ومعرفة ذلك هو حياةٌ
لكلِّ إنسانٍ أراد أن يكون على مثاله "الإبن المُحِب الّذي يُكرم أباه بطاعة
كلمته".
2. بعد أن حُكم عليه: سقط دمه من الجراحات التي شوّهت
جسده جرّاء الجلد وإكليل الشوك ومسامير الصلب (مرقس 15:15-28، يوحنا 19: 1-18)
دلالة على تأكيد حبّك للإنسان إذ قدّم ذاته كحملٍ ليُذبح بسبب خطايا الإنسان وكفارة
عنها ويُعطيه حياةً بلا دنس ودون تشويه.
3. بعد أن مات: سقط دمه مع ماء حين طعنه أحد الجنود في
جنبه بعد موته على الصليب (يوحنا 19: 33-34) دلالة على ولادة/حياة جديدة للإنسان من
الروح هدية جديدة له منكَ أيّها الإله المُحِب الكثير الرحمة.
ربّي وإلهي ... دم الرّب يسوع أعطانا الحياة، ولا عجب
إن شبّهتُ "التبشير ونقل الخبر السار لغير المؤمن" هو كعملية نقل دم للإنسان الّذي
يقلّ لديه الدم نتيجة مرضٍ أو نزفٍ فيحيا وتزداد طاقته بعد أن فقدها؛ وما المُبشّر
سوى الإنسان الممتلئ من الحياة بالروح فيستطيع أن يُعطيها لآخرين. أنعم علينا، بقوة
الروح القدس، أن نُخبّر دون خوفٍ عن حبّك لنا ورحمتك علينا وعطيَّتك المجانية التي
أحييتنا بها، ولك الشكر على الدوام، آمين.
|
::: نـوايا للـقدّاس ::: |
(نوايا نافور مار يوحنا الرّسول)
1- (المحتفل): نذكر، يا ربّ، في
وقت الذبيحة هذا، كلّ الكنائس المقدّسة والرعاة المستقيمي الإيمان، مار بشارة بطرس
بطريركنا الأنطاكيّ، ومار يوسف مطراننا، وسائر الأساقفة المستقيمي الرأي؛ ونذكر
معهم الكهنة والشمامسة وسائر خدّام بيتك، نَسْأَلُكَ يا رَبّ !
2- (الشمّاس): من أجل أمان وثبات العالم كلّه، ومن أجل
بركة السنة، وخصب الإثمار، ومن أجل المرضى والمتضايقين، ومن أجل جميع الداعين، في
البحر واليبس والجوّ، إسمك القدّوس، المعترفين أنّك أنت الإله الحقّ. نَسْأَلُكَ يا
رَبّ !
3- (الشمّاس): أذكر يا ربّ، جميع الّذين قرّبوا اليوم
القربان على هذا المذبح، والّذين شاؤوا أن يقرّبوا وما إستطاعوا؛ هَبْ، يا ربّ،
كُلاًّ منهم وفقَ نيّته. نَسْأَلُكَ يا رَبّ.
4- (الشمّاس): نذكر جميع القدّيسين: الآباء والأنبياء
والرسل والشهداء والمعترفين، ووالدة الله مريم، ومار … (شفيع الكنيسة)، ومار …
(صاحب العيد)، وجميع الأبرار والصدّيقين؛ أهِّلنا بصلواتهم للقيام معهم. نَسْأَلُكَ
يا رَبّ.
5- (المحتفل): أذكر، يا ربّ، بنِعمتك الّذين إنفصلوا
عنّا وإنتقلوا إليك، وقد إعتمدوا وخُتِموا برسمك، وتناولوا جسد إبنِك ودمه الثمين،
منذ التلمذة المسيحيّة الأولى حتّى يومنا، فهم ينتظرونك ويتوقّعون رجاءك المحيي.
أَقمهم في يومك الأخير، وإغفر برحمتك خطاياهم، لأنّه ما من أحد من بني البشر بدون
خطيئة، إلاّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، الّذي بواسطته نرجو أن ننال
المراحم وغفران خطايانا وخطاياهم.
|
الأيقونة
المراجعة العامّة،
المقدّمة، الصلاة من إعداد
أفكار من العهد القديم من إعداد
الخوري يوحنا-فؤاد فهد
أفكار من الرسالة
من إعداد https://www.facebook.com/pere.abboud
تأمّل روحي من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى https://www.facebook.com/jamileh.daher?fref=ts
تأمّل وصلاة - تدقيق
السيّدة نيران نوئيل إسكندر سلمون https://www.facebook.com/nirannoel.iskandarsalmoon?ref=ts&fref=ts
نوايا للقدّاس |