القسم الرابع

الموارنة في عكار والقبيات

Back

الفصل الأول

 

 الموارنة في عكار والقبيات - نظرة عامة

 

بدء المسيحية في لبنان وعكار

من المقرر أن قسماً كبيراً من جنوبي لبنان قد دخل في دائرة المناطق التي زارها السيد المسيح، مبشراً بكلمة الله وشافياً من المرض([1]). ويرى البعض أن المسيح تجاوز الجنوب إلى بيروت([2]). ومن المقرر أيضاً أن بعض الرسل بشروا في لبنان، في مناطقه الساحلية، وبدءاً من هامة الرسل بالذات القديس بطرس الذي بعد خروجه من السجن في أورشليم قصد إلى "... صيدا ثم إلى بيروت وأقام فيها أسقفاً أحد رفقائه، ثم سار إلى جبيل... إن بطرس الرسول اجتاز في طرابلس عند مضيه إلى أنطاكية فأقام فيها أسقفاً واثني عشر كاهناً..."([3]).

لم يمض القرن الأول والثاني للميلاد حتى كان لبنان قد قدم بعض طلائع شهداء المسيحية، وكانت قد بدأت تتكون في بعض مدنه الساحلية الأسقفيات، كصور وصيدا وجبيل، فضلاً عن اسقفية اللاذقية وأخرى في حمص. وامتازت طرابلس باسقفية على رأسها اسقف يدعى مارون، كان قد سقفه بطرس الرسول بالذات([4]). وما أن أطل القرن الرابع الميلادي حتى اندرج لبنان في طليعة بلاد سورية غنى بشهداء المسيحية، وفي طليعتهم يذكر المطران الدبس: "في صيدا زنوبيوس الكاهن في أيام الملك مكسيميان... وفي طرابلس نال أكليل الشهادة أولاً لاونتيوس في أيام أدريان. وروى بروكوب أن الملك يوستنيانس أنشأ فيها على اسمه كنيسة بديعة. وصحبه في استشهاده ايباتوس وتريبيونس وتوادولس. واستشهد فيها في أيام ديوكلتيان لوشيان ومتروبيوس وبولس وزينوبيوس وتبياتينس ودورسس"([5]).

ليس لدينا من الوثائق أوالمراجع ما يشير إلى انتشار المسيحية في عكار، قبل أوائل القرن الميلادي الثالث. إن أقدم ذكر للمسيحية في مدينة عرقة، يعود إلى زمن الامبراطور اسكندر سفيروس (222 – 235) الذي تذكر بعض المراجع تسامحه الديني، وقد وصفه بابادوبولس قائلاً: "هو ملك متعقل حكيم... لم يضطهد المسيحية. وكان عنده في هيكله الخاص تمثال يسوع المسيح مع غيره"([6]).

ويبدو أن ترسخ المسيحية في عكار يعود إلى أواسط القرن الميلادي الرابع، حيث يعود ظهور عرقة كأسقفية لأول مرة، في (Dictionnaire d`Histoire et de Géographie Ecclésiastique) معجم تاريخ وجغرافيا الكنيسة، إلى عام 363م، عندما وقع لوسيانوس (Lucianus) على رسالة سينودس أنطاكية إلى الامبراطور جوفيان([7]). وهذا ما ذكره المطران الدبس: "ومن أساقفة عرقا لوشيانوس نرى توقيعه في آخر أسماء الاساقفة الذين وقعوا على رسالة رفعوها من مجمع أنطاكية إلى يوفيان الملك في شأن إصلاح شؤون الايمان الكاثوليكي في المشرق"([8]). ولعل منطقتنا كانت من ضمن المواقع التي قاومت المسيحية بشراسة. وإذا كانت المسيحية انتشرت باكراً في السواحل اللبنانية فإن الجبال اللبنانية أبدت مقاومة شرسة بوجهها. يقول الأب اليسوعي لامنس: "لكن عبادة الأصنام أبت أن تنكص على الأعقاب دون المدافعة والنزاع. فإن الشرك بقي زمناً طويلاً حتى بعد تنصر قسطنطين وربما سعى في ردَ غارات دين المسيح. وكان كثير من عبدة الأوثان لم يزالوا يترددون إلى هياكل الآلهة الباطلة"([9]). ولقد استدعت هذه الحالة تدخل الأباطرة الرومان المسيحيين لأكثر من مرة حتى تم فرض الديانة الجديدة بعد تدمير الهياكل الوثنية.

ومن الواضح أن عكار التي اشتهرت مواقعها التاريخية بعبادة الثالوث البعلبكي، لا سيما عبادة الزهرة، استفادت في مقاومتها للمسيحية من دعم بعض الأباطرة الرومان الذين يؤكد الأب لامنس على دورهم في إعاقة توسع الدين الجديد وفي إنعاش الوثنية([10]). وعلاوة على ما كان لعرقة من اهمية، كموقع ديني وثني هام، كان هناك في عكار مواقع أخرى، لعبت دوراً في استمرار التمسك بالوثنية. منها موقع مقام الرب المتاخم للقبيات، في موقع نبع الجعلوك اليوم، حيث استمرت عبادة الأوثان، إلى ما بعد النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني، كما يبن ذلك هنري سيريغ([11]). بيد أنه مع نهاية القرن الرابع تم القضاء نهائياً تقريباً على مراكز العبادة الوثنية، بقوة السلطات وبنشاط رجال الدين وجماهير المؤمنين. وهكذا عمت المسيحية كامل سورية ومنها لبنان وعكار بطبيعة الحال.

من هم هؤلاء المسيحيون الذين انتشروا في عكار في بداية ترسيخ المسيحية؟ هم ذلك الشعب المتكون من تراكب شتى الشعوب والأقوام التي استوطنت واستعمرت مع الزمن هذه المناطق العكارية، والذين يغلب عليهم الطابع السرياني، ثقافة ولغة، مع بروز واضح للعنصر العربي إتنياً. ومن حيث التنظيم الكنسي، فإن أقدم تنظيم معروف يعود للنصف الثاني من القرن السادس، وذلك بعد استعادة البيزنطيين لأنطاكية([12]). ما هو موقع عكار في هذا التنظيم؟ يبدو أن هذه المنطقة كانت أساساً في أسقفية عرقة التابعة لمتروبولية صور([13]). وقد تكون بعض أقسام عكار تابعة لمتروبولية حمص أيضاً. ويذكر المطران الدبس أسقفية أرتوسيا في القرن الخامس([14]). وإذا ما تساءلنا ما هي هذه المسيحية؟ لوجدنا، بالطبع، أن الجواب ليس على قدر من السهولة، ولكننا نستطيع من خلال البحث في البدع والمبتدعين تكوين صورة تقريبية عن واقع حال هذه المسيحية في تلك الأتناء.

نبدأ بذكر بدعة بولس السميساطي لا سيما وأنه استولى على بطريركية أنطاكية (261 – 263) بفضل دعم زنوبيا ملكة تدمر له. ومن المرجح أن تكون هذه البدعة قد أثرت في عكار لقربها من حمص، ولامتداد سيطرة حكام حمص عليها. ولقد ذكر المطران الدبس هذه البدعة التي: "زعم فيها(السميساطي) أن ابن الله لم يكن من الأزل، ولم يكن قبل مريم بل حلّ فيه كلمة الله وحكمته عندما ولد من العذراء... وتابع بذلك سابيليوس المبتدع... على انكار الثالوث الأقدس"([15]). ولما انتشرت بدعة آريوس، ولاقت التأييد عند بعض أساقفة لبنان من القرن الرابع: أورانيوس أسقف صور وكان من رؤساء الأريوسيين، وبعده بفترة ويتاليس، وفي بيروت أسقفها أوسابيوس قطب الأريوسيين الشهير، "وخلفه غريغوريوس وكان على شاكلته في تشيعه لآريوس، ومن بعده مكدونيوس، بالاضافة إلى تيموتاوس الذي "قال لكويان... لعل تيموتاوس هذا هو... تلميذ أبولينار الأراتيكي". وفي طرابلس ايريناوس، وكان أريوسياً([16]). ويبدو أن البدعة الأريوسية لم تكن لها تأثير كبير في عكار في القرن الرابع الميلادي.

وفي القرن الخامس، يقول المطران الدبس: "من أساقفة عرقا في هذا القرن (الخامس) نعرف مرشيلنس، وإنه حضر المجمع الأفسسي (431) قبل أن يصل إليه يوحنا البطريرك الأنطاكي وغيره من الأساقفة الشرقيين... وقد وقع على أعمال المجمع ورسائله...([17]). ومن أساقفة عرقا أيضاً أبيفان شهد المجمع الأنطاكي... وكان في جملة قضاته في دعوى أثناسيوس أسقف البارة([18]). ومنهم أيضاً أركليتس"([19]). ومن أساقفة أرطوسيا يذكر المطران الدبس فوسفورس، وقد حضر المجمع الخلكيدوني، ونونس ونيلس([20]). وهكذا يتبين أنه لم يكن للبدع، في القرن الخامس، مكان كبير داخل مسيحيي عكار، استناداً إلى مشاركة أساقفتها في المجامع الكنسية. ينفرد الفيكونت فيليب دي طرازي بذكر بيعة في عكار بالقرب من القبيات، هي بيعة سيدة القلعة في منجز، ربما تكون قد شيدت برأيه في القرن الخامس([21]).

وفي القرن السادس "من أساقفة ارتوسيا... عرفنا اسطفانس وكان أراتيكياً([22])... كان في عرقا في هذا القرن اسقف شديد الاستمساك بعرى الايمان الكاثوليكي، وأن ساويرس بطريرك أنطاكية أفرغ جهده ليقتاده إلى بدعته فلم يقضِ وطراً منه، ولكنه استمال إليه بعض كهنته بعد أن ناصبوه مدة طويلة([23]). ويبدو أن النزعة المعادية "للكثلكة" عرفت تطوراً في عكار ولبنان في هذه المرحلة، إذ نجد علاوة على من ذكرناهم، "من أساقفة البترون في هذا القرن الياس، وكان مغوياً ببدعة أوطيخا مشايعاً لساويرس الأنطاكي"([24]). " ومن أساقفة اللاذقية عرفنا قسطنطين وكان أوطاخياً... وعده ديونيسوس بطريرك اليعاقبة في الكرونيكون وابن العبري في تاريخه من جملة زعماء بدعتهم"([25]). ولم نتوصل إلى معرفة أسماء أساقفة من منطقة عكار في القرنين السابع والثامن. ولعل البلبلة التي أحدثها الفتح الاسلامي للمنطقة والصراعات المسيحية – المسيحية من العوامل الأساسية التي أدت إلى فقدان الوثائق المنبئة عن تاريخ الأسقفيات في تلك المرحلة.

 

الموارنة في عكار

ثمة شبه اجماع في شتى كتب التاريخ والمراجع المارونية على أن عكار شكلت على الدوام مجالاً من مجالات الانتشار الماروني. ولعل الأسقف جبرائيل ابن القلاعي هو أول من عمل رسماً لملامح حدود جغرافية الانتشار الماروني في لبنان، بقوله: "وكملت الفرحة والمحفل وقصاد بكتب منها أرسل

                 إلى كل أسقف انه ينزل      لطوع البطرك والايمان

                 اجتمعون أربعين أسقف     من الدريب لبلاد الشوف"([26]).

هذا ما تؤكد عليه وجهة نظر الأب بطرس ضو في مؤلفه "تاريخ الموارنة"، حيث يقول نقلاً عن ابن القلاعي أيضاً، أن بلاد الموارنة كانت تمتد "من حدود بلاد الشوف إلى بلاد الدريب"([27]). ويوضح الأب ضو أن هذه الحدود قامت منذ القرن السابع([28]). وإذا كان من المعقول والمقبول أن يكون للموارنة وجود في عكار، في سياق انتقال الطائفة المارونية إلى لبنان، بعد تكونها في سورية، فإنه من غير المعقول المغالاة في هذا الوجود الماروني في لبنان، بحيث يتم استبعاد وجود أي طائفة أخرى إلى جانب الموارنة، كما يحلو للأب ضو أن يصور هذا الوجود الماروني في لبنان، كوجود "نقي"، على بقعة جغرافية خالية "نظيفة" من أي وجود لطائفة أخرى، مسيحية كانت أو اسلامية. فهو يقول: "لكن الحدود التي أشرنا إليها كانت تكتنف وطن الموارنة القومي. داخل هذا الوطن لم يكن الموارنة يسمحون بأن يقيم مسلمون أو يهود أو هراطقة..."([29]). وفي موضع آخر يضيف: "وبسط الموارنة سيطرتهم على هذه الرقعة من الجبل اللبناني الممتدة من نهر الكلب ونهر الجعماني حتى حدود عكار واستأثروا بملكيتها وحكمها ومنعوا غير المسيحيين (يقصد المسلمين واليهود) والهراطقة من المسيحيين (يقصد من ليسوا موارنة) من الاقامة في الرقعة المذكورة أو التملك فيها"([30]).

تشكل وجهة النظر هذه، بما تحمله من مضامين استبعادية "للآخر" أو لاغية له أو مصادرة لوجوده، الأداة النظرية، الضمنية، والصريحة أحيناً، التي بها نظر مؤرخو القبيات الموارنة إلى تاريخ بلدتهم وطائفتهم. ونظرة "العظمة" هذه هي التي تدفعهم إلى الحسرة على ماضٍ موهوم "مخترع" كانت فيه البلدة (والطائفة) سيدة على مجال يرتع فيه العز الماروني منفرداً. ومن هنا تراهم كلما صادفوا علامة مسيحية أو إشارة ما إلى المسيحية أسرعوا إلى اعتبارها مارونية الأصل والمنشأ.

 

الضنية وجبال "الظنيين" والعلويون

يتناسى أصحاب نظرية امتداد بلد الموارنة "من الشوف لبلاد الدريب" وجود تلك الجبال التي تفصل بين منطقة بشري والزاوية عن عكار، نقصد منطقة الضنية. وإذا كان البعض يعتبر أن جبال الضنية استمدت إسمها من داناوس Danaosاليونانية، أو من غاباتها الكثيفة المشهورة بإلهة الصيد Diana   Iddio ([31])، فثمة احتمال لأن تكون الضنية جزءاً من الجبال التي اشتهرت بكونها جبال الظنيين، وكانت موطناً قديماً للشيعة والعلويين، والدروز إلى الجنوب. إن ادعاء بعض مؤرخي الموارنة باحتكار السكن والاقامة في جبل لبنان (من الشوف لبلاد الدريب) يتعارض مع أوضح الوقائع التاريخية، لا سيما غداة طرد الصليبيين من لبنان، في مطلع القرن الرابع عشر.

يروي أبو الفدا، في أحداث العام 1305، من الأخبار ما يفيد أن الكتلة الأساسية من سكان الجبل اللبناني التي أقلقت المماليك كانت من الشيعة والنصيرية. فهو يقول: "وفيها (سنة 705هـ/1305م) سار جمال الدين أقوش الأفرم بعسكر دمشق وغيره من عساكر الشام إلى جبال الظنيين وكانوا عصاة مارقين من الدين فأحاطت العساكر الاسلامية بتلك الجبال المنيعة وترجلوا عن خيولهم... وقتلوا وأسروا جميع من بها من النصيرية والظنيين وغيرهم..."([32]).

وكان هؤلاء "الظنيون" الشيعة في غالبهم من النصيريين على ما يبدو من كلام عيسى اسكندر المعلوف الذي يعتبر مكان إقامتهم الأساسية في بلاد الضنية وعكار قبل تمددهم صوب الجبل. وفي ذلك يقول: "كان لبنان الشمالي، (حوالي مطلع القرن الرابع عشر)، ولا سيما المنيطرة والعاقورة ونواحي البترون يسكنه النصيريون وامتدوا إلى كسروان بعد أن كانوا في جبل عكار والضنية فقط"([33]). ويعود المعلوف بأصل النصيرية إلى العجم الذين يعود زمن قدومهم إلى عكار إلى أيام معاوية بن أبي سفيان (ت680م) الذي "استقدمهم... عند فتحه الشام فسكن بعضهم المدن الساحلية كطرابلس وجبيل وبيروت وصيداء والآخرون الداخلية كبعلبك وعرقة في بلاد عكار، ومنهم تفرع المتاولة  سكان البقاع وبعلبك، والنصيرية الذين كانوا في عكار وجبل لبنان..."([34]).

وعليه ليس من المنطقي ادعاء احتكار الاقامة والسلطة للموارنة، في الجبل اللبناني، ذلك أن إقامة المسلمين هي عريقة فيه، وتعود إلى القرن السابع، شأنهم في ذلك شأن تاريخ ارتحال الموارنة إلى هذه البلاد. واستمر النصيريون في مناطق هذا الجبل في زمن الصليبيين، وبعدهم. ويسجل بعض المؤرخين تنصر قسم من النصيرية في أيام الصليبيين. وفي هذا يذكر جرجي أفندي يني: "في سنة 1172… تنصر من النصيرية القاطنين في الجبال المجاورة لطرابلس نحو ستين ألفاً"([35]).

 

الأب موراني: مصادرة مونوفيزيت عكار بجعلهم موارنة!

يقرر الأب موراني أن "القبيات صارت مركزاً مسيحياً مزدهراً" في ظل حكم الأمبراطور قسطنطين([36])، لا سيما في آخر سنوات حكمه. بالطبع لا يعتمد الأب المحترم أي مرجع في تقرير ما قرر، وهو لا يكتفي بالقول أن القبيات تحولت بالضرورة إلى المسيحية، بل يجعلها مركزأً مزدهراً. وأما دليله على هذا الازدهار، فيزعم أنه يستمده أولاً من كلام نشره إرنست رينان لأحد خوارنة طرابلس من بيت السمعاني: "كانت عكار مقاطعة تابعة لحكام الجبل. وكانت في زمن الاباطرة البيزنطيين مزدهرة بالمسيحية بدليل ما فيها من بقايا الكنائس"([37]). أن تكون عكار مزدهرة بالمسيحية لا يعني بالضرورة أن القبيات واحداً من مراكز هذا الازدهار، لا سيما وأن أحداً لا يأتي على ذكرها في ذلك الزمن لا من قريب ولا من بعيد. كما أن الأب موراني يستدعي نصوصاً للكونت فيليب دي طرازي ليدعم رأيه بالقبيات "كمركز مسيحي مزدهر".

ماذا في نصوص دي طرازي التي ذكرها الأب موراني؟ النص الأول: "بيعة سيدة القلعة. شيدت هذه البيعة فوق هضبة واقعة في منتصف الطريق التي تصل طرابلس بحمص. وكانت تابعة في سياستها البيعية لكرسي أبرشية عرقا([38]). ولا يبعد أن تكون بيعة سيدة القلعة قد شيدت قبل عهد الانفصال الذي مني به الكرسي الأنطاكي في القرن الخامس. ومن المقرر أن الدين المسيحي قبل أن يغزو العرب بلاد عكار كان منتشراً بين أهاليها حتى أن جميعهم كانوا مسيحيين".

النص الثاني لدي طرازي: "بيعة الشهيدة شموني في شدرا. شدرا بلدة قديمة في لبنان كانت خاضعة في سياستها البيعية لكرسي عرقا واسمها سرياني بحت (المرسل). وكان فيها للسريان بيع عرفنا منها بيعتهم المشيدة على اسم الشهيدة "مُرت شموني" وأولادها السبعة"([39]).

ويلجأ الأب موراني إلى نص ثالث لدي طرازي: "يعد كرسي أسقفية عرقا من أقدم كراسي الأسقفيات السريانية وأوسعها. وكانت ولاية راعيها تشمل قرى عامرة مأهولة بالسريان وما برحت اسماؤها حافظة صبغتها السريانية الأصلية حتى الآن. نذكر منها شدرا وعينتقد (عندقت)... وكفرنون"([40]).

استخدم الأب موراني هذه النصوص ليدعم رأيه بأن سكان المنطقة ومنها القبيات هم من السريان بمعنى الأصل الأتني للكلمة. وأضاف إلى هذه النصوص استشهادات له بما اكتشفه الأب لامنس والأب تالون والأبوان بول ورينيه موتيرد من نقوش سريانية في بعض المواقع الأثرية في جبل أكروم والوعر ووادي خالد، ليصل إلى نتيجة يلخصها بقوله: "بقيت المسيحية مزدهرة في البلاد، كما في كل مكان آخر، لا سيما في جبل لبنان، بعد اندماج المردة بسكان الجبل الموارنة، حوالي منتصف القرن السابع"([41]). ويضيف في استنتاجه: " إثر الانشقاق المونوفيزي (451) عقب مجمع خلقيدونية... اغتنم السريان الموارنة الفرصة ليعيدوا تكوينهم كمجتمع وأمة مستقلين، بانظمتهم الخاصة وبهوية جديدة. وكان اسم مارون، القديس الناسك على العاصي، لم يشمل الرهبان وأديرتهم فحسب، بل أيضاً المؤمنين الذين تبعوهم: وبذلك بدأت المارونية"([42]).

أي "شطارة" علمية، وأي أمانة نقلية، أن نجعل كلام المدافع عن طائفة السريان، كلام الفيكونت فيليب دي طرازي، الذي أقام دنيا الأدب الماروني ولم يقعدها اعتراضاً عليه، مستنداً له في تأكيد مارونية المسيحية الأولى في القبيات وعكار! يتلاعب الأب موراني بالنصوص، فيجعل كلام دي طرازي كلاماً في الأصل الأتني، بينما هو يقصد بوضوح – وهذا ما لا يجهله الأب المحترم بكل تأكيد – مذهب هؤلاء السكان لا أصلهم العرقي. يتحدث دي طرازي عن البيع، عن الكنائس، وعن الناس، هؤلاء سريان كغيرهم من سريان المنطقة ولكنهم أيضاً على المذهب السرياني، المونوفيزي، لا الماروني.

كان أولى بالأب موراني حتى يبقى منسجماً مع مقدماته، أميناً وصادقاً مع استشهاداته، أن ينتهي بخلاصة مفادها: يبدو أن المسيحية التي ترسخت في عكار بدءاً من منتصف القرن الخامس، ومع الانشقاق المونوفيزي، هي مسيحية السريان المونوفيزيين، لا مسيحية الموارنة. لا سيما وان البيع التي ذكرها دي طرازي واستشهد بها الأب موراني يعود بعضها إلى التواريخ التالية: بيعة سيدة القلعة (منجز) بدءاً من منتصف القرن الخامس؛ شدرا وبيعة الشهيدة شموني، وما ذكره دي طرازي من بقاء السريان حتى القرن الثامن عشر: "وظلت في شدرا بقية من السريان حتى الأزمنة الأخيرة. يؤيد ذلك سجل دير مار موسى الحبشي بالنبك فقد احتوى بياناً وافياً لعقارات وقفها عليه أهالي شدرا السريانيون في القرن الثامن عشر"([43])؛ "بيعة مار شليطا في عنتقد. عنتقد ويقال عندقت قرية في بلاد عكار تابعة لأبرشية عرقا السريانية. وكان فيها شعب وافر له كنيسته وكهنته وأوقافه. وكنيسة عنتقد ورد ذكرها في مخطوطة دير الشرفة المشتملة على عدة ليترجيات سريانية ألفها أيمة المونوفيزيتيين كتوما الحرقلي ويوحنا برشوشن وابن الصليبي الخ. وفي تلك المخطوطة ورد ما نصه بحروف عربية: "نظر هذا الكتاب المبارك الحقير باسم شماس من قرية حصرون. وهوبرسم الخوري الياس بن سمعان من قرية عنتقد. وكان الخوري الياس متولياً خدمة بيعة مار شليطا في عنتقد مسقط رأسه. وكان من عادة السريان في بلاد ما بين النهرين عند حجهم أورشليم يمرون بلبنان ذهاباً واياباً. نذكر منهم المقدسي مبارك الذي قدم من عين ورد بطور عبدين إلى عين تقد واشترى من كاهنها الخوري شمعون السرياني انجيلاً سطرنجيلياً بديعاً"([44]).

ومما ذكره دي طرازي وغض النظر عنه الأب موراني (مع أنه ملازم ملاصق للنصوص التي استشهد بها) ما يفيدنا في تفسير بعض أسباب تراجع المذهب المونوفيزيتي، ونمو الأرثوذكسية في عكار. من ذلك الكلام على بيعة مار تدى في مجدلا: "مجدلا قرية قديمة العهد في عكار واسمها سرياني معناه "البرج". أما بيعتها فقد شيدها السريان باسم الرسول تدي أول مؤسسي كرسي بيروت. ولما تولى أبرشية عرقا اسحق اسقفها السرياني في أوائل القرن الحادي عشر انفصل عام 1026 للميلاد عن السريان المونوفيزيتيين وانضم في قسطنطينية إلى الملكيين. وانضم معه زميلاه اغناطيوس أسقف ملطية وموسى أسقف خربوط وكتب ثلاثتهم صورة ايمانهم ورفعوها إلى رومانس ملك الروم. ومن ذلك الحين وضع الروم الملكيون يدهم على بيعة مار تدي الرسول في مجدلا وعلى غيرها من الكنائس السريانية التابعة لكرسي أبرشية عرقا. ولم يتمكن السريان بعد ذلك من استرجاعها لأنهم اضطروا أن يتبعوا طقس الروم الملكيين وعقيدتهم"([45]).

ثمة كلام آخر قاله دي طرازي وتجاهله الأب موراني، وهو يتناول موقعاً قريباً من القبيات، ويدور حول بيعة مار كوركيس في خربة الرمان: "خربة الرمان قرية في قضاء عكار كانت آهلة بالسريان لهم فيها كنيسة شيدوها على اسم مار كوركيس الشهيد. وأفادنا صاحب الغبطة مار اغناطيوس افرام الأول برصوم أن اسم هذه البيعة ورد في مخطوط سرياني يخص الخزانة المرقسية في القدس الشريف. وهو يتضمن طقوس السيامات الكهنوتية جاء فيه: ان البطريرك اغناطيوس عبد الغني رسم القس يعقوب لبيعة مار كوركيس في خربة الرمان سنة 1914 للاسكندر الموافقة للسنة 1603 ميلادية"([46]).

 

متى وكيف نشأ الموارنة؟

ثمة جدل كبير دار حول أصل الموارنة ونسبتهم وكيفية نشوء المارونية، وذلك منذ بداية التأريخ للموارنة، مع ظهور تلامذة المدرسة المارونية في روما، لا سيما في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو جدل لم يقفل بسهولة. ولعل أفضل تعبير عن هذا الجدل مؤلف "أصل الموارنة" الذي كتبه البطريرك اسطفان الدويهي، في محاولة منه لحسم هذا الأمر.

بدأ البطريرك الدويهي، بعد عرضه للكثير من وجهات النظر، بتعيين معنى لفظة مارون: "لفظة مارون سريانية هي، وتشتق من ... الذي يعني به السيد والرب... وفي النقل إلى اللغة العربية... وفي اللغة الرومية... وتأويلهم أجمعين واحداً يعني به السيد الصغير. وبهذا الاسم لموضع سهولته في اللفظ، وشرفه في المعنى، كثيرون من القدما، وخاصة في بلاد الشام، سموا أولادهم والمدن والقرى التي اختاروها لذاتهم"([47]). ويستعرض البطريرك الدويهي جملة من الشخصيات التي اشتهرت بهذا الاسم. "تلقب باسم مارون في دولة الكفار مونيفس ملك مصر. وكذلك ويرجيليوس الشهير..."([48])؛ "وبعدما انتشرت الديانة المسيحية لم تجد طايفة إلا ولها قديسين انسبغوا بهذا الاسم. فإن الكنيسة الرومانية، في 15 من شهر نيسان، يعيدون للقديس مارون الشماس..."([49]). "وكذلك الروم، في 16 آب، يعيدون لمورون القس..."([50]). "وفي الثامن من الشهر المذكور، يذكرون القديس مورون أسقف قريطش... يعيدون له أيضاً الأرمن..."([51]). "وفي الكتب السريانية تتفضل سيرة ابراهيم وأخيه مارون، اللذان نشيا من قرية تدعا قلش... بديار بكر..."([52]). "ومارونا الأياني... كان من قرية معراب..."([53]). بعدهذا التعداد يختم البطريرك الدويهي كلامه: "إذاً يجب أننا نقول أن الموارنة اشتقوا من مارون آخر غير الذين تقدم ذكرهم"([54]).

"مارون الآخر" هذا هو القديس مارون ناسك القورشية الذي استمدت كل الأبحاث حوله معطياتها الأساسية من النبذة الموجزة التي وضعها عنه أسقف قورش تيودوريه (توادوريطس) (Théodoret de Cyr) في الجزء الثاني من مؤلفه "تاريخ رهبان سورية"([55]). وإلى هذا الناسك القديس مارون تعود كنوة الموارنة، لا إلى أي مارون آخر غيره. ولكن القديس مارون هذا لا يختص بالموارنة دون سواهم: "إن سيرة هذا البطل الجهيد تجدها محررة في ساير الكنايس. فإن الروم يقرونها في اليوم الرابع عشر من شهر سباط الذي به يعيدون لهذا الأب البار"([56]). وعليه نستنج أن هذا القديس مارون يشكل إرثاً مشتركاً لكل النزعات المسيحية التي استمرت ملتزمة بالكنيسة الجامعة، أثناء حياة هذا القديس وبعد مماته، وبعد تأسيس أشهر دير على اسمه ما بين حمص وحماة([57]). فكيف تكون كنوة "موارنة" عائدة لهذا القديس المشترك، ونحصرها في نفس الوقت بقسم واحد من المسيحيين الذين يكرمونه ويعتبرونه جزءاً من تراثهم الروحي والتاريخي؟ فلو أن الموارنة هم أتباع القديس مارون للزم الأمر اعتبار كل من يعيد له ويعترف به، بما في ذلك الروم أيضاً، موارنة. وهذا غير حاصل.

إن مثل هذه الأسئلة التي تدور حول منبع اسم "موارنة"، وأصله، وكيفية حصوله، لا تجد إجابتها الصحيحة في غير البحث في الانشقاقات التي تعرضت لها المسيحية، في سورية. فكيف أدت الانشقاقات إلى ظهور الفرق المسيحية في بلاد سورية؟ ومتى ظهر الموارنة كجماعة دينية خاصة ومتميزة عن غيرها؟

جاء في "كتاب الهدى" الذي حققه الأباتي بطرس فهد باسم "دستور الطائفة المارونية في الأجيال الوسطى": "أول فرقة ظهرت من الفرق المشهورة، الفرقة المنسوبة إلى أريوس وهي التي تدعى الأريوسية، ثم النسطورية وهي المنسوبة إلى نسطور، ثم اليعقوبية وهي المنسوبة إلى يعقوب الذي من مدينة بردعا ولذلك يقال له البرادعي، ثم الملكية وهي المنسوبة إلى الملك قسطنطين بن قسطنطين هرقل الملك. ثم المارونية وهي المنسوبة إلى مار يوحنا مارون بطريرك أنطاكية العظمى..."([58]). وعليه لم يظهر الموارنة كجماعة مستقلة، إلاً بعد الانشقاق مع الملكية. قبل ذلك كان الموارنة داخل جسم الكنيسة دون أي حضور مختص بهم يميزهم عن غيرهم.

وإذا كانت الأريوسية، ومن بعدها النسطورية، ضعيفة في تأثيرها السلبي على جسم الكنيسة الأنطاكية ووحدتها([59])، فإن نزعة الطبيعة الواحدة، مع اليعاقبة، أدخلت هذه الكنيسة "في أزمة جديدة أصعب...، وهي أزمة مذهب الطبيعة الواحدة التي سببت انقساماً داخلياً لم يكن له علاج"([60]). وإذا كان المجمع الخلقيدوني، لعام 451، قد قضى بإدانة نزعة الطبيعة الواحدة، فإن هذه الادانة لم تنه الصراع داخل الكنيسة الواحدة، بل زادته حدة. ويصف صاحب كتاب "تاريخ كنيسة أنطاكية" نتيجة الصراع بين المونوفيزيت والكنيسة الجامعة، بقوله: "حمل هذا الصراع في البدء طابعاً نظرياً موضوعياً، ولكنه اتخذ بعد ذلك، طابعاً عنصرياً أو قومياً بتشكيل كنيسة سريانية خاصة بمذهب الطبيعة الواحدة. وظهر في سورية أشد الحماة للمذهب وأداروا، بنشاط متشف لا يهدأ، الصراع ضد الأرثوذكسية... والكنيسة المتشكلة في قلب كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية، عرفت بالكنيسة "السورية" أو السريانية([61]) استعملت في الليتورجيا والطقوس اللغة السريانية وإن استمرت تأخذ من أدب اللغة الكنسية اليونانية"([62]).

لقد نشأت الكنيسة السريانية في سياق تطور تدريجي أحسن وصفه بايجاز الخوري ناصر الجميل: "ترتبط (الكنيسة السريانية) بكنيسة إنطاكية الرسولية الواسعة الأطراف. ففي القرن الثالث، ازدهرت المسيحية في مملكة الرها وكان أن ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة السريانية. وفي القرن الرابع، أسس مار افرام، اللاهوتي والشاعر، مدرسة الرها اللاهوتية. ومنذ هذا القرن دخل قسم من مقاطعاتها تحت سلطة كنيسة القسطنطينية؛ أما القسم الباقي فقد أعلن استقلاليته في القرن الخامس. هكذا فعلت الكنيسة في بلاد فارس سنة 410، وكنيسة قبرس سنة 431... لكن المجمع الخلقيدوني كان في أساس انشقاق أكثر جذرية، سنة 451، إذ أن لاهوت الطبيعتين لم يلق القبول المطلوب. وأعلن البطريرك ساويرس الإنطاكي تمسكه بلاهوت الطبيعة الواحدة في المسيح. فكانت القطيعة مع القسطنطينية ومع روما على السواء. تألفت منذ ذلك الحين هرمية سريانية غير خلقيدونية، خصوصاً بفضل جهود الأسقف يعقوب البرادعي، حيث تسمية اليعاقبة، في القرن السادس، بمواجهة الإكليروس الخلقيدوني الذي يدعمه الملك، الذي منه نحتت كلمة الملكيين..."([63]). وحول نشوء كنيسة الملكيين (الكنيسة الأرثوذكسية) يقول الخوري الجميل: "... يشاركون كنيسة الشرق الكبرى تاريخها وإرثها اللاهوتي والثقافي، السرياني والبزنطي، الذي لإنطاكية، شأنهم شأن الموارنة والسريان والملكيين الكاثوليك... ولقد ظلوا أمينين لمقررات المجمع الخلقيدوني (451)، بمواجهة السريان المونوفيزيت... لم يجارِ بطريرك إنطاكية كنيسة القسطنطينية في الانشقاق الكبير بينها وبين كنيسة روما، سنة 1054؛ لا بل لعب دوراً توفيقياً معتدلاً. لكن العلاقات مع كرسي القسطنطينية هي التي دفعت لا حقاً لتبني مواقفها..."([64]).

لا يوضح الخوري ناصر الجميل مسألة الانفصال الذي حدث داخل معسكر الخلقيدونيين (الذين سماهم ملكيين)، بعد انشقاق السريان المونوفيزيت، وتشكيل كنيستهم المستقلة. ذلك أن هذا الانشقاق في المعسكر الخلقيدوني (الذي واجه سابقاً المونوفيزيت) هو الذي منه خرجت كنيسة الموارنة. إن حقيقة أن الموارنة والملكية كانوا يشكلون جسماً واحداً داخل الكنيسة الخلقيدونية، مسألة تؤكد عليها كل أدبيات التاريخ الماروني، لا سيما أب التاريخ الماروني البطريرك الدويهي الذي غالباً ما يستند إلى الأسقف جبرائيل ابن القلاعي. يختم البطريرك الدويهي كل محاوراته، حول اسم ومنشأ الطائفة المارونية، بكلام يؤكد فيه على أن الموارنة تكوّنوا ككنيسة مستقلة في أواخر القرن السابع، كما يؤكد أن اسم "موارنة" الذي يعني الجماعة أو الطائفة أو الكنيسة، إنما تم الأخذ به انطلاقاً من البطريرك يوحنا مارون، الذي تكنى هو أيضاً بكنية "مارون" استناداً إلى دير مار مارون على العاصي.

يقول البطريرك الدويهي: "وأما قول جبرائيل ابن القلاعي، أن الموارنة يشتقون من مارون البطرك الذي دخل لرومية، وثم جاء إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى جبل لبنان، وهو رأي الطايفة وهو الصحيح. إلاً أن مارون ما هو اسم البطرك بل كنوته. واسمه الخاص هو يوحنا ابن أغاتون الذي تكنا مارون، على اسم الدير. ومنه أيضاً تسموا الموارنة"([65]).

يكرر البطريرك الدويهي هذا الكلام في مكان آخر: "ما قاله جبرايل ابن القلاعي وهو أن الموارنة تلقبوا بهذا اللقب من البار مارون بطريرك أنطاكية العظمى كما هو ظاهر من مضمون سيرته حين دخل البطريرك بنفسه مدينة رومية الكبرى وتثبت من حبر الكرسي الروماني. ولما رجع إلى أنطاكية كرسيه استعاد كثيرين من تلاميذ مكاريوس الأراطيقي ومن المله اليعقوبية إلى الايمان المستقيم رأيه. وأنذر وبشر بحقيقة الطبيعتين والمشيئتين. ثم دخل جبل لبنان، ورفع صليبه في ارتفاع شأن البابا، وقبله آل تلك البلاد بفرح وسرور. وهذه القصة نقلها فرنسيسكوس كورسيميوس من اللغة العربية إلى اللاتينية، وطبعها في كتابه المشهورسنة 1634، في أخبار الأرض المقدسة. وهذا هو الرأي المعول عليه، والموافق لتسليم الكنيسة المارونية، والمقبول من البيعة الرومانية..."([66]).

في ختام مؤلفه "أصل الموارنة" يوضح الدويهي، مرة أخرى، تحت عنوان "في انتقال البطرك يوحنا إلى جبل لبنان"، منبت اسم "موارنة" وزمن وكيفية تكون كل من الكنيسة الملكية، والكنيسة المارونية ككنيسة مستقلة عن سواها من كنائس الشرق، وانتقال بطريركيتهم إلى لبنان. وهو يربط هذه المسألة باستلام يوستنيان الأخرم لزمام الامبراطورية البيزنطية، وانقلابه على معتقد الطبيعتين والمشيئتين، ومحاربته للمدافعين عن هذا المعتقد.

يقول البطريرك الدويهي: "كثيرون يلتمسون عن إقامة بطركية الموارنة في جبل لبنان، وعن الزمان الذي صارت به، وعن الشخص الذي كان سببها. فما اهتدوا إليها لكونهم ما استدلوا على أصلها. فالخبر الشافي هو هذا إن يوسطنيانوس الأخرم قصد بنقص رايه يجلب الخراب لست فقط على مملكة الشرق، بل وعلى كافة النصرانية لو يطلع بيده. فإن هذا تبع راي رؤسا الكهنة الذين في القسطنطينية. كانوا يعتقدون بربنا مشيئة واحدة لا غير. فقوى أمرهم، وأوعدهم ببطلان ما صار عليه القرار في المجمع السادس"([67]). ويتابع الدويهي أن الامبراطور يوستنيان عمل على عقد مجمع لاقرار معتقدات وقوانين دينية مخالفة لما كان معمولاً به في الكنيسة الواحدة الجامعة. فاعترضت روما على ذلك وناصرها يوحنا مارون في اعتراضها. وبعد محاولات فاشلة قامت بها القسطنطينية لاقناع هذا الأخير، قرر يوستنيان الأخرم الاقتصاص منه([68]).

يصف البطريرك الدويهي ما تعرض له يوحنا مارون ومناصروه، قائلاً: "وفي سنة 694، في أواخر الربيع، دخلت الأروام بلاد سورية، فقثلوا من رهبان دير مار مارون خمسماية راهب، ودكوه إلى الأرض. ضربوا أهالي قنسرين والعواصم بالسيف. استباحوا أموال الناس، هدموا دورهم، وسلبوا درايرهم. ولم يعفي العسكر عن أحد دون الذين يخضعون لهم، ويقولون أنهم طايعين لله، ويعتقدون برأي الملك. ولم يزال السيف غايظاً بدم الأرثوذكسيين حتى دخل موريق وموريقيان بالجيش مدينة طرابلس. ثم خرجوا إلى الكوره فخضع لهم كل أهلها. ثم قصدوا الصعود لجبل لبنان، ونزلوا في الأوثاق فوق أميون عند قرية الناووس تحت ذيل الجبل..."([69]). ولكن الآمور تبدلت في القسطنطينية، إذ تم اسقاط يوستنيان الأخرم، وتغيرت الأحكام، مما أعطى دفعاً لجماعة يوحنا مارون، وتمكنوا من التغلب على جيش الروم...

ويختم البطريك الدويهي سرد هذه الأحداث: "ومن هذه الغارة التي صارت بين الكوره وجبل لبنان، في سنة 694، كان نشو الفرقه بين الموارنه والملكيه. فالذين تبعوا ديانة الملك يوسطنيانوس تسموا ملكيه... وأما الموارنه تسموا كذلك لكونهم تبعوا البطرك يوحنا الذي كان يتكنّا بمارون على اسم الدير... فإن قبل هذه الركبه ما أحد كان يتكنى بإسم ماروني إلاّ رهبان الدير... وأما بعد الركبه انسبغوا بهذا الاسم سكانة جبل لبنان، وخاصة أهالي جبة بشراي..."([70]).

إن رواية الدويهي هذه في أصل اسم "موارنة" وفي كيفية وأسباب نشوء الكنيسة المارونية، اعتمدها التأريخ الماروني بمجمله. وعن الدويهي أقرها السمعاني، وعنه نقل الكثيرون كالمطران يوسف الدبس مثلاً([71]). وخلاصة القول أن اسم "موارنة" كان يقتصر بداية على دير مار مارون على العاصي، وعلى رهبانه فقط. ومن هؤلاء الرهبان (ومنهم كان البطريرك يوحنا) انتقل الاسم إلى من شايعهم وتبعهم في نهاية القرن السابع، بعد محاولة يوستنيان الأخرم المذكورة، وموقف روما منها، وانحياز البطريرك يوحنا مارون إلى روما.

إن رهبان مارون لم يشكلوا كنيسة قبل أواخر القرن السابع، بل كانوا جزءاً عضوياً من كنيسة أنطاكية الجامعة. وعليه لا يعدو كل كلام يدعي قيام رهبان مارون ب"مورنة" جبل لبنان وسكانه أو غيره من المناطق، قبل هذه المرحلة هو ضرب من الأوهام لا أساس له من الصحة. ولنا في ما قرره المجمع اللبناني، لعام 1736، أفضل وأصدق مرجع أجمعت عليه الكنيسة المارونية، في تحديد إرثها وحاضرها ومستقبلها.

لقد تقرر في هذا المجمع أن الكرسي الأنطاكي، بعد انشقاق "جثالقة سلوقية والفرس وأرمينية وألبانيا"، تعرض لانشقاق آخر: "إن هذا الكرسي (الأنطاكي) قد انقسم على نفسه إلى عدة أقسام أيضاً فإنه لما انحط ساويروس عن بطريركية أنطاكية في أواخر سنة 518 لجحده الطبيعتين في المسيح ولنبذه مجمع خلكيدونية المقدس فخلفه بولس البطريرك الكاثوليكي أخذ السريان اليعقوبية منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا يقيمون بطاركة لهم من بين النهرين وسورية منفصلين عن الذين اتخذوا بولس السابق الذكر بطريركاً لهم"([72]).

وفي نشوء الموارنة، ككنيسة مستقلة، جاء في مقررات المجمع أن الموارنة ظهروا ببطريركية لهم خاصة بهم، بعد ظهور اليعاقبة بحوالي قرن من الزمن: "ومن بعد ذلك بنحو قرن طرأ على البطريركية الأنطاكية انقسام آخر بين السريان الموارنة والملكيين واستمر إلى هذا العهد. لأن الذين يقطنون سورية وفينيقية تحت ولاية بطريرك واحد انشطروا إلى حزبين مدنيين في أوائل دولة الجراكسة فبعضهم كانوا يدينون لملك القسطنطينية فلقبوا ملكيين وهي لفظة سريانية مهناها أتباع الملك أو المنسوبون إليه وبعضهم خلعوا ربقة الطاعة للملك واتخذوا لهم من دونه أميراً واستولوا على فينيفية سهلاً وجبلاً فسموا مردة ثم أطلق عليهم اسم موارنة ذلك لأنهم بعد وفاة توافانوس بطريرك كلتا الأمتين انتخبوا لهم بطريركاً هو يوحنا أحد رهبان دير القديس مارون الشهير عند ضفة العاصي... وكان ذلك سنة 685 للمسيح. أما منشأ الانقسام المذكور فكان نحو سنة 622 للمسيح"([73]).

 

مبالغات ل"تعظيم" سيرة القديس مارون

يبقى تيودوريطس أسقف قورش المصدر الأساسي الأقدم لرواية سيرة القديس مارون. تعرضت هذه الرواية التي قدمها أسقف القورشية عن حياة القديس مارون إلى جملة مبالغات. كان من شأنها تغييب غيره من القديسين، أو تحجيم دورهم، وإلغائه أحياناً، مقابل تضخيم مفرط في كل نشاط ذكره توادوريطس للقديس مارون، وتأويل كلام الأسقف، وتحريفه في بعض الأحيان، بحيث غدت سيرة القديس مارون كما رواها البعض من أئمة التأريخ الماروني، مغايرة للصيغة التي قدمها بها أسقف قورش.

أين عاش القديس مارون الناسك؟ سبق للأب بطرس ضو أن طرح نفس السؤال، في الجزء الأول من مؤلفه "تاريخ الموارنة"، حيث عرض ثلاث إجابات، منها واحدة تقول بها العامة، وقد رفضها الأب ضو([74]). تجعل هذه الاجابة من "مغارة الراهب" على العاصي موطن حياة القديس مارون. وبالطبع هذه الاجابة مغلوطة تماماً ولا تستند إلى أي مبرر.

الاجابة الثانية قال بها الخورسقف بطرس ديب، وتجعل القديس مارون من أفاميا: "ثمة ناسك متوحد يدعى مارون عاش بين القرن الرابع والخامس، على جبل يقع، على ما يبدو، في منطقة أفاميا في سورية الثانية"([75]). ولا ينسى الخورسقف المذكور أن يعين مرجعه في كلامه هذا بقوله: "إن تيودوريطس أسقف قورش (+ حوالي 458) هو الذي زودنا بكل هذه التفاصيل"([76]). بالطبع أيضاً ليس في النص الذي وضعه أسقف قورش ما يشير، من قريب أو بعيد، إلى أن القديس مارون عاش في أفاميا، وهي في سورية الثانية بينما عاش القديس مارون في القورشية وهي أسقية في سورية الأولى([77]).

كان ليكليرك (H. LECLERCQ) قد قال: "ثمة ناسك متوحد كان يعيش في مطلع القرن الخامس في مقاطعة سورية الثانية، على المنحدر الغربي للأمانوس، في منطقة أفاميا، على مقربة من مدينة قورش"([78]). علّق كانيفيه (CANIVET) على هذا الكلام بقوله: "من غير المقبول قول هذا الكلام... إن هذه المواقع لاتبدو قريبة من بعضها إلاّ لمن ينظر إلى اليها من علو شاهق"([79]).

الاجابة الثالثة هي التي تؤكد، استناداً إلى تيودوريطس أن القديس مارون عاش في القرشية، ومات فيها. وهذه الاجابة يقر بها غالبية الباحثين في حياة القديس مارون، بدءاً من البطريرك اسطفان الدويهي، في مؤلفه "أصل الموارنة"([80])، مروراً بالمطران الدبس في "الجامع المفصل...".

 ولكن الأب ضو يرفض هذه الاجابة، بقوله: "والقديس مارون الذي جاء وصفه في الفصل السادس عشر (يقصد الفصل 16 من مؤلف تيودوريطس) لم يعش ضمن القورشية. والبرهان على ذلك من كلام توادوريطس الذي به يختم سيرة مار مارون"([81]). ويضيف في مكان آخر: "... كان منسك مار مارون واقعاً ضمن اقليم انطاكية..."([82]). وفي الحقيقة ليس في كلام تيودوريطس حول مار مارون (لا في بدايته ولا في نهايته)، ما يشير إلى ما تقدم به الأب ضو. وإذا كان تيودوريطس يختم نبذته بالقول: "وبالنسبة لنا، فإننا سنتمتع ببركته، على الرغم من بعدنا عنه، ويعوضنا عن ضريحه، ذكره المتواصل، وفي هذا ما يكفينا"([83])، فإن الأب ضو يتخذ من هذا الكلام "دليلاً" على أن قبر القديس مارون لم يكن بالقورشية، وإلاّ لكان تيودوريطس زار هذا القبر. فكأن وجود القبر في انطاكية يعني استحالة زيارته للتبرك منه!

 

قبر أم كنيسة ؟

من المبالغات تشديد جميع المؤرخين الموارنة بدون استثناء على أن الذين أختطفوا جثة القديس مارون إثر وفاته أقاموا كنيسة عليها. هذا مع تأكيد الجميع استنادهم في ما يقولون إلى نص أسقف القورشية. يقول البطريرك الدويهي، في سياق عرضه لرواية تيودوريطس ووفاة القديس مارون: "وخرج من هذه الحياة. وعن جسده صار حربا شديد بين أهل الغيره. فلكن قدم من تلك التخوم أهالي قرية ما جامعة جداً، فكسروا الآخرين بازدحام الشعب الكثير، وهزموهم، وخطفوا الجسد الذي هو أفضل من كل كنزا نفيس، فبنوا له هيكل كبير... وأما نحن الغائبين نستفيد البركه، وعوض الضريح نكتفي بذكره الصالح"([84]). والأب بطرس ضو يكرر نفس الأمر: "مات (مارون)... والرغبة في حيازة جثمانه أدت إلى نزاع كبير... لكن سكان بلدة متاخمة كثيرة العدد جداً أتى جمهور غفير منهم وطردوا الآخرين وأخذوا هذا الكنز الثمين ثم بنوا له كنيسة كبيرة... وأما أنا فبالرغم من غيابي آمل أن أتمتع بثمار بركته لأن ذكره المتواصل عندي يقوم مقام ضريحه"([85]). وكثيرون هم الذين ذهبوا نفس المذهب في القول ببناء كنيسة على جثمان القديس مارون، وكلهم ينسبون هذا القول لتيودوريطس أسقف قورش!

ماذا قال تيودوريطس بالضبط؟ هل قال أن أهل البلدة التي خطفت جثمان القديس مارون بنوا كنيسة كبيرة (أو هيكلاً) أم بنوا قبراً كبيراً، وهو نفس القبر الذي لم يزره ؟ نثبت نص تيودوريطس، بالفرنسية، كما ترجمه بيير كانيفيه عن اليونانية: "Les habitants d`un bourg limitrophe fort peuplé survinrent en masse,. . . s`emparèrent de ce trésor fort convoité, édifièrent un vaste tombeau. . . Quant à nous, nous recueillerons sa bénédiction malgé notre éloignement, car à défaut de son tombeau nous gardons son souvenir et cela nous suffit."([86]). وردت في النص عبارة القبر (tombeau) مرتين، وتمت ترجمتها في المرة الأولى بالكنيسة وفي الثانية بالقبر!

لماذا التركيز على بناء الكنيسة؟ لأن هناك محاولة للربط، كيفما اتفق، بين القديس مارون ودير مار مارون على العاصي. وهذه المحاولة مارسها البطريرك الدويهي صراحة عندما قال: "من السيرة التي نقلناها من تاودوريطس في الفصل الثالث، يبان واضحا، ان لما استراح مارون من اتعاب هذه الحياة، صار قتالاً شديدا بسبب جسده الطاهر في بلاد قورس، وان قدم اهل قرية جامعة من تلك التخوم... وخطفوا ذلك الكنز... وحملوه إلى بلادهم، واقاموا له هيكل جليل... لم يذكر الكاتب من هم الذين خطفوه، ولا أين اقاموا له الهيكل،... لأن هذه الأمور كانت في زمانه مكشوفه... ولكن على التحقيق ان قوله ينتسب إلى الهيكل الذي ابتنوه اهل حماه على نهر العاصي، وهو بين حماه وحمص، وصار ديراً عظيماً..."([87]).

أوضح تيودوريطس أن أهل بلدة من الجوار اختطفوا جثمان القديس مارون. ولكنه من غير المعقول أن يكون هذا الجوار على كل ذلك البعد عن القورشية بحيث تصبح مدينة حماه بجوار القورشية (راجع الخرائط)! ولو أن أهل حماه هم الذين بنوا الكنيسة (المزعومة) لصرح تيودوريطس بذلك. ليس أمامنا أن نعلق على هذا الادعاء بغير الاستعارة من تعليق بيير كانيفيه([88])، فنقول: انظروا إلى المواقع كما هي على الأرض، ولا تنظروا إليها على الخرائط، أو من الجو فتبدو لكم قريبة جداً من بعضها.

 

نساك وأديار القورشية والقديس مارون

لعل المبالغة الأكبر في سرد حياة القديس مارون، عند المؤرخين الموارنة، تكمن في جعل هذا القديس يحتكر تأسيس وتنظيم وتطوير كل نشاط نسكي، لا سيما في القورشية. تنطلق هذه المبالغة من تأويل غير دقيق لما قاله تيودوريطس في نصه الفرنسي التالي: "En pratiquant cet art de la culture, il fit pousser de nombreusea plantes de philosophie et c`est lui qui a planté pour Dieu le jardin qui fleurit aujourd`hui dans la region de Cyrrus. Le grand Jacques est un produit de sa plantation..., de même tous les autres dont je ferai, Dieu aidant, une mention particulière. "([89]). يرى البطريرك الدويهي أن هذا النص يعني: "ان من ممارسته فلاحة الفلسفة اقام غرسات كثيرة، والبستان النامي الآن في ايالة قوروس هو نصبه لله. ومن جملة اثمار هذه النصبات يعقوب الجليل... وكذلك جميع الآخرين الذين سوف نأتي بذكرهم ان اراد الله"([90]). والمطران الدبس يقول في ذلك: "وقد انكب على الحراثة الروحية فغرست يداه أغراساً كثيرة مونعة فيها ثمار الحكمة، وهذه الجنة المخضلة المزهرة الآن في قورش إنما هي لله من صنع يديه. ومن ثمار هذه الحراثة يعقوب الكبير... وغيره ممن سنأتي على ذكر كل منهم ان شاء الله"([91]). ويضيف في مكان لاحق، تحت عنوان "تلامذة القديس مارون": "أشار توادوريطس في كلامه في القديس مارون إلى أنه الغارس والحارث لجنة الله في قورش... وإنه قد أينع من هذه الجنة ثمار شهية ذكر منها يعقوب معيناً، وقال إنه سيأتي على ذكر الباقين مفصلاً. وعليه فيظهر أن أكثر النساك الذين ذكرهم بعد مارون إنما هم بأجمعهم تلاميذه أو متابعوه في طريقته"([92]).

أما الأب بطرس ضو فيقول في تأويل هذا النص: "بهذه الحراثة أنبت كثيراً من أغراس الحكمة. وهذه الجنة المزدهرة الآن في منطقة قورش هو ذاته أنشأها لله. ومن نتائج هذه الحراثة يعقوب الكبير... والآخرون كلهم الذين سأذكرهم كلاً بمفرده"([93]). وخلاصة القول يبدو في التأريخ الماروني كما لو أن كل من ذكره تيودوريطس بعد القديس مارون هو من تلامذته، وحتى كل من كان منشأه من القورشية، كقول الأب ضو في ابراهيم القورشي: "لا يقول توادوريطس صريحاً أن ابراهيم هذا تعرف إلى القديس مارون أو عاش في العراء مثله ولكنه يقول أن ابراهيم من الأغراس التي نبتت ونمت في بستان قورش الرهباني. ويعزو انشاء هذا البستان إلى القديس مارون"([94]).

إن كلام تيودوريطس في القديس مارون أنه هو غارس حقول القورشية بالايمان هو كلام لتكريم القديس لا لأخذه بمهناه الحرفي والحصري، وقد قال شبهه في كثير من النساك الذين أتى على ذكرهم، في الجزء الأول الذي نشره بالفرنسية كانيفيه ولوروا – مولنجين، من أمثال مارسيانوس وحوشب وبالاديوس وأبراهام وماسيدونيوس. هذا فضلاً عن أنه خص زابينا وبوليكرونيوس بأنهما مؤسسا طريقة ولهما أتباعهما، في القورشية بالذات.

إن النص الذي ينطلق منه المؤرخون الموارنة لا يعطي للقديس مارون حصرية تربية النساك في القورشية، وإن كان واضحاً في إعطاء هذا القديس منزلة خاصة. وعندما يقول تيودوريطس: "إن يعقوب الكبير هو ثمرة من غرسه..."، فإنه يضيف: " وكذلك جميع الذين سأخصهم بالذكر، إن شاء الله"، أي جميع الذين سيخصهم بذكرهم أنهم من تلامذة القديس مارون (mention particulière)، وقد ذكرهم وحدد أنهم من تلاميذه. وبالتالي لا يعني كلام تيودوريطس أن كل من سيذكرهم على التوالي، بعد القديس مارون هم من تلامذته. وكان سبق أن ناقش هذه القضية بكثير من الدقة سركيس أبو زيد في مؤلفه: الموارنة، سؤال في الهوية([95]).

ومن جهة أخرى لم يقل تيودوريطس أن القديس مارون أسس الأديار في القورشية. لقد ذكره بوصفه الناسك المنفرد، الذي ينشد الوحدة (anachorete)، ولا يهوى الحياة في الأديرة، بل الانعزال والوحدة في العراء (hypèthre). ومع ذلك يصر بعض المؤرخين الموارنة، (مع زعمهم الاستناد إلى تيودوريطس)، في حديثهم عن القديس مارون، على الكلام عن "مدرسته الرهبانية" وعن "بستان قورش الرهباني. ويعزو إنشاء هذا البستان إلى القديس مارون"([96]).

 

أديار أفاميا (دير مار مارون)  والقديس مارون

هل ثمة تواصل ما بين أديار أفاميا، ومنها دير مار مارون، والقديس الناسك مارون؟ هل ثمة تواصل بغير الآسم فقط؟ هل هناك تواصل تنظيمي وتبشيري وتأسيسي بين مارون الناسك القديس، أو أتباعه، وأديار أفاميا؟ يجيب معظم التأريخ الماروني الشرعي بالايجاب، ويتخذ من دير مار مارون، ورئاسته لأديار سورية، الحجة الأولى. واستطراداً هناك من يربط بين نشوء الموارنة (ككنيسة أو جماعة أوطائفة) والقديس مارون ناسك القورشية. فما حقيقة الأمر؟

سبق للبطريرك الدويهي أن حذر، كما أشرنا سابقاً، من مغبة الخلط بين كل ما ينسب إلى لفظة مارون، لشيوعها كعلم جغرافي وعلم للأشخاص. ومع أن البطريرك وقع في شرك ماحذر منه، فإننا نعيد هنا بمزيد من التفصيل ما أدلى به البطريرك المذكور في هذه القضية. يقول الدويهي: "لفظة مارون يقال انها تشتق من (لفظة سريانية) التي تأويلها في اللغة السريانية دهن المر الذي به تتحفظ وتحفظ اجساد الموتى... أو من (لفظ سرياني) الذي تأويلها الحسن الرايحه لأنه يتركب من العقاقير الطيب الرايحه. وبه تسمي البيعه الميرون الطاهر الذي به تدهن المعاميد ليلبسوا الرب يسوع... ولكن الأصح أن لفظة مارون تشتق من (كلمة سريانية) التي تفسر السياده والربوبيه... وبهذه اللفظه لموضع سهولتها وشرف معناها كثيرون كنوا بنيهم والمواضع التي اختاروها لسكنتهم. وكان يدعوهم مارون ومارونس ومارونا ومارونيه"([97]).

ومن حيث المواضع الجغرافية يقول الدويهي: "فمن خصوص المواضع الذين اختصوا بهذا الاسم أولاً مارونيا المدينة في بلاد طراكيا، التي شاع ذكر اهلها باسم موارنة... وعلى شبهها كذلك مارونيه المدينة في ايالة انطاكيه... وايضاً مارون القرية كانت بارض حراجل في بلاد كسروان، ومزرعة مارون في فتوح جبيل على نهر ابراهيم، وفي بلاد بشاره قريتان احدتهما تدعا مارون الراس، وهي على راس الجبل الذي يقال له جبل عامله. والاخره تدعا مارون الركين، وهي بالقرب من النهر الليطاني... وغيرهم نجوز عن ذكرهم. وسكانة هذه المدن والقرى كانوا يدعون موارنة"([98]).

وفي ما يتعلق بالأشخاص يقول البطريرك الدويهي: "وبهذا الاسم كثيرون أحصوا اولادهم ايضاً منذ الزمان القديم. فمذكور عند الحنفا ان ابو ورجيليوس... كان اسمه مارون. وفي مجمع خلقيدونيه تحررت رسالة روسا كهنة الجزيرة التي بين النهرين ويذكر فيهم مارونس الأسقف. وكذلك فلابيانوس البار اسقف انطاكيه كان له شماس يدعا مارونا... وقيل انه كان من معراب... وبهذا الاسم كثيرون تشرفوا بالقداسه والسيره الفاضله عند ساير ملل النصارى. اولا في سنكسار الكنيسه مذكور ان في سنة ماية وتنتا عشر انشهر بالشهاده مارون الشماس... وفي السنكسار الذي عند الروم، في الثامن من شهر آب، يعيدون لمورون اسقف قريطش... وفي السادس عشر من الشهر المذكور يعيدون للقديس مورون... وكذلك الارمن في شهر شباط يعيدون لمار مارون الذي تشرف في رياسة الكهنوت والشهاده. وكذلك الكنيسة السريانية في 12 من شهر شباط تعيد للقديس مارونا... وفي الكتب السريانية تتفضل سيرة ابراهيم واخيه مارون..."([99]). وهناك أيضاً "رجل راهب ردي الديانة يقال له مارون الذي انبت القرار بمشيه واحده..."([100]). ويضيف الدويهي: "واما اخرون... ترجموا دير مارون دير ربنا كما هو باين في كتب ابن القلاعي وابن الصليب والمرشد وغيرهم بسبب ان لفظة مارون كما ذكرنا تشتق من مرونا التي تفسر ربوبيه"([101]).

وجاء أيضاً، بين أسماء موقعي عريضة اعتراف بالايمان، موجهة ليعقوب البرادعي (أواخر القرن السادس أو أوائل السابع)، من قبل رؤساء أديرة مقاطعة العربية، مارون اليعقوبي أسقف ورئيس دير بيت حنا في درعيا([102]).

ويذكر الخوري ميخائيل الشبابي "مارون الرهاوي النسطوري المبتدع"، في معرض كلامه على موارنة سورية الذين كان منهم من "يعتقدون بالمشيئة الواحدة"([103]).

وعليه، لما كان اسم مارون على هذه الدرجة من الشيوع كاسم للمواضع الجغرافية وللقديسين ورجال الدين المشهورين في شتى الملل المسيحية، لا يصح مطلقاً نسبة أي موقع أو دير أو ملة إلى شخص معين من هؤلاء دون البرهنة على ذلك بأدلة جدية. أما في ما خص نسبة دير مارون في أفاميا فمبتدأ البحث فيه يجب أن يكون في سياق البحث في نشوء الأديرة في هذه المنطقة. ومن هنا نستطيع النظر في ما إذا كان للقديس مارون الناسك، أو لتلاميذه، من دور في تأسيس أديرة أفاميا.

يزودنا بيير كانيفيه بكثير من المعطيات عن الرهبنات السورية في خلاصة اشتغاله على ما خلفه تيودوريطس من كتابات في سِير القديسين والأديار في سورية([104]). وتناولت أبحاث كانيفيه كتابات أسقف قورش، تيودوريطس، المعاصر تقريباً لمرحلة ترسيخ المسيحية وتأسيس التيارات النسكية والمدارس الرهبانية في سورية. كما كان هو شخصياً جزءاً من الحركة الدينية الناشطة في حينه، في سورية، وأمضى بعض شبابه وقسماً من شيخوخته في أحد أديرة أفاميا([105]). ولقد ركز تيودوريطس انتباهه على منطقة أنطاكية وخلقيس (على العاصي - Chalcidène) والقورشية وأفاميا([106]).

يعتبر تيودوريطس أن الناسك القديس مارسيانوس (Marcianos) هو الأب الروحي لنشوء الحياة الرهبانية في أفاميا. وفي "التاريخ الكنسي" (Histoire Ecclésiastique) يظهر مارسيانوس إلى جانب أفيت (Avit) وابراهيم (Abrahamès) وهم يعيشون في خلقيس في ظل سلطة فالانس (364 – 378)([107]). ويشير كانيفيه إلى أن مارسيانوس "لم يؤسس، هو شخصياً الأديرة، ولكن تلامذته هم الذين قاموا بذلك، في خلقيس وأفاميا، في زمن حكم فالانس"([108])، أي ما بين سنة 364 وسنة 378. وإذا كنا لن نتوقف أمام وضع الأديرة في خلقيس، وهي على أية حال قليلة جداً([109])، مركزين على أديرة أفاميا، فإن بيير كانيفيه يؤكد، استناداً إلى معطيات تيودوريطس: أن "أسس تلامذة مارسيانوس، أغابيه (Agapet) وشمعون (Syméon) وباسيل (Basile)، في نيكيرتيه (Nikertai) وسيلوكـوبـيـلـوس (Seleucobelus) أدياراً تفرعت في كل أفاميا"([110]). ففي نيكيرتيه أنشأ أغابيه ديرين واحد على أسمه وآخر على اسم مارسيانوس، كان بإدارة شمعون. وكان هذان الديران يضمان في العام 444 أكثر من 400 راهب، وكانت لهما فروع في أفاميا([111]).

ولقد استمرت هذه الأديرة على النهج الخلقيدوني، وترد اسماؤها في مراسلات الذين كانوا يشتكون من مضايقة المونوفيزيت، في العام 518، في وقت شكلت فيه أديرة أفاميا آخر قلاع الأرثوذكسية الخلقيدونية في الشرق([112]).

وعلى الرغم من أن المصدر الأساسي لهذه المعلومات هو تيودوريطس، الذي ينسب صراحة تأسيس هذه الأديار إلى تلامذة مارسيانوس، إذ يقول: "والحال إن واضعي تنظيم الحياة فيها (في هذه الأديرة) هما أغابيه وشمعون اللذان استمدا قوانينها من مارسيانوس العظيم"([113]). ومارسيانوس هذا لم يكن تلميذاً للقديس مارون. وإذا كان أصله من مدينة قورش، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه كان على صلة ما بالقديس مارون. وسيرة حياة هذا الناسك التي وضعها تيودوريطس لم تذكر أي علاقة له مع القديس مارون. هذا فضلاً عن أنه كان، على الأرجح، أكبر من الناسك مارون. لقد كان شيخاً مسناً وبحاجة لمن يرعاه: "اجتمع على زيارته أساقفة انطاكية وهيرابوليس (منبج) وحلب وخلقيس وقورش، وحصلت هذه الزيارة بعد... عام 381... وحينها كان مارسيانوس متقدماً في العمر كثيراً([114]). وكان تلميذه حوشب يقيم على مقربة من محبسة معلمه مارسيانوس في خلقيس ليتمكن من الاعتناء به([115]). أضف إلى ذلك أن تيودوريطس يشير صراحة إلى أن مارسيانوس الارستقراطي المنشأ تخلى عن حياة العز في مدينة قورش وفي البلاط: "وبعد أن تخلى عن كل شيء، وتوغل بعيداً في الصحراء حيث ابتنى لنفسه كوخاً لا يكاد يتسع له..."([116]). مما يعني أنه لم يتسنّ له اللقاء بالقديس الناسك مارون الذي انتحى في قمة جبل، كما يعني أن مارسيانوس لم يكن من أنصار الحياة في العراء.

على الرغم من كل ذلك يصر بعض المؤرخين الموارنة على اعتبار تأسيس الأديار في أفاميا إنما يعود الفضل فيه إلى القديس مارون الذي أخذ عنه مارسيانوس طريقته في الحياة، ونقلها إلى تلامذته. وهذا ما دفع بيير كانيفيه إلى التعليق، على أحد ممثلي هذا التأريخ الماروني، الأباتي بولس نعمان، قائلاً: "إنه لمن المبالغة المتعسفة (abusif) القول، كما يفعل الأب ب. نعمان (Théodoret de Cyr et le monastère de S. Maron, Beyrouth 1971, p. 69)، أن أغابيه وشمعون هما "ناسكان من القورشية"، ولربما كانا، هما أيضاً، من تلامذة الناسك مارون، بواسطة مارسيانوس"([117]).

لماذا كل هذا "الدوران" وكل هذا "العسف" بالنصوص والمراجع، وكل هذا الاستهتار بأصول الكتابة التاريخية، التي أقلها الدقة في "النقل"؟ ليس لشيء سوى لنجعل تلامذة القديس مارون هم مؤسسو أديار أفاميا، وبالتالي لتأمين التواصل التاريخي بين القديس الناسك مارون وموارنة اليوم. ولو استلزم الأمر "إلغاء" الآخرين و"استبعادهم". وفي مسار هذا التواصل ينتصب دير مار مارون على العاصي. فكيف يكون الدير في أفاميا ولا يكون تلامذة القديس مارون هم بناته، وهو على اسم "مارون". يجب أن يكون "مارون" الدير هذا هو هو "مارون" موارنة اليوم، مهما كلف الأمر من ضرب لأصول التأريخ بعرض الحائط!

نختم الكلام هنا بمقطع لسركيس أبو زيد في دير مار مارون: "لقد تباينت الآراء حول تحديد مكان الدير، قال بعضها انه وجد في سوريا الأولى، والبعض في سوريا الثانية، والبعض الآخر في فينيقية اللبنانية *. يقول فؤاد افرام البستاني: "فكان الدير يتنقل، من ثم، في آراء المؤرخين، من ضواحي حمص حتى جوار أنطاكيا، وبينهما مسيرة ثمانية أيام" **([118]). يبدو أن أبو زيد اشتط كثيراً في قوله: "والحق أنه لا يمكن تاريخياً الجزم بتحديد هوية من بناه، ولا السنة التي شيد فيها، ولا هوية من دمره، ولا من أعاد ترميمه، ويعود هذا الالتباس إلى فقدان المعلومات القديمة الموثوق بها وإلى وجود أكثر من دير يحمل اسم مارون"([119]). ولعل الأرجح في بناء دير مار مارون في أفاميا ما قاله الأب لامنس: "ولعل سائلاً يطلب أوليس دير القديس مارون أحد الأديار التي ابتناها القديس أغابيتوس (هو Agapet) في جوار أفاميا؟ أجبنا أن هذا لرأي سبقنا إليه حضرة الأب جوليان اليسوعي في كتابه عن جبل سينا وسورية (P. M. Julien, s. j. : Sinaï et Syrie, p. 178). ولا نرى داعياً لانكاره"([120]).

 

الأب موراني: رهبان الموارنة أسسوا "كنيسة سورية"!

            بهذه الذهنية السوريالية (surréaliste) يقوم "مؤرخو" القبيات بكتابة تاريخ بلدتهم. وإذا كان الأب موراني صادر مونوفيزيت عكار (السريان) وجعلهم موارنة، فإنه في كلامه على نشأة المارونية يصادر كل نشاط تبشيري وتأسيسي ل"كنيسة سورية" ويجعله من عمل "رهبان بيت مارون" فقط، ولا يأتي على ذكر المسيحيين الآخرين إلاّ مع انشقاق العام 451، في مجمع خلقيدونية. يقول: "بدأ تاريخ الشعب الماروني في النصف الثاني من القرن الرابع، مع القديس الناسك مارون... وسرعان ما جذبت إليه شهرته الأتباع الذين مارسوا الصلاة والتبشير، بانتشارهم في سورية ولبنان لمواجهة الوثنية... وكانت الغالبية المسيحية حتى مطلع القرن الخامس يونانية (هلينية) اللغة والثقافة وتعيش في الساحل السوري. ولهذا انتشرت المسيحية التي بشر بها تلاميذ القديس مارون، على نطاق واسع في وسط الشعب الآرامي بثقافته ولغته السريانيتين. وكان الآراميون يعيشون خاصة في الريف والمناطق الجبلية مشكلين الغالبية العظمى من السكان. واعتباراً من القرن الخامس صار العنصر الآرامي المتنصر راجحاً، وتحولت كنيسة سورية،بعد أن كانت هلينية، إلى جماعة سريانية قوية في ظل سيطرة رهبان مارون العقائدية والادارية"([121]). ويتابع الأب موراني أن الامبراطور البيزنطي مارسيان بنى ديراً على اسم القديس مارون في منطقة حمص، في العام 452، ليكسب عطف جماعة السريان ولتنصير القبائل العربية... ويضيف أن رهبان هذا الدير ورهبان الكثير من الأديرة الأخرى في سورية والمسيحيين الذين كانوا يعيشون بجوارهذه الأديرة شكلوا النواة الأولى ل"أبناء بيت مارون" تلك النواة التي صارت في ما بعد كنيسة أنطاكية المارونية... وفي ما بعد، في مجمع خلقيدونية عام 451، انقسم السريان إلى قسمين، قسم أيد مقررات المجمع، وآخر رفضها. "إن "أبناء بيت مارون" الذين سميوا لاحقاً موارنة، ليسوا على العموم، غير القسم المسيحي من السريان الذين حملوا لواء المعتقد الخلقيدوني في سورية"([122]).

 

الأب موراني: القبيات مهد الموارنة

 لن نتوقف أمام كلام الأب موراني الذي ذكرناه فقط لنشير إلى أنه يلتزم النهج الماروني العام في التأريخ السوريالي للطائفة. ولكننا نلفت النظر إلى مبالغاته في رواية الواقع التاريخي لتحول القبيات إلى المذهب الماروني. يقول الأب موراني: "إذا كان وجود الموارنة في لبنان اتخذ طابعاً رسمياً اعتباراً من النصف الثاني من القرن السابع، فثمة جماعات متفرقة منهم كانت تقيم فيه منذ زمن أقدم بكثير. بداية، يجب أن لا نستبعد أن يكون رهبان القديس مارون قد زاروا في جولاتهم التبشيرية منطقة حدودية مع مقرهم، وأنهم أسسوا هناك مجموعات متمسكة بمعتقدهم الخلقيدوني. ولا بد أن القبيات، من جهة أخرى، شكلت، بالطبع، مرحلة هامة في انتقالهم إلى لبنان، بحكم موقع المدينة(لاحظوا: المدينة؟)..."([123]).

لم يقل لنا الأب المحترم مَن مِن "رهبان القديس مارون" يقصد، رهبان أفاميا، أم رهبان العاصي؟ ولم يعين لنا هذا الزمن الأقدم بكثير. ولكننا نضرب صفحاً عن هذا الكلام لأن الأب المحترم يجده منتقصاً من "أصالة" القبيات المارونية، التي يجب أن تكون عريقة في المارونية مثل كل المراكز المارونية الأساسية. ونحن هنا لا نبالغ، فلنقرأ ما كتبه: "...، ونعتقد، بالعكس، أن الموارنة أصلهم من هذه المنطقة (أصيلون فيها)، وأن هذه المنطقة كانت مهداً للموارنة، شأنها شأن أفاميا وقنسرين والعواصم"([124]). وتعليل الأب المحترم لادعائه هذا يستند إلى ارتحال الموارنة من أفاميا عبر وادي العاصي. وبرأيه وادي العاصي ينطلق من جوار بعلبك حتى أنطاكية، ويحتوي على جغرافية ما هو غرب حمص بما في ذلك قسم كبير من عكار (وبالتالي القبيات) والبقيعة وجبال العلويين([125])، وهناك وادي النصارى، وحيث هناك نصارى فهم موارنة. الكون لولا قليل كله تنصر على أيدي رهبان مارون.

ويعطي كبرهان على الوجود الماروني في القبيات، منذ الزمن القديم، "مغارة الراهب" قرب الهرمل. وهو يقول، مستشهداً بالأب لامنس: "ثمة مغارة باسم فاطمة، ويسميها البعض مغارة الراهب، تشهد حتى اليوم على مرورهم (يقصد مرور الموارنة) التاريخي"([126]). هل في كلام الأب لامنس ما نستدل به على صحة ما يزعمه الأب موراني؟ ذكر الأب لامنس "مغارة الراهب" مرتين، في مؤلفه "تسريح الأبصار...". المرة الأولى، وهو يبحث "في مبادئ العيشة الرهبانية في لبنان". وفي مبحثه هذا اعتبر أن هناك ذكر ل"بعض الأديرة القديمة الراقية إلى أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس"([127]). واعتبر أن المغاور القديمة والكهوف التي كانت مدافن للموتى قد تحولت إلى مسكن للرهبان، بقوله: "لدينا من الأدلة ما يحملنا على القول ان الرهبان اتخذوها لهم مساكن أووا إليها. من ذلك ما ترى فيها من شارات النصرانية... وفيها صهاريج و... ومن اعتبر هذه المساكن الغريبة لا يشك في أن الرهبان وحدهم أمكنتهم الاقامة فيها"([128]).

ويعطي الأب لامنس أمثلة على هذه المغاور – الأديرة – أمكنة إقامة الرهبان: عدلون (بين صيدا وصور)([129])، ويضيف كمثل آخر: "وليس بمستبعد أيضاً أن الأغوار المنقورة في الصخر في واد مطل على بلاد البقاع بقرب قرية فرزل شمالي زحلة كانت مآوى للسياح..."([130]).

والمثل الأخير الذي يعطيه الأب لامنس، قبل ذكره لمغاور "وادي قزحيا والقاديشا"، هو موقع "مغارة الراهب" في الهرمل. فيقول فيه: "ومن جملة الأماكن التي يشار إليها بالشواهد المنقولة أنها كانت في سالف الزمان كمعاهد للرهبان مغارة عند قرية هرمل على مقربة من أكبر رؤوس نهر العاصي. ولهذا التقليد أثر في كتبة القرون المتوسطة كأبي الفداء والقلقشندي وغيرهما. وهم يدعون هذا المكان باسم مغارة الراهب، والموارنة يدعونها "دير مار مارون". ولا يزال الجبل المطل عليها مع الأملاك المجاورة له خاصة رهبان لبنان الانطونيانيين ويسكن البعض منهم هذا المكان في عهدنا الحاضر مع أن سكان هذه الايالة كلهم من المتاولة. وهؤلاء يعرفون هذه المغاور باسم القصور وما لا ريب فيه أن الناس تحصنوا فيها سابقاً. يستدل على ذلك بما أقاموه من الأبنية في مدخلها للمدافعة عنها فزادوها منعة على حصانتها الطبيعية. ومغارة الراهب تقوق مغاور عدلون وفرزل بمحاسنها. وكانت في الأصل طبيعية سكنتها كما يظهر قبائل عادية في الأعصار السابقة للتاريخ. ولعل هذه القبائل فضلتها على سواها لحسن موقعها قرب نهر كبير. إلاّ أن الخلف حسنوا عمل الطبيعة وأضافوا إليها منتديات نقروها في الصخر على أحسن هندام مع قبة ذات حنية مقوسة ودرج داخلي يصعد منه إلى الطبقات العليا وبئر عميق الغور يبلغ إلى مياه النهر، وكل ذلك منحوت في الصخر الأصم"([131]). هذا هو كل النص الذي وضعه الأب لامنس حول "مغارة الراهب" في المرة الأولى في "تسريح...". ماذا في كل هذا النص مما يشير إلى أن الموارنة، في زمن ارتحالهم في منتصف القرن السادس، أو قبله، قد أقاموا هنا في الهرمل؟ يذكر لامنس هذا الموقع مع ذكره لمواقع عدلون والفرزل وقزحيا وقاديشا، ليشير إلى قدم المسيحية لا الموارنة. وإذا ورد في النص أن الموارنة يسمون هذه المغارة "دير مار مارون"، فهذا لايعين شيئاً حول زمن وجود هذا الدير، وما إذا كان من المحطات التاريخية القديمة لانتشار الموارنة. وموقف الأب لامنس واضح في أن الموارنة إنما وفدوا إلى لبنان في النصف الثاني من القرن السابع لا قبله: "كان دخول الموارنة إلى لبنان في النصف الثاني من القرن السابع"([132]). و"أول مركز احتله الموارنة عند ولوجهم لبنان معاملة الجبة وقسم من بلاد البترون فهناك كان مهد الأمة المارونية كما أشرنا إليه غير مرة"([133]).

 والمرة الثانية التي ذكر فيها الأب لامنس "مغارة الراهب"، في "تسريح..."، عندما كان يبحث حول البلبلة في تعيين موقع دير مار مارون، وكيف أن البعض اعتبر هذا الدير في جوار حمص، وهنا يقول الأب لامنس حرفياً، في المرجع الذي يذكره الأب موراني: "ولعل سبباً آخر دفع هؤلاء الكتبة إلى أن يجعلوا دير القديس مارون في ضواحي حمص وهوموقع مغارة الراهب. فإن هذه المغارة أو بالحري هذه سلسلة المغاور التي وصفناها في الجزء السابق (في المشرق 4: 264) موقعها جنوبي حمص عند رأس العاصي. ولما كان بعض العامة يعرفونها باسم دير القديس مارون ظن قوم أن المراد بهذا المكان ذلك الدير الأول الذي بني على اسمه قريباً من أفاميا"([134]). لا أظن أبداً أن كلام الأب لامنس يشكل دليلاً على قدم أو زمن وجود الموارنة في موقع "مغارة الراهب". فجوهر كلامه يعني: من أراد أن يحدد موقع دير القديس مارون عليه الذهاب إلى غير هذا الموقع. فكيف يتخذ الأب موراني من هذا الكلام دليلاً على قدم الوجود الماروني؟

تناول الأب لامنس "مغارة الراهب" ذاتها للمرة الثالثة في تقرير له عن جولة ميدانية أثرية قام بها في العام 1899، انطلاقاً من زحلة حتى حمص مروراً بالهرمل وبعض مواقع عكار، ونشرها بعنوان: "ملاحظات نقوشية وطبوغرافية حول منطقة حمص"([135]). قبل وصول الأب لامنس من زحلة إلى الهرمل توقف (من ضمن المواقع التي توقف فيها) في بلدة راس بعلبك، حيث رجح أن الدير الموجود هناك ربما كان في القديم لليعاقبة([136]). وعندما وصل إل "مغارة الراهب" قال فيها: "بالقرب من منابع العاصي، هناك "دير مار مارون" الذي غالباً ما تم وصفه (راجع: Jullien 178). إنه عبارة عن مغاور طبيعية استعملها ووسعها نساك مسيحيون (تبعاً للتقليد) في القرنين الخامس والسادس. ولا أعرف إن بقيت مأهولة في العصر الاسلامي. يسمي أبو الفدا هذا الموقع باسم "مغارة الراهب"، ولا يذكر ديراً ما. ليس من المعرف لا متى ولا كيف ألصقت به ذكرى القديس مارون. أما المتاولة، سكان تلك المنطقة الوحيدون منذ قرون، يطلقون على هذه المغاور اسم "القصور". ويبدو على الأرجح أن مدخلها المحصن وكوى الرمي فيها، والخ، من صنع الأمراء المتاولة المشاغبين من عائلة حرفوش"([137]). مرة أخرى يوضح الأب لامنس موقفه من "مارونية" هذه المغارة. هي في القديم استضافت "نساكاً مسيحيين"، دون تعيين لمذهب ما، وهو من ثم يشير إلى كونها "مغارة الراهب" ولا دير فيها في التأريخ العربي، وهو أخيراً يسجل أنه من غير المعروف كيف التصقت بها الصفة المارونية. ومع كل ذلك يصر الأب موراني على أن يجعل الأب لامنس شاهده على مارونية هذا الموقع منذ الزمن القديم. فتأمل!

من الشواهد التاريخية على قدم الوجود الماروني في القبيات يذكر الأب موراني "وادي عودين" بقوله: "ثمة فريق (ماروني) آخر انزوى في شعاب وادي النصارى ومنطقة القبيات. وما يزال دير مار الياس في وادي عودين يحتفظ ختى أيامنا بتفاصيل وجودهم المتواضع"([138]). إذا كان ثمة من قيمة أو دلالة تاريخية في استحضار الزمن القديم لوادي عودين، فإن هذه القيمة تشير إلى عكس ما ذهب إليه الأب موراني. إن الذكر الوحيد في المراجع للفظة "عودين" تجعلها اسماً لدير يعقوبي ورد اسمه مرتين في عريضة اعتراف بالايمان موجهة من أساقفة أديار مقاطعة العربية إلى يعقوب البرادعي([139]). ولقد ذكر الأب لامنس نسبة الاسم إلى هذا الدير اليعقوبي، في واحد من المراجع([140]) التي اشتغل عليها الأب موراني، ولا بد أنه لاحظ ذلك، وغيبه من كلامه، فهو قد يشوش "أصالة" المارونية في القبيات.

 

الأب موراني: "لقية" عند الخورسقف الزريبي!

يعتمد الأب موراني، في ما يعتمد عليه، لتدعيم وجهة نظره بكون القبيات "أصيلة" في مارونيتها أصالة أفاميا والعواصم...، على ما يعتبره بمثابة "لقية" نادرة في وثائق الخورسقف الزريبي. يقول: "ثمة وثيقة تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر (1895) اكتشفناها للتو في محفوظات خورسقف حي مرتموره (الزريبي) تلقي الأضواء على وضع الموارنة في منطقة القبيات حوالي نهاية القرن السابع"([141]). ثم ينشر نص "الوثيقة"، فإذا هي عبارة عن تعليق مخطوط بقلم الخورسقف الزريبي على هامش صفحة أحد كتبه: "إن جيوش يوستنيانوس الأخرم بعد أن اكتسحت أديرة وكنائس الموارنة وأحرقتها وفتكت بالرهبان الأفاضل في جهات حمص وحماه وقرى الوعر والشعره ودكوا معاقل الحبسا في عكار وهدموا الحصون والأبراج وتملكوا على قرية شويتا التي جعلوها مأمناً لهم عند الحاجة وأزاحوا الموارنة من مواقعهم وألجؤهم إلى الاعتصام بجبال لبنان المنيعة حيث لحقوا بهم حتى وطا أميون"([142]).

قبل البحث في قيمة هذه "الوثيقة" نتقدم ببعض الملاحظات الشكلية، لأنها تلقي الضوء على مدى جدية الأب موراني في التدقيق في "وثائقه". يرى الأب موراني أن هذه "الوثيقة" تعود للعام 1895، وأنه عثر عليها في كتاب من كتب الخورسقف الزريبي، وحدده بأنه مؤلف "تاريخ كنيسة أنطاكية المارونية" للبطريرك الدويهي. ولقد تبين لدى مراجعتنا لكتب مكتبة الخورسقف الزريبي، أن الكتاب الذي يرد فيه المقطع المخطوط بقلم الخورسقف الزريبي، هو المجلد الأول من "كتاب تاريخ الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية" للخوري ميخائيل عبدالله غبريل الشبابي، والمطبوع في العام 1900. ولم يكن من الصعب اكتشاف مؤلف الكتاب لأن الخورسقف الزريبي كتب بقلمه في رأس الصفحة 3، الجملة التالية: "هذا الكتاب أهدي لنا من حضرة المؤلف عن يد موسى أفندي صفير فنشكر (؟) فضل المهدي ونثني على همته ومزيد نشاطه". وعليه ليس من المعقول أن يكون المؤلف هو البطريرك الدويهي (المتوفي في مطلع القرن الثامن عشر) ويكون هو الذي أهدى الكتاب للخورسقف الزريبي في نهاية القرن التاسع عشر. وفي نفس الصفحة، وبمجرد شروعنا بقراءة مقدمة الكتاب وجدنا المؤلف يقدم نفسه بقوله: "أما بعد فيقول الحقير بين عباد الله العاجز الواني، الخوري ميخائيل بن يوحنا بن عبدالله بن الهاشم غبريل الشبابي الماروني اللبناني...". وبما أن هذا المجلد الأول قد تم نشره في العام 1900، فإننا لا نجد بداً من أن تاريخ ما خطه الخورسقف الزريبي من ملاحظات على هامش صفحاته، يعود للعام 1900 وما فوق. فكيف تمكن الأب موراني من تعيين العام 1895 تاريخاً لهذه "الوثيقة"؟

ما هي قيمة هذه الوثيقة؟ إن كل ما جاء في كلام الخورسقف الزريبي هنا وارد، من حيث جوهره، في جميع الحوليات المارونية، كما  هو الأمر في نفس الصفحة التي خط فيها الخورسقف هذه الملاحظة. ولنا في بحثنا الراهن إشارات متعددة وذكر متكرر لهذه الغزوة على الموارنة التي قام بها يوستنيان الثاني الأخرم في العام 694، والتي تجمع الحوليات المارونية على ذكرها.

بيد أن الأمر الوحيد الذي لم يذكره أحد على الاطلاق، هو بعض التفاصيل التي يذكرها الخورسقف الزريبي، وهي بالتحديد كلامه عن مرور جيوش يوستنيان في "قرى الوعر والشعره وعكار" وتدمير ما فيها من محابس وكنائس وأديرة. وبما أن الخورسقف الزريبي غير معاصر إطلاقاً للأحداث التي يروي عنها (توفي في النصف الأول من القرن العشرين، وهذه الأحداث تعود لنهاية القرن السابع)، فإن كلامه غير المسند إلى أي مرجع على الاطلاق لا يمكن الركون إليه، وهو مجرد اجتهاد مبني على تقدير لخط سير حملة جيوش يوستنان (بقيادة موريق ومرقيان)، ليس إلاّ.  ومن الملاحظ أن الخورسقف الزريبي خط بيده إضافات على هامش ص 161 و162 و169 و 499 و547 و612 و683 (من المؤلف المذكور)، حيث كلما ورد ذكر لمواقع الموارنة أدخل فيها عكار أو بعضها. وغالباً ما كان يبرر كلامه بعبارة "كما يستدل على ذلك من الآثار"، أو "... كما يستدل من الآثار القديمة والأديرة والكنائس الموجودة إلى الآن سيما في قرى عكار حيث ترى أن الكنيسة لا تبعد عن الأخرى اكثر من عشرة دقائق". ولكن الخورسقف لم يكشف لنا عن طبيعة هذه الآثار المنبئة بانتماء هذه المواقع المسيحية إلى الموارنة. وليس من المقبول أن نقرر مارونيتها بسبب كثرتها، أو بمجرد قولنا أنها آثار مارونية.

المسألة الثانية المهمة هي أن الأب موراني يجعل من كلام الخورسقف الزريبي، بمناسبة حملة يوستنيان الأخرم على الموارنة، دليلاً على أهمية القبيات المارونية، في حين أن الخورسقف المذكور لم يأتِ على ذكر البلدة (القبيات) إطلاقاً. وعندما تحدث عن أحد مواقعها اليوم (شويتا) لم يقرر أمر مارونيتها، وإن كان يميل إلى كونها على مذهب "الروم"، لا سيما وأنه وضع ملاحظتين في موقعين آخرين يتردد فيهما في حسم مسألة بناء هرم للقائد مورقيان الذي جاء محارباً للموارنة، عندما خط بقلمه: "فموريق قتل ودفن في قرية أميون بكورة طرابلس. ومرقيان جرح جرحاً مميتاً فانهزم وساقه القضا إلى قرية شويتا بالقبيات القريبة من مدينة عكار حيث قضى نحبه ودفن، وقبره معروف لم يزل إلى الآن وقد بنى الروم فوق قبره هرماً عظيماً يبلغ ارتفاعه 50 ذراعاً..."([143]). وإذا كان الروم قد بنوا الهرم فوق ضريح مورقيان فهذا يعني أن الروم هم سكان شويتا لا الموارنة. وفي مكان آخر يقول في نفس المسألة: "... قرية شويتا التي كانت آهلة بالسكان في عهد يوستنيانوس الثاني الأخرم سنة 694... كما يستدل على ذلك من الهرم المبني فوق ضريح وزيره مرقيان الذي جرح في قرية أميون مع رفيقه مريق وهرب في عساكر المردة إلى شويتا وتوفي فيها. أما من بنى الهرم فوق ضريحه بعلو ما ينيف عن أربعين ذراعاً هل الملك أم الأهالي فلا يعلم"([144]).

 

الأب موراني: مسيحيو القبيات اسقبلوا الصليبيين !

            من يقرأ ما كتبه الأب موراني عن الحروب الصليبية في القسم التاريخي من أطروحته (MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit)، يظن نفسه يقرأ نصاً لواحد من فرسان الاسبيتالية، من القرن الثاني عشر، ولا يخال الأب المحترم راهباً كرملياً يعيش في مرحلة ما بعد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، أو ما بعد "اعتذارت" رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام ألفين، لكثرة ما في نص الأب موراني من حنين بالغ وتمجيد لتلك المرحلة. وكأنه لم يستفد من نظرة الفكر الغربي النقدية، ومنه الفرنسي بالذات([145])، إلى تلك الحروب، وإلى كيفية التأريخ لها.

 كما أن الأب موراني لم يستفد من الموقف العقلاني الرائع الذي وقفه المطران الماروني، يوسف الدبس، في كلامه على البيزنطيين والصليبيين وغيرهم من القوى "الخارجية"، الأجنبية، محذراً الموارنة وغيرهم من مغبة الوقوع ضحية التعامل والممالأة لهم، بقوله: "ذكرنا في تاريخ الموارنة... ونذكر... طورهم الدنيوي في هذا القرن (السابع)؛ وذلك درس نلقيه إلى أبناء ملتنا وجميع مواطنينا نحذرهم به من التهور في مهواة المناوأة للسلطة السائدة فيهم بوسوسة أصحاب الأغراض البعيدين عنهم. فمن المعلوم أن الخلفاء الراشدين صرفوا اهتمامهم عند أخذهم سورية وطردهم ملوك الروم منها إلى فتح مدنها، ولم يكترثوا لسكان جبالها لقلة أهميتها وعدم المنفعة منها، ولتعسر مسالكها وان ملوك الروم ما انقطعت مطامعهم في استردادها، وظلوا يوسوسون لسكانها ليلبكوا أمرها ولا تستقيم حالها، ليتيسر لهم العود إليها كما حاولوا مرات فلم يفلحوا. فمن ذلك أنهم وسوسوا للموارنة وكانت مساكنهم حينئذ في الجبال من جبال الجليل إلى جبال انطاكية، فلبكوا حكومتهم وتوافرت غزواتهم في السهول حتى اضطر بعض الخلفاء أن يعقد صلحاً مع ملك الروم على شرائط... منها أن يبكتوا الموارنة... ويصدوهم عن غزواتهم. وكانت النتيجة حينئذ أن هؤلاء الملوك البيزنطيين أنفسهم الذين وسوسوا للموارنة وهيجوهم على مخالفة رضى حكومتهم انقلبوا على المردة وأذاقوهم الأمرين ومكروا بهم... فهذه الأمثولة التي نريد أن يتمثل بها أبناء ملتنا ومواطنونا ليخلصوا في الطاعة للحكومة السائدة عليهم"([146]).

كما أن الأب موراني ضرب عرض الحائط بموقف المؤرخ المسيحي، اليوناني الأصل، الطرابلسي المولد والنشأة، جرجي أفندي يني، الذي أحسن في نزع الحجاب عن جوهر الحروب الصليبية منذ قرن وربع من الزمن تقريباً، بقوله: "لا ريب في أن كل من أمعن النظر في أحوال تلك الأيام لا يلبث أن يشجب السياسة التي كانت مصدراً لهذه الحرب المشؤمة لأن الرؤساء الذين أضرموا نارها بتحريضاتهم لم يحسنوا معرفة أحوالهم ولم يدركوا الفرق بينها وبين حال العرب أولئك الذين كانت بلادهم قد أمست في غاية من الغنى والثروة بينما كانت أوروبا تقاسي خطوب الجهل والفقر... إلاّ أنه كان للرؤساء يومئذ غايات فدعوا الناس إلى الغزو فبادروا إليه جاهلين ما وراء ذلك واجتمعوا ليسيروا نعاجاً إلى الذبح في بلاد غريبة... وكان ما فعلوه في بلغاريا شاهداً على إن مقصدهم بمحاربة الاسلام ليس إلاّ النهب والسلب وإن كان ظاهره لغايات دينية يأبى التقى أن يعترفها... إن أولئك الذين ادعوا أن مقصدهم نجاة الناس من المظالم قد فعلوا من البربرة والتوحش ما يخجل القلم من خطه على القرطاس..."([147]).

ولعله كان أولى بالأب موراني الذي كاد أن يحصر مراجعه بالكتابات الغربية، أن لا يفكر بفكر فرنجة القرون الوسطى (الصليبيين)، بل أن يستفيد من مواقف المفكرين الغربيين (فرنجة العصور الحديثة) في نظرتهم إلى الحروب الصليبية. هذا أضعف الايمان ولو أنه ما كان ليشعر بلحظة انتماء إلى هذا المشرق الذي كان منبت المسيحية، ولها فيه حتى اليوم مجال رحب. وبدل الكلام على "الملاحم الأسطورية" الصليبية و"الانتصارات الرائعة"، ومدح العجائب ومنها "السهم المقدس"([148])، كان عليه التعلم ولو قليلاً من منهج وذهنية مراجعه، ومنهم على سبيل المثال، أيضاً رينيه غروسيه (René GROUSSET)، في فضحه لما يسميه الديماغوجية الصليبية، مع أمثال بطرس الناسك وغوتييه المعدم([149]).

            ولعل غير قليل من ذلك الحنين يتجلى في تجميل و"تعظيم" العلاقات المارونية – الصليبية، وتحميلها أكثر مما تحمل بكثير. حيث تحتل القبيات بالطبع المركز الأساسي في ذلك التجميل و"التعظيم". كيف ذلك؟

            يختم الأب موراني الفصل الأول من اطروحته قائلاً: "من هو هذا الشعب الذي استقبل الصليبيين "بالأحضان" (à bras ouverts) والذي أشاد بمدحه عظيم المدح واضعو الحوليات عن الحروب الصليبية؟ سنكرس الفصل الثاني لتاريخه، لأننا نظن أن مسيحيي القبيات هم بالذات الذين سماهم الفرنجة باسم "السريان"([150]). لم يقل لنا الأب موراني أين ذكر كتاب الحوليات في الحروب الصليبية القبيات أو سكانها، ولو لمرة واحدة، ولو عند كاتب واحد، سواء كان من الغربيين أو من الشرقيين. ثم إن الفصل الثاني الذي كرسه الأب موراني لهذا الشعب الذي استقبل الصليبيين "بالاحضان" تناول تاريح الموارنة. لا ندري كيف اختصر الأب المحترم كل من استقبل الصليبيين بالموارنة، وقد خص بهم الصليبيون، برأيه، اسم "السريان". ومن ثم اختصر كل هذا الشعب بمسيحيي القبيات، وهم بالذات، على حد زعمه من وصفوا باسم "السريان"!

            لا بد بداية من التأكيد على أن لفظة "السريان" لم تكن تقتصر على الموارنة، والفرنجة الصليبيون أطلقوها على جمبع مسيحيي سورية، دون أي حصر لها بالموارنة. ولنا في ما قاله الأب هنري لامنس، من بين الكثيرين، الكلام التالي: "المسيحيون البلديون (المحليون). لم تكن التسمية العامة"السريان" تشمل فقط الكاثوليك المرتبطين بروما كما طرح ريستلوبر، بل هي تدل على الوحدة الأتنوغرافية لكل السوريين"([151]). ولم يكن الموارنة لوحدهم هم من قدم المساعدة للصليبيين. لقد تلقى الصليبيون مساعدة المسيحيين قبل أن تصل حملاتهم إلى لبنان بكثير. يقول رينيه غروسيه: "استقبل أرمن كيليكيا وأوديسا بودوين الأول كمحرر لهم"([152]). ويسجل هذا المؤرخ مساعدة المسيحيين للصليبيين في الكثير من المواقع، وقاموا أحياناً لوحدهم بضرب بعض القوات المسلمة: "المسيحيون في أرتاح هم الذين قضوا على الحامية التركية"([153]). وسجل نفس المؤرخ التعاون المسيحي مع الصليبيين عند محاولة ريمون بيلي التقدم نحو معرة النعمان وتل مناس (عن طريق المعرة، مصرين، أدلب)، والمسيحيون هنا كما يصفهم غروسيه هم سريان(Syriens)([154]).

            لم يجد الأب موراني ما يشير به إلى صلة مسيحيي القبيات بالحملة الصليبية، غير لعبة بسيطة جعل فيها قسماً من القوات الصليبية تمر في القبيات، كممر أسهل من غيره على حد زعمه([155]). بالطبع كان مرور الصليبيين من البقيعة اللبنانية، اليوم، أو السورية، ممكناً، سواء على يمين النهر الكبير أو على يساره، مع فارق لا يذكر. ولو افترضنا أنهم مروا داخل الأرض اللبنانية (اليوم) لما كانت بهم أية حاجة لعبور القبيات على الاطلاق، لصعوبتها أولاً، ولقربها من موقع حصن عكار ثانياً. وفي هذه الحالة كان أمامهم الطريق الأسهل والأفضل: من شدره إلى العوينات فمنجز فالكواشرة وصولاً إلى جوار عرقة.

            هل استقبل مسيحيو القبيات الصليبيين في أثناء حصارهم لعرقة؟ هذا ما ما يوحي به الأب موراني، من مجمل كلامه. فهو يعتبر أن الموارنة استقبلوا الصليبيين في هذه المناسبة، ويستشهد بمقطع لغليوم الصوري، ومن نقل عنه كالبطريرك الدويهي والخورسقف بطرس ديب([156]).

            لو كان صحيحاً أن "مسيحيي" القبيات، أو موارنة عكار استقبلوا الصليبيين أمام عرقة، لكان علينا أن نتساءل لماذا لم يستقبلوهم عندما مروا في القبيات، كما زعم الأب موراني؟هذا من جهة أولى. ومن جهة أخرى، مكث الصليبيون 15 يوماً في البقيعة([157]). وعن بقاء الصليبيين هذه المدة يقول الكاتب اللاتيني المجهول، صاحب يوميات"أعمال الفرنجة": "... غادرنا هذه البلدة (رفنية) بعد ثلاثة أيام من دخولنا إليها وعبرنا جبلاً هائلاً شامخاً، فلما جاوزناه دخلنا وادي البقيعة حيث كانت توجد ذخائر كثيرة، وقد بقينا هناك خمسة عشر يوماً (من 29 ك2 حتى 14 شباط 1099)"([158]). لماذا والحال هذه، والصليبيون في وادي البقيعة لمدة خمسة عشر يوماً، لم يستقبلهم مسيحيو القبيات ب"الأحضان"، كما يزعم الأب موراني؟ لماذا لم يأت كل الذين وضعوا الحوليات عن مسار الحملات الصليبية على ذكر "أحضان" مسيحيي القبيات؟ بالطبع لسبب واحد أوحد بسيط، هو أن هذا الأمر لم يحصل أصلاً.

            هل استقبل موارنة عكار (أو غيرهم) الصليبيين عندما قاموا بحصار مدينة عرقة؟ برأي الأب موراني، الجواب هو نعم. اختلاق آخر بالطبع. وادعاء بأن البعض أتوا على ذكره، ومنهم المؤرخ غليوم الصوري. هل قال غليوم الصوري باستقبال الموارنة، أو غيرهم من المسيحيين للصليبيين عند حصارهم لعرقة؟ لنرَ. يقول غروسيه: "بعد مغادرة حصن الأكراد نزل الصليبيون في وادي النهر الكبير وبلغوا سهل عكار الساحلي، وفي جنوبيه وصلوا إلى المدينة الصغيرة المحصنة عَرقة أو عِرقة، (Archas) كما يسميها كتاب الحوليات الفرنجة..."([159]). ويضيف غروسيه أنه بعد عدة اتصالات مع ابن عمار صاحب طرابلس، تم فك الحصار عن عرقة وطرابلس، وقدم ابن عمار أدلاء يرشدون الصليبيين في سيرهم على الطريق الساحلي إلى القدس([160]). لم يبدأ ذكر الموارنة، وتحت اسم "السريان"، إلاّ مع بلوغ الصليبيين طرابلس أو بعد تجاوزها. وغروسيه يستشهد بنص غليوم الصوري، وهو يتحدث عن بلوغ الصليبيين منطقة رأس الشقعة، بقوله: "في هذا الممر بين الجبل والبحر حيث من السهولة مفاجأة الجيش أثناء مسيره، لم يكن على الصليبيين خشية أي أمر، بفضل دعم سلطات طرابلس، وكذلك أيضاً بفضل دعم اللبنانيين المسيحيين الذين قدموا من جانبهم أدلاء خدومين. ويصف لنا "تاريخ ايراقل" (L`Estoire d`Eracles) بعبارات ملفتة هذا اللقاء الأول بين الفرنجة واللبنانيين..."([161]). لم يلتقِ الصليبيون بالموارنة إلاّ قرب طرابلس. والكلام الذي يستشهد به الأب موراني، وينسبه إلى البطريرك الدويهي في "تاريخ الأزمنة"([162])، هو للبطريك الدويهي، ولكن من مؤلفه "تاريخ الطائفة المارونية"، ونصه: "في سنة 1099(493هـ) بعد أن رتبت الافرنج أمور انطاكية هموا بالمسير إلى القدس الشريف فذهب فريق في البر... وسار آخرون بحراً واجتمع الفريقان في أرض عرقة وهناك عيدوا العيد الكبير سابع نيسان. ثم وافاهم قوم من المردة من جبل سير والضنية وبلاد جبيل وتلك التخوم ورحبوا بهم. وسار معهم جماعة منهم يهدونهم الطرقات والمسالك حتى أوصلوهم إلى القدس وكانوا ينجدونهم في مواقعهم مع المسلمين ويمدونهم بالميرة والذخائر وما لديهم من صنوف السلاح"([163]).

أما نص "تاريخ الأزمنة"، فقد جاء فيه: "وسنة 1099 مسيحية همّ قواد العساكر بالمسيرة إلى جهة بيت المقدس. فالبعض قصدوا طريق البحر... وآخرون ساروا في البر. واجتمع الفريقان في أرض عرقه، وقيل أن عرقه وإرواد تسموا كذلك على أسامي ولاد كنعان ولد سام. وعيدوا الفرنج عيد الكبير في سبعة خلت من نيسان بارض عرقه، وثبت الحصار على المدينة انوف (اكثر) من شهرين. ثم ان صاحب طرابلس أرسل لهم خمسة عشر ألف دينار غير الخيل والبغال والاقمشة والهدايا بدل عن طرابلس وعرقه وجبيل، وارسل معهم ناس تكفيهم من الميرة وترشدهم في الطريق من غير تنكيد على أحد. ونزل عندهم ناس كثيرين بهدايا من نصارى لبنان وجبل سير يتأهلوا بقدومهم وكانوا من أهل الذكاء والفراس كما يذكر غليلموس أسقف صور"([164]).

يتضح من المقارنة بين النص الثاني (تاريخ الأزمنة) والنص الأول (تاريخ الطائفة المارونية)، أن الثاني أكثر أمانة للمرجع (غليوم الصوري) الذي ذكر "السريان"، لا الموارنة ولا المردة، كما جاء في النص الأول. وأمانة النص الثاني تظهر من ان الدويهي ترجم "السريان" بعبارة "نصارى لبنان". ومن هذا النص الثاني لا يظهر الموارنة ("نصارى لبنان"، أو "السريان") على المسرح إلاّ بعد الاتفاق بين الصليبيين وابن عمار وانطلاق الحملة إلى القدس، بمساعدة ابن عمار (أدلاء ومؤن...، بموجب الاتفاق المعقود) مما يعني حصول اللقاء الماروني – الصليبي بالقرب من طرابلس، لا في جوار عرقا.

والظاهر أن النص الأول (تاريخ الطائفة المارونية) ليس من وضع البطريرك الدويهي، بل هو اجتهاد من محقق نص الدويهي، رشيد الخوري الشرتوني، وهو كثير التلاعب بالنصوص، وأدخل الكثير من الاضافات، باعترافه شخصياً([165]). ويبدو لنا أن الشرتوني استعار هذا النص من صاحب "أخبار الأعيان" الشيخ طنوس الشدياق، ووضعه مكان النص الأصلي والصحيح للبطريرك الدويهي. أما نص الشدياق فقد جاء كما يلي: "سنة 1099 قدمت الافرنج من انطاكية إلى القدس فلما وصلوا إلى عرقا وفد إليهم اناس من المردة من جبل سير وصقع الضنية وجبيل وتلك التخوم وترحبوا بهم وسار معهم بعض وهدوهم الطرقات والمسالك حتى بلغوا القدس وكانوا ينجدونهم في الوقائع ويمدونهم بالميرة"([166]).

يأتي الأباتي بطرس فهد على ذكر هذه المسألة مرتين في مؤلفه "بطاركة الموارنة...". وفي المرتين ليس في مايقوله الأباتي ما يوحي بأن الموارنة استقبلوا الصليبيين في حصار عرقة. يقول: "ما بلغ الصليبيون نواحي طرابلس في القرن الحادي عشر (أي 1099) ختى نزل الموارنة من جبالهم وفوداً وفوداً لاستقبالهم، وكانوا عوناً لهم، فدلوهم إلى المسالك السهلة للسفر إلى اورشليم، وكانوا أشداء في الحرب ومعاونين لهم في كل شيء كما يقول الأسقف غلبلموس الصوري... ويقول الب لامنس اليسوعي أن الموارنة ساعدوهم كثيراً في احتلال مدينة طرابلس وبيروت قبل انتقالهم إلى أورشليم..."([167]).

وإذا كان هذا النص يترك بعض ظلال الشك، من خلال عبارة نواحي طرابلس التي قد يفسرها البعض محتوية لعرقة، فإن النص التالي يحدد أن انصال الموارنة بالصليبيين لم يحصل إلاّ فوق طرابلس: "إن العلامة الدويهي يذكر في تاريخه، نقلاً عن المؤرخ الصوري اللاتيني غاليلموس الحفاوة المارونية البالغة بالصليبيين فيقول: نزل عند الصليبيين (لما خيموا فوق طرابلس) أناس كثيرون بهدايا من نصارى لبنان وجبل سير يتأهلون بقدومهم وكانوا من أهل الذكاء والفراس. ويقصد غبطته بدون شك، بهؤلاء النصارى اللبنانيين أبناء ملته الموارنة. ومع أن المؤرخ اللاتيني لم يذكر في روايته لفظة "الموارنة" بل قال: لما خيم الافرنج فوق مدينة طرابلس هبط عليهم جماعة من المؤمنين السريان الذين يسكنون جبل لبنان فوق جبل البترون وطرابلس لاجل تهنئتهم وعرض خدماتهم عليهم. وكانوا يجيدون ضرب السهام. فرحبوا بهم واتخذوا منهم هداة..."([168]).

ولكنه لا يبدو، في كل الأحوال، أي ذكر، لا لموارنة القبيات فحسب، بل ولا لموارنة عكار كلها. فالنصوص المبالغة تتحدث عن جبل سير وصقع الضنية (التي يحددها الأب بطرس ضو ب"إهدن وجوارها"([169])) وبلاد جبيل. يقول جاك دي فيتري: "هنالك أناس فوق هضاب لبنان في إقليم فينيقيا على مقربة من مدينة جبيل، غير قليلي العدد، مدربون وبارعون في استعمال القوس والسهم في الحروب واسمهم الموارنة"([170]). أما غليوم الصوري فيقول: "بأرض فينيقيا بين قمم لبنان ومدينة جبيل أناس سريان... على قدر كبير من الشجاعة والبراعة في الحروب والفروسية وقد كانوا عوناً كبيراً جداً لجيوشنا في معاركهم ضد الأعداء"([171]).

على الرغم من كل ذلك يصر الأب موراني على توهم وجود ماروني كثيف في القبيات وعكار، ويجعل اسقفهم مقيماً في عرقة، عشية الحروب الصليبية: "بقي الموارنة في البلاد (عكار) حتى نهاية القرن العاشر، بل كان لهم اسقف مقيم في عرقة"([172])، ومن المعروف أنه لطالما كانت عرقة كرسي شرف لمطرانها. ويضيف الأب موراني قائلاً: "تذكر حوليات الدويهي لعام 1291 سيامة الأسقف الماروني يعقوب من قنيا، قرية ماتزال آثارها ظاهرة للعيان على مسافة 15 كلم شرقي مدينة القبيات"([173]). يتلاعب الأب موراني بتاريخ وجود أحد المطارنة، فيجعله من القرن الثالث عشر بينما هو من القرن الخامس عشر. لماذا؟ ليحصل النمو الماروني في عكار في ظل الصليبيين! وفي الحقيقة لا يذكر الدويهي سيامة هذا الاسقف ولا يحدد ما إذا كانت قنيا هذه هي القرية القائمة في جبل أكروم. ولا يأتي على ذكره في أخبار العام 1291، بل في أخبار العام 1400وما بعد، وهو يسميه أيضاً يعقوب اللحفدي. لنستعرض ما قاله الدويهي، في ص 337 التي عينها الأب موراني في حاشيته: "(ونقرأ على الهامش ملاحظة طويلة هي التالية): ويقول المطران يعقوب من قنيا في كتاب الناموس الذي كتبه في دير السيدة بأرض لحفد باسم المطران داوود ابن جوسلين الحدشيتي في سنة الف وسبعماية وثلاثة عشر يونانية (أي سنة 1402مسيحية)، أن بتلك السنة جاء فناء حتى وقف ناس كثيرة بلا دفن، وجاء غلاء حتى مات ناس كثيرة من الجوع...، والجراد..."([174]). ليس في هذا النص للدويهي أي أمر مما ذكره الأب موراني عن سيامة الأسقف، وما سوى ذلك باستثناء لفظة قنيا. ولكن اسم هذا المطران ورد ثانية: "(وعلى الهامش نقرأ ما يلي): يذكر المطران يعقوب القاطن في لحفت في دير السيدة المسمى دير المرج أن ظهور الجرد (هكذا في النص، ولعلها الجراد) كان في 29 من أذار فأكل جميع الزريعة... ثم طلع الزحاف من سواحل البحر وعرى الكروم... وغلت الأسعار... وجاء على الناس ضيق... وكان ذلك في سنة... 1402"([175]).

ولقد ذكر الأباتي بطرس فهد نصاً نسبه للبطريرك الدويهي "تاريخ الأزمنة" (طبعة الأب توتل اليسوعي، ص 194): "جاء في تاريخ الأزمنة للدويهي قوله: وفي سنة 1400 لميلاد السيد المخلص كان على الكرسي الأنطاكي البطرك داود المكنى يوحنا، ومطارنته: بطرس رئيس دير قنوبين، ويعقوب من قنيا في لحفد، وبطرس بن القس سمعان في أهدن، وقورسللوس الجاجي، وداود بن جوسلين الحدشيتي؛ وكان المقدم على الجبة الشدياق يعقوب البشراني"([176]).

وأغلب الظن أن المطران يعقوب اللحفدي من موضع في بلاد لحفد يعرف باسم قنيا، ولعله كان عامراً في مطلع القرن الخامس عشر. ولو أن قنيا المقصودة كانت من عكار لسمي المطران على الشكل التالي: المطران يعقوب العكاري من قنيا، كما هي العادة، ومن أبرز الأمثلة عليها تسمية البطريرك موسى سعادة العكاري من قرية الباردة. وعلى أية حال لا نرى صلة بين ما قاله الأب موراني، منسوباً إلى البطريرك الدويهي، مما يقصد به النمو الماروني في القبيات أو عكار في ظل الوجود الصليبي. 

 

يواكيم الحاج: المارونية كل لبنان !

 ليس أدل على الايديولوجيا المارونية "الشعبية"، السائدة في الأوساط الأمية فعلاً، أو الأمية بثقافتها وشهاداتها ومواقعها الفكرية، من مؤلف السيد يواكيم الحاج (عكار في التاريخ – تاريخ القبيات)، لا سيما ما فيه من "هلوسات" الطهارة والعظمة والمجد والاستئثار ...، التي تلقفتها بعض المراجع الروحية المارونية، وما الكتاب المذكور غير ثمرة لزرعها. مرض عضال، سرطان الطائفة: لبنان لنا، نحن عظمته، نحن أصله وفصله، ماضيه وحاضره ومستقبله، و...، وما عدانا لا يذكر إلاّ في السلبيات، نحن الموارنة!

السيد يواكيم الحاج ماروني وتلميذ أمين لمدرسة في تاريخ تعظيم الذات المارونية التي ترى نفسها الوريث الشرعي الوحيد لكل عظمة المشرق. هكذا صورها الأب بطرس ضو، صاحب المجلدات في تاريخ الموارنة، تحت عنوان "من الفينيقيين إلى الموارنة: "شعوب العصور الحجرية والأموريون والآراميون والكنعانيون انصهروا جميعاً فوق أرض لبنان في شعب واحد أطلق عليه اسم الفينيقيين. والفينيقيون انصهروا بالمسيحية فكونوا المارونية. فالمارونية إذاً تجسد وتمثل أمجاد الأموريين (مردة ما قبل المسيح) وممثلهم الأعظم حمورابي، والآراميين وممثلهم الأعظم نبوكدنصر، والكنعانيين وممثلهم الأعظم ملكيصادق، والفينيقيين وممثلهم الأعظم هنيبعل..."([177]).

هل يحتاج هذا النص للتعليق؟ نحن الموارنة ورثة كل ما في مشرقنا، إلاّ ما فيه من "عروبة". ورثنا كل شيء، وهو فينا ما خلا العروبة في المشرق. ورثنا كل العظمة، ومسخناها في حدود لبنان، وفرضنا حصريتها في الطائفة المارونية، ليس إلاّ. لا علاقة لنا ببلاد ما بين النهرين (حمورابي ونبوكدنصر، وبابل وأشور)، ولا بالمغرب العربي (هنيبعل وقرطاجة)، ولا بعمريت ودمشق وحمص. وليس لأحد، من هناك، ومن خارج الموارنة، حق ما بكل هذا التراث. إن هذا التراث محصور في الموارنة، في كيان يمتد "من الشوف لبلاد الدريب"، "والمارونية ثورة ضد كل ما يمس هذا التراث المقدس وهذا الكيان"([178]).

وعلى هذه الخطى سار السيد يواكيم الحاج قائلاً: "فلئن كانت الطائفة المارونية، على ممر التاريخ المسيحي جزءاً من تاريخ لبنان على الصعيد الاتني. ولئن كانت، في عين الحقيقة، هي كل لبنان على الصعيد الحضاري والعلمي، فإن المارونية كانت النهضة المسيحية الخلقيدونية الفاعلة في هذا المحيط، الذي كان الأكثر تعرضاً للمضايقات والمعوقات"([179]). الموارنة جزء من أوروبا وما حولهم الصحراء هكذا يرى السيد يواكيم ذاته الماروني، وهكذا يرى الآخرين: "إن الشعب الماروني يؤلف في الشرق أمة قائمة بذاتها حتى يخيل إلى الانسان، أنها مستعمرة أوروبية طرحتها يد القدر بين قبائل الصحراء..."([180]).

وفي مكان آخر يقول السيد يواكيم: "المارونية هي فصل من لبنان على الصعيدين: الاتني والديني. أما على الصعيدين الحضاري والثقافي فهي كل لبنان. ذلك أن تاريخ الأمة المارونية، هو التاريخ العلمي الثقافي الذي قامت عليه حضارة المجتمع اللبناني"([181]).

 

يواكيم الحاج، على درب موراني: القبيات مهد المارونية !

وإذا كانت المارونية عظيمة فلا بد أن تكون القبيات فيها هي الأعظم، لأنها منها هي الأصل، وللأصل الفضل دوماً على الفرع. هنا أيضاً السيد يواكيم مقلد، وهو يقلد معلمه المباشر الأب موراني. ولكنه يضيف عليه مزيداً من التشويه لحقائق الماضي. جاء الجزء الثالث من مؤلفه بعنوان: "القبيات مهد المارونية"([182]). وفي الصفحة 374، من نفس المؤلف يختم الفصل الثالث، من هذا الجزء الثالث، بالقول: "فإن كل هذه الشواهد المادية التي تؤكدها الوثائق والأطلال الأثرية الباقية، بالاضافة إلى قدوم ابراهيم الناسك إلى المنطقة سنة 422، وبشرها وأقام فيها ثلاثة أعوام، تثبت أن القبيات كانت السباقة لتقبل الدعوة المسيحية، وانها احتضنت المارونية الأولى وكانت هي البلد اللبناني الوحيد الذي يصح فيه القول إنه: مهد المارونية"([183]).

بحثنا عن "الشواهد المادية" التي يجب أن تكون قد شكلت المقدمات المنطقية لبلوغ هذا الاستنتاج الذي ينتهي به السيد يواكيم، فلم نجد غير الجمل الانشائية الفارغة، وادعاءات لا معنى لها، وقفز بهلواني فوق المراحل التاريخية.ولكنه ساق الفصل التالي (الرابع) لاثبات الأقدمية المارونية للقبيات.

 

الناسك ابراهيم القورشي في القبيات ؟!

يقول السيد يواكيم، تحت عنوان "أهم المستندات التاريخية المثبتة للوجود الماروني في القبيات وعكار قديماً: "أولاً: قدوم الناسك ابراهيم القورشي إلى المنطقة وبشارته أهاليها بكلمة الانجيل قبل أن يعرف لبنان مبشراً غيره بالدين المسيحي بعد بطرس الرسول... وكان ذلك سنة 422 للمسيح"([184]). هل يعقل أن لبنان لم يعرف من بشر بالمسيحية فيه بعد بطرس الرسول، حتى العام 422، ليأتي إليه ابراهيم القورشي؟ وهل كان مرورالرسول بطرس في لبنان بدون أثر؟ ألم يترك خلفه من تابع الرسالة؟ ألم تقل أنت يا سيد يواكيم "المؤرخ" المدوخ في وسائل الاعلام الماروني: "لقد عمت بشارة الانجيل المقدس مدينة طرابلس وأعمالها منذ الجيل الأول للمسيح. وذلك باقامة بطرس هامة الرسل فيها حيث بشرها وأقام لها أسقفاً... و12 كاهناً"([185])؟ أم أن تلامذة مار بطرس "ع راسي" ولكن مثل تلامذة مار مارون!

لقد عرف في لبنان، في القرن الثالث، من الأساقفة والأسقفيات ما يلي: أسقفية صور: مارينس وتيرانيوس ومتوديوس؛ أسقفية صيدا: زينوبيوس؛ اسقفية جبيل: اوتاليوس. وعرف منها في القرن الرابع: أسقفية صور: بولينس وبولس وويتاليس واورانيوس وزانس أو زينون الثاني وديودورس؛ أسقفية صيدا: توادوروس وهذا جاء توقيعه في أعمال المجمع النيقوي، وأمفيون، وبولس؛ أسقفية بيروت: اوسابيوس وغريغوريوس ومكدونيوس وتيموتاوس؛ أسقفية جبيل: باسيليوس؛ أسقفية طرابلس: هلينكس وتوادوسيوس وايريناوس؛ ومن أساقفة عرقة: لوشيانوس واسكندر وافرنسيوس([186]). ألا يساوي كل هؤلاء دور مبشر بالمسيحية قبل مجيء ابراهيم القورشي؟ ألم يكن لكل هؤلاء الأساقفة رعايا ومؤمنون يسهرون على تنشئتهم المسيحية؟

 

ابراهيم القورشي والقبيات

ينطلق السيد يواكيم الحاج من سيرة الناسك ابراهيم القورشي، كما أوردها تيودوريطس أسقف قورش. ويستنج من هذه السيرة أن القبيات كانت مهد المارونية. وفي استنتاجه هذا يتقدم بأمرين لا يوجد دليل جدي عليهما. الأول أن ابراهيم القورشي يعتبره كل التأريخ الماروني من تلامذة مار مارون، استناداً إلى جملة واحدة قالها تيودوريطس: "كان هذا الرجل واحدة من ثمار منطقة قورش. وفي الواقع، هنا ولد، وكبر، ونشأ مشبعاً بفضيلة التقشف"([187]). وما خلا هذه الاشارة، لا يوجد أي عنصر في رواية تيودوريطس يسمح بجعل ابراهيم القورشي تلميذاً للقديس مارون، كما قد يكون بنفس قدر الاحتمال تلميذاً لزابينا.

ولكن ما العلاقة بين هذا الناسك والموارنة كطائفة؟ مهما حاولنا تقليب الأمور لا يجوز أن ننسب إلى كل من تتلمذ على يدي القديس مارون (وكل نشاط تبشيري له، أينما كان، ومتى حصل) إلى الموارنة. فعلى الرغم من كل شيء يبقى أن المارونية لم تتكون قبل الانشقاق بين الملكية والموارنة، ولا يمكن الكلام على موارنة في مطلع القرن الخامس، وإن كان جائزاً الحديث في خلقيدونية الرهبان الذين عرفوا باسم رهبان بيت مارون، نسبة إلى الدير الذي حمل اسم مارون.

ومع ذلك يبقى السوءال مطروحاً حول الصلة بين ابراهيم القورشي والقبيات. إن كل ما في تيودوريطس هو إشارة إلى أن ابراهيم هذا جاء إلى لبنان، في بلدة مجهولة الاسم، ومشهورة بالكفر. النص الحرفي هو التالي: "جاء لبنان، وقصد بلدة كبيرة جداً، كان يعرفها مشهورة بالكفر، وأخفى حقيقته كراهب مدعياً أنه تاجر، وكان يحمل مع مرافقيه الأكياس، متذرعاً بأنه يسعى لشراء الجوز. ثم استأجر منزلاً..."([188]). وفي حاشية في نفس الصفحة بعض التعيين العام جداً لموقع هذه البلدة: "غير معروف اسم هذه البلدة الواقعة اليوم في نطاق حمص الاداري"([189]).

 

كيف اكتشف يواكيم الحج اسم هذه البلدة ؟

باسلوب سوريالي بالمطلق، تمكن السيد يواكيم من تعيين هذه البلدة وتحديد اسمها. كيف ذلك؟ البلدة أولاً فيها جوز. والقبيات تستقي من نبع الجوز! دليل ساطع! يقول السيد يواكيم: "ما هي البلدة التي بشرها ابرهيم الناسك؟ وهل هي منطقة عكار؟... (ويجيب) فالبلدة مذكورة اسمياً، ومحددة جغرافياً، وبشرت تاريخياً سنة 422م، ولا لزوم للاجتهاد والتفسير في النصوص، وموقعها مشهور بمحاصيل الجوز، حتى أن القبيات تستقي حتى هذا التاريخ من (نبع الجوز) الدافق من تلك المنطقة الجبلية العالية، ولا يوجد سواها من القرى والمناطق تتوفر فيهاالمواصفات المذكورة والمطلوبة اسمياً وجغرافياً فتكون البلدة التي بشرها ابرهيم الناسك حوالي سنة 422م تقع في منطقة عكار القريبة من الحدود السورية"([190]). ببساطة، البلدة التي بشرها ابراهيم القورشي فيها جوز، والقبيات فيها "نبع الجوز"، هذه قرينة ثابتة! و"البلدة مذكورة أسمياً"، وإن يكن تيودوريطس لم يذكر اسمها، وإن تكن الحاشية أفادت أن اسم البلدة غير معروف، ولو أن الحاج ذكر كل هذا الكلام بنصه الفرنسي([191])، كل ذلك غير مهم! يجب أن يكون للبلدة اسم، هكذا قرر المؤرخ يواكيم: "ولما كانت توجد في تلك المحلة قرية مسيحية تدعى بهذا الاسم "قريات" وهي الوحيدة، البلدة المارونية، الباقية حتى اليوم في تلك المحلة. ولما كانت البلدة الغنية بمحاصيل الجوز، التي تحدث عنها المؤلف أنها كانت كذلك غنية بمحاصيل الجوز (صدقوني، هكذا في النص)، فدخلها ابرهيم الناسك لأجل هذه الغاية مدعياً أنه تاجر جوز. ولما كانت عكار العتيقة المنطقة الأغنى بمحاصيل الجوز في لبنان وإليها جاء أولاً ابرهيم الناسك،... ولما كان ابرهيم الناسك خرج من البلدة لينتقي مكاناً وموقعاً يناسب لبناء كنيسة، فالموقع الذي وجده في تلك المنطقة وانتقاه، هو قرية القريات التي ما زالت تحمل هذا الاسم منذ ذلك التاريخ، وإليها انتسب المهتدون على يد ابراهيم. فالمنجد العربي يفيد أن: قرية ج قرى والنسبة = (قرويّ... وقَرَيي) أي بذات اللفظة التي وردت في الحاشية بالفرنسية واليونانية([192]). ومن كل هذه الثبوتيات التاريخية والجغرافية تكون منطقة عكار العتيقة وجوارها هي مهد المارونية الأول"([193]).

مسكين السيد يواكيم الحاج، ضحية هو لمن وضع له مقدمتي كتابه. من أين أتته الفكرة أن البلدة التي قصدها ابراهيم القورشي هي القريات؟ وكيف خطر له أن القريات أسقفية، وجعلها في جرود عكار؟ يقول السيد يواكيم الحاج ما يفيدنا في الجواب على مثل هذه الأسئلة: "إذا أخذنا الصفحة 41 من التاريخ الرهباني وترجمته المقابلة باللغة الفرنسية([194]).وقد جاء قول تيودوريتوس فيها أنه قضى ابراهيم الناسك ثلاث سنوات كاهناً بين أبناء البلدة التي بشرها:

“Il passa trois ans avec eux et, pour ne pas allonger mon récit en racontant tout ce qu`il a fait, Abrahamès y trouva la célébrité et reçut le siege Episcopal de Carrhes. C`était une ville saoulée d`impiété, qui s`était livrée à la fureur bachique des demons”

 إذاً قد قضى ابراهيم الناسك فعلاً ثلاث سنوات في القريات وعكار... وهكذا تكون القريات أول أسقفية في التاريخ الماروني في عكار بحسب شهادة المؤرخ تيودوريتوس كما هو مدون في الفقرة الخامسة من التاريخ الرهباني تحت عنوان: أسقف القريات. وهذا خير إثبات تاريخي على أن منطقة القبيات – عكار كانت على مارونيتها ومسيحيتها منذ القرن الخامس، بفضل رهبان بيت مارون، وابراهيم الناسك، ومن معهم من المبشرين"([195]).

بيت القصيد في كل ما أتى به السيد يواكيم الحاج: رهبان بيت مارون، هم الذين بشروا عكار، والأصل في مسيحية عكار الموارنة، ويجب أن يكون للقبيات دعوة في هذا الأصل، فحشرها، عبر نبع الجوز، بالقرب من عكار العتيقة، ثم القريات بالقرب من عكار العتيقة وفنيدق، ويأتي الحاصل: منطقة القبيات – عكار مهد المارونية. ولكن كل التراث الماروني (والمسيحي) لم يذكر أسقفية في عكار غير اسقفية عرقة. والتأريخ الماروني لطالما اشتغل على نصوص تيودوريطس وانتقل منها لاثبات عراقة المارونية، فكيف لم يهتدِ أحد إلى هذه الأسقفية: القريات؟ ببساطة لأن نص تيودوريطس لا يعني بأي شكل من الأشكال أن ابراهيم القورشي سيم اسقفاً في لبنان على أي أبرشية.

أن يتجرأ السيد يواكيم الحاج على تزوير نص تيودوريطس، فهذا شأنه. أن يخلط بين القريات (في عكار – لبنان) وحران (بلاد ما بين النهرين، تركيا)، فهو رجل غير مسؤول، ومسألته فيها نظر! أما أن يقدم له ما كتب وزور، ويوافقه بالتالي عليه الأباتي نعمان، ويسكت عنه، مادحاً، (Télé Lumière)، فهذا في العلم "جريمة لا تغتفر"!

عمل واكيم الحاج على إجراء تعديل في النص الفرنسي، وحوره ناقلاً مقطعاً من جملة، كانت في موقع محدد من الفقرة الرابعة، وضمها إلى مطلع  الفقرة الخامسة، فصارت كأنها في سياق سرد منطقي بحيث، يبدو أن ابراهيم الناسك قضى ثلاث سنوات، في لبنان، في (Carrhes) حران، (التي اعتبرها واكيم القريات) وفيها ترقى إلى درجة الأسقفية، بعد أن نال الشهرة هناك. إليكم أصل النص الفرنسي، حيث سنميز فيه الكلام المحذوف:

“p. 39. 4 – Ordonné prêtre de village… p. 41. …, il (Abrahamès) leur (les gens du village) conseilla de prendre un prêtre. Mais les gens disaient qu`ils n`en choisiraient pas d`autre et demandaient de le prendre comme père et Pasteur. C`est alors qu`il reçoit la grace du sacerdoce. Il passa trois ans avec eux et, après les avoir bien guidés vers les choses de Dieu, il fit désigner à sa place un autre de ses compagnons et retourna à sa demeure monastique.

من هذا المقطع نقل قسماً من جملة: (Il passa trois ans avec eux et,) وضمه إلى مطلع المقطع التالي، بعد حذف عنوانه.

Ēvêque de Carrhes. – 5.  Pour ne pas allonger mon récit en racontant tout ce qu`il a fait, Abrahamès y trouva la célébrité et reçut le siège épiscopal de Carrhes. C`était une ville saoulée d`impiété, qui s`était livrée à la fureur bachique des demons.”

            يتضح من هذا النص أن ابراهيم القورشي، قضى ثلاث سنوات في تلك القرية (في لبنان)، وهو كاهنها، وبعد أن رسخ فيها الايمان، عين مكانه أحد مرافقيه، وعاد إلى صومعته في ديره. هنا انتهى فصل من سيرة هذا القديس، وبدأ تيودوريطس بفصل جديد مفاده: وكي لا نطيل الكلام في سرد كل ما فعله، فإن ابراهيم شاعت شهرته في ذلك الدير، ورقي إلى كرسي اسقفية حران...

والمضحك والمبكي معاً ما كتبه السيد يواكيم الحاج في ص 466 من كتابه (ج 2): "فإذا أخذت الصفحة 37 من التاريخ الرهباني تجد هذا النص:

Il gagne le Liban et se rend dans un très grand bourg, qu`il savait rempli des ténèbres de l`impiété”.

وفي الحاشية رقم واحد العائدة لها تقرأ هذا التحديد الجغرافي للقرية:

Le nom de ce bourg situé dans le resort d`Ēmès (auj. Homs) est inconnu.

فمن هذا النص نتبين أن البلدة الكبيرة التي جاء إليها ابراهيم الناسك في لبنان تقع ضمن ولاية حمص".

صحيح أن القرية تقع ضمن ولاية حمص. ولكن الهرمل أيضاً ضمن هذه الولاية. وعلى أية حال الصحيح أيضاً أن النص يقول : أن اسم البلدة مجهول، غير معروف "est inconnu ... Le nom de ce bourg". فكيف خطرت على بال السيد يواكيم فكرة "القريات"، لتشابه اللفظ مع (Carrhes) وهي حران.

 

 

لماذا القبيات لا القريات ؟

تبقى ملاحظة أخيرة، في هذا الموضوع. قد تبدو شكلية، ولكنها تحجب في شكلها هذا عقدة التعظيم السخيفة للقبيات. في الصفحة 324، نقرأ عنواناً كرست الصفحة هذه بكاملها له، وهو: "الجزء الثالث. القبيات مهد المارونية". وفي الصفحة 366، نقرأ العنوان التالي: "الفصل الثالث. القبيات والمارونية". وفي الصفحة 368، نقرأ عنواناً فرعياً: "القبيات والانتشار المسيحي". وفي الصفحة 374، نقرأ المقطع التالي الذي انتهى بكلمتين بخط أسود عريض: "فإن كل هذه الشواهد المادية التي تؤكدها الوثائق والأطلال الأثرية الباقية... تثبت أن القبيات كانت السباقة لتقبل الدعوة المسيحية، وأنها احتضنت المارونية الأولى وكانت هي البلد اللبناني الوحيد الذي يصح فيه القول إنه: مهد المارونية".

ولكن بعد قليل تراجعت القبيات عن احتكارها الأولوية المارونية وحصريتها، إذ يفاجئنا، في الصفحة 443، العنوان التالي: "منطقة القبيات عكار هي مهد المارونية"([196]). وأخيراً يكشف لنا السيد يواكيم أن القريات هي مهد المارونية. فنكتشف أنه ليس للقبيات علاقة ما بكل ما كان يهرف به صاحبنا.

تمخض الجبل فولد فأراً. بشرنا السيد الحاج بأقدمية أوأسبقية قبياتية، في المارونية، وكانت النتيجة أن هذا المجد جاء لغيرها: القريات. ولو استبدل الكاتب اسم القبيات باسم أي بلدة عكارية أخرى لما اختلف الأمر مطلقاً. ولو أن القريات مجاورة للقبيات لقلنا: "حق الجيرة" أو "حق الشفعة" يعطي القبيات حصة كبيرة في هذا المجد. ولكن ليست القريات، مطلقاً، من القرى أو البلدات المجاورة للقبيات. وهي أقرب إلى معظم البلدات الأساسية في عكار من قربها إلى القبيات. فلماذا ترث القبيات مجد الآخرين؟ هذا إن كان هذا المجد موجودأً. إنها إيديولوجيا العظمة التي تعمي البصر والبصيرة، فتسيء إلى الذات وتسيء للآخر.

 

القبيات ومجزرة ال 350 راهباً !

من الأدلة على أن منطقة القبيات من أقدم المواقع في المارونية في لبنان يسوق السيد يواكيم الحاج خبر المجزرة التي ذهب ضحيتها 350 راهباً، في العام 517، وكانت ذروة الصدامات بين أنصار المجمع الخلقيدوني، من جهة وخصومه، من جهة أخرى. ولقد تناول، بكثرة، التأريخ الماروني وغيره هذه المجزرة وناقش أسبابها وكيفية حصولها ومواقعها وعرض الوثائق التي تعود لتلك المرحلة الزمنية والتي تلقي الكثير من الضوء على المواقع التي حصلت فيها هذه المجزرة.

لقد أجمعت الأبحاث المتنوعة، الدينية والتاريخية والأثرية، على أن هذه المجزرة حصلت في موقع ما، في المنطقة الممتدة بين أفاميا وقنسرين (خلقيس) وحلب. بيد أن السيد يواكيم الحاج يصر على جعل موقع المجزرة في "منطقة القبيات". يقول: المجزرة الفظيعة التي قتل فيها 350 راهباً، من رهبان دير القديس مارون...، وقعت فصولها في منطقة القبيات – أكروم"([197]). وكأن السيد الحاج تساءل لماذا لم يتم اكتشاف الموقع الذي حصلت فيه هذه المجزرة، ووجد السبب بقوله: "إن عريضة الشكوى التي رفعها لفيف إكليروس سورية من الرهبان، حملت اسم المكان بدون أن يتحققوا من موقعه. وذلك لأن الحاضرين والموقعين على متن العريضة كانوا بأجمعهم من الغرباء عن المنطقة"([198]). يقصد السيد الحاج أن موقعي العريضة من الرهبان، في العام 518م كانوا غرباء ولا يعرفون الأسماء فعينوا اسماً دون التحقق من موقعه. لا ندري ما معنى قوله غرباء. هذا مع العلم أن العريضة موقعة من قبل رهبان ينتمون إلى جملة من الأديرة المنتشرة في أماكن متفرقة ولا بد أن فيهم الكثير مِن مَن يعرف المواقع بدقة، ولا يحتاج انتظار السيد يواكيم ليصحح له موضع الموقع بعد ألفية ونصف يقريباً من الزمن.

ومع ذلك ينطلق السيد يواكيم من نص العريضة، كما ورد في "تاريخ الموارنة"، في الجزء الأول، للأب بطرس ضو. وانطلاقاً من هذا النص يقول، وهو يحاول تعيين موقع المجزرة: "عندما كنا في طريقنا بجوار الكروم (اللفظة باللاتينية)، وإذا أردنا بالاضافة إلى ما سبق بيانه من الحوادث، ذكر ما كان يجري في دير (أور أكروم) (Our Akroum)، فأية صحف تكفي لتعداد تلك الجرائم الكثيرة"([199]). وينهي هذا النص بإحالة إلى حاشية يحدد فيها مصدره: "الأب بطرس ضو: ج 1 من تاريخ الموارنة، ص 174 – 175". ويتابع تحليله بما يفيد أن "أور أكروم" (Our Akroum)، هي مدينة أكروم، باعتبار أن "أور" تعني مدينة و"أكروم" غنية عن التعريف، وموجودة في "منطقة القبيات".

ويجتهد السيد يواكيم الحاج، ويعطي تحديداً أدق للموقع بقوله: "وقد تكون الجريمة وقعت بالتحديد في الجهة الغربية من جبل أكروم، في الوادي المسماة "طاروع الرهبان" في عودين في خراج بلدة عندقت حالياً"([200]). ومن ذلك يستنتج السيد يواكيم أن القبيات أعتنقت المسيحية مارونية، أصلية، على يد رهبان مارون الذين استقروا في ربوعها...  وكل ما في مناطقنا من آثار مسيحية تكون بالضرورة ثوابت على المارونية، وهي بالتالي أيضاً مارونية، وكفى الموارنة شر البدع([201]).

كيف تلاعب السيد يواكيم بنص العريضة الذي أخذه عن الأب بطرس ضو، وجعله يحسم حصول المجزرة في أكروم؟ علماً بأن في النص الذي شوهه السيد يواكيم الكثير من العناصر الجغرافية الواضحة. انتزع أولاً من مؤلف الأب ضو (من ص 174، من تاريخ الموارنة، ج 1) قسماً من جملة: "عندما كنا في طريقنا بجوار الكروم (اللفظة باللاتينية)". هذا كل الكلام الذي انتزعه من هذه الصفحة 174، وهو يقع في منتصف الصفحة. وحتى هذا القسم القصير شوهه واكيم، بحذف كلمة "قرية" منه، وباستبدال اسم القرية الوارد باللاتينية بعبارة من عنده: (اللفظة باللاتينية). جاء الكلام في نص الأب ضو كما يلي: "عندما كنا في طريقنا بجوار قرية الكروم (Kaprokerameân chôrion)"([202]). ويوضح الأب ضو حاشية له في نفس الصفحة أن هذه القرية "هي اليوم كفر كرمين أي قرية الكروم في السفح الشرقي لجبل سرير بجوار جبل شيخ بركات وعلى الطريق المؤدية إلى كنيسة مار سمعان، على مقربة من هذه القرية شطر سليم من الطريق الرومانية التي كانت تصل انطاكية بحلب وقنسرين"([203]).

إن هذا القسم من جملة طويلة، "عندما كنا في طريقنا بجوار قرية الكروم (Kaprokerameân chôrion)"، الذي انتزعه السيد الحاج، من سياقه السليم والأصلي، لا يتم معناه إلاً برده إلى سياقه بالذات، وهو التالي بحرفه، وهو أصلاً غير مفصول عن ما بعده بعلامة ما من علامات الوقف: "عندما كنا في طريقنا بجوار قرية الكروم (Kaprokerameân chôrion) غير البعيدة عن هيكل الطوباوي سمعان لأجل السلام...، ...، فإذا بيهود أو علمانيين وحتى رهبان انقضوا علينا..."([204]). القرية هي "كفر كرمين"، وباللاتينية (Kaprokerameân chôrion). وهي غير بعيدة عن مار سمعان

يتابع نص العريضة (في ص 174 للأب ضو) وصف ما حلّ بالرهبان من عظيم المصاب، وبالانتقال إلى الصفحة الثانية (ص 175) تبدأ العريضة بذكر اعتداء آخر: "وإذ اعتبروا هذه الاعتداءات الفظيعة ضئيلة... قاموا بهجوم آخر على الدير المذكور (يوضح الأب ضو أنه دير مار سمعان) وهدموا شطراً من السور..."([205]). ويتابع نص العريضة وصف مسلسل الاعتداءات، التي بلغت مدينة أفاميا: "وكما لو لم يكن كافياً أن يدنس ساويروس وحده ثوب المسكونة بأسرها فدفع ببطرس ضد مدينة أفاميا... ومن هناك أخذ هذا يجعل من دير القديس دوروثاوس مسرحاً لقحة الشباب الطائشة ... وكان بعد أن يضرب هناك الرهبان الوقورين يقودهم إلى المدينة حيث يودعهم السجن..."([206]). هنا مزيد من أسماء المواقع، مما يسهل عملية تحديد موقع المجزرة.

ويتابع نص العريضة، في وصف موقع آخر تناولته الاعتداءات: "وإذا أردنا بالاضافة إلى ما سبق بيانه من الحوادث ذكر ما كان يجري في دير "اوراغوروم" (Oragorum) فأية صحف تكفي لتعداد تلك الجرائم الكثيرة"([207]). هذا النص الأخير، قام السيد يواكيم الحاج بتعديل اسم الدير الوارد فيه. فبدل عبارة "اوراغوروم" (Oragorum)، وضع عبارة "أور أكروم" (Our Akroum). لقد عدّل بكتابة وبلفظة اسم الدير. ثم قام باضافة قسم الجملة الذي أشرنا إليه سابقأ، إلى مطلع هذا النص، أي إنه ألحق قسماً من جملة وردت في منتصف الصفحة 174، بمطلع جملة وردت بعد منتصف الصفحة 175، على بعد 23 سطراً، وعبر مقاطع تروي أخباراً متنوعة عن المجزرة ومواقعها.

هكذا حصل السيد يواكيم الحاج على النص التالي الذي سبق ذكره، وهو: "عندما كنا في طريقنا بجوار الكروم (اللفظة باللاتينية)، وإذا أردنا بالاضافة إلى ما سبق بيانه من الحوادث، ذكر ما كان يجري في دير (أور أكروم) (Our Akroum)، فأية صحف تكفي لتعداد تلك الجرائم الكثيرة". هكذا صار بوسع "المؤرخ" الحاج، الأمين لما ينقله، جعل "الكروم (اللفظة باللاتينية)" هي "أور أكروم". بينما، في الحقيقة، يتضح من السياق العام أن  قرية الكروم (اللفظة باللاتينية)  (Kaprokerameân chôrion)، هي موقع بجوار الطريق حيث تعرض الرهبان لعملية الانقضاض عليهم،  وهي في غير الموقع الذي سمته العريضة دير "اوراغوروم" (Oragorum)، والذي تلاعب، عمداً، بصيغة اسمه الحاج ليصبح (أور أكروم) (Our Akroum).

من الممل متابعة ما يهرف به السيد يواكيم كدلائل على أقدمية المارونية في القبيات، كقوله أن البطريرك يوحنا مارون جاء إلى القبيات وأقام فيها([208])، وبطولات شباب القبيات، في مقاتلة جيوش يوستنيان الأخرم([209])، وما سوى ذلك من "هلوسات" العظمة، لجعل القبيات "أم الموارنة"! في لبنان؟ على الأقل!

 

د. سلوم وحصر المسيحية بالموارنة: نظرية "المذبحين"

يشارك د. سلوم الأب موراني والسيد يواكيم الحاج في منهج حصر كل التراث المسيحي في المنطقة (آثار...) بالموارنة. ولكنه يسوق دليلاً مختلفاً لم يفطن له جيداً، بعكسه، موراني والحاج، وهو يعبر عن هذا الدليل باستعماله، مرة عبارة "المذبح المزدوج" و"السوق المزدوجة" في قوله: إن السكن الماروني في الدريب، وفي القبيات خصوصاً، وفي عكار عموماً قديم قدم المارونية... فها هنا كانت درب الموارنة ومحط رحالهم، إن في هجرتهم من أماكن اضطهادهم في سوريا إلى شمال الجبل اللبناني وإن في نشاط رهبانهم التبشيري... وها بقايا كنائسهم المزدوجة المذبح والسوق العائدة إلى ما قبل القرن الحادي عشر تشهد على عراقة القبيات المارونية"([210]).

وفي مرة أخرى  يستعمل عبارة "المذبحين" فقط، متخلياً على ما يبدو عن عبارة "السوق المزدوجة"، كما في قوله: "تكثر في المنطقة (القبيات وجوارها) الكنائس القديمة الخربة والمنتشرة في الحقول وعلى التلال المهجورة... وتشير هندسة هذه الكنائس باعتبار وجود المذبحين إلى عادة مارونية قديمة في بناء كنائسهم لأسباب ليتورجية، تعود إلى ما قبل القرن الحادي عشر ومن أهمها: كنائس سيدة كماع وسيدة غزراتا وسيدة دير عنان ودير مار جرجس ودانيال ومار سركيس وباخوس..."([211]). ويسند رأيه في نظرية "المذبحين" المميز لهندسة الكنائس المارونية إلى البطريرك اسطفان الدويهي، في مؤلفه "أصل الموارنة، في الصفحة 134"([212]).

فما هي قصة "السوق المزدوجة"، و"المذبحين" ؟ وهل هذان العنصران مميزان للهندسة المارونية في بناء الكنائس، واستناداً للبطريرك الدويهي كما يدعي د. سلوم؟ ماذا قال الدويهي، بالتحديد، حيث استشهد به د. سلوم؟ يقول البطريرك الدويهي، في معرض مناقشة من رمى الموارنة بتهمة المونوفيزية، وباستعراضه لواحد من الاتهامات: "... وان الروم تسموا ملكية لأن مملكة الروم كان لها ملكين وتعاهدوا لهما ان يقيمون على اسمهما في الكنايس مذبحين اذا انتصروا لراي المشيتين، وكلام غير ذلك ما له أصل. لأن الكرسي لم يساع بطركين ولا مملكة الروم كان بها ملكين. واقامة مدبحين في الكنيسة هو قديم في البيعة لاجل نقلة القربان من المدبح الى المايدة كما شرحنا في كتاب المناير"([213]).

لم يأتِ الدويهي هنا على ذكر "السوق" مطلقاً، لا المفردة ولا المزدوجة ولا المثلثة. أما "إقامة المدبحين" فهو قديم في البيعة، لا عند الموارنة فقط، بل في كل البيعة، وهو أسبق من الانشقاق بين الملكية والموارنة، ولا يعود إلى ما قبل القرن الحادي عشر فحسب، بل إلى ما قبل القرن السابع، أي إلى ما قبل نشوء الموارنة ككنيسة مستقلة. إن نص البطريرك الدويهي واضح هنا، وهو يناقش اتهام الموارنة بالمشيئة الواحدة، ويرد على من يدعي باعتبار نشوء الرأي بالمشيئتين مرتبط بإقامة مذبحن: "... وتعاهدوا لهما ان يقيمون على اسمهما في الكنايس مذبحين اذا انتصروا لراي المشيتين". ورده حاسم: " وكلام غير ذلك ما له أصل... واقامة مدبحين في الكنيسة هو قديم في البيعة".

تعرض البطريرك الدويهي لهندسة الكنائس، في مؤلفه "المنارات العشر"، والمعروف "منارة الأقداس"، لا سيما في المنارة الثانية وهي بعنوان"في مواضع إقامة القداس الطاهر" ("نحن نقسم هذه المنارة إلى ثلاثة شروح. ففي الشرح الأول نتكلم عن الكنيسة. وفي الثاني عن المذبح. وفي الثالث عن الآنية المقدسة")([214])؛ والمنارة السابعة وهي بعنوان "في الاستعداد لتقديس الأسرار"، وفيها أهمية المذبح الليتورجية([215]). ماذا في"منارة الأقداس" عن موضوع السوق والمذبح؟

بداية لا بد من إيضاح أن الكلام في هندسة الكنائس لا ينطبق إلاً على الكنائس الكبيرة التي فيها وحدها أمكن رعاية الشروط الكاملة لاقامة الكنائس. وهذا ما أشار إليه الدويهي في المنارة الثانية، الفصل الثالث، تحت عنوان "في كيفية بنيان الكنائس"، حيث يقول: "... قسم الآباء القديسون الهياكل الكبيرة إلى ثلاثة أي قدس الأقداس وبيت القدس والدار..."([216]). وأشار إلى نفس الأمر الأب بطرس ضو عندما بحث في هندسة الكنائس المارونية وميزها عن غيرها بوجود البيما، إذ قال: "فحيث يوجد البيما فالكنيسة مارونية... (ولكنه أوضح) أن البيما لم يكن موجوداً في الأديار بوجه عام وفي كل كنائس الموارنة ولكن في الكنائس الرئيسية فقط..."([217]). يعني ذلك يفترض بالكنائس التي كانت في القبيات أن تكون على حال من البنيان، وعلى رعية قادرة ومتمكنة اقتصادياً، بحيث تدخل هذه الكنائس في صنف "الهياكل الكبيرة"، على حد عبارة الدويهي، أو صنف "الكنائس الرئيسية" على حد عبارة الأب ضو. وهذا ما لا إثبات عليه حتى الآن.

ليس في كل ما قاله الدويهي في مؤلفه "منارة الأقداس" ما يشير إلى أن وجود المذبحين هو من علامات تمييز الكنائس المارونية. إن ما يرد في "منارة الأقداس" يؤكد ما قاله الدويهي في أصل الموارنة": وجود المذبحين قديم في البيعة. يقول الدويهي وهو يشرح تطور إقامة المذابح في الكنائس: ... وكذلك قبل أن تقرأ الكتب المقدسة لم يكونوا يصمدون الأسرار على المذبح الكبير بل على المذبح الصغير المستتر لئلا يتوهم المتتلمذون ان النصارى متمسكون بتقليدات اليهود او انهم يضحون الضحايا كالكفار. لكنه لما اشتهرت الديانة المسيحية أمر الآباء بالغاء المذبح الصغير المستتر وأوجبوا أن تصمد السرار على مذبح واحد... ومن ثم بطلت العادة الموما إليها في جميع الكنائس شرقاً وغرباً ولم يتمسك بها الا الروم الذين إلى الآن ينقلون الأسرار من المذبح الصغير إلى المائدة..."([218]). وفي مكان آخر يكرر نفس هذا الموقف بقوله: "واما كنائس الشمال كما هم الروم والأرمن فلم يغيروا العادة القديمة فيصمدون القرابين في بدء القداس على المذبح الصغير من جهة الشمال وبعد قراءة الانجيل الطاهر ينقلونها إلى الكبير الذي يدعونه مائدة"([219]). نستنج من ذلك أن مقولة المذبحين التي يتقدم بها د. سلوم كعلامة على تمييز كنائس الموارنة، ليس لها أي أساس من الصحة. والبطريرك الدويهي الذي يستشهد د. سلوم بأقواله لم يقل ما ينسبه له سلوم أبداً.

كيف نميز كنائس الموارنة عن غيرها؟ سوءال طرحه الأب بطرس ضو، وأجاب عليه بأن المميز للكنائس المارونية هو وجود البيما أساساً: "هل من دليل يمكن بواسطته تمييز كنائس الموارنة عن كنائس اليعاقبة والروم في هذه المجموعة الحضارية؟ نعم ان هنالك دليلاً طقسياً هندسياً ليتورجياً يمكننا بواسطته افراز وتمييز الكنائس المارونية عن غيرها في تلك المدن والقرى المسيحية الباقية من الأجيال السبعة الأولى. وهذا الدليل هو "البيما" الذي كان في سورية مختصاً بكنائس وليتورجية الموارنة دون غيرها"([220]). ويوضح الأب ضو أن الصحن في الكنيسة "يمكن أن يكون مؤلفاً من سوق واحدة أو منقسماً إلى ثلاثة أسواق أو أكثر..."([221]). وهذا ما أشار إليه الأب لامنس في بحثه في الكنائس القديمة في شمال جبل لبنان([222]). يعني ذلك أيضاً أن ادعاء د. سلوم بتميز الكنائس المارونية بالسوق المزدوجة، لا أساس له من الصحة، شأنه في ذلك شأن وجود المذبحين.

ولقد أشار مجمع العام 1736، إلى مسألة المذبح وكيفية بنائه وموضعه وغير ذلك مما يتوافق وطقوس الكنيسة المارونية، ومما جاء فيه: "يجب أن ترعى هيئة بناء الكنائس بحسب طقسنا لو أمكن على الطرز الآتي: بأن يكون المذبح الكبير إلى الشرق وباب الكنيسة إلى الغرب ويمين المذبح إلى الشمال ويساره إلى الجنوب... ينبغي أن يكون منفصلاً عن الحنية... ثم ينبغي أن يُعمل مذبحان صغيران ينظران إلى الشرق على جانبي الحنية أحدهما عن يمين المذبح والآخر عن يساره... أما إذا تعذر استيفاء كل ذلك بمقتضى الطقس فلا أقل من أن يكون في الكنيسة مذبح واحد منفصل عن الحنية... وبمقتضى الرتبة القديمة يجب أن يكون في وسط المذبح مائدة من حجر أو خشب مكرسة... ذات عرض كاف يتسع للصينية والكاس بلا عناء"([223]). واضح من هذا النص الشرعي أن الأصول المطلوبة في بناء الكنائس تتعلق بالكبير منها أولاً، والضرورة تفرض وجود مذبح واحد على الأقل، هو المذبح الكبير، ومذبحين صغيرين، ثانياً. والرتبة القديمة تقول بمذبح واحد في وسطه المائدة، ثالثاً. وعليه ليس وجود المذبحين هو الخاصة المميزة لكنائس الموارنة. وعلى العموم لا نظن كنائس الموارنة القديمة هي من الكنائس الكبيرة المشهورة، لتمتاز بكامل المزايا، ذلك أن المجتمعات المارونية القديمة في منطقتنا كانت متواضعة في حجمها، وبالتالي ضعيفة في قدراتها لبناء الكنائس الفخمة.

أن غالبية المواقع التي ينسبها د. سلوم إلى الموارنة، هي على العموم مجرد خرب بائدة للغاية، وتم تجديد البعض منها منذ فترة قريبة، ولا سيما في أعقاب الحرب الأهلية الأخيرة، أو على أبوابها، يوم بدأت المشاعر الطائفية تتأجج في نفوس شتى الطوائف اللبنانية. ومن الجدير ذكره أن هذا التجديد كان عشوائياً للغاية بحيث لم تراعَ فيه أية أصول لترميم المواقع الأثرية. ولم يشترك في عملية الهدم والترميم أحد من أهل الاختصاص في هذا الميدان. وكثيراً ما كان يعاد البناء بمواد مجمعة من هنا وهناك. والافتراضات التي تقدم لاثبات مارونية هذه المواقع (السوق المزدوجة، المذبحان ...) هي مجرد افتراضات وتخيلات، بمعنى أنه لم تحصل أي دراسة أثرية فعلية لهذه المواقع. والدراسة التي أتى بها الأب موراني، كانت مجرد قراءة تاريخية ولا علاقة فعلية لها بالبحث في الآثار. وسبق لنا، في موقع آخر من هذا البحث، أن أشرنا إلى أن الأب موراني كتب آثار المنطقة استناداً إلى ناريخ مختلق، وأعاد صياغة هذا التاريخ استناداً إلى ما اختلقه من نتائج بحث أثري، هو نفسه وهمي..

 

د. سلوم: تعيين مجاني للمواقع المارونية

كما أن الأب موراني والسيد يواكيم الحاج ينسبان كل أثر مسيحي، مهما كان نوعه، إلى الموارنة، كذلك يفعل ثالث الثلاثة د. سلوم فيجعل كل ما هو مسيحي (وأحياناً غير مسيحي) مارونياً، دونما وجود أي برهان، أو دون التقدم بأي دليل. من ذلك ما طرحه في العام 1983 ([224])، وأعاد تأكيده أيضاً، في العام 1992، حيث يقول: "ومن قراهم (يقصد الموارنة) القديمة البائدة: المزيحمة وقتة والريحانية والكويخات وتلحميرة ودارين والحوشب والخرنوبي وبرشا والغزيلة([225]). ينهي سلوم هنا كلامه بتعيين حاشية يذكر فيها مصدره الذي سمح له بإثبات "المارونية القديمة" لهذه القرى([226])، وإذا بهذا المرجع الذي يعتمده د. سلوم هو د. سلوم ذاته، في بحث أسبق. ولكن لنحاول كشف دقة د. سلوم في ما طرحه إثباتاً لمارونية هذه القرى.

في بحثه حول قرى المنطقة المحيطة بالتليل، يعترف د. سلوم بافتقار البحث إلى المراجع التي تعالج ما يتعلق بتاريخ الموارنة السابق على منتصف القرن التاسع عشر. يقول: "وأقدم الاشارات إلى سكان التليل الموارنة فكانت بتاريخ سنة 1855..."([227]). ويقول في مكان آخر، عن عائلات التليل: "أقدم المصادر التي توفرت بين أيدينا لا تشير إلى أبعد من سنة 1854 كأدلة على السكن الماروني في التليل..."([228]). ومع ذلك يقرر جازماً: "يمكن الجزم، ودائماً من خلال المصادر المتوفرة والتقاليد، بأن الموارنة هم أول من نزل في هذه القرية"([229]). فهل يعني ذلك أن التليل لم تكن مأهولة قبل منتصف القرن التاسع عشر، لأن د. سلوم "يجزم" أن الموارنة أول من نزلوها، ويعترف بأن أقدم ذكر توفره المصادر لوجودهم في التليل هو منتصف القرن التاسع عشر؟ ولكن التليل أقدم بكثير من هذا الزمن، على الأقل وفق ما قاله د. سلوم نفسه: "أقدم ذكر للتليل في المصادر المتوفرة ورد سنة 842هـ (1086م)..."([230]).

لا تأخذ كلمة المصادر والمراجع في منطق د. سلوم مفهومها الفعلي، إنها مجرد "تعلة" يتخذها ليصبغ كلامه ب"صبغة" العلم فقط. هذا فضلاً عن أنه لا يتعامل مع المصادر والمراجع بشكل علمي (التحقق منها) وبأمانة أيضاً، بمعنى أنه كثيراً ما يحور النصوص ويتلاعب بها، كما هي حاله عندما ينسب  المطران يوحنا بن حاتم الحوشبي إلى قرية الحوشب في عكار، فيجعلها مارونية منذ مطلع القرن السابع عشر، بقوله: "الحوشب. اسمها يعني مكان الأب حسب فريحة. كانت قديماً قرية مسيحية وكان منها أسقف على قنوبين هو يوحنا بن حاتم الحوشبي، ذكره الدويهي في أخبار سنة 1603"([231]).

في هذا المثال كان على د. سلوم التحقق من أمرين ومرجعين. الأول اسم "حوشب"، ومرجعه فريحة (معجم...)، والثاني الأسقف المذكور، ومرجعه البطريرك اسطفان الدويهي (تاريخ الأزمنة). فلو كان أميناً في تعامله مع مراجعه لما اكتفى، في تو ضيح اسم حوشب، بقسم من كلام فريحة وطمس القسم الثاني. ماذا قال فريحة: "إذا كان الاسم مركباً فأرجح أنه من... (لفظتين سريانيتين) أي منزل الأب وبيته (حوش + أب). أما إذا كان مفرداً سريانياً فيكون من... (لفظة سريانية): الحساب والنظر والقصد. أما إذا كان الاسم عربياً مفرداً فإنه يعني الأرنب والعجل والثعلب الذكر و... و... مما لايعتمد عليه"([232]).

لقد ترك فريحة، في تفسيره لاسم حوشب، احتمالاً أن يكون الاسم عربياً. وهذا ما لم يقبل به د. سلوم، ولم يشر إليه. وهولو فعل لربما نسب "حوشب" إلى أصل عربي. يقول ياقوت الحموي: "حوشب من مخاليف اليمن"([233]). وقريب من حوشب ما جاء في منجد اللغة والاعلام: "الحواشب: قبيلة في جنوب جزيرة العرب... والحواشب: قرية في جنوبي شبه الجزيرة العربية. كانت جزءاً من محمية عدن الغربية. وهي اليوم في جمهورية اليمن..."([234]). هكذا تكون "حوشب" أيضاً علم مكان وانسان. ومن أسماء العلم العرب ما جاء في أخبار الوقائع في صفين بين علي ومعاوية: "وقتل حوشب ذو ظليم وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام"([235]). وعليه ليس من المستبعد أن يكون أصل اسم حوشب عربياً، على اسم مؤسس هذه القرية الذي قد يكون من القبائل العربية المسيحية أو التي تنصرت بعد مجيئها إلى المنطقة أو قبله.

وعليه ليس كل من تسمى، أو من تكنى بكنية حوشب يكون من حوشب عكار. فحوشب هو اسم البطريرك التاسع في ساسلة بطاركة الطائفة المارونية: "البطرك التاسع أوسابيوس المدعو حوشب"([236]). وحوشب هو اسم لعائلة حلبية لأحد المطارين الموارنة، إذ يذكر الأب ابراهيم حرفوش: "في أول ك1 سنة 1732 ارتسم القس جبرايل حوشب الحلبي مطراناً على حلب... واسمه في المجمع اللبناني..."([237]). وهناك "دير مار حوشب" في "أرض لحفد"([238]).

أما المطران يوحنا بن حاتم الحوشبي الذي جعله د. سلوم من حوشب عكار، مدعياً ذكر ذلك في أخبار البطريرك الدويهي لعام 1603، فإن البطريرك المذكور يقول: "وفيها (سنة 1603) رسم السيد البطريرك ليوحنا الحصروني ابن الشدياق حاتم الحوشبي اسقفاً في قنوبين، وكان من تلاميذ رومية..."([239]). يوحنا الحوشبي هذا هو يوحنا الحصروني، يعني أنه من حصرون. كما يتضح من كلام البطريرك الدويهي نفسه في أخباره لسنة 1632: "وفيها كانت وفاة الاسقف يوحنا الحوشبي من قرية حصرون..."([240]). ويرد اسم نفس المطران على لسان الأب فيليب السمراني، يوحنا حوشب: "إن المطران يوحنا حوشب الحصروني الذي سقف سنة 1603 أراد أن يدخل في حلب استعمال التقويم الغريغوري..."([241]). ومع كل ذلك يجعل د. سلوم هذا الأسقف من عكار من الحوشب.


[1] -  "ثم خرج يسوع من هناك وذهب إلى نواحي صور وصيدا. وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك البلاد تصيح: رحماك سيدي! يا ابن داود! إن ابنتي يتخبطها الشيطان تخبطاً شديداً... فأجابها يسوع: ما أعظم ايمانك أيتها المرأة، فليكن لك ما تريدين. فشفيت ابنتها من ساعتها. ثم مضى يسوع من هناك إلى شاطىء بحر الجليل..."، متى، 15/ 21 و22 و28 و29؛ مرقس، 7/ من 24 حتى 37.

[2] -  لامنس، الأب اليسوعي هنري: تسريح...، مرجع سابق، ص 113 – 114: يذكر الأب لامنس وجهة النظر هذه ويراها بعيدة عن الحقيقة بقوله: "وللكتبة المحدثين قول آخر ... يزعمون بموجبه أن السيد المسيح لم يدخل فقط صيداء بل بلغ أيضاً ثغر بيروت. والتقليد المذكور أثبته في القرن الخامس عشر أحد الزوار الألمانيين يدعى برَيتنباخ (راجع المشرق 1: 191). ثم أورده كوارزميوس في كتاب وصف الأراضي المقدسة (راجع كتابه "Elucidatio Terrae Sanctae"). وذكره أحد أدباء الألمان في مقالة طبعها سنة 1692 عن بيروت وآثارها. ولعل هذين الأخيرين نقلا ما قاله برَيتنباخ. وهذا التقليد غلى ما نظن ليس بثبت ولا نرى وجهاً لتوفيقه مع ما رواه الانجيليون".

[3] -  الدبس، المطران يوسف: تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 3، ص 429 – 430. راجع أيضاً الأب لامنس، تسريح...، مرجع سابق، ص 116 – 117.

[4] - لامنس، المرجع السابق، ص 118: "إن القديس بطرس أحتل طرابلس وأقام عليها اسقفاً يدعى مارون. وهذا الأمر ذو شأن ولا نرى في صحته التاريخية مشكلاً وإن كان مدون هذا الخبر زاد فيه من الأوصاف الوهمية ما لا يقبله العلم الصادق. ويسرنا أن نرى في ذلك العهد اسقفاً جليلاً يتيمن قراؤنا الموارنة باسمه وقد اشتهر في مدينة تطل عليها تلك الجبال التي صارت بعدئذ مهد طائفتهم العزيزة".

[5] -  الدبس، المطران يوسف، مرجع سابق، ج 4، ص 80.

[6] -  بابادوبولس، خريسوستمس: تاريخ كنيسة انطاكية، تعريب الأسقف استفانس حداد، منشورات النور، 1984، ص 69.

[7] -  Dictionnaire d`Histoire et de Géographie Ecclésiastique, T. 3, Librairie Letouzey et Ané, Paris, 1924, p. 1482.

[8] -  الدبس، تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 4، ص 182؛ ويضيف الدبس: "ثم توقيع اسكندر اسقف عرقا في جملة تواقيع أساقفة فينيقيا على رسوم المجمع القسطنطيني الأول سنة 381م. وأنبأنا سقراط (ك 7 من تاريخه فصل 36) إن افرنسيوس كان أولاً اسقفاً على عرقا فنقل إلى اسقفية صور" (ص 182 – 183). يعتبر الأب نايف اسطفان أن افرنسيوس كان أول أسقف على عرقة (تاريخ أبرشية عكار...، ص 25)، وهذا يبدو غير صحيح استناداً إلى مرجع الأب اسطفان بالذات: الدبس.

[9] -  لامنس، تسريح...، مرجع سابق، ص 122. يروي الأب لامنس جملة أمثلة عن المواقع الوثنية التي استمرت ناشطة في القرن الرابع للميلاد، منها هيكل الزهرة في أفقا الذي دمره الامبراطور قسطنطين الكبير عام 325م، وأعيد ترميمه في عهد الامبراطور يوليانوس الجاحد (361 – 363)، المرجع المذكور، ص 65 – 66.

[10] -  المرجع السابق، ص 117 – 118: "اشتد أزر الدين الوثني في لبنان بملك الامبراطور الروماني أدريان الذي زار لبنان في بدء القرن الثاني وسكن مدة جبيل. وكان هذا القيصر من عبدة الزهرة... وجرى خلفاء أدريان على سننه فعززوا في لبنان الشرك والتوثن كيف لا وبعضهم كانوا ولدوا في لبنان أو المدن الملاصقة له نخص منهم بالذكر اسكندر ساويروس الذي كان مولده في هيكل الزهرة في عرقة. ولذلك ترى كثيراً من الآثار الدينية الفخيمة التي تزين لبنان حتى يومنا هذا قد شيدت في ذلك العهد.منها هيكلا بعلبك وحصن سليمان في جبل النصيرية... وفي لبنان مباني أخرى... الأرجح أنها بنيت في الوقت عينه... كحصن صافيري في الضنية...".

[11] -  Henri SEYRIG: Némésis et le Temple de Maqam Er-Rabb, M.U.S.J., t.XXXVII, 1961,  Fasc. 15, op. cit. pp. 261-270.

[12] -  بابادوبولس، تاريخ كنيسة أنطاكية، مرجع سابق، ص 644.

[13]- المرجع السابق، ص 645: "متروبولية صور ويتبعها 13 أسقفية هي: أسقفية بورفيريون، اسقفية عرقة، عكا، صيدا، جبيل، البترون، مصياف، أورواد، طرطوس، بانياس، زحلة، طرابلس، صارفتا (صافيتا)".

[14] -  الدبس، تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 4، ص 301.

[15] -  المرجع السابق، ج 4، ص 56.

[16] -  المرجع السابق، ص 236 – 243. ومن هؤلاء الأريوسيين يذكر بابادوبولس (مرجع سابق، ص 116) بافلينس أسقف صور وثيوذوتس أسقف اللاذقية وغريغوريوس أسقف بيروت.

[17] -  يرد ذكر هذا الأسقف في (Dictionnaire d`Histoire. . ., op. cit., p. 1482.): "كان مارشيلينوس من الأساقفة الشرقيين الذين انفصلوا عن آباء أفسس".

[18] -  المرجع السابق، ص 1482: "ابيفان شارك في سينودس انطاكية حول قضية أتناز".

[19] -  الدبس، تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 4، ص 301. حول الأسقف الأخير جاء في المرجع السابق (Dictionnaire d`Histoire. . ., op. cit., p. 1482.): "أيركليتوس Heraclitus حضر مجمع خلقيدونية ووقع على مقرراته، كما وقع على رسالة أساقفة مقاطعته إلى الامبراطور ليون حول مقتل بروتيريوس الاسكندرية".

[20] -  الدبس، المرجع السابق المذكور في الحاشية 20، ص 301.

[21] -  دي طرازي، الفيكونت فيليب: أصدق ما كان...، مرجع سابق، ج 1، ص 264: "بيعة سيدة القلعة شيدت هذه البيعة فوق هضبة واقعة في منتصف الطريق التي تصل طرابلس بحمص. وكانت تابعة في سياستها البيعية لكرسي أبرشية عرقا. ولا يبعد أن تكون بيعة سيدة القلعة قد شيدت قبل عهد الانفصال الذي مني به الكرسي الأنطاكي في القرن الخامس".

[22] -  المرجع السابق، ص 412

[23] -  المرجع السابق، ص 413. يرد نفس الخبر في (Dictionnaire d`Histoire. . ., op. cit., p. 1483.): "قاوم أحد أساقفة عرقا الاجراءات التي فرضها ساويرس الأنطاكي لجره إلى المونوليتية، هذا على الأقل ما يخبرنا عنه ابيفانوس الصوري في رسالته إلى توافيل اسقف هرقلية التي قرأت في الجلسة الخامسة من السيودس الذي عقده ميناس (Mennas) عام 536".

[24] -  الدبس، المرجع السابق، ج 4، ص 413.

[25] -  المرجع السابق، ص 412

[26] -  ابن القلاعي، زجليات، مرجع سابق، ص 93.

[27] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، ج 1، ص 308. "أما الحدود الشمالية فكانت كما أعتقد بلاد الدريب أي طرف عكار الشمالي عند النهر الكبير"، (المرجع السابق، ج 3، ص 299).

[28] -  المرجع السابق، ج 3، ص 390.

[29] -  المرجع السابق، ص 299.

[30] -  المرجع السابق، ص 510.

[31] -  RENAN: Mission de ..., op. cit., p. 123.

[32] -  أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، ج 4، ط 1، المطبعة الحسينية المصرية، ص 52. ولقد ذكر البطريك الدويهي نفس الخبر على شيء من التشويش، في "تاريخ الأزمنة"، مرجع سابق، ص 286 – 288. وابن كثير، في البداية والنهاية، مجلد 7، ج 14، ص 35.

[33] -  المعلوف، عيسى اسكندر: دواني القطوف...، مرجع سابق، ص 158.

[34] -  المرجع السابق، ص 154.

[35] -  يني، جرجي أفندي: تاريخ سوريا، دار لحد خاطر، بيروت، 1986، ص 312.

[36] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 20.

[37] -  يحيلنا الأب موراني في المرجع السابق، ص 21، حاشية رقم 1، إلى (RENAN: Mission. . .,op. cit.)، ويعين ص 86، كموقع للنص الذي أورده رينان، بينما الصحيح هو ص 123.

[38] -  تجاوز الأب موراني في النص الذي ذكره هذه الجملة: "وكانت تابعة في سياستها البيعية لكرسي أبرشية عرقا". لأن ذلك يضعف من قيمة المركز المسيحي المزدهر بجوار هذه البيعة، فلماذا تتبع أبرشية عرقا إذا كان المركز في القبيات المجاورة لها؟

[39] -  المرجع السابق، ص 266.

[40] -  المرجع السابق، ص 44. حافظنا على النص كما أورده الأب موراني، خاصة في تعداد أسماء القرى التي نذكرها هنا كاملة: شدرا وعينتقد والرحبة وخربة الرمان وشربيلا وحوشب وقرقف وقعبرين وكفرنون وكينيسا وكفرملكا وكويخات ومجدلا ومشحا". يبقى السؤال: أين هي القبيات من كل تلك البيع والقرى؟ لو كانت على شيء من الأهمية لما تردد الباحث في التاريخ الكنسي عن ذكرها. يرد هذا النص، بشكل معدل يحافظ على مضمونه، في مكان آخر عند دي طرازي، في ص 267 من نفس المرجع: "سائر بيع السريان في قضاء عكار. ما عدا السبع الكنائس المذكورة آنفاً (يقصد بيعة ما نوهرا في عرقا، ص 263؛ بيعة الكنيسي، ص263 – 264؛ بيعة سيدة القلعة، ص 264؛ بيعة مار تدى في مجدلا، ص 264 – 265؛ بيعة مار كوركيس في خربة الرمان، ص  265؛ بيعة مار شليطا في عنتقد، ص 265 – 266؛ بيعة الشهيدة شموني في شدرا، ص 266). فقد كان للسريان في قضاء عكار بشمال لبنان كنائس عديدة تابعة لكرسي مطرانية عرقا وكرسي أسقفية كنيسي. ومن تلك الكنائس نذكر عشراً ابتناها السريان في القرى العشر التالية: الرحبة وبزبينا وحوشب وشربيلا وقرقف وقعبرين وكفرنون وكفرملكا ومشيحا وكويخات الخ الخ. وهناك قرى أخرى عديدة اندثر خبرها وغاب عنا اسمها".

[41] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p.23.

[42] -  المرجع السابق، ص 23.

[43] -  دي طرازي، أصدق ...، مرجع سابق، ج 1، ص 266.

[44] -  المرجع السابق، ص 165 – 266.

[45] -  المرجع السابق، ص 264 – 265.

[46] -  المرجع السابق، ص 265.

[47] -  الدويهي، البطريرك أسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 61 – 62. وفي "تاريخ الطائفة المارونية" للبطريك الدويهي، الذي نشره الشرتوني، جاء في ص 13: "في معنى لفظة مارون وفي الأماكن والناس الأفاضل الذين اشتهروا بها. إعلم أن لفظة مارون منقولة من اللغة السريانية وأصلها في السرياني...، ...، ثم انه لشرف هذا الاسم في المعنى وخفته في اللفظ سُمي به كثير من القدماء وخاصة في بلاد الشام. فانه قد تسمى بهذا الاسم مدن وقرى كثيرة...". وفي ص 14: "وأيضاً بعد انتشار الايمان المسيحي فإنه قلّ أن توجد طائفة لم تسمِ بهذا الاسم الشريف".

[48] -  الدويهي: أصل الموارنة، المرجع السابق، ص 63.

[49] -  المرجع السابق، ص 63.

[50] -  المرجع السابق، ص 63.

[51] -  المرجع السابق، ص 64.

[52] -  المرجع السابق، ص 64.

[53] -  المرجع السابق، ص 65.

[54] -  المرجع السابق، ص 66.

[55] -  Théodoret de Cyr: Hitoire des Moines de Syrie, "Histoire Philothée", Tome 2, Introduction, Texte Critique, Traduction, Notes par Pierre CANIVET et Alice LEROY-MOLINGHEN, Editions du CERF, Paris, 1979.

[56] -  المرجع السابق، ص 69.

[57] - أن أشهر الأديار التي شيدت على اسم هذا القديس (بين حمص وحماة) لا يختص بالموارنة وحدهم، لأنه على حد قول البطريرك الدويهي (المرجع السابق، ص 81): "وذلك العيد الصارخ الذي كان يصير في دير حماه وجيرتها، هو ذلك المحرر عند الروم في 14 شباط".

[58] -  كتاب الهدى، مرجع سابق، ص 94.

[59] -  مع "أن الفرقة النسطورية ... هي أكثر نصارى المشرق"، المرجع السابق، ص 96.

[60] -  بابادوبولس: تاريخ كنيسة أنطاكية، مرجع سابق، ص 273.

[61] -  يرى الأب موراني (MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 39) أن الكنيسة السورية هذه مارونية: "اعتباراً من القرن الخامس صار العنصر الآرامي المتـنصر راجحاً، وتحولت كنيسة سورية،بعد أن كانت هلينية، إلى جماعة سريانية قوية في ظل سيطرة رهبان مارون العقائدية والادارية"

[62] -  بابادوبولس، المرجع السابق، ص 313.

[63] -  الجميل، الخوري ناصر: نبذات تاريخية في كنائس لبنان، بيروت، 1995، ص 29 – 30. يمتاز هذا الكتيب بذهنية جديدة في قراءة تاريخ الكنائس الشرقية، تنسجم مع روحية التجدد والانفتاح التي أرسى أسسها المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني منذ الستينات من القرن الماضي، والتي شهدنا صداها في أدب السينودس من أجل لبنان.

[64] -  المرجع السابق، ص 22 – 23.

[65] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 135.

[66] -  المرجع السابق، ص 185.

[67] -  المرجع السابق، ص 181.

[68] -  المرجع السابق، ص 181 و182 و183.

[69] -  المرجع السابق، ص 183 – 184.

[70] -  المرجع السابق، ص 185. حافظنا على النص كما أورده كاتبه بدون أي تصحيح.

[71] -  الدبس، المطران يوسف: تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 5، ص:  113حتى 122. مع وجود محاولات لجعل اسم "موارنة" يشمل الرهبان وجماهير المؤمنين، قبل محاولات يوستنيان الأخرم، والعودة بها إلى العام 517.

[72] -  المجنع اللبناني، 1736، ذكرى مرور 250سنة، 1986، ص 354.

[73] -  المرجع السابق، ص 354 – 355.

[74] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، ج 1، مرجع سابق، ص 52 وما يليها.

[75] -  DIB, Pierre (Choréveque): l`Eglise Maronite, t. 1, Librairie letouzey et Ane, Paris, 1930, p. 39.

[76] -  المرجع السابق، ص 39 – 40.

[77] -  CANIVET, Pierre: le Monachisme Syrien selon Théodoret de Cyr, Editions BEAUCHESNE, Paris, 1977, p. 150.

[78]H. LECLERCQ, art. "Maron", dans DACL, 10 (1932), c. 2188; cite par Pierre CANIVET, le Monachisme. . ., op. cit., note 172, p. 198.

[79] -  المرجع السابق، ص 198.

[80] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 67 – 69.

[81] -  الأب بطرس ضو، تاريخ الموارنة، ج 1، مرجع سابق، ص 58.

[82] -  المرجع السابق، ص 68.

[83] -  Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., t. 2, op. cit., p. 33.

[84] - الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 68.

[85] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، مرجع سابق، ج 1، ص 58.

[86] -  CANIVET et LEROY-MOLINGHEN: Histoire des Moines. . ., tome 2,  op. cit., p. 33.

[87] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 81. غالباً ما حافظنا على نصوص الدويهي بعباراتها الحرفية (دون تصحيح).

[88] -  راجع الحاشية رقم 71 و72.

[89] -  CANIVET et LEROY-MOLINGHEN: Histoire des Moines. . ., tome 2,  op. cit., p. 31.

[90] -  الدويهي: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 73.

[91] -  الدبس، الجامع المفصل...، مرجع سابق، ص 18.

[92] -  المرجع السابق، ص 22.

[93] -  الأب بطرس ضو: تاريخ الموارنة، ج 1، مرجع سابق، ص 60.

[94] -  المرجع السابق، ص 84.

[95] -  أبو زيد، سركيس: الموارنة، سؤال في الهوية، دار أبعاد للطباعة والنشر، بيروت، 2000، الفصل الأول.

[96] -  راجع مثلاً الأب بطرس ضو، تاريخ الموارنة، ج 1، ص 84: "يعتبر تلامذة القديس مارون امتداداً للقديس. ونقصد بتلامذة القديس مارون النساك الذين اتبعوا طريقة القديس مارون في النسك أي الحياة في العراء. ربما البعض منهم لم يتعرفوا شخصياً إلى القديس مارون ولكن يعتبرون مع ذلك من مدرسته الرهبانية". "لا يقول توادوريطس صريحاً أن ابراهيم هذا تعرف إلى القديس مارون أو عاش في العراء مثله ولكنه يقول أن ابراهيم من الأغراس التي نبتت ونمت في بستان قورش الرهباني. ويعزو إنشاء هذا البستان إلى القديس مارون".

[97] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 159.

[98] -  المرجع السابق، ص 159 – 160.

[99] -  المرجع السابق، ص 160 – 161.

[100] -  المرجع السابق، ص 162.

[101] -  المرجع السابق، ص 163.

[102] -  Actes du XIème Congrès des Orientalistes. . ., op. cit., p 131.

[103] -  غبرئيل الشبابي، الخوري ميخائيل عبدالله: تاريخ الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية، المجلد الثاني، القسم الثاني، المطبعة اللبنانية في بعبدا، لبنان، 1906. راجع من ص 402 حتى ص 436.

[104] -  CANIVET, Pierre; Le Monachisme Syrien selon Théodoret de Cyr, éditions BEAUCHESNE, Paris, 1977.

          أبرز كتابات تيودوريطس التي اشتغل عليها كانيفيه هي: Histoire Philothée (Histoire des Moines de Syrie); Histoire Ecclésiastique; Correspondances ...

[105] -  راجع (Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., tome 1, op. cit., p. 252.): "في أحد هذه الأديرة المجاورة لأفاميا ترهب تيودوريطس قبل أن يصبح أسقف قورش في العام 423، وإلى أحدها عاد ليعيش في العام 449".

[106] - CANIVET, Pierre; Le Monachisme Syrien. . ., op. cit.,p. 150.

[107] -  المرجع السابق، ص 185.

[108] -  المرجع السابق، ص 186.

[109] -  المرجع السابق، ص 187.

[110] -  المرجع السابق، ص 187.

[111] -  المرجع السابق، ص 188.

[112] -  المرجع السابق، ص 191.

[113] -  Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., tome 1, op. cit., p. 253.

[114] -  CANIVET, Pierre; Le Monachisme Syrien. . ., op. cit.,p. 186.

[115] -  المرجع السابق، ص 186.

[116] -  Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., tome 1, op. cit., p. 249.

[117] -  CANIVET, Pierre; Le Monachisme Syrien. . ., op. cit.,p. 188.

[118] -  أبو زيد، سركيس: الموارنة...، مرجع سابق، ص 37 – 38. * يحيلنا الكاتب إلى حاشية رقم 1: "لمزيد من التفاصيل حول هذا الدير راجع: - تاريخ الموارنة، الأب بطرس ضو، ج 1، ص 145 – 163. – التنبيه والاشراف، المسعودي، ص 153 – 154. – لباب البراهين الجلية، المطران يوسف دريان، ج 1، ص 26. – تاريخ الكنيسة المارونية، المطران بطرس ديب، ج 1، ص 5. ** يحيلنا الكاتب هنا إلى حاشية رقم 2: "مار مارون، فؤاد افرام البستاني، ص 48. يبدو أن البستاني يكرر ما قاله الأب هنري لامنس (تسريح...، مرجع سابق، ص 254): "عددنا ما كتبه المحدثون بهذا الصدد (دير مار مارون) فوجدنا آراءهم متباينة متناقضة. فمنهم من يجعل دير القديس عند أنطاكية. ومنهم من يرجح كونه في ضواحي حمص (أي في وسط الطريق بين أفاميا وحمص) وبين البلدين كما لا يخفى مسافة ثمانية أيام ونيف. وربما رأيت الكاتب الواحد مضطرباً متحيراً يجعل الدير تارة في محل ونارة في موقع آخر حتى اننا عددنا لبعض كتبة زماننا خمسة آراء في هذا الشأن".

[119] -  أبو زيد، المرجع السابق، ص 38. ثمة الكثير من المعلومات الموثوقة التي يركن لها.

[120] -  لامنس، الأب اليسوعي هنري: تسريح...، مرجع سابق، ص 262.

[121] -   MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 38 - 39..

[122] -  المرجع السابق، ص 39 – 40.

[123] -  المرجع السابق، ص 47.

[124] -  المرجع السابق، ص 47. بقي عليه أن يقول ربما كان مار مارون قبياتياً! من يعلم؟

[125] -  المرجع السابق، ص 46 – 49.

[126] -  المرجع السابق، ص 40 – 41.

[127] -  لامنس: تسريح...، مرجع سابق، ص 124.

[128] -  المرجع السابق، ص 124 – 125.

[129] -  المرجع السابق، ص 124 – 125.

[130] -  المرجع السابق، ص 125.

[131] -  المرجع السابق، ص 125.

[132] -  المرجع السابق، ص 223.

[133] -  المرجع السابق، ص 225.

[134] -  لامنس، الأب اليسوعي هنري: تسريح...، مرجع سابق، ص 257 – 258.

[135] -  H. LAMMENS: "Notes Epigraphiques et Topographiques sur l`Emésène", Extrait du Musée Belge, Louvain, 1902. - اعتمد الأب موراني هذا المرجع، ولكنه شوه الكثير من مضامينه، ونسب منه إلى القبيات ما هو لغيرها من المواقع العكارية، وجعل كل إشارة فيه إلى المسيحية دليلاً على الوجود الماروني، حتى الإشارات الواضحة إلى المواقع غير المارونية صارت مع الأب موراني مارونية.

[136] -  المرجع السابق، ص 6: "Le couvent aurait jadis appartenu aux Jacobites.".

[137] -  المرجع السابق، ص 6.

[138] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 41.

[139] -  Actes du XIème Congrès des Orientalistes. . ., op. cit., p 131: "No 85, Solonos. . . prêtre et abbé du couvent de 'Oudin..."; "No 88, Jean... prêtre et abbé du couvent de Tella des Kurdes, j`ai signé par la main du... Solonos de 'Oudin".

[140] -  H. LAMMENS: "Notes Epigraphiques et Topo. ...", op. cit, p.49: "Le Wadi 'Oudin emprunte son nom à 'Oudin, couvent maronite, entouré de quelques fermes. C'est évidemment le mot syriaque 'Oudin, nom d'un célèbre couvent jacobite de la province d'Arabie. (XIE congrès des Orientalistes, 4e section, p. 131, nos 85 et 88).

[141] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 50.

[142] -  الزريبي، الخورسقف مخائيل: نص مخطوط على هامش ص 169، من "كتاب تاريخ الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية" للخوري ميخائيل عبدالله غبريل الشبابي، المجلد الأول، بعبدا، لبنان، سنة 1900، وهو في مكتبة الخورسقف الزريبي المذكور، وبحوزة انسبائه.

[143] -  الزريبي، الخورسقف ميخائيل: ملاحظة مخطوطة على هامش ص 206، من "كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان" لمؤلفه طنوس الشدياق، طبع في بيروت سنة 1859، خاصة الخوري ميخائيل الزريبي القبيات.

[144] -  الزريبي، الخورسقف ميخائيل: سجل الوفيات في كنيسة مرتموره، لعام 1912، ص 283.

[145] -  CAHEN, Claude: La Syrie du Nord à l`Epoque des Croisades, Lib. Orient. P. GEUTHNER, Paris, 1940. – ظهر الكتاب من ضمن سلسلة منشورات (Institut Français de Damas) التي دعمت المؤلف معنوياً ومادياً في أسفاره وعمله وأعمال الطباعة. ومع ذلك لم يتردد عن القول في مقدمة كتابه: "لم يكن المفكرون الذين درسوا الحروب الصليبية متحررين كفاية من آرائهم السياسية والدينية، وعليه لا يسعنا تحاشي استخدام عبارات معاصرة مثل الاستعمار...". ومن الجدير بالذكر أن المؤلف نشر كتاباً بنفس الروحية، حول العلاقات (الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية)، في العام 1983 (Orient et Occident au temps des Croisades, Aubier-Montaigne)، تجدر الاستفادة منه. قام بترجمته إلى العربية أحمد الشيخ، دار سينا للنشر، القاهرة، 1995.

[146] -  الدبس، المطران يوسف: الجامع المفصل...، مرجع سابق، ص 42 – 43. ووجه الدبس تحذيراً بنفس المضمون بمناسبة حركة يوسف بك كرم (نفس المرجع ص 448). وكذلك تحذير آخر بمناسبة الكلام على مرحلة الحروب الصليبية (تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 6، ص 20 – 21).

[147] -  يني، جرجي أفندي: تاريخ سوريا، مرجع سابق، ص 211 – 212.

[148] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 56. – تناول الفصل الثاني الموارنة.

[149] -  GROUSSET, René: Histoire des Croisades et du Royaume Franc de Jérusalem, T. 1, Librairie Plon, Paris, 1934, p. 5: "Démagogie de Croisade: Pierre l`Ermite et ses émules; Gautier-sans-avoir". – وبدل التركيز على إنقاذ المسيحية، كان من واجبه تسليط الضوء، على الأقل كما هي الحال في مراجعه الاجنبية التي لا انتماء لها مع المنطقة، على النهب الذي طال المنازل والكنائس في بلدان المسيحية (نفس المرجع الصفحات 7 و8 و9 و10)؛ وكان عليه أن يقتنع بالحقيقة القائلة أنه "لم تكن الصليبية الشعبية (populaire) غير اضطرابات (agitation) خطيرة وفوضوية" (ص 11).

[150] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 37.

[151] -  LAMMENS, Heni: La Syrie ..., op. cit., p. 168.

[152] -  GROUSSET, René: Histoire ..., op. cit., Intr., p. LX.

[153] -  المرجع السابق، ص 70. وفي نفس الصفحة ينسب غروسيه كلامه إلى غليوم الصوري وألبير ديكس وابن العديم، وكلهم يجمعون على أن المسيحيين استقبلوا الصليبيين كمنقذين. وفي مكان آخر (ص 91) يسجل مساعدة المسيحيين المحليين للصليبيين المحاصرين في أنطاكية.

[154] -  المرجع السابق، ص 117.

[155] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 58-59.

[156] -  المرجع السابق، ص 59 – 60.

[157] - ( GROUSSET, René: Histoire ..., op. cit., p. 129-130.) حيث يقول المؤلف: استراح الفرنجة في رفنية ثلاثة أيام، وبعد أن اجتازوا جبلاً كبيراً ومرتفعاً نزلوا بين مرمين وقلعة الحصن، في "وادي سام"، أي في سهل البقيعة، وهو سهل يرويه نهر العريضة، الرافد الأعلى للنهر الكبير، وهي يانعة الخضرة في هذا الفصل إنه واد محفور في الجبل... بين جبل النصيرية إلى الشمال وجبل عكار إلى الجنوب... وكما قال ألبير ديكس دخلنا في وادي سام حيث الموارد غزيرة وبقينا فيها خمسة عشرة يوماً". ننقل من نص ألبير ديكس، ما لا يتفق كثيراً مع هذا الكلام: "بعد الاستيلاء على مدينة معره (Marrah) وتدميرها هبطت قوات الأمراء المسيحيين إلى واد أطلقت عليه اسم "وادي الفرح" (la Vallée de la joie)، حيث وجد الحجاج فيه بكثرة كل أسباب الحياة؛ ومكثوا هناك ثمانية أيام... ثم استولوا على موقعين محصنين في الجبال كان يقيم فيهما الأتراك والمسلمون: ومن هناك ذهبوا للاستيلاء بسهولة على مدينة طرطوس... وتابع الحجاج سيرهم ووصلوا إلى وادى باسم وادي الجمال (la vallée dite des Chameaux) وفيها استولوا على كثير من الغنائم وأسباب الحياة، وانطلقوا  ليتوقفوا أمام حصن يسمى عرقة (Archis) قادر على الصمود بوجه كل الأسلحة والقوات البشرية..." (Albert d`AIX: Conquete de la Terre Sainte, op. cit., p. 296.)

 

[158] -  زكار، د. سهيل: الحروب الصليبية، الحملتان الأولى والثانية حسب روايات شهود عيان، كتبت أصلاً بالاغريقية والسريانية والعربية واللاتينية، اختارها وترجمها د. سهيل زكار، ج 1، دار حسان، دمشق، 1984، ص 273.

[159] -  ( GROUSSET, René: Histoire ..., op. cit., p. 131.) – في ص 136، من نفس المؤلف جاء: "استمر حصار عرقة من 14 شباط حتى 13 أيار 1099".

[160] -  المرجع السابق، ص 141. يذكر ألبير ديكس نفس هذه المعطيات تقريباً (Albert d`AIX: Conquete de la Terre Sainte, op. cit., p. 306-307.)

[161] -  GROUSSET, René: Histoire ..., op. cit., p. 142.

[162] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 60, note 4.: "البطريرك اسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، منشورات لحد خاطر، بيروت 1982، ص 102"، والصحيح ص 87.

[163] -  الدويهي، البطريرك اسطفان، تاريخ الطائفة المارونية، عني بطبعه وعلق حواشيه رشيد الخوري الشرتوني، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1890، ص 101 – 102.

[164] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: تاريخ الأزمنة، مرجع سابق، ص 87. ينتهي النص المذكور أعلاه بحاشية رقم 1،(ص 87)، جاء فيها: "وهنا نقرأ على الهامش الكتاب السابع من المجلد الأول والفصل الحادي والعشرين من تاريخ هذا الأسقف اللاتيني على صور، باللغة اللاتينية طبعاً"

[165] -  الدويهي، البطريرك اسطفان، تاريخ الطائفة المارونية، عني بطبعه وعلق حواشيه رشيد الخوري الشرتوني، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1890، ص 5 – 6، حيث يقول الشرتوني في المقدمة: "ضممت إلى الجزء المذكور قسماً زائداً أخذت جله من كتاب آخر للمؤلف سماه "تاريخ المسلمين" أو "تاريخ الأزمنة"... وقد انتقيت منه أهم الحوادث التي تتعلق بالموارنة... وربما سقت منها خبراً طويلاً... وقد أضفت أيضاً إلى هذا الملحق عدة زيادات تهم معرفتها أخذتها من تواريخ ابن سباط وابن الحريري وصاحب الغرر الحسان ومختصر تاريخ لبنان للشماس انطونيوس العينطوريني... إلى غير ذلك..."، باختصار شوه الشرتوني مؤلف البطريرك الدويهي. وهذه حقيقة يدركها الأب موراني. وبدل عودته إلى النص الأصلي استهواه النص المشوه لغاية "التعظيم" التي تحكم منطقه التأريخي.

[166] -  الشدياق، الشيخ طنوس: أخبار الأعيان في جبل لبنان، ج 2، مرجع سابق، ص 12.

[167] -  فهد، الأباتي بطرس: بطاركة الموارنة وأساقفتهم من 685 إلى القرن 12، دار لحد خاطر، بيروت، 1985، ص 85.

[168] -  فهد، الأباتي يطرس: بطاركة...، مرجع سابق، من القرن 13 إلى القرن 15، ص13.

[169] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، ج 3، مرجع سابق، ص 440، حاشية 1.

[170] -  ذكره: ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، ج 3، مرجع سابق، ص 439.

[171] -  عن: المرجع السابق، ص 439.

[172] -  MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit., p. 52.

[173] -  المرجع السابق، ص 92.

[174] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: تاريخ الأزمنة، مرجع سابق، ص 337 – 338.

[175] -  المرجع السابق، ص 341.وجاء في حاشية رقم 1، ملازمة لهذا النص، وفي نفس الصفحة. "... وتجدر الملاحظة إلى أن المؤلف العلامة الدويهي... وذكر على الهوامش تعليقات المؤرخ الماروني المطران يعقوب اللحفدي الذي كان قاطناً في دير السيدة يانوح...". ولقد ورد ذكر هذا المطران، مرتين في (المطران الدبس: تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 6، ص411 و413)، دون وجود إشارة ما توضح أصله.

[176] -  فهد، الأباتي بطرس: بطاركة الموارنة وأساقفتهم، من القرن 13 إلى القرن 15، دار لحد خاطر، بيروت، 1985، ص 58. وذكر الأباتي فهد، في ص 55 من هذا المرجع، ما جاء على لسان الدويهي "... المطران يعقوب القاطن في لحفد..." (تاريخ الأزمنة، طبعة فهد، مرجع سابق، ص 341)، وكذلك في ص 54 من نفس المرجع.

[177] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، ج 3، مرجع سابق، ص 171.

[178] -  المرجع السابق، ص 171.

[179] -  الحاج، يواكيم: عكار في التاريخ...، مرجع سابق، ج 2، ص 366 – 367.

[180] -  لمرجع السابق، ص 382. إن السيد يواكيم هو صاحب النقاط الثلاث بعد كلنة الصحراء، لعل في صدره ما لم يبح به!

[181] -  المرجع السابق، ص 471.

[182] -  المرجع السابق، ص 329. قسم السيد الحاج الجزء الثاني من كتابه إلى أربعة أجزاء مجموعة في مجلد واحد سماه الجزء الثاني.

[183] -  المرجع السابق، ص 374.

[184] -  المرجع السابق، ص 401.

[185] -  المرجع السابق، ص 369.

[186] -  الدبس، المطران يوسف: تاريخ سورية...، مرجع سابق، ج 4، عد 551 وعد 581.

[187] -  Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., tome 2, op. cit., p. 35. – وضع السيد يواكيم صورة عن سيرة هذا الناسك، كما هي واردة بالنص اليوناني والفرنسي، في هذا المرجع.

[188] -  المرجع السابق، ص 37: (Il gagne le Liban et se rend dans un très grand bourg qu`il savait rempli des ténèbres de l`impiété. Il dissimula son personage de moine sous le masque d`un marchand et, avec ses compagnons, il portait des sacs comme pour aller acheter des noix...).

[189] -  المرجع السابق، ص 37، حاشية رقم 1: "Le nom de ce bourg situé dans le resort d`Ėmèse (auj. Homs), est inconnu".

[190] -  الحاج، يواكيم: عكار...، مرجع سابق، ج 2، ص 464 – 465.

[191] -  المرجع السابق، ص 458، وص 466.

[192] -  على فكرة، واكيم الحاج شاطر باليونانية، أكثر منه بالفرنسية، ولكنه أكثر براعة في المسمارية.

[193] -  المرجع السابق، ص 465.

[194] - يقصد: (Théodoret de Cyr: Histoire des Moines. . ., tome 2, op. cit., p. 41)

[195] -  كل هذا النص الطويل، بما فيه المقطع الفرنسي، هو للسيد يواكيم الحاج: عكار...، مرجع سابق، ج 2، ص 467-468.

[196] -  راجع حول كل هذه الشواهد التي عينا صفحاتها: يواكيم الحاج، عكار في...، مرجع سابق، ج 2.

[197] -  المرجع السابق، ص 477.

[198] -  المرجع السابق، ص 477.

[199] -  المرجع السابق، ص 477.

[200] -  المرجع السابق، ص 478.

[201] -  المرجع السابق، ص 478 و479 و480.

[202] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، مرجع سابق، ج 1، ص 174.

[203] -  المرجع السابق، حاشية رقم 2، ص 174.

[204] -  المرجع السابق، ص 174.

[205] -  المرجع السابق، ص 175.

[206] -  المرجع السابق، ص 175.

[207] -  المرجع السابق، ص 175. وتتابع العريضة ذكر ما حصل في لاريسا (شيزر)، ونيقراتا...

[208] -  الحاج، يواكيم: عكار في...، مرجع سابق، ج 2، ص 421 حتى 430.

[209] -  المرجع السابق، ص 431 حتى 440.

[210] -  سلوم، د. فؤاد: القبيات مارونية...، مقال سابق، ص 35. وهو هنا يستشهد بالبطريرك الدويهي، أصل الموارنة، ص 134.

[211] -  سلوم، د. فؤاد: دريب – عكار...، مرجع سابق، ص 96.

[212] -  المرجع السابق، ص 96، حاشية رقم 5.

[213] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: أصل الموارنة، مرجع سابق، ص 134.

[214] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: منارة الأقداس، الجزء الأول، ص 91 – 92.

[215] -  المرجع السابق، الجزء الثاني، ص 2.

[216] -  المرجع السابق، ج 1، ص 103.

[217] -  ضو، الأب بطرس، تاريخ الموارنة، مرجع سابق، ج 2، ص 30.

[218] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: منارة...، مرجع سابق، ج 1، ص 140.

[219] -  المرجع السابق، ج 2، ص 17.

[220] -  ضو، الأب بطرس: تاريخ الموارنة، مرجع سابق، ج 2، ص 30. يشير الأب ضو، ص 72، غلى حجم البيما، ويلفت النظر إلى اشتراك ما مع النساطرة فيه، ص 85 و86 و87، وكذلك مع الكلدان.

[221] -  المرجع السابق، ص 15.

[222] -  لامنس، الأب اليسوعي هنري: تسريح...، مرجع سابق، ص 100 – 101.

[223] -  المجمع اللبناني، 1736، مرجع سابق، ص 447 – 448.

[224] -  سلوم، د. فؤاد: تاريخ التليل...، مرجع سابق.

[225] -  سلوم، د. فؤاد: دريب – عكار...، مرجع سابق، ص 100 – 101.

[226] -  إذا كانت قرى المزيحمة وقتة والخرنوبي وبرشا بائدة، فالقرى الأخرى ما تزال عامرة.

[227] -  سلوم، د. فؤاد: تاريخ التليل...، مرجع سابق، ص 57.

[228] -  المرجع السابق، ص 19.

[229] -  المرجع السابق، ص 21.

[230] -  المرجع السابق، ص 2.

[231] -  المرجع السابق، ص 16.

[232] -  فريحة، أنيس: معجم...، مرجع سابق، ص 61.

[233] -  الحموي، ياقوت: معجم البلدان، ج 2، مرجع سابق، ص 319.

[234] -  النجد في اللغة والاعلام، مرجع سابق، (الاعلام)، ص 261.

[235] -  المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 3، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1970، 136. وفي حوشب هذا يقول الأشتر راجزاً: "نحن قتلنا حوشبا   لما غدا قد أعلما"، ص 137. وجاء، في عداد الصحابة، في تاريخ حمص، ج 2، مرجع سابق، ص 60: "حوشب ذو ظليم: روى سيف في الفتوح أنه أسلم... نزل حوشب الشام وشهد صفين مع معاوية وقتل فيها وكان يقطن حمص...". الكبش هو سيد قومه، أو بطل منهم.

[236] -  الجميل، الخوري ناصر: "سلسلة بطاركة الطائفة المارونية، للبطريرك بولس مسعد"، المنارة السنة 26، العام 1985، ص 64. وكذلك في غير سلسلة.

[237] -  حرفوش، الأب ابراهيم: "الرسامات"، المنارة، سنة 1938، ص 474.

[238] -  فهد، الأباتي بطرس: بطاركة الموارنة وأساقفتهم من 685 إلى القرن 12، دار لحد خاطر، بيروت، 1985، ص 185. وذكر الدبس (الجامع المفصل، ص 167) دير القديس حوشب، في لحفد. ويذكر الدويهي، في تاريخ الأزمنة، مرجع سابق، ص 372، تجديد "كنيسة ماري حوشب في بقاعكفرا".

[239] -  الدويهي، البطريرك اسطفان: تاريخ الأزمنة، مرجع سابق، ص 457.

[240] -  المرجع السابق، ص 500.

[241] -  السمراني، الأب فيليب المرسل اللبناني: "قسط الموارنة في ارتداد الكنائس الشرقية"، المنارة، السنة السادسة، 1935، ص 645. ولقد ذكره يوسف خطار غانم، في "برنامج أخوية القديس مارون"، في عرضه لمطارنة طرابلس، ص 321: "الثالث المطران يوحنا الحصروني ابن الشدياق حاتم الحوشبي سقفه البطريرك يوسف الرزي سنة 1603". كما ورد اسمه خامساً في جدول بأسماء تلاميذ المدرسة المارونية في روما، في "المدرسة المارونية الحبرية الرومانية"، للخوري ناصر الجميل، ص 162: "يوحنا ريس يعقوب فهد المعروف بالحوشبي، من حصرون،...، صار مطراناً سنة 1603.

 

the Chapters of the book, click on the title to read it: 

Detailed Contents

Part2-Chap1

Part3-Chap1

Part4-Chap1

Introduction

Part2-Chap2

Part3-chap2

(Kobayatian Families)

Part4-Chap2

Part1-Chap1

Part2-Chap3

أحياء القبيات

Part4-Chap3

Part1-Chap2

 

References

 

2000 STAREAST, Inc. All Rights Reserved.

Webmaster Eng.Elie ABBOUD

Back