الفصل الثاني
القبيات: الحدود وأهمية الموقع
ما هو المقياس الذي يجب اعتماده في تعيين حدود وموقع قرية أو بلدة ما؟ نطرح هذا السؤال لأنه لابد من وجود ضابط نحتاط به من الوقوع في شرك "تعظيم" البلدة المعنية بالدراسة، أو بالعكس، الوقوع في شرك "تصغيرها". ولنا في ذلك سوابق، يكون في الإقتداء بها ما يفيدنا في منهجنا لتعيين حدود القبيات وموقعها. فالخوري لويس الهاشم، مثلاً، يقول، في كلامه على جغرافيا العاقورا، تحت عنوان "تخومها": "نذكرها نقلاً عن دفاتر مساحتها… إن تخوم العاقورا كانت تضيق وتتسع حسب الأزمنة فمنذ قرن ونصف كانت أراضي حمي الرهبان من أملاكها فتخلت عنها أيام ولاية الأمير يوسف شهاب نظراً للخراج الذي كان مترتباً عليها. وكان المشايخ بيت فيصل الهاشم وبيت نمر وبيت أبي طربية يملكون المجدل فوهبها الأمير بشير الكبير للمشايخ بيت عبد الملك حمادة. وأما اليوم فقد ابتاع المشايخ جبرائيل بطرس جرمانس الياس واخوته أراضي المنيطرة وقسماً كبيراً من المجدل فاتسع بذلك تخم العاقورا"([1]).
يتضح من هذا النص أن تعيين الحدود يرتبط ببعض المعايير المتغيرة تبعاً للمراحل التاريخية، والمتغيرة خاصة تبعاً لنظام الملكية العقارية. في زمن تعميم الملكية العقارية الخاصة (الفردية)، على نطاق واسع، يعتمد الخوري الهاشم "دفتر المساحة". ولكن هذا الزمن حديث نسبياً، وبعود إلى أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر فقط ([2]). وفي العصور السابقة، عصور "نظام الإلتزام" و"إقطاع المقاطعات" يكون المعيار مرتبطاً بحدود "الإقطاعات"، وبمساحة الأرض التي يقوم المقيمون عليها (أهالي البلدة أو القرية) بدفع "خراجها" أو ضريبتها متضامنين، وهذا ما كان سائداً قبل أواخر الأربعينات من القرن التاسع عشر. استناداً إلى هذين الشكلين من الملكية (لا سيما مع النظام الضريبي) يقرر الخوري الهاشم أسباب إتساع تخوم بلدته أو تقلصها. ونحن نوافقه في منهجه هذا. وعليه نبدأ في تحديد حدود القبيات استناداً إلى نظام "المساحة" الراهن، ثم استناداً لاحتمالات توسع هذه الحدود أو تقلصها على أساس ما كان سارياً قبل قانون "الطابو" العثماني، وفي مرحلة وضعه موضع التنفيذ، وصولاً إلى إقرار المساحة والنطاق العقاري المعمول بهما راهناً. وإذا كان هناك من مجال للكلام على حدود "تاريخية" ما، فالحدود هذه يتم رصدها ووضعها طبقاً لجملة المعايير التي ذكرناها.
يجدر بنا بداية الإشارة إلى أن قانون المساحة الراهن يعين مناطق عقارية تختص بها كل بلدة أو قرية. ولكن هناك أيضاً قانون البلديات الذي يعين لكل بلدة نطاقها البلدي المحدد، أي أنه يعين المساحة التي يمارس عليها المجتمع المحلي - بواسطة المجلس البلدي - سيادته المحلية، ويحددها، أي إنه يخص المجتمع المحلي بنطاق خاص به، ويمنعه من تجاوزه ويحميه من تجاوز الآخرين. بيد أن المشكلة التي تعاني منها بلدات وقرى عديدة في لبنان، هي مشكلة عدم التطابق بين النطاق البلدي ونطاق العقارات المملوكة من أهل بلدة ما، والتي لا تدخل في نطاقهم البلدي مع كونها متاخمة له وغير مفصولة عنه. وهناك حالات يكون فيها للنطاق البلدي سلطة في املاك، هي لأهل بلدة أخرى، وقد تفصل أحياناً بينهما مسافة كبيرة، بل بلدات أخرى في بعض الأحيان. هذه هي حالة القبيات، في وضعية منطقة "كرم سباط" التابعة عقارياً لبلدة عيدمون، والتابعة من حيث النطاق البلدي لها أيضاً؛ وحيث تتوزع الملكية في "كرم سباط" ما بين بعض أهالي القبيات وبعض أبناء آل جعفر وقلة نادرة من أهالي عيدمون. هذا مع العلم أن هذه المنطقة متاخمة للقبيات، ومفصولة كلياً عن عيدمون. أضف لذلك أن لأبناء القبيات أملاك متاخمة لمنطقتهم العقارية ولنطاق بلدية القبيات ولكنها واقعة ضمن نطاق بلدية عندقت وفي منطقتها العقارية. نقول ذلك لنشير إلى أن المعيار في تحديد تخوم البلدة ليس صارماً كل الصرامة وتشوبه العيوب بحكم طبيعة التقسيمات الإدارية والعقارية.
غير أنه يجب علينا متابعة هذه المسألة في سياق نشوء وتكون المساحة في لبنان، حيث غالباً ما تم تقرير النطاق العقاري بالتوافق مع مخاتير ووجهاء القرى والبلدات، لا سيما في زمن الانتداب الفرنسي، قبل أن تبدأ الدولة اللبنانية جدياً بأعمال المساحة. وفي كل الحالات تم اعتماد سجلات عقارية تعود لزمن العثمانيين، وتعكس بالتالي واقع الملكية في أزمنة سابقة. وكثيراً ما عكست آراء هؤلاء المخاتير والوجهاء، والسجلات القديمة صورة عن توزع الملكيات بين أهالي القرى في الزمن الأسبق أو القريب من زمن تعيين مساحات النطاق العقاري. وإذا كانت هذه الطريقة في تعيين النطاق العقاري وبالتالي البلدي، قد خلفت مصدراً للتوتر بين بعض القرى والبلدات، فإنها تعكس صورة قريبة من حقيقة توسع أملاك بعضها وتقلص بعضها الآخر. كما تم اللجوء أحياناً إلى اعتماد معالم طبيعية من ميزتها عدم الدقة: مقلب المياه، الوادي، الطريق...
ولقد حصل تطور جذري أحياناً في انتقال الأملاك من أهل بلدة لأخرى دون أن يترافق ذلك مع تعديل ملائم في أوضاعها الإدارية، لجهة المساحة والمسؤولية البلدية. وتكون هذه الحالة مصدر قلق وتصادم، خاصة متى اتخذت الخلافات على العقارات وما يسمى "المشاعات" أو "الخراج" (بالمعنى الشائع)، أبعاداً عشائرية ومناطقية ومذهبية. ولنا في عكار أمثلة عديدة على هذا النوع من الخلافات، بحيث أنه بالإمكان اعتبار التخوم بين البلدات والقرى في الأرياف قنبلة جاهزة للإنفجار في كل لحظة.
ليس هناك من شك، بأن القبيات تنتشر على رقعة جغرافية (متصلة ببعضها) هي أوسع من نطاقيها: العقاري والبلدي. فهل يجوز لنا أن نغفل امتداد أملاك أبناء القبيات إلى "كرم شباط" (نطاق عيدمون البلدي والعقاري) وبعض مناطق "وادي عودين" والوطى (نطاق عندقت البلدي والعقاري)، ولا ندخل هذا الإمتداد في سياق اتساع البلدة؟ بالطبع لا. ولكن هذا الواقع الإداري يعكس الحداثة النسبية للإمتداد القبياتي إلى هذه المناطق، ويبدو واضحاً، على ضوء ما تقدم، أن اتساع مساحة أملاك أهل القبيات وانتشارهم على هذه المساحة هو أمر حديث نسبياً.
تمتد بلدة القبيات وأراضيها شمالاً، من نطاق التقاء أملاك أبنائها مع أملاك أبناء عندقت وعيدمون عند المقلب الشمالي لضهور حي مرتمورة (بعض أملاك أهل القبيات هنا يتبع عقارياً لعندقت وعيدمون)، مروراً باتصال أملاكها بأملاك أبناء النهرية والباردة والبيرة، وغرباً وفق خط التقاء أملاك القبيات مع أملاك أهالي قرية السنديانة حتى وادي عين المحلات، ومن هناك تمتد التخوم الجنوبية بين الأحراج الفاصلة لأراضي القبيات عن أراضي عكار العتيقة، وصولاً إلى أحراج جبل القموعة فوق سفوح "كرم سباط"، حيث الأملاك المشتركة مع آل جعفر، ومن هناك تبدأ الحدود الشرقية لأملاك البلدة وصولاً إلى منطقة "حرف شيت" مروراً بأطراف عودين العليا حيث تمتد الحدود وفق خط وهمي يتجه جنوب ـ غرب حتى يصل إلى طريق الشنبوق ـ القبيات، فينحرف في منطقة المرغان نحو الشمال ليحيط ب"الحلوف"، ويبلغ نقاط اتصال أملاك القبيات بأملاك عندقت، (سنتناول لاحقاً تفاصيل هذا الامتداد).
داخل هذه المساحة الجغرافية ثمة بعض الأملاك الأميرية (أرض الجمهورية اللبنانية). كما أن الأملاك الأميرية تغطي الكثير من المناطق الحدودية من الجنوب الغربي والجنوب وبعض الشرق. ولكن الحدود هنا تُعتبر حتى "مقلب الماء" من التلال القريبة كميدان ل"حق" الانتفاع منه ([3]).
هذه هي رقعة القبيات اليوم ضمن تخومها التي تحد أملاك أبناء البلدة. فهل كانت القبيات، على الدوام، على هذا القدر من الاتساع؟ أم أن رقعة انتشارها تعرضت للتغيير، تقلصاً أو اتساعاً؟ ثمة أكثر من إجابة على هذه الأسئلة. فلنستعرضها.
د. سلوم: مشاعات القبيات ملاصقة لمشاعات بشري ؟
يرى د. سلوم أن القبيات تقع على "الرقعة الجغرافية التي تمتد على"خراج" حدوده تبدأ في "ضهور" مرتمورة شمالاً حتى "المعبور" الأبيض جنوباً والذي هو حد فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري…" ([4]). ولذا فانه يقرر: "كانت القبيات مشتى رعيان الجبل ومستقراً لهم" ([5]). إن حدود القبيات واتساعها، كما يعينها د. سلوم، لا تختلف كثيراً عما أوردناه قبل قليل، إلاّ برغبته بافتعال واختلاق تواصل جغرافي بين موارنة القبيات وموارنة الجبل (جبل لبنان) وبشري تحديداً. إن منطقة "المعبور" القائمة على الزاوية الجنوبية الشرقية لحدود القبيات وكل قضاء عكار، هي جزء من الحد الفاصل بين قضاء عكار وقضاء الهرمل، ولا اتصال لها أبداً بمشاعات مزعومة ([6]) مع بشري. فأين هو قضاء بشري الحدودي مع جرود الضنية شرقاً، من جرود عكار (حرار، مشمش، فنيدق…) وجرود قضاء بعلبك والهرمل؟ (راجع الخريطة).
كيف يحدد أهالي بشري اتساع منطقتهم، بلدة بشري، أوجبة بشري؟ يقول أنطوان طوق: "جبة بشري تاريخياً، هي هذه المساحة الجغرافية التي تحتضنها تجويفة جبل المكمل شرقاً وتنحدر حتى تلامس سهول الكورة والزاوية مروراً بقرى بزيزا، بحبوش، رشدبين، راسكيفا، كفرفو وبنشعي غرباً. وتنحصر بين هضاب الضنية امتداداً على أعالي الجرد ومزرعة السواقي عبر قرى حرف مزيار – مزيارة حتى زعزع شمالاً. وهضاب تنورين مروراً بمزرعة بني صعب والبكاليك حتى دير بلاّ فبزيزا جنوباً"([7]).
وفي "المؤتمر الأول لتاريخ جبة بشري"، المنعقد في ت2 1994، والذي شاركت فيه مجموعة من مؤرخي المنطقة وغيرهم، لم يلحظ أحد من المشاركين امتداد حدود جبة بشري إلى جوار القبيات، رغم العديد من الدراسات التي تناولت مباشرة، أو مداورة، موضوع مجالها الجغرافي، وحاصة دراسة د. فاروق حبلص حيث وضع عدة خرائط للمنطقة([8]).
يبقى علينا أن نعود إلى المرجع الذي اعتمده د. سلوم في تقريره أن "المعبور الأبيض... فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري"، نقصد الخوري فرنسيس رحمه، في مؤلفه "تاريخ بشري، الجزء الأول". كيف حدد الخوري فرنسيس رحمه نطاق بشري الجغرافي؟ في الفصل الثاني، من القسم الأول، من مؤلفه المذكور ذكر الخوري فرنسيس رحمه حدود بشري البلدة([9]). وفي الفصل الثاني عشر، تكلم عن ما سماه "في حدود بشري البعيدة ومشاعاتها العمومية". لقد انطلق الخوري المذكور في تعيين هذه "الحدود البعيدة" انطلاقة رصينة و"علمية" إلى حد كبير، لأنه حدد مقاييس لتعيين هذه الحدود بقوله: "أما حدودها فنوعان بعيدة وقريبة. أما القريبة فقد استوفيت بحثها... أما البعيدة فهاءنذا ذاكراً لها نقلاً عن دفتر المساحة في حوزة المفوض البلدي... وهذه حرفيته...: يبدأ حد بشري القبلي من نهر بقرقاشا صعداً إلى طريق بقاعكفرا، ومن ثم ينحرف شرقاً على ساقية ماء تفصل خراج بقاعكفرا عن خراجنا، ثم ينفذ هذا الحد إلى نهر المزرعة صاعداً بانحراف إلى الجنوب في النهر المذكور نافذاً إلى نبع هرسيا المعروف بنبع الفطيسية الفاصل خراج بقاعكفرا ومن ثم يتجه إلى الدمدومة إلى ضهر القضيب الفاصل خراجنا عن خراج بعلبك على كل أطراف استدارته إلى بركة الباشا تخمنا القبلي الأخير. وحدها الشرقي يبدأ من بركة الباشا المذكورة ممتداً حتى ضهر القضيب الفاصل خراجنا على كل أطراف استدارته عن خراج بلاد بعلبك نافذاً إلى وادي أرجوم الفاصل بيننا وبين خراج الضنية. وحدها الشمالي يبدأ من تخوم وادي أرجوم المذكور نافذاً إلى خشع الفار حتى الجلس (سند من أسناد ضهر القضيب الغربية) المنتهي بالقرب من بعل ضرغام"([10]).
يبدو واضحاً من خلال هذا التحديد لامتداد رقعة "جبة بشري" (لا بشري البلدة فحسب) أن هذه الرقعة محصورة بين حدود أملاك وخراج الضنية وبعلبك، وهي الجهات التي تعنينا في القبيات وعكار. ولا بد أن د. سلوم طالع هذا التحديد الذي وضعه الخوري فرنسيس رحمه في المرجع الذي اعتمده د. سلوم. ولكنه مرّ عليه مرور الكرام دون التوقف عنده. كما أن د. سلوم لم يتوقف عند تحديد ثالث لامتداد رقعة جبة بشري جاء به الخوري فرنسيس رحمه، في نفس المرجع: "إن هذا الاسم "جبة بشري" يراد به قديماً وحديثاً مقاطعة واسعة النطاق مترامية الأطراف ذات قرى ودساكر ومزارع وقلّ من عني بتحديدها. فتعميماً للفائدة هاءنذا ذاكراً لك تحديدها نقلاً عن الشيوخ في الجبة والزاوية ممن ولوا الأحكام بعد آبائهم وجدودهم. وإنما آثرتهم على سواهم لكونهم آصل معرفة وأكثر تدقيقاً. تحديد الجبة. يحد الجبة شمالاً مجرى نبع جوعيت الذي ينبثق من أسفل حرج اهدن على طول مسيله حتى متصله بنهر أبي علي. وهذا بحسب تحديد تخومها القديمة بقطع النظر عن التبديلات والتغيرات التي قضت بها بعض ظروف استثنائية قطعت بعض قرى في اسفل هذا الحد وألحقتها بمنطقة أخرى كما سيجيء. ويحدها جنوباً الوادي بين قنات ومزرعة أبي صعب. وتخمها الغربي حدود الزاوية الشرقية. أما تخمها الشرقي فضهر القضيب باسناده الجنوبية والشمالية. أما تحديد جبة بشري بأكثر تدقيق فإلى القارئ الكريم دائرتها خيطاً من الشمال إلى الجنوب نقلاً عن محفوظات ضاهر بك آل الضاهر: من الواضح أن لبنان الشمالي يقسم حالاً إلى خمس مناطق: الزاوية والكورة والجبة والضنية وعكار. يهمنا الآن أن نذكر حدود جبة بشري التي قلما عني بها المؤرخون. وإليك خطوطها ابتداءً من مخرم طريق عيناتا شرقاً في السفح الغربي: مقلب بعلبك في ضهر المكمل المطل على البقاع - فم الميزاب أي مقلب القرنة السوداء – جرد الإجاص المتاخم منطقة الضنية - مقلب بحويتا – حرف مزيارة – مزيارة المتاخمة للضنية أيضاً. ومن ثم مراح كفرصغاب المتاخم منطقة الزاوية - بنشعي - كفرفو - راسكيفا - نهر ابو علي - مقلب كربريبه - سرعل - وادي سرعل - الحسين - مغر الأحول - رشدبين المتاخمة للكورة – عين عكرين – بحبوش – بزيزا – دار بلا – بيت كساب – حردين – نيحا – ارز البلاد – حدث الجبة – عين ورده – الرهوة والبحصة – فم الذئب – المكمل الذي هو منتهى الدائرة"([11]).
لا يكتفي الخوري رحمه بهذا التحديد لأملاك جبة بشري، بل يضيف تحديداً لانتشار مشاعات بشري، علماً بأنه من المفروض أن تكون هذه المشاعات ضمن الحدود "البعيدة". ولكن لا بأس من استعراض امتداد هذه المشاعات: "أما مشاعاتنا في حوز المفوض البلدي التي تضمن كل سنة ويصرف ضمانها في سبيل اصلاح داخلية المدينة وعمرانها ورقيها فهي أربعة: 1ً المشاع المعروف بالكبير المحدود قبلة أراضي بقاعكفرا وشرقاً الصرد العالي ومنقلب الماء، نهاية الطريق، كتف القنديل، وشمالاً... المحافير.... 2ً "جورة القنديل" كذا سميت وكذا نقلنا. يحدها قبلة الطريق العرضي إلى درجة مرجحين. وشرقاً منقلب الماء، وشمالاً الطريق الصاعدة من عين الجورة إلى آخر سطح الصرد (الجرد) الأعلى. وغرباً حرف القشاط"([12]). مرة أخرى في الكلام على المشاعات، وفق منطق المساحة الذي يعتمده الخوري فرنسيس رحمة بالذات، لا يوجد أي تماس بين أملاك ومشاعات جبة بشري وعكار، بل هي محصورة بين بعلبك والضنية. وهذا ما كان لا بد أن يلحظه د. سلوم.
ثمة نوع ثان من المشاعات يذكره الخوري فرنسيس رحمه، تحت عنوان: "مشاعاتنا المتروكة في حوزة الرعاة"، وفيها يقول: "قد تسامحت بشري بها كمرعى لمواشينا وسائمتنا. وتلك المراعي تمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وراء قمم ضهر القضيب والمكمل وأسنادهما الشرقية والغربية وأمامهما. أما من الوراء نحو الشمال فمشاع عريض طويل يمتد من عيون أرغش للجهة الشمالية الشرقية من قرية عيناتا فحجر الجمل فجور الأدباب فصرد (جرد) قراصيا البالغ حدها الشمالي إلى وادي أرجوم في خراج الضنية فجور الدل (الذل) الممتدة من صرد قراصيا غرباً إلى الجلس (الجلسة) حتى عيون الشوك... فهذه المتروكات كلها تسامحت بها بشري رحمة بالمواشي ورعاتها وضمانة لاستيراد الدر وبيعه من بشري وبيع فاضله من الجوار من غير إجبار أو تحكم. وسيان في رعيها الغريب والقريب"([13]).
أنه من الواضح أن هذه المشاعات "المتروكة" ليست من داخل بقعة جبة بشري، ذلك أنه "سيان في رعيها الغريب والقريب". ولو أننا اعتبرناها ملحقة بنطاق بشري الجغرافي فإن هذا النطاق يبقى محصوراً بين نطاقي الضنية وبعلبك، دون أي اتصال له بجرود عكار. فمن أين أتى د. سلوم بوجود اتصال بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري، استناداً إلى الخوري فرنسيس رحمة، طالما أن هذا الأخير في تحديده لتخوم جبة بشري لم يصل بها إلى تماس حدودي مع عكار عامة؟
سبق أن قلنا أن الخوري فرنسيس رحمه عيّن حدود بشري - البلدة في الفصل الثاني، من القسم الأول، من مؤلفه، وفي الفصل الثاني عشر، من القسم الثاني، وفي الفصل الأول من القسم الخامس، عرض تخوم جبة بشري البعيدة ومشاعاتها المسجلة في المساحة والمتروكة، وفي كل ذلك لم يذكر، ولم يتبين لنا، أي اتصال بين مشاعات بشري وعكار أو القبيات. ولكنه تحدث، في الفصل الرابع عشر، عن "حقول بشري ومزارعها وينابيعها وعيونها وأنهارها". لم يذكر هنا أيضاً، بطبيعة الحال، أي اتصال لكل هذه المزارع بعكار والقبيات، بل جاءت محصورة في إطار جبة بشري المحصورة بين الضنية وبعلبك.
ولكن الخوري فرنسيس رحمه، بعد أن عدد كل المزارع وعين مواقعها وسعة انتشارها، ضمن الاطار المذكور سابقأ ختم هذا الفصل بقوله فجأة: "هذا عدا ما لنا من الأملاك الفسيحة الأرجاء والمراعي المترامية الأطراف منبسطة في صرودنا العالية من بعول غير مسماة ودارات غامرة بين الأكام والتلال البعيدة أمام ضهر القضيب والمكمل – فم الذئب وفم الميزاب – قمة سامرة والقمة السوداء – قنة الحبيس وفم القلة وتمامهن ركبة الجمل أمام كل ذلك ووراءه من الجنوب إلى الشمال إلى تخوم قلعة عائشة من الغرب إلى حدود الضنية ومشاع القبيات. آكام تفرع سنامها رعاتنا وأودية تهبطها مواشينا وسائمتنا مما يضيق بنا تعدادها ويورث القراء ملالاً وضجراً"([14]). واضح أن الكلام هنا يتناول ممتلكات بعيدة عن جبة بشري، ومواضع أقام فيها بشراويون (مع غيرهم غالباً). ولكنه من غير الواضح هذه القفزة المفاجئة للخوري فرنسيس رحمه من حدود الضنية إلى مشاع القبيات، مما يناقض كل المنطق الذي اعتمده هذا الخوري في تعيين الحدود والمشاعات.
ويبدو أن هذه الأملاك يدخلها الخوري فرنسيس رحمه تحت اسم ما يسميه "فتوحات بشري البعلبكية". ويعدد هذه الفتوحات: "عيناتا، المشيتية، القرامة، البصيلة، دير الأحمر، بشوات، برقة، صفرا، القدام، نبحة، الحرفوش، تل سوغا، بتدعي، المراحات، عيون أرغش، وادي العس، الجباب، جزء من مرجحين، جزء من ضواحي الضنية"([15]). هل يمكننا القول بأن بشري أمتدت على كل هذه البقعة التي امتلك وأقام فيها (مع الغير غالباً) بعض أبنائها؟
إن أقرب تلك الممتلكات إلى عكار هي تلك الواقعة في "جزء من مرجحين"، وأقربها إلى أملاك ومشاعات القبيات تلك الواقعة بالقرب من بلدة الهرمل، والتي يفصّل في أمرها بعض الشيء أنطوان جبرايل طوق. فهو يقول في مرجحين: "مزرعة تبعد عن الهرمل 13 كلم منازلها الثلاثون حقيرة وبدائية وعدد سكانها لا يتجاوز 300 نسمة من الموارنة والشيعة. تملك فيها البشراويون خلال القرن الثامن عشر... تملك وسكن البشراويون هذه المزرعة حتى حتى بداية النصف الثاني من القرن العشرين"([16]). ومن المزارع التي كان يقطنها بشراويون بالقرب من الهرمل يذكر انطوان جبرايل طوق "وادي الرطل"، على مسافة 8 كلم من بلدة الهرمل، وبجوارها بريصا، بالقرب من الشربين. وفي بريصا يقول: "مزرعة حرجية... كان يسكنها جماعة من آل طوق لا يتعدون الماية شخص يعيشون من رعاية الماشية والزراعة البدائية... لا يربطها بها (ببشري) سوى طريق حافر جردية عبر جرد قراصية مروراً بفم الميزاب. وهذه الطريق تنقطع كلياً بسبب الثلوج أيام الشتاء. سكن هؤلاء الناس هذه المزرعة منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر..."([17]). ولقد وصف بريصا عالم الآثار هنري بونيون (H. POGNON)، عندما زارها في خريف العام 1883، قائلاً: "إن وادي بريصا الكثير الأشجار، والمحروم من الماء كلياً تقريباً، هو أرض غير مزروعة، وشبه قاحلة. ولا يسكنه غير عدد قليل من المتاولة الرحل الذين يعكس مظهرهم بؤساً هم عليه، يقومون هناك برعاية قطعانهم من الماعز، وحيث يتنقلون على الدوام من موقع لآخر، حيث يقيمون في الخيام؛ ومع ذلك فإننا نرى في هذا الوادي بعض المنازل الحقيرة، خاصة في أسفله"([18]).
ولعل قطان بريصا البشراويين هم الذين أقاموا في مزرعة السويسة التي تفصلها عن كرم سباط منطقة المعبور. وعلى العموم لم يكن البشراويون وحدهم سكان هذه المزارع بل كانوا عبارة عن أقلية تعيش ضمن منطقة يغلب الشيعة في سكانها بشكل مطلق. وبالتالي لا نستطيع أن ننسب هذه المنطقة لأهل بشري، بل للجعافرة الشيعة. كما أن هذه المنطقة كانت حدودية مع منطقة (كرم سباط) ملكيتها تركمانية (عيدمون) قبل أن تنتقل الملكية لموارنة القبيات وللجعافرة، مع بقاء قسم قليل جداً من الملكية بيد بعض تركمان عيدمون حتى اليوم. فهل يصح لنا بعد كل ذلك أن نقرر، كما فعل د. سلوم، بأن مشاعات القبيات وبشري متصلة ببعضها؟
من الواضح أن انتشار البشراويين في هذه المناطق البعيدة عن جبة بشري، إنما يعكس حقيقة أساسية في حقائق التاريخ اللبناني، وهي القدرة على تجديد العيش المشترك بين أبناء شتى الطوائف. ومن الواضح من عبارة "فتوحات بشري البعلبكية" أن الوجود الماروني البشراوي، حديث في مناطق "الفتوحات"، وأنه قد تم في مناطق فيها قطان غير موارنة، وفي مرحلة لعلها من مراحل الاضطراب في منطقة الجبل، منتصف القرن التاسع عشر، حيث كان نزوح البعض من الجبل المضطرب، ينتهي في مناطق غير مارونية، وبعضها غير مسيحي، بحيث يجد النازحون مجالاً للاستقرار. وغالباً ما كان التراجع عن مناطق الانتشار هذه يتم في مراحل الاضطراب الاجتماعي فيها، وفي هذا درس حول ضرورة الحرص المتبادل على تأمين شروط الاستقرار، بالمراعاة (المتبادلة) المطلوبة من الجميع لدوافع المحيط الجغرافي والاجتماعي.
وبالعودة إلى اطروحة د. سلوم القائلة بأن "المعبور...، هو فاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري"، نقول أن الخوري فرنسيس رحمه لم يعين مكان اتصال مشاعات القبيات بمشاعات بشري، كما يدعي د. سلوم. وجل ما قاله الخوري رحمه هو: "هذا عدا ما لنا من الأملاك الفسيحة الأرجاء... إلى حدود الضنية ومشاع القبيات". وليس في هذا الكلام ما يعين موضع اتصال أملاك البشراويين بمشاع القبيات، هذا إن كان هناك من اتصال. ينطلق د. سلوم من حقيقة تاريخية فيتلاعب بها ويصطنع حدوداً وتواصلاً موهوماً يغذي به "مشروع" اختلاق المشاعر بوجود وحدة واتصال تاريخيين مزعومين بين القبيات والجبل الماروني، لغرض تنمية الاحساس بوجود ماضِ هو على قدر كبير من "العظمة"، وهي بالطبع العظمة القاتلة لكونها تخلق مرارة في النفوس الطموحة لاسترداد التواصل المزعوم، والوحدة المفقودة. إنه ينطلق من حقيقة أن منطقة "المعبور" متاخمة لمزرعة السويسة في قضاء الهرمل، لا في قضاء بشري أو "الجبل"، وقد كانت بضع عائلات من بشري، لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، تقيم هناك، وسط سكان أقدم منهم في الاقامة: الشيعة، ومنذ فترة حديثة، حيث مارست الرعي وعاشت منه، في مكان نزحت إليه من بشري، ولم تكن فيه أصيلة. كانت هذه العائلات تمتلك مزرعة السويسة، ولكنها كانت تعيش في منطقة الهرمل، لا في الجبل أو في مشاعات بشري، بل في مشاعات الهرمل وعكار، (ومنها مشاعات القبيات)، وذلك قبل أن تبيع كل ملكيتها في السويسة لأبناء الهرمل منذ حوالي نصف قرن من الزمن. ولعله من الأهية القصوى البحث في أسباب نجاح الاقامة البشراوية في وسط الشيعة في الهرمل. وكذلك البحث في الأسباب العميقة للنزوح، بعد إقامة دامت أكثر من قرن من الزمن. وذلك بغية التركيز على عوامل دوام بقاء الموارنة في عيش مشترك مع المحيط. وبالطبع هذه مهمة تقع على عاتق الجميع ولا تقتصر على وسط طائفة دون الأخرى.
انطلق د. سلوم من هذه الواقعة وتلاعب بها ليقرر أن مشاعات القبيات متصلة بمشاعات بشري. واستند إلى جملة فجائية، مقطوعة عن السياق العام الذي تبعه الخوري فرنسيس رحمه، وسلم بها تسليماً مطلقاً دون إخضاعها للنقد والتدقيق. فكأن امتلاك هذه المزرعة (السويسة) يخول أبناء بشري جعل حدودهم تقفز عبر (أو تأكل) كل جرود الضنية وعكار والهرمل لتتصل بالقبيات. وإذا كانت رغبة د. سلوم في اختراع تواصل تاريخي لموارنة القبيات مع موارنة الجبل جعلته يقرر أن القبيات "مشتى رعيان الجبل" فان الواقع الفعلي هو أن القبيات كانت، وما تزال، مشتى رعيان جيرتها من عكار العتيقة وأكروم وغيرها، قبل أن تكون، وبأكثر من أن تكون "مشتى رعيان الجبل" لمجرد أن بعض الرعاة البشراويين المقيمين في الهرمل "شتوا" في القبيات، مع غيرهم من عشرات الرعاة من الجوار العكاري للقبيات.
من الصفحة الأولى لأطروحته، في التمهيد لـها (Avant-propos )، يبدأ الأب موراني عملية "تعظيم" القبيات. لا يُعرّف القبيات كبلدة أو مدينة، لا، إنها منطقة. يقول: "القبيات، منطقة في لبنان الشمالي، على الحدود مع سورية" ([19]). كيف تكون القبيات على الحدود مع سورية وهي مفصولة عنها بمنطقة جبل أكروم (بقراه السبع)، أو ببلدات وقرى عندقت وشدرا ومشتى حسن ومشتى حمود ووادي خالد (بما فيها من مزارع وقرى) وعيدمون والنهرية ومنجز…؟
وفي الصفحة الأولى من المدخل (Introduction ) يطرح القبيات بمثابة كانتون (Canton ). وهو ينطلق هنا من عبارة استخدمها دوسو ليشير إلى قسم من "وادي النهر الكبير" ([20]).
لكن الأب موراني يقرر بعد قليل أن القبيات هي كانتون. يقول: "تقع القبيات، هذا الكانتون الحدودي مع سورية الشمالية، في الحدود الشرقية لمقاطعة (محافظة) لبنان الشمالي" ([21]).
ويضيف: "إن هذا الكانتون يفصله عن سورية، من الشمال، النهر الكبير" ([22])، كـما تفصله عنها في الشمال الشرقي، "البقيعة"، تماماً تحت حصن الأكراد…" ([23]).
يلتبس الأمر على القارئ، في مطلع أطروحة الأب موراني، في ما إذا كان الكاتب يتحدث عن أمرين: عن القبيات (البلدة) من جهة، وعن كانتون هو أيضاً باسم القبيات، من جهة أخرى.
ولكن هذا التأرجح الذي يعتمده الأب موراني يبدو أن له وظيفة تكمن في جعل القارئ يظن أن القبيات الراهنة ربما كانت في السابق أكبر مما هي عليه الآن بكثير، وأن لـها اتساعاً أكبر وحدوداً أخرى كانت موجودة سابقاً، وبالتالي من الأهمية التفكير بالعمل لاستعادتـها.
فلنسمعه يقول: "تبدو القبيات، بمظهرها الراهن وكأنها حديثة التكوين… ولكن كم هي عديدة صفحات التاريخ المجيد الذي تحتفظ به هذه المدينة الصغيرة… إن كثرة المواقع الأثرية، والآثار المسيحية العديدة في المنطقة، تنبئ عن بلد، إن لم يكن مزدهراً، فهو على الأقل أكثر سكاناً بكثير مما هي عليه القبيات الراهنة، والتي تتطلب حدودها الحالية، قياساً على إيقاع توسعها الراهن، وقتاً طويلاً لاستعادة جغرافيتها الأولية" ([24]).
الأب موراني: القبيات "سنيورية" (Seigneurie) بحكم ذاتي؟
هذا التلميح إلى "جغرافيا أولية" يصبح تصريحاً عندما يقرر الأب موراني أن القبيات كانت في أيام الصليبيين "سنيورية" تتمتع بحكم ذاتي. وهذه "السنيورية كانت واسعة: كانت تضم، على الأرجح، كانتونات الدريب ([25])، والقبيات وأكروم والهرمل. لا توجد أي وثيقة لتعيين هذه الحدود، ولكن افتراضنا ينجم عن التكوين الجيو- فيزيائي (Géo-physique ) لإقليم موحَّد ومحدود طبيعياً بوادي نـهر عكار إلى الجنوب الغربي، بالنهر الكبير الجنوبي إلى الغرب ([26])، وبالوعر إلى الشرق والجنوب الشرقي" ([27]).
لا بد من وجود جرأة غير مسؤولة ليتمكن كاتب أطروحة دكتورا من قول ما يقوله الأب موراني. قبل أن يعين الأب موراني حدود "سنيورية" القبيات الواسعة يرى أن: "عكار كانت تضم، في أيام الصليبيين وفي ظل كونتية طرابلس، أربع "سنيوريات": "سنيورية" عرقة، إقطاعة (Fief ) جبل عكار (Guibelacard)، إقطاعة الفليس (منجز، Felicium )، "سنيورية" حصن الأكراد"([28]). أين ذهب ب"سنيورية" القبيات الواسعة؟ لننتظر، سنعرف. إنه يتحدث بابـهام عن اتساع ثلاث فقط من هذه السنيوريات، ويسكت عن ذكر إقطاعة الفليس، فيكتفي بعنوان فرعي: "د- القبيات: إقطاعة الفليس أم أملاك كونتية"([29])، أي أنها أملاك للكونت، وليس لها بالتالي وضع "السنيورية"؟ وهو يجيب: "برأينا بقيت مدينة القبيات ملكاً كونتياً"([30]). فأين هو الحكم الذاتي، إذا كانت القبيات أملاكاً كونتية؟
بيد أن الأب موراني يتقدم بفرضية جديدة ليست أقل لا معقولية من سابقاتها عندما يقرر أن اسم القبيات أطـلـق على "الكورة" (“Kourat” ) المجاورة لمزرعتين صغيرتين: واحدة باسم Bethsama أو Bethsamum والثانية باسم Bethsedion . ويعتبر أن الأولى هي منطقة مطحنة "شمعا" في القبيات، والثانية هي في حي القطلبة، في مكان الكنيسة الراهنة، وكانت تُسمى مزرعة "بيت سعادة"([31]). ويدعي الأب موراني أنه باقتراحه هذا يستكمل منطق جان ريشار (Jean Richard )، الباحث الفرنسي في كونتية طرابلس، ويعين المرجع الذي طرح فيه هذا المؤرخ تعيين موقعي هاتين المزرعتين. ولكن العودة إلى ما كتبه جان ريشار في مقاله المقصود، Le Chartier de Sainte- Marie –Latine et l’Etablissement de Raymond de Saint – Gilles a Mont – Pèlerin ، تبين لنا أن هذا الباحث حدد موقع هاتين المزرعتين في طرابلس، بالقرب من قـلـعة " أبي سمرا " اليوم ونـهر " أبي علي ". يقول جان ريشار ( نثبت بعض مقاطع النص بالفرنسية)([32]): "En 1127, d’autre part, on donnait pour confins, au casal de Misdelia, l’actuel Madjlaya, Bethsamum et Bethsedion…, ainsi que le ‘fleuve qui coule a Mont-Pèlerin” (le Nahr Abou Ali)…”; …; Misdelia , Bethsamum, et Supra Pontem forment donc une sorte de chaine joignant le Nahr Abou Ali…; …; Bethsamum, alias Bethsama ou Bethamum… ne peut etre Bsarma , puisque cette localité se trouve au sud-ouest du N. Abou Ali tandis que tous les casaux voisins de Bethsamum sont au nord-ouest du fleuve…”
وأخيراً يتقدم الأب موراني باقتراح تكون القبيات بموجبه مجرد مزرعة ترد باسم "مزرعة قليات" لا القبيات (Villa Coliath )([33]).
ما هي حقيقة هذا التخبط الذي يتخبطه الأب موراني في ما خصّ القبيات في أيام الصليبيين؟
عبثاً حاول الأب المذكور أن يعثر على أثر لذكر القبيات في ذلك الزمن، ولم يجده. فما العمل وهو يريد لهذه البلدة أن تكون منطقة واسعة، ليكشف فيها، خلف دراسة الآثار، مجتمعاً نعم بحياة العز في ظل الوجود الإفرنجي الصليبي؟ لجأ إلى الأوهام، والوهم توأم التعظيم، والوهم مرادف لخيال جموح يشق الغيوم في أحلام اليقظة، والحلم لا ضابط له، تأتي صوره بلا انتظام أو ترابط. وعليه جاءت صورة القبيات في أوهامه تتراوح ما بين "سنيورية" ابتلعت قسماً كبيراً من عكار وبعض الهرمل، إلى "كورة" في الدريب، إلى مزرعتين صغيرتين نقلهما من طرابلس إلى القبيات، إلى مجرد مزرعة ريفية لسيد إقطاعي مجهول، أو إلى أملاك كونتية.
لم نعثر على أي ذكر للقبيات، ولا لأي موضع من مواضعها المعروفة، في كل الأدب (الذي تمكنّا من مراجعته) الذي خلفه الصليبيون، سواء في تشريعاتهم، أو في العقود التي كانت ناظمة لاداراتهم، أو في الحوليات التي وضعوها عن حروبهم، أو في سوى ذلك من الكتابات التي تركوها. كما إننا لم نعثر على أي ذكر لاسم القبيات في كل الأدب العربي التابع لتلك المرحلة، بما في ذلك النصوص المارونية بالذات، والحوليات التاريخية والجغرافية. وذلك سواء عالج هذا الأدب الأحداث العسكرية (بما فيه المواقع الحربية التي دارت في كل عكار والدريب والبقيعة، وحتى أثناء المعارك حول حصن عكار الكائن في بلدة عكار العتيقة المتاخمة للقبيات)، ولا في وصف الرحالة (العرب أو الأجانب) الذين مرّوا في عكار.
ولكننا، (ونحن من القبيات ونحبها مثله على الأقل) لم ننجر خلف أوهام فارغة، ولم نرَ في ذلك أمراً مستهجناً أو محيراً، ولا رأينا فيه إهمالاً من "الغريب"([34]). واعتبرنا أن الأمر يتراوح بين احتمالات قليلة: الأول والأهم، هو أننا بحاجة إلى مزيد من البحث والتفتيش في المصادر المتنوعة، السريانية واللاتينية واليونانية والتركية. والثاني يكمن في احتمال أن تكون القبيات مجتمعاً حديث العهد نسبياً، ولربما أنه لم يكن على شأن كبير في الماضي، أو كان تابعاً لغيره من المناطق المتاخمة له والتي قد تكون حجبته عن الظهور، أو على الأقل، اسم البلدة حديث. أو لربما كانت منطقة البلدة معروفة باسم أو بأسماء مجهولة. كما قد لا تكون البلدة على تلك الدرجة من الأهمية. وعلى أي حال، هذه مسألة لا يجلوها غير المزيد من البحث والتنقيب التاريخي، وبشكل خاص التنقيب عن عاديات المنطقة وآثارها.
وفي كل الأحوال، لا يقلل من شأن المجتمع القبياتي الراهن أن لايكون عظيماً في الماضي، بل ما يرفع شأنه أنه هو من صنع ويصنع واقعه الراهن ومستقبل أبنائه.
وكنّا نأمل من الأب موراني تركيز جهوده في البحث في الآثار ليضيء لنا درب التأريخ. فانطلق بعكس مهمته القاضية بإنارة التاريخ من خلال البحث في الآثار، ولجأ إلى توهم تاريخ مفتعل ليكتب به آثار القبيات.
لجأ الأب موراني إلى "لعبة" انطلقت من افتراضه أن اسم القبيات تعرض للتحريف على يد الفرنجة الصليبيين. لقد نقلوا اسم القبيات بشكل خاطئ: خطأ بسيط في كتابة الإسم باللغة اللاتينية أو الفرنسية القديمة. بدل أن يكتبوا الحرف "ب" “b” كتبوا الحرف "ل" “l”. لاحِظوا أن حجم الخطأ هو بحجم هذه الإشارة فقط ( ). فبدل إسم "القبيات" ظهر إسم "القليات" (Coliath). وينسب الأب ماروني إلى كتاب الحوليات (الفرنجة بالطبع chroniqueurrs) الإصرار على المطابقة بين إسمين أو موقعين “Castellum Coliat” حصن القليعات و “Villa Coliath” قرية أو مزرعة القبيات([35]).
وفي الحقيقة أن كتاب الحوليات في زمن الحروب الصليبية لم يتعرضوا إلى هذا الموضوع. بل أنهم لم يظهروا اهتماماً به. ولكن الأبحاث الحديثة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين خاصة تلك التي سعت إلى البحث في الطبوغرافيا التاريخية للممالك اللاتينية هي التي توقفت أمام هذا الأمر. ولعل البحاثة الفرنسيين هم أكثر من اهتم بذلك. وإذا كانت عبارة حصن القليعات “Castellum Coliat” تتردد مراراً كثيرة لدى الغربيين، القدماء والمحدثين منهم، فإن عبارة “Villa Coliath” أو “Casale Coliath”، لم تظهر إلاّ في بعض نصوص الهبات التي تلقتها رهبنة فرسان الإسبتارية، لا سيما عقد الهبة المعقود في العام 1127، حيث يرد فيه اسم Villam Coliath.
ولقد شكلت أسماء الأماكن الواردة في هذه الهبة موضوع اهتمام جملة من الباحثين في تاريخ، أو على الأصح، في الطبوغرافيا التاريخية للمنطقة. يقول ديشان: "وجدنا من المفيد محاولة تعيين اكبر عدد ممكن من أسماء الأماكن التي وردت في وثائق المرحلة الصليبية. إن هذه الوثائق تبين لنا أملاك أهم الأسياد، وانتشار ممتلكات الرهبنات العسكرية… كما أن البعض منها يتيح امكانية توضيح العمليات العسكرية وتتبع زحف القوات في المعارك"([36]). وكان سبق لراي (G.REY) في السبعينات من القرن التاسع عشر أن عبر عن نفس الإمكانية بالإستفادة من الأسماء الواردة في الهبات والعقود التي جرت في الزمن الصليبي، لدراسة تلك المرحلة، كما حاول تعيين مواقع أسماء الأمكنة الـواردة فــيـهـا([37]).
ولكم كانت طريقة تعيين المواقع، استناداً إلى المقاربات اللفظية بين الأسماء، كما جاءت في النصوص اللاتينية، وكما هي في النصوص الفرنسية والألمانية والإنكليزية والعربية، وفي استعمالاتها المحلية، وكما تم تعيينها في الخرائط التي وضعها الغربيون عن المنطقة، عرضة للتأويل والتحويل والتبديل. لقد مضى زمن طويل بين وجود تلك المواقع في المرحلة الصليبية (من أواخر القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الثالث عشر)، وبين العمل على تعيين مواقعها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولعل بعضها كان قد باد ولم يبق منه أثرٌ بعد عين.
يشير راي (G.REY) إلى هذا الأمر بقوله: "ثمة أسماء بقيت عربية، وأخرى تمت صياغتها باللاتينية، وبعضها الثالث أطلقت عليه أسماء فرنسية بحت"([38]). وقل الأمر نفسه عن الملاحظة التي أدلى بها ديشان حين أعطى أمثلة على تحوير تلك الأسماء: مثل "البقيعة" التي صارت “Boquée” أو“Bochée” ([39]). وكان الشك في النجاح في مثل هذا العمل قد بدأ بالظهور تدريجياً منذ البداية، فهذا ماكس فان برشم يسجل تحفظه وهو يتحدث عن صعوبات مثل هذا العمل لتعيين مواقع أسماء الأمكنة: منها الصعوبة في كتابة أسماء العلم بالذات، عدم تعاون أبناء هذه الأمكنة وريبتهم العفوية من الغرباء. ويؤكد أنه على الرغم من عودته لإستشارة القناصل الفرنسيين في طرابلس وحلب وغيرها، وعلى الرغم من استعانته بالمستكشف والمستشرق مارتين هارتمان “l’explorateur et l'orientaliste M.Martin Hartman” الذي انكب على دراسة تعيين الأسماء في سورية الشمالية، وقيام هؤلاء بمراجعة اللوائح التي أعددناها، بعد كل ذلك يؤكد ماكس فان برشم بأنه لا يضمن الدقة في عمله([40]). أما كلود كاهن فإنه يقول صراحة: "إن البحث في تعيين وموضعة الأماكن غالباً ما جرى باللجوء إلى التقريب أو التشابه اللفظي والدلالي، وهذا ما جعله، نظراً لعدم الدقة في الكتابة ولتكرار الألفاظ المتشابهة، بلا معنى في ثلاثة أرباعه"([41]).
مصدر الإلتباس: “Castellum Coliath” و “Villam Coliath”
إن إسم القليعات، كقلعة ومزرعة، من أكثر الأسماء التي أربكت، في عملية تعيين موقعها، الباحثين في الطبوغرافيا التاريخية للبنان وسورية. فهناك القليعات “Castellum Coliath” في سهل عكار و هناك "القليعة" في سورية، وهناك أيضاً في نص الهبة التي قدمها كونت طرابلس، بونز Pons، عام 1127، إسم القليعة كمزرعة “Villam Coliath” في عكار.
انطلق الأب موراني من هذا الإرتباك. ونسب إلى رينيه دوسو التساؤل التالي: "هل تعكس هذه الصيغة Le Gouliath([42])، وجود عدة مواقع هي، من الأصل، منفصلة عن بعضها؟ هذا ما يؤدي إلى تغيير شروط المسألة حول إسم “Villa Coliath”([43]) التي لا يبدو لنا ممكناً أن نعتبرها هي القبيات (Koubaiyat ou Qoubai’at) في سفح جبل عكار…"([44]). وفي الحقيقة إن رينيه دوسو لم يتوقف، كثيراً، أمام إسم “Villa Coliath”. والكلام الذي أوردناه قبل قليل والذي نسبه الأب موراني إلى دوسو هو لباحث آخر، ردده عنه دوسو وضمنه الحاشية رقم 3 من الصفحة 90، من كتابه … Topographie، التي يعنيها الأب موراني. إن كاتب هذا الكلام هو ماكس فان برشم، صاحب الفرضية التي تقول أن القبيات هي المقصودة باسم “Villa Couliat”، هذه الفرضية التي يدعي الأب موراني أنه هو صاحبها، وينكر واضعها الحقيقي: ماكس فان برشم.
بعد أن ينقل الأب موراني كلام ماكس فان برشم وينسبه إلى رينيه دوسو، يتحول من "عالم آثار" (archéologue) إلى محلل نفسي (psychanaliste) فيقول: " ينجم عن هذا المقطع (كلام برشم المنسوب على يد موراني إلى رينيه دوسو)، كما عن النصوص اللاتينية، أن الإسم يرد بشكلين مختلفين: حصن قليعات Castellum Couliath وقرية قليعات Villa Coliath ([45]). إن موقع القلعة لم يعد موضع شك بعد الأبحاث الشهيرة لجان ريشار (Jean RICHARD) وبول ديشان (Paul DESCHAMPS). ولكن مسألة موقع قرية القليعات تبقى مفتوحة. فهل إن الشكلين هما كتابتان لنفس الإسم ولنفس الموقع؟ أم أنهما يعكسان موقعين مختلفين؟ إن تأكيد دوسو "أنه لا يبدو لنا ممكناً أن نعتبرها (COLIATH) هي القبيات" يشير بالضبط إلى أن دوسو، فكر، في لحظة معينة، باحتمال ذلك. إن هذا الإحتمال، الصادر عن عالم الآثار المشهور، وإن يكن عابراً، ليس مجانياً، لأنه يستند إلى ملاحظتين: أولاً ذكر قرية قليعات بالإرتباط مع قرية أروات (Villa Aroath)، مما يعني أن المزرعتين قريبتين من بعضهما وفي نفس المنطقة. والحال فإن قرية أروات موجودة بالقرب من الفليس (منجز)، كما سبق واقترحنا موقعها، وعليه لن تكون قرية القليعات بعيدة، وبالتالي قد يكون صحيحاً اعتبار قرية القليعات هي القبيات([46]). ومن جهة أخرى، لا تتضمن سجلات الضرائب في أيام المماليك ([47]) ذكراً لقرية أو مزرعة باسم القليعات تدفع رسوماً إلى والي طرابلس"([48]). ولكن القليعات ترد في السجلات العثمانية لعام 1571، في الدفتر رقم 513، وفي هذا يقول د. عصام خليفة: "لاحظنا أن هناك 60 ذكراً ناضجاً من النصارى موزعين على 19 قرية، لا إشارة إلى أنهم يدفعون الجزية. وهذه القرى هي: ... في ناحية عرقا: قليعات..."([49]).
لم يطرح رينيه دوسو ما طرحه لأنه ظن لوهلة أن Villa Coliath قد تكون القبيات. ولكنه فعل ذلك وهو يحسم أمره، وكان إنما يرد على ما طرحه ماكس فان برشم الذي تساءل هو، لا دوسو، حول إحتمال المطابقة بين Villa Coliath والقبيات.
ولا نظن الأب ماروني لا يحسن قراءة الفرنسية وفهمها جيداً. ولا بد أنه قرأ مؤلف ماكس فان برشم وأخذ عنه ما أخذ وشوه ما شوه وادعى لنفسه ما ادعى. فكتاب ماكس فان برشم (رحلة إلى سوريا) وارد في عداد مراجع الأب ماروني، وفي الكثير من استشهاداته التي دون هوامشها في صفحاته([50]).
كيف عرض ماكس فان برشم إسم وموقع Villa Coliath؟
خصص ماكس فان برشم، في الجزء الأول من كتابه Voyage en Syrie لحصن القليعات الصفحات من رقم 131 حتى 135. وأشار إلى الصعوبات في وضع تاريخ هذا الحصن. من هذه الصعوبات يعتبر أن إسم الحصن بالذات، القليعات، لا يسهل البحث. لماذا؟ لأنه توجد في سورية عدة حصون من الدرجة الثانية، جاءت تحت اسم الجنس ( لا اسم العلم) "قلعة" "qal´a " (حصن) أو "قليعة" "qulai´a "، حصن صغير، "petite forteresse,fortin ". صحيح أنه في حالتنا هنا يأتي الاسم بصيغة الجمع al-qulai´āt الحصون الصغيرة les fortins ([51]). هنا يحيلنا برشم إلى حاشية رقم 3، يقول فيها: "هل تعكس هذه الصيغة وجود عدة مواقع هي، من الأصل، منفصلة عن بعضها؟ إن موقع الحصن المكون من تلة منخفضة، وبشكل موحّد، لا يتناسب مع هذه الفرضية. ولعله ليس لصيغة الجمع من غرض غير تمييز هذا الحصن عن غيره من الحصون التي تحمل نفس الاسم بصيغة المفرد"([52]). ويتابع برشم: "بيد إن هذه الصيغة لا تلغي كل فرص الالتباس في النصوص العربية، وكذلك وبدرجة أقل في النصوص اللاتينية: هناك اسم Colée وبدائله في المفرد، واسم Coliat وبدائله في الجمع"([53]). ويشير برشم إلى شكل آخر لكتابه اسم القليعات باللاتينية، Goliath أو Goliad، فهو ينسب هذه الصيغة إلى احتمال أن يكون الفرنجة ترجموا الحرف "ق" وفقاً لسماعهم طريقة اللفظ الواسعة الانتشار في الريف السوري: "ق" مثل "ج"([54]) على الطريقة المصرية أو البدوية، أو كأنها “gu” الفرنسية.
و يضيف برشم: "يرد اسم Coliat(h)، كموضع، في الهبات التي قدمها كونت طرابلس، بونز Pons، إلى فرسان الاسبتارية، في 8 شباط 1128، وفيها، هذا الموضع عبارة عن قرية أو مزرعة Villa، لا كحصن. وفي العام 1153 نجده أيضاً في الممتلكات التي يثبتها البابا لهؤلاء الفرسان. وفي هذين المصدرين يظهر السياق العام أن المقصود هو القليعات el-Qlē´āt. ولكننا لسنا واثقين من ذلك تماماً. فعلى مسافة ساعتين إلى الشمال من بلدة عكار… هناك بلدة مزدوجة اسمها قبيات Qubai´at ([55]). ورد هذا الاسم مكتوباً Koubayat و Vieux Koubayat في خارطة جليس Gelis، و Kubajat و Alt Kubajat في خارطة بلانكنورن Blanekenhorn، وkoubaiyat في رحلة دوسو Dussaud الذي مرَّ فيها آتياً من عكار. أما نحن فنكتب Qubai´at، لأن خارطة بيروت حيث الأسماء مكتوبة بالعربية، تشير إلى قرية قبيعات جنوب-غرب عكار، وهي مطابقة لقريات Kourâayat في خارطة جليس Gelis. ليس علينا البحث عما إذا كانت كل هذه الأسماء تدل على الموضع الواحد، أو على عدة مواضع بشكل سيئ في ضواحي عكار"([56]). ويتابع برشم: "أما في رحلة تومسون Thomson، فإن هذا الإسم يرد شكل Qulai´at؛ وفضلا عن ذلك ثمة تفصيل مثير للغرابة، إذ يقدم السكان أنفسهم للرحالة الأميركي بانهم من أحفاد الفرنجة، وهذا ما يدل على أن القرية قد لعبت دوراً ما في زمن الصليبيين"([57]).
ويضيف برشم: "إذا ما قارنا هذه الملاحظة بعبارات نص عقد 1128 Villam Coliath ، وبحقيقة أنه لا يوجد في القليعات el-qlē´at، لا قرية ولا آثار ظاهرة خارج الحصن، فإننا نميل إلى افتراض أن قرية قليعات Villa Coliath قد كانت، بالأحرى، القرية القديمة، الداثرة الـيوم، في قـليعات Qulai´at (أو قبيات Qubai´āt ) في لبنان، بين عكار والبقيعة، لا حصن القليعات el-Qlē´āt . وعلى أي حال فإن هذا الموضع ما كان له أن يكون موقعاً بالغ الأهمية في ذلك الزمن، لأنه لم يرد ذكره في رواية حروب صلاح الدين" ([58]). ومن سياق استعراض بعض الحوليات العربية المعنية بالحروب الصليبية يستنتج أنها جميعها تتناول إما القليعات في سهل عكار أو القليعة، ذلك الحصن في مواقع العلويين في سورية اليوم([59]).
كذلك يشير برشم، في معرض كلامه عن رحلة ويلبراند دولدنبورغ Wilbrand d’Oldenbourg، في العام 1212، إلى كيفية كتابة اسم القليعات من قبل السائح المذكور: Culicath . يحيلنا برشم إلى حاشية له فيها يحدد مرجعه، ويقول يجب أن نقرأ بدل Culicath كلمة: Culieath كترجمة دقيقة للاسم العربي قليعات Qulei´āt . كما يذكر أيضاً أن البعض ربما لجأ إلى ترجمة صيغة الجمع العربية باستعمال صيغة الجمع الفرنسية، مثل كتابة الاسم: Quelleyes ([60]).
ننهي هذا البحث في الاسم قليعات وقليعة بالاشارة إلى الطريقة التي اعتمدها إ. راي E. REY الذي ميّز القليعة عن القليعات، بكتابة اسمها El Coleiah ، بينما وردت في النصوص Colée ، وبكتابة اسم القليعات الوارد Coliath ([61]).
ومهما يكن الأمر فإن شدة الاختلاف في التأويلات اللفظية والصياغة اللاتينية والفرنسية وغيرها من اللغات الغربية لهذا الاسم لا تفعل غير زيادة الأمر غموضاً والتباساً. وعليه ليس في كل ما ورد في هذا النمط من المباحث الطبونيمية Toponymique ما يمكن الركون إليه. وهو لا يعدو كونه ما يشبه الضرب في الغيب، لا سيما وأن بعض أصحابه يعترفون أن ثلاثة أرباعه على ضلال، كما سبق وأشرنا.
وكذلك قل عن من حاول الاستعانة بالخرائط الجغرافية ليجد اسماً قريباً من لفظة القبيات علّه ينسب إليه موضع واسم Villa Coliath، ومن هنا ثمة من توقف أمام اسم قبعيت وقريات. لنأخذ مثلاً الخريطة التي تم اعتمادها لدى الأمن العام اللبناني، لمنطقة عكار، في العام 1972، عندما أصدر الأمن العام كتابه عن الانتخابات النيابية لذلك العام، جاء فيها حي الضهر وحي غوايا (حيّان من أحياء القبيات) خارج القبيات، أو بالأصح في المنطقة الحدودية مع عندقت وعيدمون، في شمالي البلدة، بينما هما في الحقيقة في القسم الجنوبي منها، ويفصلهما عن الموقع المعيّن لهما حيّا مرتمورة والغربية ([62]). هذا ما نصادفه مع خارطة يعتمدها أهم جهاز أمني في لبنان، وفي زمن قريب (1972)، فما بالك في خارطة يضعها أجانب التقطوا أخبارهم عن الجغرافيا المحلية من هنا وهناك، منذ أكثر من قرن، مع ارتياب واضح من قبل السكان المحليين؟
هل كانت القبيات "سنيورية" ؟
لعل الباحث جان ريشار من أفضل من اشتغل على دراسة التنظيم الاداري لكونتية طرابلس في مؤلفه "كونتية طرابلس…" السابق الذكر ([63]). ومع ذلك فإنه سجل الصعوبة في تعيين حدود المقاطعات الادارية للكونتية. وهو يقول بهذا الصدد: "من الصعب جداً تعيين الجغرافيا الاقطاعية للكونتية، لأننا احتفظنا بالقليل جداً من "فرمانات" السنيوريات، كما أن اسماء البارونات، وهو أثمن مؤشر، غالباً ما لا تُفيدنا في شيء: إن البروفنساليين Provencaux ([64]) احتفظوا بأسمائهم الغربية، وهذا ما يحول دون تعييننا للاقطاعات التي حصلوا عليها في طرابلس" ([65]). إلاّ إنه وضع خريطة لتوزع مناطق كونتية طرابلس، لم يرد فيها أي ذكر لسنيورية باسم القبيات. وفي هذه الخريطة جاء مجال القبيات وما يجاورها كجزء من قرى ومناطق ضمن سنيورية جبل عكار. هذا فضلاً عن تناقض هذه الخريطة مع كل ما طرحه الأب موراني في ما يخص التقسيم الاداري لعكار، ولا سيما الكلام على سنيورية عرقة والفليس. راجع الخريطة التي تضمنت ست عشرة سنيورية ([66]).
يواكيم الحاج: الحدود التاريخية والحدود الحالية ؟
في الفصل الأول من كتابه "تاريخ القبيات" يطرح السيد يواكيم الحاج مسألة حدود القبيات، من منطلق "تعبدي" لبلدته، سمته الأولى "تعظيمها" بلا قياس. فهي: "إحدى أكبر وأقدم مدينة في عكار. استناداً إلى الاكتشافات الأثرية، والكتابات المسمارية التي وُجدت منقوشة على إحدى صخور(ها) الكبيرة في جرود(ها) العالية" ([67]). يشير السيد يواكيم هنا إلى النقوش التي عثر عليها هنري بونيون Henri POGNON في وادي بريسا (الهرمل). وهذا يعني أن هذا الوادي يدخل في نطاق القبيات بينما هو موجود في قضاء الهرمل، وعلى مقربة من قرية فيسان. (لعله ضم هذا الوادي إلى القبيات من مشاعات بشري للدكتور سلوم).
يعتقد السيد يواكيم أن للقبيات حدوداً طبيعية تاريخية، فهو يقول تحت عنوان "الحدود الطبيعية التاريخية للقبيات": "والقبيات في جغرافية أراضيها التاريخية يحدّها: شمالاً: النهر الكبير، الممر الساحلي([68]) الوحيد قديماً، الذي يربط مدن الساحل الفينيقي بالأقطار العربية (؟) عبر الأراضي السورية (؟). جنوباً: جبل سنير (عروبة حالياً)([69]) - وجبل القموعة في سلسلة عكار. شرقاً: جبل أكروم، ومن ورائه قلعة قادس (أو تل النبي مند) (؟). غرباً: ينـفـتح غـربـها على قـلعتي المجدل وطيبو، وعلى مقربة منهما قلعة السن" ([70]).
تتقارب هذه الحدود التاريخية، مع تلك الحدود التي طرحها الأب موراني، واستعرضناها سابقاً. لا يبرر لنا السيد يواكيم منطلقاته لتعيين هذه الحدود. كما لا يفسر لنا قصده بعبارة "الحدود الطبيعية التاريخية". فهل يرغب بالعودة، بالمجتمع القبياتي إلى حدوده التاريخية المزعومة ([71])؟ وكيف يكون ذلك؟ ألم يتساءل السيد يواكيم ما سيكون عليه رأي سكان وأهالي وأصحاب القرى والمناطق الموجودة ضمن كل هذه المساحات الشاسعة التي يدّعي أنها كانت "تاريخياً وطبيعياً" ضمن حدود القبيات؟
" أما حدودها الطبيعية حالياً: شمالاً: قرى عيدمون، العوينات – رماح ([72])– المغراقة – الباردة – منجز… جنوباً: سلسلة جبل عكار (؟) بما فيها جبل القموعة ([73])… حتى المعبور الأبيض الفاصل بين مشاعات القبيات ومشاعات بشري ([74]). شرقاً: جبل أكروم. وعندقت عند وادي الكاسوحة ([75]). غرباً: قرى البيرة، والسنديانة، وقلعتي المجدل وطيبو ([76]).
أن نكتب تاريخ القبيات، فهذا أمر علمي. أن نحبها، فهذا أمر آخر، عاطفي وأخلاقي. أن نعمل لأجلها فهذا أمر ثالث، عملي، يقضي أن نعرف كيف نحب حتى لا نقع في: "ومن الحب ما قتل".
أهمية موقع القبيات
إن أكثر ما يتركز عليه منطق "تعظيم" القبيات يدور حول أهميتها التاريخية والستراتيجية. وهنا يعمد أصحاب هذا المنطق إلى جعل "القبيات التاريخية" واحداً من أهم المواقع اللبنانية أحياناً، لا العكارية أو الشمالية فحسب. وفي هذا السياق تبتلع القبيات كل المواقع التي جاورتها والتي ابتعدت عنها، ما بين نهر العاصي والنهر الكبير، لدرجة يبدو معها المجتمع القبياتي الراهن "قزما" إذا ما قيس بهذا الماضي المجيد. وهذا ما يخلق الشعور بالتعالي على الآخرين بحكم هذا الماضي الزاهي، كما يخلق الشعور بالمرارة لفقدانه، والقلق المستمر حيرة وتوتراً في السعي "لاستعادته".
القبيات: أكبر وأقدم مدينة في عكار!
يرى السيد يواكيم الحاج أن: "القبيات هي إحدى أكبر وأقدم مدينة في قضاء عكار، استناداً إلى الاكتشافات الأثرية، والكتابات المسمارية التي وجدت على إحدى صخورها الكبيرة في جرودها العالية..."([77]). ستكون لنا مناقشة للتلاعب الذي قام به السيد يواكيم وتزويره لنصوص عالم الآثار الفرنسي هنري بونيون، عندما سنعالج اسم القبيات، وبالتالي ليست هناك ضرورة الآن إلى ذلك. ولكننا نتساءل هل القبيات كانت بأهمية عرقا، مثلاً، أو قاربتها، من حيث الأهمية التاريخية و... في زمن الفينيقيين أو الرومان أو البيزنطيين أو الاسلام أو الصليبيين...؟ وهل كانت القبيات بأهمية جبل أكروم، أو البقيعة، أو "بيت جعلوك"، أو سوى ذلك من المواقع التي أثبتت الأبحاث التاريخية والأثرية أهميتها الفعلية؟ بالطبع لا.
بيد أن السيد يواكيم لا يكتفي بجعل القبيات "إحدى أكبر وأقدم مدينة في عكار" (واحدة من مثيلات لها)، بل يذهب "بتعظيم" بلدته إلى درجة دفعته إلى القول: "القبيات هي أقدم مدينة في قضاء عكار، استناداً إلى الوثائق التاريخية والنقوش الحجرية المحفورة على صخورها في جرودها العالية"([78]). هكذا ببساطة "القبيات هي الأقدم في عكار"، وبالتالي لأهميتها، لا يعود هناك مجال لمقارنتها مع بلدات عكار، بل ينفتح أمامها باب المنافسة مع أهم المدن اللبنانية التاريخية. فهو يقول: "فهذه النقوش الأثرية الباقية والتي تحمل اسم القبيات، وضعت اسمها بين أوليات المدن التاريخية القديمة في عكار خاصة وفي لبنان عامة"([79]).
هكذا تقف القبيات على قدم المساواة مع جبيل وصيدا وصور وبعلبك...! هذا مع العلم أن السيد يواكيم يعترف بأنه: "من النادر... العثور على وثائق أو كتابات قديمة أثرية، تأتي على ذكر القبيات..."([80]). ولكن طالما أنه ليس هناك "جمرك" على الكلام لنقل ما نشاء. وهل كثير أن نقول له: "يا عمي حاج رايحا معكم بالأونطا والتفليك"!
القبيات: الممر الداخلي الوحيد!
هذه العظمة التاريخية تعود لكون القبيات، برأي السيد يواكيم، كانت الممر الداخلي الوحيد بين فينيقيا والداخل. طبعاً قد يظن القارئ أننا نبالغ، ولكننا نترك الكلام له، لنسمعه يقول، وهو يتأسف على إهمال المؤرخين للقبيات: "طالما أنها كانت ممراً داخلياً وحيداً، لقوافل التجار، والسواح، عبر وادي النهر الكبير، من الساحل الفينيقي إلى البلدان العربية مروراً بسوريا"([81]). فعلاً، لقد مرّ السواح وكذلك قوافل التجار، من فينيقيا إلى الداخل، ودونوا مشاهدات وملاحظات، ولكنهم لم يأتوا على ذكر القبيات، إلاّ منذ زمن قريب جداً جداً. فهل جميعهم مهملون أو متآمرون "غرباء"! لو كان للقبيات تلك الأهمية المزعومة، وتلك "العظمة" الموهومة لما تردد كل هؤلاء عن ذكرها في ما تركوه من أدب غزير للغاية. لقد ذكر الرحالة، كما ذكرت المراجع التاريخية، "وادي النهر الكبير"، وما فيه وحوله من مواقع على شيء من الأهمية، ولكنهم لم يذكروا القبيات، لأنه لم يكن لها ما يخولها الحق في الذكر، ليس إلاً.
لا يكتفي السيد يواكيم الحاج بتسجيل أهمية القبيات ك"ممر داخلي وحيد" للسواح وقوافل التجار، بل نجده يتحول إلى خبير في التكتيك العسكري، مسجلاً الأهمية الستراتيجية للقبيات. وهنا يتوسع بامتداد حدود بلدته، و"يحشرها" قسراً ضمن المواقع التاريخية الفعلية، ناسباً الأهمية التي امتازت بها تلك المواقع إلى بلدة القبيات، دونما وجود أي مبرر لذلك غير أوهام العظمة السخيفة. فلنسمع ما يقوله، تحت عنوان، "المواقع الأثرية في القبيات وعكار تدل أماكنها على أهميتها الحربية": "إن من عاين الحصون والقلاع في منطقة عكار، وكيفية إقامتها في مواقعها، إبتداءً من منطقة القبيات، وصولاً حتى مدينة عرقة القديمة، يتأكد من أهدافها الحربية، وأهميتها الأمنية، لمراقبة وحماية شبكات الطرق المؤدية بين الجبال إلى ولاية طرابلس"([82]). وهو يعتبر أن هذه المواقع الحصينة تشكل ثلاثة خطوط دفاعية، يصفها على الشكل التالي: "الخط الأول: المتاخم لمجرى النهر وعليه أقاموا: قلعة قادس، سيدة القلعة، قلعة العريضة. الخط الثاني: خصص لحماية الممرات والطرق الداخلية: قلعة أكروم، طيبو، المجدل، حلبا، عرقة. الخط الثالث: لحماية الممرات الجبلية وطرقاتها الوعرة: قلعة أكروم، حصن عكار، فنيدق، البرج، عرقة"([83]).
إن الملاظة الأولى التي تتبادر بالضرورة إلى ذهن القارئ، وللوهلة الأولى، هي أنه لم يرد ذكر القبيات أبداً كموقع محصن، كما لم يرد ذكر أي حصن فيها، بين كل تلك المواقع التي ذكرها السيد يواكيم. وعليه ما دخل القبيات في كل تلك المواقع؟ اللهم غير أنها تقع ضمن هذه الجغرافية المترامية الأطراف، وحيث لا تلعب هذه البلدة دوراً ما. وبالتالي ليس من حقها أن تكون هي المستأثرة باطلاق اسمها على تلك المنطقة. هذا فضلاً عن أن أي موقع آخر، ورد ذكره، كان له تاريخياً شأن أكبر بكثير من شأنها. فبأي منطق يسمي السيد يواكيم هذه المنطقة باسم "منطقة القبيات"؟ وكيف يطرح عنواناً جاء فيه "المواقع الأثرية في القبيات وعكار تدل أماكنها على أهميتها الحربية"؟ كيف "يحشر" اسم القبيات في عنوان غرضه تعداد المواقع، ويغيب اسمها من بين اسماء هذه المواقع؟
الملاحظة الثانية هي جعل منطقة القبيات تمتد، شرقاً، من قلعة قادس على العاصي، مروراً بجبل أكروم، وصولاً إلى العريضة (مصب النهر الكبير في المتوسط) وعرقة، غرباً، صعوداً إلى فنيدق جنوباً. أية عظمة للقبيات، حتى تكون منطقتها على هذه الدرجة من الآتساع! هل هذه هي الحدود التاريخية لبلدة القبيات التي يتحدث عنها السيد يواكيم([84])، أم هي الحدود المطلوب استعادتها كما يطرح الأب موراني([85])؟
الملاحظة الثالثة هي أن ما يسمى "وادي النهر الكبير" يبدو، بنظر السيد يواكيم، وكأنه يقتصر على الجانب الجنوبي (اللبناني) من هذا الوادي، وإلاّ لكان أدخل على الأقل في الخط الدفاعي الأول قلعة حصن الأكراد المشهورة، بالاضافة إلى حصن صافيتا، وهما على أهمية استراتيجية أكبر بما لا يقاس مع موقع مثل قلعة الفليس (لا سيدة القلعة).
تجد أوهام السيد يواكيم الحاج (حول أن القبيات كانت "الممر الداخلي الوحيد" لقوافل التجار والسواح وكموقع عسكري) مصدرها الأساسي في ما سبق وطرحه الأب عفيف موراني؛ إنها مجرد ترجيع لهذا الطرح الأخرق بهدف "تعظيم" القبيات. يطرح الأب المذكور هذه الأفكار تحت عنوان: "القبيات، طريق الفتوحات"، ليقول: "إن القبيات الواقعة على المقلب الشرقي للبنان([86]) لتسد أكثر نقاط الضعف في نظامه الدفاعي الطبيعي، تشكل، في مركز "فرجة حمص" المشهورة، نوعاً من جسر إلزامي، وبالتالي لكم هو بالغ الأهمية بين سورية والساحل الفينيقي"([87]).
لا يوفر الأب موراني حدثاً تاريخياً إلاّ ويحاول أن "يحشر" القبيات فيه، من خلال ما يسميه "الممر القبياتي". وهو يستعيد مثلاً حملة رعمسيس الثاني على الحثيين ومعركة الاستيلاء على قادس، ليزعم أن "حثيي قادس ما كانوا ليجهلون أهمية الممر القبياتي... كما أن خصومهم الفراعنة سلكوا، وهم يصعدون وادي الأليتيروس (النهر الكبير)، الممر القبياتي. لقد اجتاز رعمسيس الثاني عام 1294، الآتي لقتال الحثيين نفس هذا الممر"([88]). وإذا كان الأب موراني ضم إلى الممر القبياتي المناطق التي عبرتها الجيوش المصرية، وهي مناطق غير قبياتية بالتأكيد، فإن مقلده السيد يواكيم الحاج، جعل الجيوش المصرية تعسكر في أرض القبيات بالذات. فهو يقول: "سلك رعمسيس الثاني (1301 – 1234) طريق الساحل اللبناني على رأس جيشه ومركباته حتى وصل أرض القبيات عكار، حيث بات ليلته قرب بلدة عندقت الحالية، في المكان المعروف اليوم بدير مار جرجس قرب قرية عيدمون (قرب قرية عيدمون وليس فيها؟!)، بينما الجيوش رابطت في تلك المنطقة هناك، المعروفة (بالحميرة)... الأرض الواقعة في نطاق القبيات العقاري والجغرافي"([89]).
كأن السيد يواكيم شاهد عيان لمسار هذه الحملة الفرعونية لشدة ما يعرض من تفاصيلها. ولا ينسى، حرصاً على الدقة العلمية كمعلمه الأب موراني، من ذكر مراجعه من كبار الخبراء في تاريخ المنطقة. فهو يقول: "يقول المؤرخ الفرنسي الأب لامنس بهذا الخصوص ما حرفيته: لا يمكننا أن نسلم بأن الحثيين تغاضوا عن احتلال وادي النهر الكبير... وهم يعلمون أن هذا الوادي طريق للأمم الفاتحة. وذلك يظهر من تاريخ الفراعنة أنفسهم، إذ أن رعمسيس الثاني لما أتى لمقاتلة الحثيين، سار إلى مقاتلتهم ماراً بهذه الطريق، (يعني طريق حلبا – القبيات حالياً للوصول إلى وادي خالد – فقادس). وهنا يضع حاشية تحدد مرجعه: لامنس: تسريح الأبصار، ج 2، ص 33"([90]).
ما هي حقيقة الأمر في حملة رعمسيس الثاني على الحثيين؟ لنترك المراجع (لا سيما تلك التي اعتمد عليها الأب موراني والسيد الحاج) تروي لنا تفاصيل مسار الحملة الفرعونية، لنتبين أين هي القبيات من هذا المسار. لم يقل الأب لامنس في "تسريح الأبصار" أكثر من مرور رعمسيس الثاني في وادي النهر الكبير، بما يعنيه هذا الوادي ويضمه من أرض، هي اليوم لبنانية وسورية، وليس في كل ما قاله هنا ما يخول أحد تفسير الطريق التي سلكها هذا الفرعون كما يقول السيد يواكيم الحاج: "يعني طريق حلبا القبيات للوصول إلى وادي خالد"، على غرار مسير باصات الهيونداي! أما رينيه دوسو (R. DUSSAUD)، فإنه يحدد مسار الحملة هذه في مؤلفه "الطبوغرافيا التاريخية لسورية" (وهذا مرجع يستند إليه الأب موراني، وفي هذه المسألة بالتحديد، وفي نفس الصفحات بالضبط): "كان الجيش المصري، الآتي برأينا، عن طريق الساحل، معسكراً جنوب شبطونا، أي قلعة الحصن، كما حدد ذلك بدقة بلانش (BLANCHE)، وإن رعمسيس الثاني تقدم مع طليعة من جيشه ليستطلع قادس. لقد سلك الفرعون إذاً طريقاً كانت خرائط خطوط السير ما زالت تحددها في زمن السلاطين المماليك: طرابلس، عرقة، الشعرة، أقمار، قدس، لتلتقي في شمسين الطريق المحازية لوادي العاصي من الجنوب إلى الشمال"([91]). ويوضح دوسو، في مقال له، نفس الموضوع، حيث يؤكد على أن الجيش المصري عسكر في شبطونا، وهو الأسم القديم لقلعة الحصن([92]). فأين هي القبيات من "حصن الأكراد"؟
ممر وادي النهر الكبير
وصف ر. دوسو وادي النهر الكبير، في مؤلفه (الطوبوغرافيا التاريخية لسورية، من ص 91 حتى ص 95) بمزيد من التفصيل، ويتبين من هذا الوصف أن الممر المركزي فيها محوره الانتقال من عرقة إلى حصن الأكراد الذي يتحكم بالطريق الآتية من الشرق (حمص)، والتي تتفرع من الحصن بفرع يصل إلى طرطوس وآخر إلى طرابلس (عبر عرقة)؛ كما يتحكم بالطريق الآتية من الشمال (حماة) عبر رفنية([93]). ويشير إلى أن الطريق من طرابلس إلى قلعة الحصن ورفنية كان قد سلكها تيتوس الآتي من بيروت متجهاً إلى الشمال... كما أن لائحة بوتنجر (PEUTINGER) تحدد الطريق من رفنية إلى أرطوسية مروراً بكاريون (Carion) وديميترياس (Démétrias) والاليتيروس (النهر الكبير). وكان اجتياز هذا النهر يتم على الدوام على مقربة من الشيخ عياش. وعليه يجب تعيين موقع كاريون وديميترياس، بين هذا المقطع للنهر ورفنية، ربما في تل كلخ قلعة الحصن، ولكن هذا يبقى مجرد فرضية. ولقد سلكت الحملة الصليبية الأولى نفس المسار... يمكن أن نذكر، كمواقع متقدمة على طريق حمص طرابلس، برج زارا وتل كلخ. وإلى الغرب وادي نهر الخليفة... يجب أن نبحث في وادي النهر الكبير عن سنج بين عرقة وطرطوس ... قلعة الفليس... أكون وهو ربما لاكوم..."([94]). هذه هي الملامح المحيطة بأهم مواقع وادي النهر الكبير وممرها ومواقعها المحصنة، وفي كل ذلك لم تحظَ القبيات بأكثر من مجرد ذكر اسمها، فقط، مع السنديانة ومنجز.
نقتطع للعماد طلاس وللعميد الركن الجلاد بعض ما قالاه، بصواب، في تعيين حصن الأكراد (لا القبيات) كحلقة مركزية في وادي النهر الكبير: "تتحكم قلعة الحصن أو حصن الأكراد بسلسلة من الظهرات الجبلية الأقل ارتفاعاً، ما بين جبل عكار وجبال البهراء (العلويين) التي تشكل ما يعرف بثغرة طرابلس – حمص، وتسيطر على طرق المواصلات بين السهل الساحلي شمالي طرابلس، الذي يرويه النهر الكبير الجنوبي... والذي يجري مع روافده (نهر سبتة ونهر العروس ونهر خليفة) ونهر الأبرش جنوبي جبل الجليل، حيث تنتصب القلعة، وبين سهل حمص، الذي يرويه نهر العاصي... ويتيح هذا الموقع الستراتيجي المهم... قطع أي تحركات ما بين طرابلس وحمص ومراقبة المنافذ الشمالية لسهل البقاع. وكانت القلعة – أيام الحروب الصليبية – تقوم بهذه المهمة خير قيام، فتحمي الخطوط الأمامية لكونتية طرابلس من الجهة الشمالية الشرقية وتشكل مخفراً متقدماً، يهدد الأراضي الاسلامية ويمنع الاتصال فيما بينها ويهدد، بخاصة، الطريقين التجاريين المهمين اللذين كانا يخترقان المنطقة منذ عهد الرومان ويصل أحدهما حماة بطرابلس ويصل الثاني الرفنية (الرفانية) بطرطوس، فكانت بذلك المفتاح الرئيسي للمواصلات بين سورية الداخلية والساحل عبر ممر حمص طرابلس... وتحيط بالقلعة غير بعيد عنها من الشمال والغرب والجنوب، جملة من الحصون والقلاع المنيعة، المتناثرة فوق ذرا الجبال ومنها حصون زارا وبرج مقصور وبرج خليفة وتل كلخ... ومنها أيضاَ برج العرب وصافيتا (الحصن الأبيض) وقلعة يحمور... وحصن البقيعة (أعناز) وحصن أفليس (فيليزيوم، فيليسيوم) ومن خلفهما قلعة العريمة وعرقة"([95]).
إن كل ما يفعله الأب موراني هنا هو أنه ينسب الخصائص التي تمتاز بها منطقة وادي النهر الكبير بكل شمولها، ومنطقة الهرمل (ومرتفعاتها) وأكروم إلى القبيات، بالطبع مع التضخيم اللازم لجعل القبيات ذلك "الجسر الالزامي"، على حد تعبيره، أو "الممر الوحيد"، على حد تعبير السيد يواكيم الحاج. هذا بينما يقوم الممر من عرقة عبر السهل لاجتياز النهر الكبير قبل بلوغ المرتفعات. وإذا ما كانت هناك طرقات أخرى فهي بالأحرى طرقات تواصل داخلي لا طرقات استراتيجية.
يرى الأب موراني أن موقع القبيات جعلها نقطة التقاء، أو محور ثلاثي للطرق بين سورية والساحل اللبناني. هناك أولاً: المحور الذي يربط حمص بطرابلس، عبر البقيعة (وشدرا) – القبيات – عرقة، وهذا هو أقصر وأسهل ممر. المحور الثاني، بموازاة الأول، يتبع مجرى النهر الكبير، ويربط حمص بالساحل اللبناني، بسرعة ولكن بصعوبة. أما المحور الثالث فهو الذي ينطلق من ربلة فقادش، فأكروم فكرم شباط فالقبيات فعرقة([96]). انطلاقاً من تصور هذا المحور الثلاثي يطرح الأب موراني ما يسمه "الممر القبياتي".
ويدعم الأب موراني، وعلى خطاه السيد يواكيم، وجهة النظر هذه بادعاء الاستناد إلى الأب تالون، لا سيما في ما خص الكلام على الطريق الذي يعبر أكروم وكرم سباط ليصل إلى عرقة. ما هو قول الأب تالون بخصوص هذا الممر؟ انطلق عالم الآثار الأب تالون من تساؤل منطقي حول أسباب مرور البابليين في وادي السبع (أكروم)، هذا الممر الوعر للغاية، لا سيما وأن هناك ممراً أسهل بكثير يؤدي نفس الغرض باجتياز وادي بريصا في الهرمل، لا في جرود القبيات (كما يحلو للسيد واكيم الادعاء). كما تساءل حول مسار الطريق التي اعتمدها البابليون. ولم يدل بجواب قبل عثوره على نقوش "شير الصنم"، في منطقة على الحدود بين القبيات وعكار العتيقة. واستناداً إلى اكتشافه ل"شير الصنم" حاول رسم بقية الطريق. فماذا قال؟ اعتبر أن موقع "شير الصنم" يؤدي إلى الطرق الثلاث التالية: الأولى تصل إلى البحر عبر عكار العتيقة، والثانية تنحرف إلى الشمال الغربي لتمر في مزرعة زبود (عكار العتيقة)، وتصل إلى القبيات. أما الثالثة فتتجه نحو الجنوب، وتمر تحت هضبة القموعة، ومن خلال غابات الصنوبر تمر في تاشع وممنع والقنطرة لتبلغ عرقة مباشرة"([97]). وعليه لم يتحدث الأب تالون عن "الممر القبياتي" فحسب، بل عن ثلاثة احتمالات، واحد منها يصل إلى القبيات، ولا يصلها إلاّ عبر عكار العتيقة. فلماذا المبالغة الفارغة؟ ولماذا محو الآخر وإلغائه، ولو من التاريخ؟
ما هي قيمة هذا الممر؟ يجيب مكتشفه الأب تالون بأنه ممر طبيعي، ولكنه ليس بالطبع طريق اتصالات هامة([98]). ومع أن الأب موراني لا يأتي بأي مبرر يسمح له باعتبار هذه الممرات "قبياتية"، فإنه لا يكتفي بذلك بل يذهب في "تعظيم" القبيات مذهباً لم يسبقه إليه أحد، عندما يقرر، بكل تهور: "القبيات: صلة الوصل بين المدن – الدول الفينيقية والحضارات المجاورة"([99]). وينسب الأب موراني، زوراً، هذا التقرير الأعتباطي – الوهمي إلى الأب موريس تالون، إذ يدعي الأب موراني أن الأب تالون قال: "... كان من شأن القبيات بحكم موقعها الستراتيجي من الدرجة الأولى، أن تسمح، بل أن تفرض، علاقات مع التجمعات الكبيرة، في بيبلوس عل مسافة 80 كلم إلى الجنوب، وأوغاريت (رأس شمرا) على مسافة 120كلم إلى الشمال، أو مع التجمعات القائمة على ضفاف العاصي وبلاد ما بين النهرين"([100]). ما عسانا نقول للأب المحترم، غير تمنياتنا عليه، احتراماً لصفته، أن يتكلم كما يلبس أو أن يلبس كما يتكلم! ذلك أن أحداً من المؤرخين أو المفكرين لم يقل هذا القول على الاطلاق.
لا يكتفي الأب موراني بهذا التأويل المغرض لما قاله الأب تالون، بل يعمل أيضاً على تزوير كلامه تزويراً كاملاً، لا سيما في بحث الأب تالون عن الطريق التي سلكها البابليون والأسباب التي دفعتهم لذلك. يقول الأب موراني، محاولاً الاستناد إلى الأب تالون، ما حرفيته: "كانت المحالفة الفينيقية حوالي القرن الثامن والسابع (ق م) تضم علاوة على مصر وإسرائيل الممالك الصغيرة على الساحل (صور وصيدا وأرواد...)، وإذا ما توحدت هذه القوى، واجتمعت في ممر استرتيجي، كالممر القبياتي، لكان بوسعها أن تهزم جيوشاً كبيرة. والحال لقد كان الممر القبياتي مزروعاً بالحصون الصغيرة الجيدة الحراسة"([101]). ويختم الأب موراني كلامه هذا بإحالة إلى حاشية رقم 3 من نفس الصفحة، حيث نجده يستند إلى المؤرخ جواد بولس (لبنان والبلدان المجاورة، ص 117)، وإلى الأب تالون في (UneNouvelle.. .,MUSJ, XLIV,op. cit.). لم يأتِ جواد بولس بأي كلام من هذا القبيل، وهو يتكلم على ممر النهر الكبير، كما يعتبر كل المنطقة ممراً: الممر السوري اللبناني الفلسطيني.ولكن لنقارن بين نص الأب تالون ونص الأب موراني لنلحظ مواقع التزوير في النص، بعملية استبدال رأس الشقعة (شكا) وممر نهر الكلب، بما يسميه الأب موراني الممر القبياتي.
نص الأب تالون: (Vers les VIIIE - VIIE siècles avant notre ère, la Coalition phénicienne liait, pour la défense de leur existence et de leurs intérêts, les petites puissances qui s`appelaient Tyr, Sidon et Arados. Leurs forces unies placées en un passage stratégique bien choisi, comme le Ras Cheqqa ou le Nahr - el -Kelb, auraient pu tenir en échec des armées importantes. Une sentinelle avancée, la ville de Arqa, plus tard célèbre sous les Romains, existait déjà à l`époque. . .)([102]). لم يعظم الأب تالون كل عكار، فكل ما فيها هو موقع مراقبة (مخفر) متقدم (sentinelle).
نص الأب موراني: (Vers cette époque,VIII, VII s., la coalition phénicienne comprenait, outre, l`Egypte et Israel, les petites puissances de la cote (Tyr, Sidon, Arvad. . .) ces forces réunies, placées sur un passage statégique comme celui de Cobiath, auraient pu tenir en échec des armées importantes. Or le défilé Cobiathin était hérissé de fortins bien gardés. )([103]). هكذا تم استبدال رأس شكا وممر نهر الكلب بالممر القبياتي السترتيجي، وبدل مخفر المراقبة المتقدم (عرقة)، تجدنا أمام منطقة مزروعة بالحصون الجيدة الحراسة. هكذا هي الأمانة التأريخية! من أجل قبيات أفضل، لا بأس!
كما إننا نجد عند الأب موراني نفس الخطوط الدفاعية الثلاثة التي أتحفنا بها السيد الحاج (مع شيء من التعديلات الطفيفة). الأول: "يقع جنوبي حصن الأكراد ليقطع المداخل إلى طرابلس عبر القبيات. وهويضم علاوة على الحصنين الكبيرين المذكورين سابقاً، أي حصن الأكراد وحصن عكار، الحصون الصغيرة التالية: الفليس، ميليشين، لاكوم، حصن البقيعة"([104]). وإذا كان حصن الأكراد وحصن عكار وقلعة الفليس وحصن البقيعة (أو الوادي) مواضع معروفة، وهي ليست من القبيات، وإذا كان حصن لاكوم هناك من يرى موقعه في جبل أكروم أو في تل كلخ، وإذا كان مليشين بالقرب من حمص أو على مداخل وادي خالد، إذا كانت الأمور على هذه الشاكلة فمن أين تأتي أهمية القبيات وما كان دورها في هذا الخط الدفاعي الأول؟ وهل هي كل هذه المواقع لننسب الخط الدفاعي إليها؟ وإذا سرنا على هذا المنوال أليس في وسعنا اعتبار أي بقعة في هذا المحيط هي على هذه الأهمية؟ ولكن كيف السبيل، في هذا المنطق، إلى تمييز المواقع المهمة عن تلك الثانوية أو التي لم يكن لها أي دور كحالة القبيات؟
أما الخط الدفاعي الثاني، يقول الأب موراني: "... يتوسط المسافة تقريباً بين حصن الأكراد وعرقة... وهو يضم: حصن عكار، والمجدل، وطيـبـو (Tibo) أو طايبو (Taybo) وحلبا"([105]). وهنا نطرح نفس الأسئلة السابقة، ما دخل القبيات في كل هذه المواقع؟ وما هو دورها؟ وأخيراً يتمحور الخط الثالث حول عرقة بالذات.
يتضح من كل ما جاء به الأب موراني وقلّده فيه السيد يواكيم الحاج، أن القبيات لم تكن موقعاً على أي درجة من الأهمية. إذ ليس في القبيات أي موقع محصن، ولم يتم ذكر أي حدث حصل فيها، كما لم يتعرض أحد للحديث عنها بأي شكل من الأشكال. وكل ما يفعله الأب موراني ويجاريه خلفه السيد يواكيم، هو تجميع للخصائص التي تمتاز بها المواقع الفعلية ومحاولة نسبتها زوراً إلى القبيات. مع ما يرافق هذه العملية من تشويه لأقوال المؤرخين، ومن طمس للوقائع الفعلية، ومن تقليل لأهمية المواقع التاريخية الجدية في المنطقة.
وإذا كان لا بد من الكلام عن المواقع والحصون أو الخطوط الدفاعية (كما يحلو الكلام للأب موراني، وتلميذه الأمين السيد الحاج)، فلقد كانت الأمور على الصيغة التي سنرسمها الآن. لم تكن مسألة حماية "فرجة حمص" ووادي النهر الكبير (لا الممر القبياتي)، مجرد حالة مستقلة عن ما يجاورها، بل كانت قسماً من وضع أعقد بكثير من التبسيط الذي يعتمده الأب موراني والسيد يواكيم الحاج. ففي الدفاع عن ممر وادي النهر الكبير تدخلت مواقع حصينة متعددة، بعضها شمالي النهر، بعضها في حمص بالذات وحولها، بعضها في بعلبك والبقاع... وبعضها داخل هذا الممر بالذات.
هناك أولاً الثنائي حصن الأكراد وحصن عكار. ففي مؤلف "سورية القديمة والقروسطوية المصورة"، توصيف لأهمية هذين الحصنين: "إلى الجنوب يقوم حصن عكار بمراقبة فرجة حمص المشهورة، ويلعب دور موقع اتصال مع حصن الأكراد. فمن على سطيحة برجه الرئيسي نرى البحر وحصن الأكراد والحصن الأبيض (صافيتا)..."([106])؛ بينما "كان حصن الأكراد... الذي يحكم سهل البقيعة الفسيح، المسمى أيضاً فرجة حمص، يحمي حدود كونتية طرابلس..."([107]). واضح الكلام هنا بحيث يكون الإعتماد أساساً على حصن الأكراد في حين يمتاز حصن عكار بدور مساعد، فضلاً عن أن هذا الحصن كان يوصف بأنه حصن صغير (le petit chateau de Akkar)([108]). ويرى ماكس فان برشم: "إذا لم يكن حصن الأكراد من أوسع القلاع اللاتينية في سورية، فهو على الأقل أكثرها أهمية، لجهة تطور الدفاعات، واختيار مواد البناء، والطراز الهندسي والديكور"([109]).
يوضح راي (G. REY) أهمية حصن الأكراد في الدفاع عن كونتية طرابلس، وممر النهر الكبير، بالتحديد، بقوله: "طيلة مرحلة السيطرة الفرنسية في سورية، كانت الحدود الشرقية للمستعمرات الفرنسية متكونة من سلسلة من الجبال الممتدة من طرابلس إلى انطاكية. ولهذا فإن كل ممر، أو كل موقع استراتيجي كان محمياً بحصن ما... يقع حصن الأكراد على إحدى القمم المطلة على الممر الذي يصل وادي العاصي بحوض المتوسط... (وهو) في موقع عسكري من الدرجة الأولى من حيث أنه يتحكم بالممر الذي تعبره الطرق من حمص وحماة إلى طرابلس وطرطوس، كما أن لهذا الموقع أهمية رائعة لكونه يشكل منطلقاً لمناورات الجيش الذي عليه مواجهة سلطات حماة... يشكل حصن الأكراد، في نفس الوقت، مع حصون عكار وعرقة والسرخ والقليعة والحصن الأبيض ويحمور وطرطوس والمرقب، وكذلك مع الأبراج والمواقع الثانوية التي تربط هذه الحصون بعضها ببعض، خط دفاع لحماية كونتية طرابلس ضد غزوات المسلمين الذين استمروا أسياد القسم الأكبر من سورية الشرقية... ومن على أسواره المرتفعة تصل الرؤية، إلى الشرق، حتى بحيرة حمص وقسم من مجرى العاصي، وخلف ذلك تمتد إلى البعيد المناطق الشاسعة من صحراء تدمر. ونحو الشمال، تحجب جبال النصيرية النظر الذي يمتد غرباً، عبر وادي النهر السبتي... ويطل، إلى الجنوب، على سلسلتي جبال لبنان، الشرقية والغربية،... وعلى مقربة منه إلى الشرق، ينبسط من سفح تلة الحصن ... سهل "بقيعة الحصن"... ليست قلعة الحصن مسكناً اقطاعياً كبيراً تم تحصينه بغية السيطرة على محيطه... إنها من أهم المواقع العسكرية..."([110]).
لعل الباحث بول دي شان (Paul DESCHAMPS) من أفضل من أفاض وأجاد في توصيف ممر النهر الكبير ودفاعاته، ولا سيما حصن الأكراد. نقتطع مما قاله بعض المقاطع: "ما أن نبلغ الطرف الشمالي لسلسلتي الجبال (لبنان) حتى نصل إلى أول فرجة من الفرجات العرضية السابقة الذكر في سورية: فرجة طرابلس([111]). ثمة سلسلة من الوديان المتوازية والموزعة بين تلال قليلة الارتفاع عنها تفصل الهضبة الشمالية لجبل لبنان، جبل عكار، عن جبل النصيرية الذي يحازي من الغرب الوادي الشمالي للعاصي حتى مشارف أنطاكية. هذه الفرجة بين الجبلين، وهي ممر بعرض حوالي 20كلم([112])، ... ونسمي اليوم باسم فرجة حمص هذا الممر الذي يصل السهل الساحلي من طرابلس إلى طرطوس مع وادي العاصي والمدن الاسلامية الكبيرة كحمص وحماة... ينتصب شمالي البقيعة، لمراقبتها، حصن الأكراد الرائع... وكانت هناك عدة حصون صغيرة تحت هذه القلعة للدفاع عن أطرافها. وبمواجهة الحصن، جنوبي السهل، ينتصب على آخر هضبة جبل عكار حصن عكار الصغير. وغربي هذين الحصنين نرى عدة مواقع محصنة لحماية الوديان المؤدية إلى السهل الساحلي: وهي من الجنوب إلى الشمال حلبا عرقة عريمة..."([113]).
ليست بنا حاجة إلى تكرار الكلام حول أن أحداً لم يذكر القبيات بين كل تلك الحصون أو الأبراج أو المواقع المحصنة التي وردت عند المشتغلين على تاريخ وآثار المنطقة. كما أن القبيات لم تذكر حتى أثناء المعارك التي دارت في المنطقة، لا سيما عندما قام المماليك بطرد الصليبيين، أو قبل ذلك عندما قام الصليبيون باحتلالها، أو حتى قبل ذلك في العهود القديمة، ولا حتى في المرحلة العثمانية. ولقد جاء عدم ذكر القبيات في الظروف التي من المحتمل جداً أن تكون القوات المتحاربة قد مرت فيها في نطاق البلدة الراهن. فعندما قام الأمير فخر الدين المعني بملاحقة آل سيفا، وهربهم إلى شدرا لم يرد اسم القبيات، لا في الملاحقة المعنية ولا في الهرب السيفي. وقبل ذلك عندما قام السلطان بيبرس في العام 1271 باحتلال حصن الأكراد، وانتقل لمحاصرة حصن عكار من المرجح أنه مرّ في نطاق البلدة الراهن([114]). لم يرد في الأخبار ما يشير إلى القبيات. مما يعني، بالطبع، قلة أهمية البلدة في حينه.
وإذا كان ثنائي حصن الأكراد (وما حوله) وحصن عكار وما بينهما من أبراج ونقاط اتصال هو الخط الدفاعي عن ممر النهر الكبير، فإن "مثلث" عرقة وحلبا والقليعات يشكل الخط الثاني الأساسي في حماية الطريق إلى طرابلس. يقول فان برشم: "في شعبان 664 هـ (حزيران – تموز 1266)، أرسل السلطان بيبرس، أثناء حملة في سورية، قسماً من جيشه إلى ساحل طرابلس، فاستولى على ثلاثة حصون: القليعات وحلبا وعرقة... موقعا حلبا وعرقة معروفان تماماً؛ يشكل هذان الحصنان مع الحصن الأول (القليعات) مثلثاً استراتيجياً للدفاع عن طرابلس بوجه أي هجوم من الشمال طرطوس أو من الشمال الشرقي (حمص). كما أن سقوطها كان المقدمة الضرورية لسقوط طرابلس..."([115]).
المجدل، طيبو، السن ...
يشدد الأب موراني والسيد يواكيم الحاج على الأهمية السترتيجية لموقعي المجدل وطيبو...، ويجعلان من هذين الموقعين، مع غيرهما، مواقع عسكرية على درجة من الأهمية في حماية "الممر القبياتي". لقد اضطرهما منطق تعظيم القبيات إلى تعظيم ما هو حولها، ليكون حامياً لهذه العظمة الموهومة. ولهذا عملا على اختلاق، واصطناع أهمية تكتيكية وعسكرية لمواقع لم تلعب دوراً مذكوراً في هذا المضمار، وكعادتهما ادعيا الاستناد إلى المراجع التاريخية الموثوقة. فما هي قيمة هذه المواقع، استناداً إلى نفس المراجع التي يستحضرها الثنائي: موراني والحاج؟
المجدل: مزرعة أم حصن؟
سبق لنا أن تناولنا "الخطوطالدفاعية" التي رسمها الثنائي المذكور، نكتفي الآن، بعرض كيفية إعطائهما أهمية لمواقع لم تلعب دوراً مهماً ورد ذكره عند المؤرخين. يقول الأب موراني: "ليست المجدل حصناً كبيراً، ولكن أهميتها غير منكورة، لأنها تحمي القسم الغربي من القبيات وملتقى الطرقات فيها، وتؤمن في نفس الوقت الاتصال التام بين حصن عكار وقلعة الفليس (منجز) وحصن الأكراد"([116]). ولا ينسى الأب المحترم الادعاء بأن ما يتقدم به مسند إلى بول دي شان. ولدى مراجعتنا لما قاله بول ديشان في المؤلف المذكور من قبل الأب موراني([117])، تبين لنا أن ديشان تحدث عن المجدل في الملحق رقم 1، تحت عنوان: "المزارع (القرى الصغيرة) والمواقع المذكورة في كونتية طرابلس". وفي كلامه يحدد المجدل بوصفها مزرعة، أو قرية صغيرة، ولا يشير بأي شكل من الأشكال إلى أنها موقع محصن، أو استرتيجي. وهو يقول حرفياً :"مزرعة المجدل Helmedel بالقرب من حصن عكار، هي المجدلEl Majdel على مسافة 5 كلم شمالي عكار"([118]). من الواضح تماماً أن دي شان عندما ذكر المجدل إنما ذكرها في سياق تعداد المزارع والقرى الصغيرة الواردة في عقد الهبات والعطاءات التي تلقتها الاسبتارية في كونتية طرابلس. فكيف حول الأب المحترم مزرعة المجدل إلى حصن؟ وحده يعرف: لتكون القبيات موقعاً عظيماً يجب أن تحيط به الحصون! هذا فضلاً عن أن ديشان حدد، وهو يبحث تحديداً، في مسألة المواقع العسكرية والدفاعية في كونتية طرابلس، قلعة الفليس كحلقة وصل بين عكار وحصن الأكراد، ونسب لهذه القلعة (الفليس) مهمة الدفاع عن مجرى النهر الكبير، وعن الطريق المؤدية إلى طرابلس وعرقة، وكذلك عن الطريق المؤدية من البقيعة إلى عكار عبر عندقت والقبيات"([119]). كما أن دوسو لم يأتِ على ذكر المجدل كواحد من حصون وقلاع وأبراج المنطقة في مؤلفه الطوبوغرافيا التاريخية... ([120]). بل اعتبرها موقعاً غير محدد الموضع([121]). ولم يأت دوسو على مجرد ذكرها، عندما مرّ من عكار إلى القبيات فمقام الرب (نبع الجعلوك) فمنجز... ([122]). بيد أن أحد مراجع الأب موراني يوضح بدون لبس أن المجدل هي مجرد مزرعة. لقد وضع راي REY جردة بالحصون والقلاع والاقطاعات والمزارع في أيام الصليبيين، جاءت المجدل فيها مجرد مزرعة في عكار([123]).
أما السيد يواكيم الحاج فيذهب أبعد من ألأب موراني بكثير في استحضار الشواهد التاريخية على عظمة المجدل، ويبالغ أكثر منه في تزوير المراجع. ينسب السيد يوكيم الحاج إلى الأب لامنس كلاماً يفيد بأن بناء قلعة المجدل يعود إلى زمن الأيطوريين الذين بنوها. فهو يقول: "يعود تاريخ بناء قلعة المجدل إلى أيام الأيطوريين... وكما أقام الأيطوريون لهم حصناً في البقاع ودعوه (مجدلا) هكذا أقاموا لهم في منطقة القبيات حصناً بهذا الاسم وما زال حتى اليوم يعرف بقلعة المجدل... ويقول الأب لامنس إن الأيطوريين كانوا في سنة 64 ق م يسيطرون على لبنان الشمالي... فلما جاء بومبيوس القائد الروماني وفتح بلاد الشام... تقدم في منطقة عكار فخرب حصون الأيطوريين التي كانوا يحتمون فيها ومنها ينطلقون في غزواتهم على مدن الساحل، فأتى على حصن المجدل وسنان وبوروما وجيغرتا"([124]).
لعل أفضل طريقة لنوضح تزييف السيد يواكيم الحاج للنصوص وتزويره لأقوال المؤرخين هي أن نسرد بعض ما قاله الأب لامنس في هذا الموضوع. تحدث لامنس، في مؤلفه تسريح الأبصار...، في موضعين عن الأيطوريين، وفي الحالتين لم يأتِ على ذكر المجدل لا من قريب ولا من بعيد. ففي القسم الأول يقول: "ومن الدول العربية التي اشتهرت في ذلك الوقت دولة الأيتوريين ملكت على لبنان وعلى ساحل فينيقية... ثم واصل (64 ق م) بمبيوس سيره في سواحل سورية ظافراً وتوغل لبنان وأخذ عنوة قلعة جيجرتا... فأخربها كما انه هدم قلعة وجه الحجر وقوض أبنية بترون... ثم تخوف بمبيوس وَشك الشتاء فيمم سهول البقاع ورياض دمشق... فقطع جبل لبنان وافتتح في طريقه قلعتي برومه Borroma وسنان Sinnan..."([125]). لم يذكر لامنس هنا أي شيء عن المجدل وقلعتها المزعومة. وفي القسم الثاني من نفس المؤلف يقول لامنس: "سبق لنا القول أن الرومان لما فتحوا الشام وجدوا لبنان في حوزة قوم من الغزاة كانوا عششوا في جباله الساحلية... وهم الأيطوريون. ولما زحف بمبيوس على لبنان... ثم توغل... فأخرب حصون جيغرتا وسنان وبوروما"([126]). أن يتجرأ السيد يواكيم على عرض تفاصيل حركة القائد الروماني بمبيوس وعلى اقحام اسم المجدل في عداد المواقع التي احتلها، وينسب ذلك إلى الأب لامنس، فهذا مما لا شك يتطلب تهوراً يعكس انعدام الحس بالمسؤولية تجاه القارئ وصاحب المراجع معاً، وليس خلف ذلك غير دافع واحد هو أن تبدو القبيات (المنطقة) على درجة كبيرة من العظمة.
لا يكتفي السيد يواكيم يالتزوير بل يقع في خلط للمواقع بعضها ببعض. فهو يجعل من حصن المجدل الواقع في الأراضي السورية قرية المجدل المجاورة للقبيات. يقول: "وفي سنة 1271 م خرج الملك الظاهر بيبرس من دمشق... وقد تحددت أهداف الحملة بالإغارة على اللاذقية والمرقب وعرقة ومرقية والقليعات وصافيتا والمجدل... وهكذا قام بيبرس بالإغارة على طرابلس ونواحيها فأغار على صافيتا... وتسلم الحصون والأبراج المجاورة لحصن الأكراد، كما تسلم قلعة المجدل وخربها"([127]).
ما هي المجدل المقصودة في فتوحات بيبرس، وهل هي في جوار القبيات؟ إن أفضل طريقة للإجابة تكمن في سرد سير هذه الفتوحات. وهذا السرد أحسن د. الياس القطار في إيجازه قائلاً: "كانت أولى فتوحات المماليك المهمة في عام 669هـ/1271م، في ما سيعرف لاحقاً باسم نيابة طرابلس، لكل من صافيتا والمجدل وحصن الأكراد، وقد تبع ذلك مصالحة على نصف طرسوس وعلى هدنة مع المرقب ومحاولة فاشلة لأخذ قبرص، وفتحاً لعكار والعليقة وتل خليفة"([128]). ثمة تسلسل في هذه الفتوحات التي شكلت بدايات جدية لطرد الصليبيين نهائياً من لبنان، هذا التسلسل يوضح لنا موقع المجدل. يفيدنا ابن كثير في هذا الغرض، إذا ما استعرضنا روايته لهذه الأحداث. يقول: "في يوم الخميس ثامن رجب (669هـ/1271م) دخل الظاهر دمشق وفي صحبته ولده الملك السعيد وابن الحنا الوزير وجمهور الجيش ثم خرجوا متفرقين وتواعدوا على أن يلتقوا بالساحل ... فلما اجتمعوا فتحوا صافيتا والمجدل، ثم ساروا فنزلوا على حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، وله ثلاثة أسوار، فنصبوا عليها المنجنيقات ففتحها قسراً يوم نصف شعبان، فدخل الجيش ... وتسلم القلعة بعد عشرة أيام من الفتح... وأقام فيه الجمعة،... وبعث صاحب طرسوس بمفاتيح بلده يطلب منه الصلح... فأجابه... وكذلك فعل صاحب المرقب فصالحه... وبلغ السلطان وهو مخيم على حصن الأكراد أن صاحب جزيرة قبرص قد ركب بجيشه إلى عكا لينصر أهلها خوفاً من السلطان، فأراد السلطان أن يغتنم هذه الفرصة فبعث جيشاً كثيفاً في اثني عشرة شينى ليأخذوا جزيرة قبرص في غيبة صاحبها... ثم سار السلطان فنصب المجانيق على حصن عكار فسأله أهلها الأمان على أن يخليهم فأجابهم إلى ذلك ودخل البلد يوم عيد الفطر فتسلمه... ثم سار السلطان نحو طرابلس فأرسل إليه صاحبها... يستعطفه ويطلب منه المصالحة ووضع الحرب بينهم عشر سنين فأجابه إلى ذلك، وأرسل إليه الاسماعلية يستعطفونه... واستناب بحصن العليقة"([129]).
واضح من سياق هذا النص، ومن كثير من النصوص المشابهة له والواردة في كثير من الحوليات العربية، أن أول موقعين سقطا بيد بيبرس هما صافيتا والمجدل، وآخر موقع كان حصن عكار الذي تم الاستيلاء عليه بعد زمن على سقوط صافيتا والمجدل، وعلى المصالحة مع صاحبي طرسوس والمرقب، وعلى الاستيلاء على حصن الأكراد الشهير. فلا يعقل أن يستولي الظاهر بيبرس على صافيتا والمجدل، وتكون المجدل هذه على مسافة قريبة جداً من حصن عكار، ويفصلها عن صافيتا حصن الأكراد وهو أخطر الحصون. فلا بد والحال هذه من أن تكون المجدل المقصودة هي تلك القلعة القريبة من صافيتا في سورية، لا تلك المزرعة المجاورة للقبيات، كما توهم السيد يواكيم الحاج.
طيبو
يرى الأب موراني أن بقايا مزرعة طيبو غربي قرية السنديانة هي بقايا برج أو حصن ورد ذكره في نصوص الهدنة بين السلطان قلاوون وفرسان الداوية. واعتبر أن تعداد المواقع وتتابعها في نص الهدنة يؤشر على موقع حصن طيبو. وكان سبق للباحث المؤرخ دوسو أن انطلق من نفس نص الهدنة وعين موقع حصن طيبو في بلدة الشيخ طابا في عكار([130]). ولما لم يرق هذا التعيين للأب موراني، فإنه رفع موقع طيبو من هناك وجعله بجوار قرية السنديانة. واحتج على موقف دوسو بأن الشيخ طابا تقع جنوبي حلبا، بعكس ما ادعاه دوسو من أن طيبو (الشيخ طابا) شرقي حلبا، كما احتج بعدم وجود حاجة لموقعين محصنين قريبين من بعضهما: عرقة وطيبو (نسي حلبا)([131]). وكأن وجود طيبو على تماس مباشر مع المجدل (المزعومة قلعة) والقريبة من حصن عكار، جنوباً، وقلعة الفليس، شمالاً، لا يسقط احتمال وجود كل هذه الحصون المتجمعة في موقع واحد.
بيد أن العودة إلى نصوص الهدنة في المراجع العربية (وهذا ما كان على الأب موراني واجب العمل به على الأقل من باب المقارنة والتدقيق) تكشف لنا صعوبة البت بأمر موقع طيبو، بل وحتى بأمر الاسم بالذات. ففي الآسم يقترح الأب موراني كتابته Tybo بينما هو وارد في الأصل Tayibou ([132])، واقتراحه هذا افتراض مجاني في لفظ الاسم. إن العودة إلى النصوص العربية كفيلة بتوضيح كتابة الاسم ولفظه، بدل التقدم بافتراضات مجانية.
لدينا في العربية مرجع بالغ الأهمية لمؤلف معاصر للأحداث، محي الدين بن عبد الظاهر، وقد كان في موقع يمكنه من معرفة دقائق الأمور، ذلك أنه كان "رئيس ديوان الانشاء"، وترك في مؤلفه، "تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور" الذي تناول الحقبة ما بين 678هـ/1279م و689هـ/1290م، عدة نصوص عن وقائع الهدنة التي عقدها السلطان مع الصليبيين، وإننا لنفترض هذه النصوص من أكثرها ثقة حول قضايا الهدنة موضوع النقاش.
يذكر ابن عبد الظاهر نص هدنة تعود للعام 680 هـ/1281م، عقدت بين السلطان قلاوون و"متملك طرابلس بيمند بن بيمند ملك الفرنج"، وردت فيها المواقع التالية، وفق ترتيبها الأصلي: "حصن الأكراد وأفليس والقليعات وصافيتا وميعاو واطليعا وحصن عكار ومرقية ومدينتها وبلادها ومناصفاتها... ومناصفات المرقب... وبلاد الست وبلاطنس وبلادها وقرقص وبلادها وجبلة ولاذقية وأنطاكية والسويدية... وحصن بغراس وحصن ديركوش وصهيون وبرزيه وحصون الدعوة... ةعلى بلاد الابرنس وعلى طرابلس... وأنفه والبترون وجبيل... وعرقا وبلادها المعنية في الهدنة وعدتها أحد وخمسون ناحية..."([133]).
أما الهدنة التي استند الأب موراني إلى نصها الأجنبي (لعله باللاتينية)، والذي وردت فيه الأسماء ومن ضمنها اسم Tayibou طيبو، فقد جاءت عند ابن عبد الظاهر كما يلي: "وفي هذه السنة (681 هـ/ 1282) استقرت الهدنة بين مولانا السلطان... وبين المقدم أفرير كليام ديباجوك مقدم بيت الديوية، بعكا والساحل، وبين جميع الإخوة الديوية بأنطرسوس... على بلاد السلطان... وبلاد حصن الأكراد وبلادها وأعمالها، وما هو داخل فيها... من بلاد وقرى ومزارع ومراجات وأراض وأبراج وطواحين // وغير ذلك، ومملكة صافيتا وبلادها وأعمالها وقراها وأسوارها... وميعاز وأعمالها، والعريمة وأعمالها، ... وجلبا وأعمالها، وعرقا وأعمالها وطِيبوَا وأعمالها، وقلعة حصن الأكراد وأعمالها وبلادها، والقليعات وأعمالها وبلادها ومرقية بكمالها وبلادها..."([134]).
وهناك نص ثالث لهذه الهدنة التي تجددت على ما يبدو في العام 682هـ/1283م. "وفي هذه السنة (682هـ/1283) استقرت الهدنة بين مولانا السلطان... وبين الحكام بمملكة عكا وصيدا وعثليث وبلادها التي انعقدت عليها هذه الهدنة. وهم السنجال([135]) أود، كفيل المملكة بعكا، والمقدم إفرير كليام ديباجوك مقدم بيت الديوية، والمقدم إفرير نيكول للورن([136]) مقدم بيت الاسبتار، والمرشان إفرير كورات نائب بيت مقدم اسبتار الأمن... وفتوحات حصن الأكراد وأعماله، وصافيتا وأعمالها، وميعار وأعمالها والعريمة وأعمالها، وقدفيا وأعمالها، ومرقية وأعمالها، وحلب وأعمالها، وحصن عكار وأعماله وبلاده، والقليعة([137]) وأعمالها، وقلعة شيزر..."([138]).
جاء نفس نص الهدنة عند القلقشندي، على شيء من التعديل في كتابة الأسماء: "... وفتوحات حصن الأكراد المحروس وأعماله، وصافيتا وأعمالها، و(ميعار و) وأعمالها، والعريمة وأعمالها، وقدقيا وأعمالها، وحلبا وأعمالها، والقليعة([139]) وأعمالها، وحصن عكار وأعماله وبلاده، وقلعة شيزر وأعمالها، وأفاميا وأعمالها..."([140]).
نستفيد من مقارنة نصوص الهدنة المذكورة، أولاً، لم يرد اسم طيبو غير مرة واحدة، وفي نص العام 1282 فقط. ثانياً، يرد هذا الاسم بشكل طَيِبوَا، مما يفسر كتابته الأجنبية (tayibou). ثالثاً،لم يرد حصن عكار في نص هذه الهدنة مع وروده في النص السابق (لعام 1281م) واللاحق (لعام 1283). رابعاً، ليست هناك قيمة ما لترتيب الاسماء، في تعيين مواقعها، إلا في حالات قليلة لا تصح مع طيبو المجهولة، كما هي الحال مع اطليعا الواردة في نص العام 1281م. خامساً، وهذا هو الأهم: في نص الهدنة ذكر لمناطق معروفة باسم موقع أساسي فيها، وذكر لهذا الموقع الأساسي في إطار تعدادها كمواقع أساسية. مثلاً هناك ذكر ل"بلاد حصن الأكراد..." (وبعد 3 أسطر) "مملكة صافيتا..." (وبعد سطر واحد)، يبدأ تعداد مواقع الحصون على التوالي: ميعار والعريمة وحلبا وعرقا وطيبوا وقلعة حصن الأكراد والقليعات ومرقية... وعليه إن التعداد الذي اعتمده الأب موراني، نقلاً عن النص باللغة الأجنبية، يبدأ ببلاد حصن الأكراد، وينتهي بالقليعات، بينما النص العربي يذكر "حصن الأكراد" مرتين، مرة في "بلاد حصن الأكراد"، ومرة في "قلعة حصن الأكراد". وقلعة حصن الأكراد ترد ما بين طيبوا والقليعات. وعلى العموم ليس من السهل البت بأمر موضع طيبو، قبل البت بأمر لفظها وكتابتها. وعلى أية حال، إذا كانت طيبو المقصودة هي تلك الواقعة بجوار السنديانة والقبيات، لا بد من ذكر المجدل وحصن عكار إلى جانبها، في نص الهدنة، مراعاة للترتيب الجغرافي، إذا كان هناك من ترتيب في هذا المعنى. بيد أننا نرجح أن تكون طيبو المعنية إما من ملحقات حصن الأكراد، وإما هي في السهل العكاري، بالقرب من عرقة، كما نستبعد أن تكون بجوار السنديانة والقبيات.
والغريب في أمر الأب موراني قوله: " أن حصن طيبو ذكره البطريرك الدويهي باسم طيب (Tîb)([141]). إن هذا البرج الذي يذكره البطريرك الدويهي باسم "تيب" يبدو، من نص الدويهي بالذات، أنه كان بالقرب من عرقة في سهل عكار. يقول الدويهي، في معرض كلامه على ملاحقة السلطات العثمانية، في العام 1636، ل"ابن علم الدين" حيث حصلت موقعة في جون عكار "فوق برج تيب": "ثم طفروهم من بلاد كسروان. فانهزم حتى وصل إلى بلاد عكار في أوايل أيلول واجتمعوا في قرية عرقا مع عسكر علي ابن سيفا. وأما الدولة فساروا على درب الساحل (بعكس الآخرين) ودخلوا طرابلوس وخرجوا إلى مقاتلته عند نهر البارد، فانهزم من قدامهم، ثم لحقوه في أرض الجون فوق برج تيب بين الملول فكسروه..."([142]). من الواضح تماماً أن برج تيب هذا هو في السهل، في جون عكار، بالقرب من عرقة، وغير طيبو المجاورة للسنديانة والقبيات. فكيف يجعل الأب موراني من البطريرك "شاهد زور" على أن برج طيبو هو بجوار القبيات، بينما هو في الحقيقة "شاهد حق" على أن هذا البرج هو في جون عرقة، لا في جوار القبيات؟
تبقى إشارة بسيطة إلى أن السيد يواكيم الحاج يوافق دوسو على أن طيبو هي في موضع الشيخ طابا، قرب حلبا([143]). ومع ذلك تراه يحدد موضع طيبو بجوار القبيات بين المجدل والسن([144])!
يواكيم: يقتلع "السن" من سورية ويزرعها بجوار القبيات!
تختلف الروايات في تفسير اسم "السن". يرى فريحة الذي لم يذكر السن إلاّ في معرض كلامه على قرية شان في عكار، أن الأبوين حبيقة وأرملة يعتبران "شان" "شام"، "ويفسرانه على أنه سام ابن نوح. أما إذا كان بالنون فهو... shēn : سِن، أو رأس محدد (؟) قمة. وإمكانة أخرى أن يكون تحريف... shenāna المحدد وقمة الجبل، والرأس"([145]).
وفي "معجم الحضارات السامية" يرد "سن" بوصفه: "الإله القمر في الديانة الأكادية ولدى العرب الأقدمين. كان سين يماثل أحياناً بآلهة السماء. وقد عبد في جميع المناطق السامية"([146]). ولقد دخل لفظ سن في تركيب الكثير من أسماء الملوك الأشوريين مثل "سن شار إشكون (621 – 612 ق م)"، وقبله الملك سنحاريب "سن آحي اريبا" ومعناه الإله سين زاد عدد الأخوة"([147]). ويرى مؤلف هذا المعجم أن سن لفظة من الألفاظ التي اشتهرت بها عبادة القمر: "القمر معبود سامي مشترك كان مركز عبادته في جنوب الجزيرة العربية. عرف باسماء عديدة أهمها: ...، سن وسين وشين وسوين، في بلاد ما بين النهرين وحضرموت ولدى سائر الساميين"([148]).
وفي سياق كلامه على نهر السن، المعروف في سورية باسم نهر الأبتر، يرد د. عبدالله الحلو، لفظة "سن" إلى أصل أشوري: "نهر السن... التسمية ليست حديثة بمعنى أنها تعريب لتسمية قديمة جداً للمكان ترد في الكتابات المسمارية الآشورية بشكلين: (أُشنو) و(أُسانا)"([149]).
وهناك من يرد لفظ السن إلى عشيرة من أبناء كنعان التي ذكرها سفر التكوين (10/16)، ويفهم من هذا الذكر التوراتي أن السينيين، ابناء سين الكنعاني كانوا بجوار العرقيين الذين أسسوا مدينة عرقا التاريخية. ويرى البعض أنه إلى هؤلاء السينيين يعود اسم موضع السن.
ولكن ثمة مواقع عديدة، بعضها مشهور للغاية وبعضها مغمور، معروفة باسم "السن" أو "شان" أو باسماء مركبة يدخل فيها هذان اللفظان([150]). وعليه ليس من السهل البت بأصل اسم السن العكارية المجاورة للقبيات، وما إذا كانت تعود إلى السينيين (الكنعانيين) أو إلى موقع لعبادة القمر (هذه العبادة الأشورية، السامية المشتركة)، أو إلى موقعها الجغرافي كرأس الجبل أو التلة الحادة. ولكننا نستبعد نسبتها إلى سنان بن عليان، كما يستصوب، بدون أي وجه حق، السيد يواكيم الحاج بقوله: "لماذا لا ننسب قيام هذا الحصن... إلى أحد زعماء القبائل العربية... وقد تكون النسبة إليه أصح وأدق، وهو "سنان" بن عليان أمير بني كلب؟".([151]). لايجوز لنا أن ننسب السن إلى سنان بن عليان، لأن المحالفة التي جمعت الثلاثي صالح بن مرداس الكلابي وسنان بن عليان وحسان الطائي، انتهت بسيطرة صالح بن مرداس على عكار، لا سنان بن عليان، ولأن موقع السن أقدم بكثير من هذه المحالفة التي تعود إلى مطلع القرن الحادي عشر([152])، كما سيتبين من سياق الكلام اللاحق.
ينطلق السيد يواكيم في كلامه على قلعة السن، من ما هو وارد عند دوسو، في مؤلفه الطبوغرافيا التاريخية...، عن هذا الموضوع. ولكنه يعتبر أن السن التي قصدها دوسو هي تلك الواقعة بجوار القبيات، وهذا ما لا يتفق مع ما قاله دوسو. يقول دوسو، (وكلام دوسو نشره السيد يواكيم الحاج بنصه الفرنسي في مؤلفه بالذات): "إن الموقع الهام في العصور القديمة (l`antiquité) في المنطقة هو السن..."([153]). ولهذا لا يجوز أن ننسب اسم السن إلى عربي باسم سنان، لأن السن تعود إلى العصور القديمة، لا إلى القرن الحادي عشر.
وليست هذه المغالطة الوحيدة التي يرتكبها السيد يواكيم بخصوص السن وما قاله عنها دوسو. بعد أن يعتبر السيد يواكيم أن السن هي بجوار القبيات، نراه يقول: "وقد كان للسن أهميتها التاريخية لموقعها الجغرافي، كمركز دفاعي حربي، حيث أنها تتوسط شويتا من الغرب، وحلبا من الشرق، وحصن عكار شمالاً، وقلعتي طيبو والمجدل من الجنوب. وأشار إلى ذلك رينه دوسو نقلاً عن ديليتزاك الذي اعتبرها أكثر المواقع أهمية..."([154]). كيف تجرأ السيد يواكيم على أن ينسب إلى دوسو كلاماً لم يقله أبداً؟ حبذا لو يشرح لنا! لم يأتِ دوسو أبداً على تفسير أسباب الأهمية التاريخية لموقع السن. وهولم يتجاوز ذكر الأهمية التاريخية لهذا الموقع. كما أنه لم يحدد موقع السن "على مسافة متوسطة بين القبيات (شويتا) من الغرب وحلبا من الشرق، ولا أتى على ذكر طيبو والمجدل في هذا الموضوع إطلاقاً. وما أخذه دوسو عن ديليتزاخ ليس موقع السن بل كون النصوص الأشورية ذكرت السن باسم سيانو فقط.
إليكم كامل نص دوسو حول السن: "إن الموقع الهام في العصور القديمة (l`antiquité) في المنطقة هو السن، التي نجد أصل اسمها العرقي (ethnique) في سفر التكوين([155])، والتي تذكرها النصوص الأشورية بشكل سيانو (Sianu)"([156]). وثمة من يخطئ في اعتبار الفضل ل"ب. فون بريدنباخ" في اكتشافه، في القرن الخامس عشر، موقع السن على مسافة نصف فرسخ شرقي عرقة لأن هذا الأخير استمد هذه المعلومة من بورشار دي مون سيون الذي زار طرابلس قبل ذلك بقرنين تماماً (1283). وأخذ بورشار دي مون سيون كلامه نقلاً عن السكان المحليين([157])، ومنذ ذلك الحين غاب كل أثر لهذا الموقع من التاريخ. وإذا لم يكن هناك خطأ في كتابة الاسماء، يمكننا، استناداً إلى خريطة هيئة الأركان الجديدة، بمقياس 200000، تعيين موضع هذا الموقع القديم في القرية الراهنة شان Schein، جنوب – جنوب – شرق حلبا. ولقد كان الأيطوريون، استناداً إلى سترابون، يستولون، عند مجيء بومبيوس، على مواقع محصنة في أعالي لبنان، لا سيما سنا وبوروما، وهذا ما يثبت الأهمية التي كان هذا الموضع يمتاز بها حتى في ذلك الوقت، مما يجعل من المهم معرفة موقعه"([158]).
يبدو واضحاً للغاية أن السن التي يدور عليها الكلام عند دوسو لا علاقة لها إطلاقاً بالموقع المجاور للقبيات، لأنها تقع على مسافة نصف فرسخ (2 كلم) فقط جنوب – جنوب – شرق عرقة، هذا بينما تبعد السن المجاورة للقبيات حوالي 15 كلم إلى الشرق من عرقة.
كنا نظن أن جهل السيد يواكيم باللغة الفرنسية هو الذي أوقعه في هذا الخطأ. ولكنه تبين لنا أن الرغبة في تعظيم القبيات وما حولها هو الذي ألقى الغشاوة على بصيرته ودفعه لاطلاق العنان لمخيلته. ذلك أن السيد يواكيم الذي خلط قبل قليل، استناداً إلى نص دوسو الفرنسي، بين السن التي قصدها دوسو (شان) أو تلك التي يطرح ضرورة العمل لتعيين موقعها (وهي على بعد 2 كلم شرقي عرقة)، وبين السن المجاورة للقبيات، يخلط انطلاقاً من نص عربي (ولا عذر له في أن لا يفهم العربية، وهو يصحح كما رأينا سابقاً اللغة المسمارية!) بين جسر نهر السن في سورية، والسن المجاورة للقبيات.
يختم السيد يواكيم الحاج كلامه على السن بنشره نصاً حرفياً لعيسى اسكندر المعلوف، جاء تحت عنوان "موقعة جسر السن". وقدم لهذا النص بقوله: "هذه الوثيقة هي من كتاب تاريخ زحلة للمؤرخ عيسى اسكندر المعلوف. وهي دليل إثبات لحقيقة السن وقلعتها في قضاء عكار، متوسطة بين حصن عكار وحلبا: قبالة قلعة المجدل"([159]). لنستعرض قسماً من هذا النص، ففيه الإثبات على أن الأمر يتعلق بموقع لا علاقة له إطلاقاً بالسن المجاورة للقبيات. جاء في النص: "في سنة 1834م لما استتب الحكم لابراهيم باشا المصري في سورية أخذ يجند الأهلين فعصى سكان بلاد الحصن وعكار وصافيتا ومعظمهم من النصيرية وكان سليم بك أحد قواده الأبطال في تلك الجهة بفيلقه فطلب الوزير من الأمير بشير نجدة له فأرسل ألفي مقاتل بقيادة ولده الأمير خليل ثم أردفها بنجدة ثانية أكثر من خمس مائة مقاتل من زحلة وبسكنتة وكفرعقاب بقيادة هيكل ابن ابراهيم مسلم... فأخذ هؤلاء لهم طريقاً مختصراً فوصلوا إلى جسر نهر السن مقابل تلك البلاد على بعد من طرابلس الشام ونصبوا عليه رايتهم اللبنانية فرآهم النصيريون من أهل الطروطة وبيت ياشور والقراضة الذين كانوا كامنين مقابلهم تحت السريس لقطع طريق الجسر على العسكر المصري..."([160]).
ثمة في هذا النص العديد من المواقع التي تسهل على القارئ معرفة موضع الموقعة التي يتحدث عنها المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف. بداية هناك كلام واضح على نهر باسم نهر السن، وهو النهر المعروف أيضاً باسم النهر الأبتر في سورية. والنهر الذي يمر في السن المجاورة للقبيات هو نهر عكار ويعرف أيضاً باسم الأسطوان. ثم هناك ذكر لثلاثة قرى "الطروطة وبيت ياشور والقراضة"، وليس في عكار اللبنانية، ولا في جوار القبيات (والسن) قرى بهذه الأسماء. ثم هناك شجر "السريس" الذي توضح طبيعته حاشية في أسفل نفس الصفحة، بأنه نبات لا يعرفه اللبنانيون، وبالتالي غير موجود في مناطقهم، ولا هو موجود في منطقة السن المجاورة للقبيات التي يكثر فيها الصنوبر والسنديان والبطن، ولكن لا يوجد فيها نبات السريس([161]).
ومع وضوح هذا النص يصر السيد يواكيم على جعل "السن" الواردة فيه هي "السن" المجاورة للقبيات. وبما أن النص بالعربية ولا مجال لجهل السيد يواكيم بها، ليس لدينا من تفسير لموقفه غير قولنا أن عقدة تعظيم القبيات أعمت بصيرته، فتاه عن الحقيقة الجلية أمامه، وراح يختلق "استيهامات" العظمة القاتلة، فنقل جسر نهر السن من سورية وجعله بجوار القبيات، لتكون للبلدة التي يعشقها السيد يواكيم مكانة تاريخية مرموقة. ولا بأس بقليل من "ضغط" الجغرافيا وتبديل المواقع وفاءً ل"لعظمة" القبياتية!
[1] - الهاشم، الخوري لويس: تاريخ العاقورا، مطبعة العلم، بيت شباب، لبنان، 1930، الجزء الأول، ص11- 12.
[2] - هذه المسألة ترتبط بقانون الأراضي العثماني الذي سنفصله لاحقاً. نكتفي الآن، بالإشارة إلى أن الباب العالي في الإمبراطورية العثمانية اتخذ ما بين 1820و1864 سلسلة إجراءات تناولت أشكال الملكية العقارية والتنظيم الضريبي وإدارة بلاد الإمبراطورية عسكرياً واقتصادياً ومالياً وتربوياً. ففي العام 1839 صدر أول قانون يعترف بالملكية العقارية الخاصة على نطاق واسع، وذلك بموجب "خط شريف كلخانة" بتاريخ 3تشرين الثاني 1839، وفي العام 1856 صدر "خط همايون" تقرر به وضع سجل عقاري هو "دفتر طابو" الذي تعمم العمل به عام 1861. ولقد تم ذلك خلال ما سمي "مرحلة التنظيمات"، أو الإصلاحات التي تم افتتاحها بتصفية جيش الإنكشارية عام 1826. راجع: ENGELHARDT: La Turquie et les Tanzimats, vol., 1, Paris, 1882, p.257-261 et 262-270.
[3] - وضعنا كلمة "حق" بين مزدوجين كإشارة تخفيفية للكلمة، لأن هذا الحق تقادم مع الزمن، ولم يعد له كبير الفعالية. فهو "حق" الرعي والاحتطاب… وهذه أمور تمنعها القوانين، وتجاوزها الزمن القبياتي لندرة تربية حيوانات الرعي، وقلة الحاجة إلى الاحتطاب للتدفئة وانعدام تصنيع الفحم. ولكم كان هذا الحق مصدر نزاع بين المتجاورين، وهو ما يزال.
[4] - سلوم، فؤاد: "القبيات…"، مرجع سابق، ص33. وفي أطروحته التي وضعها العام 1992، (دريب، عكار،… مرجع سابق)، كرر د. سلوم كلامه حول نقطة "المعبور الأبيض" الفاصلة بين "مشاع القبيات ومشاعات بشري"(ص40). هذا مع قوله، في نفس الآن، بأن هذه النقطة "المعبور الأبيض" هي فاصلة بين "عكار والبقاع"(ص40). فهل بشري في البقاع، لتتصل مشاعاتها بمشاعات القبيات؟ ولعله يعمد في أطروحته (دريب-عكار…) إلى ضغط وتصغير انتشار الحدود الجنوبية لقضاء عكار، بحيث تفسح المجال لمشاعات بشري بالتوسع نحو مشاعات القبيات. يقول: تبدأ حدود القضاء (عكار) الجنوبية، حسب الخرائط اللبنانية،(لا يذكر هذه الخرائط من وضعها…)، ابتداءً من نبع السكر في سفح القموعة على علو 1680م، نزولاً إلى نبع فنيدق على علو 1280م، وهما النبعان اللذان يغذيان النهر البارد، ثم نزولاً مع مجرى هذا النهر حتى مصبه في البحر…"(ص35). أما في الحقيقة فإن الحدود الجنوبية لقضاء عكار تمر على ارتفاع يتجاوز 2200م في قلعة عروبة، ومن هناك لا تتجه نحو نبع فنيدق، بل على العكس تتجه جنوباً أيضاً وعلى مسافة تبعد عن نهر فنيدق أكثر من بضعة كلم، ولا تبلغ نهر البارد إلاّ بعد تجاوزها وادي النقر إلى الجنوب من قلعة عروبة، ثم تتجه غرباً لتبلغ وادي حقل الخربة ثم نهر كتاف التين إلى الشرق من منطقة قمامين في الضنية ثم تتصل بنهر أبو موسى وتصل إلى نهر البارد". وذلك استناداً إلى خريطة وضعتها وزارة الأشغال العامة والنقل، وهي من إعداد مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، 1974.
[5] - المرجع السابق: ص35.
[6] - مشاعات جمع مشاع. والأرض المشاع تكون ملكاً خاصاً لمجموعة من المالكين، عادة تكون لاستخدام جماعي، كالبيادر مثلاً. أما المقصود هنا بالمشاعات كما يطرحها د.سلوم فهو "حق" الانتقاع الذي عرضناه في الحاشية 3.
[7] - طوق، أنطوان جبرايل: أمثال الأقدمين في جبة المقدمين، بشاريا للنشر، 1992، ص 7.
[8] - راجع: أعمال المؤتمر الأول لتاريخ جبة بشري، 1516 – 1918، منشورات لجنة جبران الوطنية، 1998.
[9] - رحمه، الحوري فرنسيس: تاريخ بشري أو مدينة المقدمين، مجهول الناشر والتاريخ، ج 1، القسم الأول، الفصل الثاني، ص 14 – 16. يذكرالبعض تاريخ طباعته في العام 1956، والبعض ما قبل ذلك التاريخ، ويجمع كثيرون على أن البرازيل (سان باولو) هي مكان النشر. وهذا الكتاب نادر الوجود، لم نعثر عليه في المكتبات العامة. ولقد تفضل الاستاذ أنطوان جبرايل طوق، مشكوراً، بوضع نسخة من الكتاب لديه بتصرفنا.
[10] - المرجع السابق، ص 137 – 138.
[11] - المرجع السابق، ص 383 – 384.
[12] - المرجع السابق، ص 139.
[13] - المرجع السابق، ص 140.
[14] - المرجع السابق، ص 166 – 167. هل من بلدة أخرى باسم القبيات يقصدها الخوري رحمه؟
[15] - المرجع السابق، ص 167.
[16] - طوق، أنطوان جبرايل: بشري ولبنان 1975 – 1982، بشاريا للنشر، ط 1، 1985، ص 106.
[17] - المرجع السابق، ص 105.
[18] - POGNON, Henri: Les Inscriptions Babyloniennes de Wadi Brissa, Paris, 1887, p. 1.
[19] - الأب موراني: مرجع سابق، ص1 من التمهيد.
[20] - في الفصل الثاني من كتابه "الطبوغرافيا…" يتحدث رينيه دوسو عن المنطقة الممتدة من طرابلس إلى حمص. ويقسم هذا الفصل إلى أربعة أقسام: 1-طرابلس وجوارها، 2-وادي النهر الكبير، 3-منطقة مريمين ورفنية، 4-حمص. وتحت عنوان "وادي النهر الكبير" يقسم المنطقة إلى الأقسام التالية: النهر بحد ذاته، البقيعة، حصن الأكراد وجواره، طريق حمص-تل كلخ-طرابلس، كانتون هو المنطقة من منحدرات عكار مروراً حول القبيات والسنديانة ومنجز، وأخيراً جبل أكروم. وهو لا يستعمل عبارة كانتون، ليشير إلى وحدة إدارية ما،راجع: DUSSAUD, René: Topographie Historique de la Syrie Antique et Médiévale, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1927, p.91-95.
[21] - الأب موراني: مرجع سابق: ص6. نورد هنا النص الفرنسي: “Canton limitrophe de la Syrie du nord, Cobiath se situe à la frontière orientale de la province du Liban-Nord”.
[22] - المرجع السابق، ص 7.
[23] - المرجع السابق، ص 7.
[24] -المرجع السابق: ص3. هذه "الجغرافيا الأولية" هي التي سيسميها السيد يواكيم الحاج "الحدود الطبيعية التاريخية للقبيات"، تمييزاً لها عن "حدودها الطبيعية حالياً". مرجع سابق، الجزء الثاني، ص6.
[25] - كأن الدريب منطقة مترامية الأطراف، لنتحدث فيها عن cantons أو كأن فيها مجموعات هائلة من السكان، أو كأن تقسيم المناطق إلى كانتونات كان معتمداً. ولكن لا بأس نعظم الدريب، فتصبح القبيات أعظم، طالما أن هذه الكانتونات مجرد أجزاء منها.
[26] - هكذا في النص ولعله يقصد الشمال.
[27] - الأب موراني : مرجع سابق، ص71. لم يبين لنا كيف تتصل الحدود الجنوبية ما بين الجنوب الشرقي (الوعر) والجنوب الغربي0 (نهر عكار). كما أنه لم يعين الحدود الشمالية مطلقاً. لاحظ الخريطة التي وضعها الأب موراني ل"سنيورية" القبيات. نلفت النظر هنا إلى عبارات "التكوين الجيو-فيزيائي لإقليم موحد ومحدود طبيعياً"، وهي عبارات كثيراً ما تستخدم للإشارة إلى الطبوغرافيا اللبنانية للدلالة على أهميتها في تكوين "الأمة اللبنانية"، التي نشأت في حضن "بيئة طبيعية" من طبيعة خاصة. هنا ابتزال لهذه النظرية في الجغرافيا السياسية. ولكن لنتساءل فقط كيف يكون الامتداد الجغرافي طبيعياً ما بين وادي نهر عكار والوعر (في طرف وادي خالد)، على الرغم من وجود ذلك الوادي الذي يبدأ من منطقة كرم سباط مروراً بعودين في عندقت ووادي شدرا والمشاتي ليبلغ سهل البقيعة، وحيث ينحدر جبل أكروم بحدة بالغة، كيف يكون ذلك "الحاجز الطبيعي" لا يشكل عائقاً أمام الوحدة الجيو – فيزيائية، في حين أن السهول التي تفصل الوعر عن حمص تشكل عائقاً؟ كيف ذلك؟ وكذلك قل عن الأمر في ما يخص الدريب وسهل عكار!
[28] - الأب موراني: مرجع سابق بالفرنسية، ص 66.
[29] - المرجع السابق، ص 64.
[30] - المرجع السابق، ص 65.
[31] - المرجع السابق، ص 112 – 113.
[32] - راجع: RICHARD, Jean, “Le Chartier de Sainte-Marie-Latine et l'Etablissement de Raymond de Saint-Gilles à Mont-Pèlerin” Mélanges d'Histoire du Moyen Age, Louis Halphen, Puf, Paris, 1951, p. 607 et suiv.
[33] - الأب موراني، مرجع سابق بالفرنسية، ص 112.
[34] - يرى الأب موراني الأمر مستهجناً (مرجع سابق، المقدمة)، بينما يرده السيد يواكيم الحاج، من ضمن ما يرده إليه، "إلى قلة المؤرخين المحليين، الذين بإمكانهم أن يعطوا صورة حقيقية… خلافاً للمؤرخين الغرباء (؟)"، يواكيم الحاج: مرجع سابق، ج 2، ص 43.
[35] - الأب موراني: مرجع سابق، ص 3 من التمهيد، حيث يتساءل: لماذا يُصر المؤرخون على المطابقة بين العبارتين، Castellum Coliat و Villa Coliath ؟ هذا في حين أننا نعثر بسهولة على حصن القليعات، وهو اسم جمع تصغير قلعة، أي قليعة. ألا يمكننا المقاربة بين قبيات Cobiath وقليعات (قليات) Coliath ، في حين انه هنا مجرد غلط في رسم الحرف ( b ) يكفي للتفسير؟ إليكم النص الفرنسي بحرفه: “… pourquoi vouloir à tout prix assimiler les deux noms cités par les chroniqueurs, à savoir le “Castellum Coliat” et la “villa Coliath” ? Alors que le Castellum se retrouve aisement sous le nom arabe Qlei’āt, pluriel de Qolei’ăt (petite fortresse). Ne peut-on pas rapprocher Cobiath de Coliath alors que’un petit trait ( = b) faible erreue de scribe pourrait expliquer?” – ولكن أليس من الأفضل اعتبار مزرعة أو قرية القليعات هي المزرعة المجاورة للحصن أو التابعة له؟
[36] - راجع: Deschamps, Paul, La Défense du Comté de Tripoli et de la Principauté d'Antioche, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris, 1973, p. 185
[37] - راجع: G. REY, Etude sur les Monuments de l'Architecture Militaire des Croisés en Syrie et dans l'Ile de Chypre, Imprimerie Nationale, Paris, 1871, p. 7.
[38] - المرجع السابق، ص 7.
[39] - راجع: DESCHAMPS, Les Châteaux des …, op. cit., p. 117 . يقول ديشان حول نفس الموضوع في (la défense du… )، ص 16، "غالباً ما عمد الفرنجة في نقلهم للأسماء العربية إلى إسقاط بعض أقسامها، لا سيما الأولى: جعلوا من تل كلخ لاكوم Lacum ، مثلما جعلوا من "أبو سنان" بوسنم Busenem ، ومن "أبو قُبيس" بوكبيس Bochebeis ومن "دبوريه" بوري Burie " .
[40] - راجع: BERCHEM et FATIO, Voyage en Syrie, Mémoires Publiés par les Membres de l'Institut Français d'Archéologie Orientale du Caire, sous la direction de M. Pierre LACAN, t. I, le Caire, (I.F.A.O.), 1914, p. 5-6.
[41] - راجع: CAHEN, Claude, La Syrie du Nord à l'époque des Croisades,. P. Geut, Paris, 1940, p. 110.
[42] - الصحيح في الأصل Gouliat بدون الحرف (h) .
[43] - الصحيح في الأصل Couliat وليس Coliath .
[44] - الأب موراني، مرجع سابق، ص 111.
[45] - لماذا نعرف نفس الاسم Couliat ، في Castellum Couliat وفي Villa Couliat بشكلين، مرة قليعات ومرة قبيات.
[46] - سنعود في مكان لاحق لمناقشة هذه الطريقة في التحديد الطبوغرافي.
[47] - لم يخطر على بال أحد من المؤرخين، حتى الآن، الادعاء بوجود سجلات للضرائب عن زمن المماليك، وموجودة في المحكمة الشرعية في طرابلس، كما يفعل الأب موراني. إنه يحيل القارئ، بعد ذكر هذه السجلات، إلى حاشية رقمها 3، في الصفحة 111، من أطروحته المذكورة. ماذا في هذه الحاشية؟: "محفوظات المحكمة الشرعية السنية في طرابلس، 1985". أما لماذا يتهور الأب المحترم في هذا الادعاء؟ نجيب: سبق أن أشرنا إلى أنه "أستعار" من ماكس فان برشم كل فرضيته، وأخفى ذلك ليدعي فتحاً علمياً. وهو هنا يدّعي اشتغاله على سجلات غير موجودة أصلاً ليعطي لعمله طابع البحث العلمي. لا تعود سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس إلى زمن المماليك مطلقاً، بل هي تبدأ من القرن السابع عشر، أي بعد مضي أكثر من قرن على قضاء العثمانيين على المماليك في القرن السادس عشر. هنا أيضاً ينطلق الأب موراني من ماكس فان برشم، "يستعيره" ويشوه أقواله. يقول برشم: "منذ ذلك الوقت (1283) يبدو أن القليعات اختفت من مسرح التاريخ"، ويُضيف في حاشية في نفس الصفحة: "لم نجد لها أثراً لا في الكتب التي تناولت الدواوين المصرية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ولا في حوليات ابن أياس"، برشم، مرجع سابق، ص 135، والحاشية رقم 2 في نفس الصفحة.هذا فضلاً عن أن سياق كلام برشم يدل بوضوح على تدمير حصن القليعات لا قرية القليعات.
[48] - الأب موراني، مرجع سابق، ص 111.
[49] - - راجع: خليفة، عصام: الضرائب العثمانية في القرن السادس عشر، بيروت 2000، ص 93.
[50] - عندما نقل الأب موراني عن دوسو Dussaud كان من الطبيعي أن يعود إلى برشم لأن دوسو أشار بوضوح إلى برشم في إحالته. نثبت في الملاحق صورة للصفحة المعنية وهي مأخوذة عن : Dussaud , Topographie…, op. cit., p. 80.
[51] - راجع: M. V. BERCHEM, op. cit. p. 132
[52] - المرجع السابق، ص 132، حاشية 3.
[53] - المرجع السابق، ص 132.
[54] - المرجع السابق، ص 132، حاشية 2.
[55] - المرجع السابق، ص 133.
[56] - المرجع السابق، ص 133، حاشية 4. من الواضح أنه يخلط هنا بين قبعيت وقريّات، وهما قريتان في عكار.
[57] - يحيلنا برشم هنا في الحاشية 5 ص 133 إلى مرجعه: RITTER, Erdkunde, XVII, p. 816 et suiv. وفيه كُتب الاسم Kulaiât و Alt Kulaiât . إن وجود القبيات العتيقة Vieux Qubai΄āt (أو Qubai´āt )، التي سجل تومسون آثارها البازلتية، يؤدي إلى نفس الاستنتاج.
[58] - راجع: BERCHEM, op. cit., p. 133.
[59] - راجع: BERCHEM, op. cit., p. 133.
[60] - برشم (BERCHEM )، مرجع سابق، ص 134، حاشية 2. نثبت هنا قسماً من الحاشية بنصه الفرنسي: “Au lieu de Culicath, il faut lire Culieath, pour Culeiat, transcription rigoureuse de l'arabe Qulai´at. Est ce le même nom qui se cache dans le Quelleyes des lignages, Hist. Des crois., lois, II, p. 466… le pluriel arabe étant rendu par un pluriel français”.
[61] - راجع: E. REY, Les Colonies Franques de Syrie aux XII et XIII siècles, Alph. Picard, Editeur, Paris, 1883, p. 365.
[62] - راجع كتاب: الانتخابات النيابية، 1972، بالأرقام والنسب، تقديم العميد الركن أنطوان دحداح، مدير عام الأمن العام، 1974. الخارطة المقصودة ص 399.
[63] - قام جان ريشار ببحثه حول كونتية طرابلس بإشراف ومساعدة مجموعة من أبرز الفرنسيين المهتمين بالأبحاث في بلادنا. ونال شهادة الدبلوم في فرع التاريخ، على أساس بحثه هذا.ولا بأس أن نثبت هنا ما هو وارد في مطلع الكتاب بنصه الفرنسي: Sur l'avis de M. SAUVAGET, directeur d'études, et de MM. BRUNEL et SAMARAN, commissaires responsables, le présent mémoire a valu à M. RICHARD le titre d'élève diplomé de la section d'Histoire et de Philologie de l'école Pratique des Hautes Etudes. Paris, le 7 novembre 1943. Le directeur de la Conférence: J. SAUVAGET. Les Commissaires responsables: C. BRUNEL et C. SAMARAN. Le Président de la Section: M. ROQUES.
[64] - البروفنساليون هم سكان مقاطعة بروفنس Provence الفرنسية، ولقد شكلوا القسم الأساسي من بارونات كونتية طرابلس.
[65] - جان ريشار: مرجع سابق بالفرنسية، ص 73.
[66] - يقول جان ريشار: "كان من الصعب علينا وضع حدود دقيقة بين السنيوريات، بحكم طبيعة مصادرنا الجزئية جداً. وعليه ما وضعناه من حدود هو افتراضي…"، المرجع السابق، ص 93.
[67] - الحاج، يواكيم، مرجع سابق، ج 2، ص 6.
[68] - هذا ليس ممراً ساحلياً. هو ينطلق من الساحل ليدخل "داخل" الأقطار العربية،
[69] - سبق أن ناقشنا تسمية "سنير" و"عروبة".
[70] - الحاج، يواكيم، مرجع سابق، ج 2، ص 6.
[71] - يقول، بعد قليل من تعيينه للحدود التاريخية، مخاطباً خليلته القبيات: "هذه وصيتي يا خليلتي: أن يحفظ بنوك عهد الوفاء. فيجلس أبناؤهم على عرشك إلى الأبد"!
[72] - لا ندري أين حدود القبيات حالياً مع العوينات ورماح وهي قرى تحدها جنوباً بلدات شدرا وعندقت وعيدمون وتفصلها عن القبيات.
[73] - لاحظوا "التعظيم": "سلسلة جبال عكار بما فيها…"، كل السلسلة، لا ذلك القسم منها، بل "السلسلة بما فيها"!
[74] - لا لزوم للعودة إلى فرضية د. سلوم التي يرددها.
[75] - إذا كانت أملاك القبيات تلتقي بالقرب من حرف شيت مع امتدادات جبل أكروم فإن القسم الأكبر من حدود القبيات الشرقية هو مع بلدة عندقت، فلا تقتصر هذه الحدود على وادي الكاسوحة. ثم أين وادي عودين ؟ أهو من القبيات؟
[76] - لا ندري أيضاً كيف تصل حدود القبيات إلى المجدل وطيبو، وهذه المناطق مفصولة عن القبيات بقرية السنديانة؟
[77] - الحاج، يواكيم: عكار في...، مرجع سابق، ج 2، ص 6.
[78] - المرجع السابق، ص 42.
[79] - المرجع السابق، ص 43.
[80] - المرجع السابق، ص 495.
[81] - المرجع السابق، ص 495.
[82] - المرجع السابق، ج 1، ص 221 – 222. التشديد على عبارة "ابتداءً من منطقة القبيات" لنا.
[83] - المرجع السابق، ج 1، ص 223.
[84] - راجع حول الحدود التاريخية للقبيات، المرجع السابق، ج 2، ص 6. يقول في مكان آخر من نفس المرجع: "... كان الوجود الجغرافي لمنطقة القبيات، المتاخم للحدود السورية البرية، على مسافة أكثر من 60 كلم شرقاً وشمالاً..." (ص 446).
[85] - موراني، الأب عفيف: مرجع سابق بالفرنسية، ص 3.
[86] - يتلاعب الأب موراني بالجغرافيا الطبيعية، فيجعل القبيات على المقلب الشرقي للبنان، بينما هي على مقلبه الغزبي.
[87] - MOURANI, Afif (le père): l`Architecture Religieuse. . ., op. cit., p. 10.؛ قبل قليل يقول، في نفس الصفحة: "يقابل "فرجة حمص"، المنفتحة كمدخل عريض على المجال السوري، الحاجز القبياتي على أبواب لبنان بالذات".
[88] - الأب موراني، مرجع سابق بالفرنسية، ص 17.
[89] - الحاج، يواكيم: عكار...، مرجع سابق، ج 1، ص 320.
[90] - المرجع السابق، ص 322 – 326.
[91]- DUSSAUD, René: Topographie Historique. . ., op. cit., p. 105 -106.
[92]- DUSSAUD, René: Voyage en Syrie, Oct. Nov. 1896, Revue Archéologique, 3éme série, tome XXX, Jan. Juin, 1897, p. 311 et 312. – يعتمد دوسو، بشكل خاص، على، (BLANCHE: Bulletin de l`Institut égyptien, 1874-1875, p. 128): "اعتبر بلانش شبطون هي شبطونا المدينة المذكورة في النصوص المصرية المتعلقة بمعركة قادس. وقد تكون شبطونا الاسم السابق لقلعة الحصن". كما اعتبر شبطونا هي قرية مريمين، بينما ميزت بينهما قصائد بنتاوور (PENTAOUR)".
[93] - DUSSAUD, René: Topographie Historique. . ., op. cit., p. 92.
[94] - المرجع السابق، ص 92 و93 و94 و95.
[95] - طلاس (العماد مصطفى) والجلاد (العميد الركن محمد وليد): قلعة الحصن، حصن الأكراد، ج 1، دار طلاس، دمشق، 1990، ص 19 و20 و21.
[96] - الأب موراني، مرجع سابق بالفرنسية، ص 11 – 12.
[97] - TALLON, Maurice: Une Nouvelle Stèle. . ., MUSJ, T. XLIV, Fasc., 1, op. cit., p.7.
[98] - TALLON, Maurice: Monuments Romains. . ., MUSJ, T. XLIV, Fasc. 5, op. cit., p.62: il y a une voie naturelle, sans doute pas une route de grande communication.
[99] - MOURANI, Afif (le père): l`Architecture Religieuse. . ., op. cit., p. 13.
[100] - المرجع السابق، ص 13، حاشية رقم 1: TALLON, Maurice: Monuments Romains. . ., p. 60.
[101] - MOURANI, Afif (le père): l`Architecture Religieuse. . ., op. cit., p. 18.
[102] - TALLON, Maurice: Une Nouvelle. . ., MUSJ, T. XLIV, Fasc., 1, op. cit., p.6.
[103] - MOURANI, Afif (le père): l`Architecture Religieuse. . ., op. cit., p. 18.
[104] - MOURANI, Afif (le père): l`Architecture Religieuse. . ., op. cit., p. 116.
[105] - المرجع السابق، ص 121. ينتمي حصن عكار إلى الخط الأول والثاني، ومع ذلك الثاني يتوسط المسافة بين حصن الأكراد وعرقة. لا ندري كيف يقيس الأب موراني المسافات، يبدأ من الشمال (حصن الأكراد) يتجه جنوباً (حصن عكار) ثم ينحرف إلى الجنوب الغربي، المجدل وهي متاخمة لعكار، ليتجه غرباً حتى حلبا القريبة جداً من عرقة، ومع ذلك يتحدث عن المسافة المتوسطة بين حصن الأكراد وعرقة!
[106] - DUSSAUD, DESCHAMPS, SEYRIG: La Syrie Antique et Médiévale Illustrée, Paul Geuthner, Paris, 1931, p. 147.– يعبر هذا المؤلف الجماعي عن رأي ثلاثة من أبرز الباحثين في المنطقة وتاريخها وآثارها.
[107] - المرجع السابق، ص 130.
[108] - المرجع السابق، ص 146.
[109] - VAN BERCHEM: Voyage. . ., op. cit.,t. 1, p. 135.
[110]- G. REY: Etude sur les Monuments de l`Architecture Militaire des Croisés en Syrie et dans l`Ile de Chipre, Imprimerie Nationale, Paris, 1871, p. 39 et 40 et 41.
[111]- Paul DESCHAMPS: Les Chateau des Croisés en Terre Sainte, le Crac des Chevaliers, Texte, Paul Geuthner, Paris, 1934.– يقول المؤلف (في ص 16 – 17 من هذا الكتاب): "في سورية يتصل الساحل المتوسطي بالمنخفض السوري (البقاع وامتداده شمالاً وجنوباً) بثلاث فرجات (ممرات)... منها ... منفرج طرابلس المتصل بالبقيعة عبر وادي النهر الكبير وسهل عكار الخصيب". وعليه ليس صحيحاً الكلام على الممر الوحيد الذي يزعمه السيد يواكيم الحاج.
[112] - يجعل الأب موراني عرض هذه الفرجة 50 كلم في حدها الأدنى، موراني: مرجع سابق بالفرنسية، ص 114.
[113] - Paul DESCHAMPS: Les Chateau des Croisés en Terre Sainte, le Crac des Chevaliers, Texte, - مرجع سابق، ص 30 – 31.يستفيض المؤلف في توصيف نفس هذه المواقع في ص 105 و106 و107. راجع أيضاً حول هذا الحصن بالعربية: العماد مصطفى طلاس والعميد الركن محمد وليد الجلاد: قلعة الحصن، حصن الأكراد، دار طلاس، دمشق، 1990، ج 1، لا سيما ص 19 حتى 27.
[114] - راجع: (Moritz SOBERNHEIM: Matériaux pour un Corpus Inscriptionum Arabicarum, deuxième partie, Surie du Nord, premier fasc., Imprimerie de l`Institut Français d`Archéologie Orintale, le Caire, 1909, p. 4. ) "تؤدي الطريق، عبر السهل، إلى قرية القبيات الواقعة على ارتفاع عدة مئات من الأمتار. وبعد اجتياز صعود حاد حتى ممر واقع على علة 870م تقريباً نصل إلى قرية عكار العتيقة... بمواجهة الحصن...".
[115] - VAN BERCHEM: Voyage. . ., op. cit. p. 134. – أخذ هذا الرأي عن فان برشم أحمد حطيط في مؤلفه، تاريخ لبنان الوسيط، دار البحار، بيروت، 1986، ص 58. وكرره عن الأخير د. الياس القطار في كتابه، نيابة طرابلس في عهد المماليك، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1998، ص 52، حيث يقول القطار: "كانت هذه القلاع الثلاث بمثابة "مثلث استراتيجي لحماية طرابلس من كل هجوم مصدره الشمال والشمال الشرقي". وفي رأي "ج. براور"، كان سقوط القليعات وحلبا وعرقة إيذاناً بالحملة الكبيرة التي ستوجه إلى مملكة أرمينيا وتصل إلى عاصمتها سيس وعلى رأسها قلاوون أحد كبار بيبرس وخليفته لاحقاً".
[116] - MOURANI: L`Architecture..., op. cit., p. 122.
[117] - DESCHAMPS: La Défence du..., op. cit., p. 187.
[118] - المرجع السابق، ص 187. واليكم النص الفرنسي: ...; le casal Helmedel près de Guibelacard (château d'Akkar), est EL MAJDEL, à 5 Km au Nord d'Akkar; ... .
[119] - المرجع السابق، ص 16 – 17.
[120] - DUSSAUD: Topographie historique..., op. cit., p. 94 - 95.
[121] - المرجع السابق، ص 87.
[122] - DUSSAUD: Voyage en Syrie, Oct. - Nov. 1896, op. cit.,p. 308 -309.
[123] - E. REY: Les Colonies Franques..., op. cit., 356 - 375. – وفي المجدل يقول: HELMEDEL, casal relevant du fief de Jibel Akkar et qui se retrouve dans le village moderne de El Mejdel (p. 367).
[124] - الحاج، يواكيم: عكار في...، مرجع سابق، ج 1، ص 274 – 275.
[125] - لامنس، الأب هنري: تسريح الأبصار...، مرجع سابق، ص 36 – 37.
[126] - المرجع السابق، ص 211 – 212.
[127] - الحاج، يواكيم: عكار في...، مرجع سابق، ج 1، ص 275.
[128] - القطار، د. الياس: نيابة طرابلس، مرجع سابق، ص 55.
[129] - ابن كثير، أبو الفداء الحافظ: البداية والنهاية، المجلد السابع، الجزء 13، دار الفكر بيروت، 1982، ص 259. راجع أيضاً نفس التفاصيل تقريباً: أبو الفدا، المختصر...، مرجع سابق، ج 4، ص 6؛ ابن شداد، الأعلاق الخطيرة...، مرجع سابق، ج 2، ق 2، ص 116 – 118.
[130] - DUSSAUD: Topographie historique..., op. cit., p.91.
[131] - الأب موراني، مرجع سابق بالفرنسية، ص 122.
[132] - لم يرد اسم طيبو صحيحاً عند الأب موراني، بل ورد بشكلين: Taybo Tayibo هذا في حين أن الأصل الذي ينقل عنه الأب موراني يذكر الاسم بشكل: Tayibou، وبالعربية طيبو، ولعل في الأمر خطأً مطبعياً.
[133] - ابن عبد الظاهر، محي الدين: تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، وتتناول الحقبة ما بين 678هـ - 689هـ، حققه د. مراد كامل، راجعه محمد علي النجار، الشركة العربية للطباعة والنشر، مصر، ط 1، 1961، ص 82 – 83.
[134] - المرجع السابق، ص 20 – 21.
[135] - المرجع السابق، ص 34، حاشية رقم 5: "السنجال: هذا اللفظ ترجمة حرفية للكلمة الفرنسية (sénéchal) المأخوذة من اللفظ اللاتيني (senescallus) والجرماني (siniscale) وهو الأقرب إلى لفظ السنجال ومعناها هنا النائب – أو الكفيل على حد التعبير العربي في ذلك العصر – والمقصود به أودو بولشيان (Odo Poilechier) نائب المملكة بعكا".
[136] - المرجع السابق، ص 35، حاشية رقم 1: "للورن مقدم بيت الاسبتار، والمقصود بهذا الاسم (Frère Nicholas Le Lorgne)".
[137] - المرجع السابق، ص 38، حاشية رقم 8: "القليعة: لعلها القليعات. والقليعات وصافيتا والمجدل قلاع حصن الأكراد (راجع خريطة كتاب "الصليبيون في المشرق لاستفن سوف" طبع كمبردج سنة 1907)". الأصح هي القليعة لا القليعات، وهي غير القليعات بقرب عرقة.
[138] - المرجع السابق، ص 34 – 38.
[139] - راجع الحاشية رقم 137.
[140] - القلقشندي، أحمد بن علي: صبح الأعشى في صناعة الانشا، تحقيق محمد حسين شمس الدين،الجزء 14، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1987، ص 61.
[141] - الأب موراني، مرجع سابق بالفرنسية، ص 123.
[142] - الدويهي، البطريرك اسطفان: تاريخ الأزمنة، مرجع سابق، ص 513.
[143] - الحاج، يواكيم: عكار في...، مرجع سابق، ج 1، ص 273.
[144] - المرجع السابق، ص 221: "قلعة المجدل وطيبو والسن"، وص 223: "قلعة أكروم، طيبو، المجدل..."، وص 269: "قلعة طيبو والمجدل والسن...".
[145] - فريحة: معجم...، مرجع سابق، ص 94.
[146] - عبودي، هنري س.: معجم الحضارات...، مرجع سابق، ص 494.
[147] - المرجع السابق، ص 494 – 495.
[148] - المرجع السابق، ص 692.
[149] - الحلو، د. عبدالله: تحقيقات تاريخية...، مرجع سابق، ص 325.
[150] - راجع مثلاً: ياقوت الحموي، معجم...، ج 3، ص 268 – 269.
[151] - الحاج، يواكيم: عكار في...، ج 1، ص 278.
[152] - راجع ما جاء حول هذه المحالفة في مواضع أخرى من هذا البحث.
[153] - DUSSAUD: Topographie Historique..., op. cit., p. 88.
[154] - الحاج، يواكيم: عكار في...، ج 1، ص 277.
[155] - DUSSAUD: Topographie Historique..., op. cit., p. 88.يبرر دوسو كلامه هذا، في حاشية رقم 7، ص 88: سفر التكوين، 10/ 17.
[156] - المرجع السابق. يبرر دوسو كلامه هذا، في حاشية رقم 8، ص 88:Delitzach, Paradies, p.282. – لم نتمكن من العودة إلى هذا المصدر. ولكنه من الواضح أن دوسو لجأ إليه ليبرر كلامه على ذكر النصوص الأشورية لاسم السن، فقط، لا لموقعها وأهميته كما يدعي يواكيم.
[157] - المرجع السابق، مرجع دوسو هنا هو: BURCHARD DE MONT SION, éd. LAURENT, p. 29 – ص 88، حاشية رقم 10، وفيها ينقل دوسو عن بورشار دي مون سيون: "يقول أيضاً استناداً إلى أحد النساطرة: السن: سينوشيم Syn: Synochim. ورد نص بورشار دي مون سيون في: John Pairman BROWN: The Lebanon and Phoenicia, V. 1, Beirut, 1969, p. 34: From the castle Arachas to the east by half a league is the city Syn, which Syneus the son of Chanaan and brother of Aracheus built after the flood not far from Arachas, as Genesis says in the text. A certain Nestorian living there, at my request said that that city was called Synochim. And a certain Sarracen there said the same thing to me.
[158] - المرجع السابق، ص 88 – 89. ننقل هنا كامل النص الفرنسي مع حواشيه:
Dans l`antiquité la place importante de cette région était Sin, dont l`ethnique se trouve dans la Genèse (7) et que les textes assyriennes mentionnent sous la forme Sianu (8). On fait à tort honneur à B. von Breydenbach d`avoir découvert au XVE siècle l'emplacement de Sin, à une demi-lieue à l'est d'Arqa (9), car cet auteur emprunte le renseignement à Burchard de Mont-Sion, qui est venu à Tripoli juste deux siècles auparavant (1283). Celui-ci le tenait des indigènes (10), et depuis toute trace en a été perdue. S'il n'y a pas une erreur de transcription, la nouvelle carte d'Ētat-major au 200000e permet d'identifier la vielle localité avec le bourg actuel de Shein. Au sud-sud-est de Halba. D'après Strabon, nous l'avon vu, les Ituréens et les Arabes possédaient, à l'arrivée de Pompée, des places fortes sur les hauteurs du Liban, notamment Sinna et Borroma (1), ce qui atteste, encore à cette époque, l'importance de la place qu'il serait intéressant de reconnaître.
(7) Gen.,X,17;
(8) Delitzach, Paradies, p. 282.
(9) B. VON BREYDENBACH, Reise des Heiligen Landes, I, p. 115.
(10) BURCHARD DE MONT-SION, éd. LAURENT, P. 29: Syn. Il note encore d’après un nestorien: Synochim.
(1) STRABON, XVI, 2, 18…
يبدو أن السيد يواكيم الحاج يجهل الفرنسية ولهذا أساء ترجمة كلام دوسو في تعيينه لمكتشف قلعة السن الذي هو برأي دوسو "بورشار دي مون سيون" لا "ب. فون بريدنباخ". بينما يقول السيد يواكيم: "يظهر أن مكتشف قلعة السن هو السيد "ب. فون بريدنباخ" كما يقول بورشارد" (ص 277، ويرفق كلامه هذا بالنص الفرنسي).
[159] - الحاج، يواكيم: عكار في...، ج 1، ص 279.
[160] - المعلوف، عيسى اسكندر: تاريخ زحلة، ط 3، 1984، ص 146. التشديد لنا.
[161] - المرجع السابق، ص 146، حاشية رقم 1: "هو نبات شائك يخيم من جوانبه بأشواكه المتدلية الوارفة ويبقى حول جذعه فارغاً فيصلح للمكمن والمخبأ وقد يكبر حجمه إلى علو أذرع فيصير شبه خيمة ولا يعرفه اللبنانيون".
the Chapters of the book, click on the title to read it:
|
(Kobayatian Families) |
|||
|
أحياء القبيات |
|||
|
Part1-Chap2 |
|
2000 STAREAST, Inc. All Rights Reserved. |
Webmaster Eng.Elie ABBOUD |