القسم الرابع

الموارنة في عكار والقبيات

Back

الفصل الأول

 

 الموارنة في عكار والقبيات - نظرة عامة

 

بدء المسيحية في لبنان وعكار

من المقرر أن قسماً كبيراً من جنوبي لبنان قد دخل في دائرة المناطق التي زارها السيد المسيح، مبشراً بكلمة الله وشافياً من المرض([1]). ويرى البعض أن المسيح تجاوز الجنوب إلى بيروت([2]). ومن المقرر أيضاً أن بعض الرسل بشروا في لبنان، في مناطقه الساحلية، وبدءاً من هامة الرسل بالذات القديس بطرس الذي بعد خروجه من السجن في أورشليم قصد إلى "... صيدا ثم إلى بيروت وأقام فيها أسقفاً أحد رفقائه، ثم سار إلى جبيل... إن بطرس الرسول اجتاز في طرابلس عند مضيه إلى أنطاكية فأقام فيها أسقفاً واثني عشر كاهناً..."([3]).

لم يمض القرن الأول والثاني للميلاد حتى كان لبنان قد قدم بعض طلائع شهداء المسيحية، وكانت قد بدأت تتكون في بعض مدنه الساحلية الأسقفيات، كصور وصيدا وجبيل، فضلاً عن اسقفية اللاذقية وأخرى في حمص. وامتازت طرابلس باسقفية على رأسها اسقف يدعى مارون، كان قد سقفه بطرس الرسول بالذات([4]). وما أن أطل القرن الرابع الميلادي حتى اندرج لبنان في طليعة بلاد سورية غنى بشهداء المسيحية، وفي طليعتهم يذكر المطران الدبس: "في صيدا زنوبيوس الكاهن في أيام الملك مكسيميان... وفي طرابلس نال أكليل الشهادة أولاً لاونتيوس في أيام أدريان. وروى بروكوب أن الملك يوستنيانس أنشأ فيها على اسمه كنيسة بديعة. وصحبه في استشهاده ايباتوس وتريبيونس وتوادولس. واستشهد فيها في أيام ديوكلتيان لوشيان ومتروبيوس وبولس وزينوبيوس وتبياتينس ودورسس"([5]).

ليس لدينا من الوثائق أوالمراجع ما يشير إلى انتشار المسيحية في عكار، قبل أوائل القرن الميلادي الثالث. إن أقدم ذكر للمسيحية في مدينة عرقة، يعود إلى زمن الامبراطور اسكندر سفيروس (222 – 235) الذي تذكر بعض المراجع تسامحه الديني، وقد وصفه بابادوبولس قائلاً: "هو ملك متعقل حكيم... لم يضطهد المسيحية. وكان عنده في هيكله الخاص تمثال يسوع المسيح مع غيره"([6]).

ويبدو أن ترسخ المسيحية في عكار يعود إلى أواسط القرن الميلادي الرابع، حيث يعود ظهور عرقة كأسقفية لأول مرة، في (Dictionnaire d`Histoire et de Géographie Ecclésiastique) معجم تاريخ وجغرافيا الكنيسة، إلى عام 363م، عندما وقع لوسيانوس (Lucianus) على رسالة سينودس أنطاكية إلى الامبراطور جوفيان([7]). وهذا ما ذكره المطران الدبس: "ومن أساقفة عرقا لوشيانوس نرى توقيعه في آخر أسماء الاساقفة الذين وقعوا على رسالة رفعوها من مجمع أنطاكية إلى يوفيان الملك في شأن إصلاح شؤون الايمان الكاثوليكي في المشرق"([8]). ولعل منطقتنا كانت من ضمن المواقع التي قاومت المسيحية بشراسة. وإذا كانت المسيحية انتشرت باكراً في السواحل اللبنانية فإن الجبال اللبنانية أبدت مقاومة شرسة بوجهها. يقول الأب اليسوعي لامنس: "لكن عبادة الأصنام أبت أن تنكص على الأعقاب دون المدافعة والنزاع. فإن الشرك بقي زمناً طويلاً حتى بعد تنصر قسطنطين وربما سعى في ردَ غارات دين المسيح. وكان كثير من عبدة الأوثان لم يزالوا يترددون إلى هياكل الآلهة الباطلة"([9]). ولقد استدعت هذه الحالة تدخل الأباطرة الرومان المسيحيين لأكثر من مرة حتى تم فرض الديانة الجديدة بعد تدمير الهياكل الوثنية.

ومن الواضح أن عكار التي اشتهرت مواقعها التاريخية بعبادة الثالوث البعلبكي، لا سيما عبادة الزهرة، استفادت في مقاومتها للمسيحية من دعم بعض الأباطرة الرومان الذين يؤكد الأب لامنس على دورهم في إعاقة توسع الدين الجديد وفي إنعاش الوثنية([10]). وعلاوة على ما كان لعرقة من اهمية، كموقع ديني وثني هام، كان هناك في عكار مواقع أخرى، لعبت دوراً في استمرار التمسك بالوثنية. منها موقع مقام الرب المتاخم للقبيات، في موقع نبع الجعلوك اليوم، حيث استمرت عبادة الأوثان، إلى ما بعد النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني، كما يبن ذلك هنري سيريغ([11]). بيد أنه مع نهاية القرن الرابع تم القضاء نهائياً تقريباً على مراكز العبادة الوثنية، بقوة السلطات وبنشاط رجال الدين وجماهير المؤمنين. وهكذا عمت المسيحية كامل سورية ومنها لبنان وعكار بطبيعة الحال.

من هم هؤلاء المسيحيون الذين انتشروا في عكار في بداية ترسيخ المسيحية؟ هم ذلك الشعب المتكون من تراكب شتى الشعوب والأقوام التي استوطنت واستعمرت مع الزمن هذه المناطق العكارية، والذين يغلب عليهم الطابع السرياني، ثقافة ولغة، مع بروز واضح للعنصر العربي إتنياً. ومن حيث التنظيم الكنسي، فإن أقدم تنظيم معروف يعود للنصف الثاني من القرن السادس، وذلك بعد استعادة البيزنطيين لأنطاكية([12]). ما هو موقع عكار في هذا التنظيم؟ يبدو أن هذه المنطقة كانت أساساً في أسقفية عرقة التابعة لمتروبولية صور([13]). وقد تكون بعض أقسام عكار تابعة لمتروبولية حمص أيضاً. ويذكر المطران الدبس أسقفية أرتوسيا في القرن الخامس([14]). وإذا ما تساءلنا ما هي هذه المسيحية؟ لوجدنا، بالطبع، أن الجواب ليس على قدر من السهولة، ولكننا نستطيع من خلال البحث في البدع والمبتدعين تكوين صورة تقريبية عن واقع حال هذه المسيحية في تلك الأتناء.

نبدأ بذكر بدعة بولس السميساطي لا سيما وأنه استولى على بطريركية أنطاكية (261 – 263) بفضل دعم زنوبيا ملكة تدمر له. ومن المرجح أن تكون هذه البدعة قد أثرت في عكار لقربها من حمص، ولامتداد سيطرة حكام حمص عليها. ولقد ذكر المطران الدبس هذه البدعة التي: "زعم فيها(السميساطي) أن ابن الله لم يكن من الأزل، ولم يكن قبل مريم بل حلّ فيه كلمة الله وحكمته عندما ولد من العذراء... وتابع بذلك سابيليوس المبتدع... على انكار الثالوث الأقدس"([15]). ولما انتشرت بدعة آريوس، ولاقت التأييد عند بعض أساقفة لبنان من القرن الرابع: أورانيوس أسقف صور وكان من رؤساء الأريوسيين، وبعده بفترة ويتاليس، وفي بيروت أسقفها أوسابيوس قطب الأريوسيين الشهير، "وخلفه غريغوريوس وكان على شاكلته في تشيعه لآريوس، ومن بعده مكدونيوس، بالاضافة إلى تيموتاوس الذي "قال لكويان... لعل تيموتاوس هذا هو... تلميذ أبولينار الأراتيكي". وفي طرابلس ايريناوس، وكان أريوسياً([16]). ويبدو أن البدعة الأريوسية لم تكن لها تأثير كبير في عكار في القرن الرابع الميلادي.

وفي القرن الخامس، يقول المطران الدبس: "من أساقفة عرقا في هذا القرن (الخامس) نعرف مرشيلنس، وإنه حضر المجمع الأفسسي (431) قبل أن يصل إليه يوحنا البطريرك الأنطاكي وغيره من الأساقفة الشرقيين... وقد وقع على أعمال المجمع ورسائله...([17]). ومن أساقفة عرقا أيضاً أبيفان شهد المجمع الأنطاكي... وكان في جملة قضاته في دعوى أثناسيوس أسقف البارة([18]). ومنهم أيضاً أركليتس"([19]). ومن أساقفة أرطوسيا يذكر المطران الدبس فوسفورس، وقد حضر المجمع الخلكيدوني، ونونس ونيلس([20]). وهكذا يتبين أنه لم يكن للبدع، في القرن الخامس، مكان كبير داخل مسيحيي عكار، استناداً إلى مشاركة أساقفتها في المجامع الكنسية. ينفرد الفيكونت فيليب دي طرازي بذكر بيعة في عكار بالقرب من القبيات، هي بيعة سيدة القلعة في منجز، ربما تكون قد شيدت برأيه في القرن الخامس([21]).

وفي القرن السادس "من أساقفة ارتوسيا... عرفنا اسطفانس وكان أراتيكياً([22])... كان في عرقا في هذا القرن اسقف شديد الاستمساك بعرى الايمان الكاثوليكي، وأن ساويرس بطريرك أنطاكية أفرغ جهده ليقتاده إلى بدعته فلم يقضِ وطراً منه، ولكنه استمال إليه بعض كهنته بعد أن ناصبوه مدة طويلة([23]). ويبدو أن النزعة المعادية "للكثلكة" عرفت تطوراً في عكار ولبنان في هذه المرحلة، إذ نجد علاوة على من ذكرناهم، "من أساقفة البترون في هذا القرن الياس، وكان مغوياً ببدعة أوطيخا مشايعاً لساويرس الأنطاكي"([24]). " ومن أساقفة اللاذقية عرفنا قسطنطين وكان أوطاخياً... وعده ديونيسوس بطريرك اليعاقبة في الكرونيكون وابن العبري في تاريخه من جملة زعماء بدعتهم"([25]). ولم نتوصل إلى معرفة أسماء أساقفة من منطقة عكار في القرنين السابع والثامن. ولعل البلبلة التي أحدثها الفتح الاسلامي للمنطقة والصراعات المسيحية – المسيحية من العوامل الأساسية التي أدت إلى فقدان الوثائق المنبئة عن تاريخ الأسقفيات في تلك المرحلة.

 

الموارنة في عكار

ثمة شبه اجماع في شتى كتب التاريخ والمراجع المارونية على أن عكار شكلت على الدوام مجالاً من مجالات الانتشار الماروني. ولعل الأسقف جبرائيل ابن القلاعي هو أول من عمل رسماً لملامح حدود جغرافية الانتشار الماروني في لبنان، بقوله: "وكملت الفرحة والمحفل وقصاد بكتب منها أرسل

                 إلى كل أسقف انه ينزل      لطوع البطرك والايمان

                 اجتمعون أربعين أسقف     من الدريب لبلاد الشوف"([26]).

هذا ما تؤكد عليه وجهة نظر الأب بطرس ضو في مؤلفه "تاريخ الموارنة"، حيث يقول نقلاً عن ابن القلاعي أيضاً، أن بلاد الموارنة كانت تمتد "من حدود بلاد الشوف إلى بلاد الدريب"([27]). ويوضح الأب ضو أن هذه الحدود قامت منذ القرن السابع([28]). وإذا كان من المعقول والمقبول أن يكون للموارنة وجود في عكار، في سياق انتقال الطائفة المارونية إلى لبنان، بعد تكونها في سورية، فإنه من غير المعقول المغالاة في هذا الوجود الماروني في لبنان، بحيث يتم استبعاد وجود أي طائفة أخرى إلى جانب الموارنة، كما يحلو للأب ضو أن يصور هذا الوجود الماروني في لبنان، كوجود "نقي"، على بقعة جغرافية خالية "نظيفة" من أي وجود لطائفة أخرى، مسيحية كانت أو اسلامية. فهو يقول: "لكن الحدود التي أشرنا إليها كانت تكتنف وطن الموارنة القومي. داخل هذا الوطن لم يكن الموارنة يسمحون بأن يقيم مسلمون أو يهود أو هراطقة..."([29]). وفي موضع آخر يضيف: "وبسط الموارنة سيطرتهم على هذه الرقعة من الجبل اللبناني الممتدة من نهر الكلب ونهر الجعماني حتى حدود عكار واستأثروا بملكيتها وحكمها ومنعوا غير المسيحيين (يقصد المسلمين واليهود) والهراطقة من المسيحيين (يقصد من ليسوا موارنة) من الاقامة في الرقعة المذكورة أو التملك فيها"([30]).

تشكل وجهة النظر هذه، بما تحمله من مضامين استبعادية "للآخر" أو لاغية له أو مصادرة لوجوده، الأداة النظرية، الضمنية، والصريحة أحيناً، التي بها نظر مؤرخو القبيات الموارنة إلى تاريخ بلدتهم وطائفتهم. ونظرة "العظمة" هذه هي التي تدفعهم إلى الحسرة على ماضٍ موهوم "مخترع" كانت فيه البلدة (والطائفة) سيدة على مجال يرتع فيه العز الماروني منفرداً. ومن هنا تراهم كلما صادفوا علامة مسيحية أو إشارة ما إلى المسيحية أسرعوا إلى اعتبارها مارونية الأصل والمنشأ.

 

الضنية وجبال "الظنيين" والعلويون

يتناسى أصحاب نظرية امتداد بلد الموارنة "من الشوف لبلاد الدريب" وجود تلك الجبال التي تفصل بين منطقة بشري والزاوية عن عكار، نقصد منطقة الضنية. وإذا كان البعض يعتبر أن جبال الضنية استمدت إسمها من داناوس Danaosاليونانية، أو من غاباتها الكثيفة المشهورة بإلهة الصيد Diana   Iddio ([31])، فثمة احتمال لأن تكون الضنية جزءاً من الجبال التي اشتهرت بكونها جبال الظنيين، وكانت موطناً قديماً للشيعة والعلويين، والدروز إلى الجنوب. إن ادعاء بعض مؤرخي الموارنة باحتكار السكن والاقامة في جبل لبنان (من الشوف لبلاد الدريب) يتعارض مع أوضح الوقائع التاريخية، لا سيما غداة طرد الصليبيين من لبنان، في مطلع القرن الرابع عشر.

يروي أبو الفدا، في أحداث العام 1305، من الأخبار ما يفيد أن الكتلة الأساسية من سكان الجبل اللبناني التي أقلقت المماليك كانت من الشيعة والنصيرية. فهو يقول: "وفيها (سنة 705هـ/1305م) سار جمال الدين أقوش الأفرم بعسكر دمشق وغيره من عساكر الشام إلى جبال الظنيين وكانوا عصاة مارقين من الدين فأحاطت العساكر الاسلامية بتلك الجبال المنيعة وترجلوا عن خيولهم... وقتلوا وأسروا جميع من بها من النصيرية والظنيين وغيرهم..."([32]).

وكان هؤلاء "الظنيون" الشيعة في غالبهم من النصيريين على ما يبدو من كلام عيسى اسكندر المعلوف الذي يعتبر مكان إقامتهم الأساسية في بلاد الضنية وعكار قبل تمددهم صوب الجبل. وفي ذلك يقول: "كان لبنان الشمالي، (حوالي مطلع القرن الرابع عشر)، ولا سيما المنيطرة والعاقورة ونواحي البترون يسكنه النصيريون وامتدوا إلى كسروان بعد أن كانوا في جبل عكار والضنية فقط"([33]). ويعود المعلوف بأصل النصيرية إلى العجم الذين يعود زمن قدومهم إلى عكار إلى أيام معاوية بن أبي سفيان (ت680م) الذي "استقدمهم... عند فتحه الشام فسكن بعضهم المدن الساحلية كطرابلس وجبيل وبيروت وصيداء والآخرون الداخلية كبعلبك وعرقة في بلاد عكار، ومنهم تفرع المتاولة  سكان البقاع وبعلبك، والنصيرية الذين كانوا في عكار وجبل لبنان..."([34]).

وعليه ليس من المنطقي ادعاء احتكار الاقامة والسلطة للموارنة، في الجبل اللبناني، ذلك أن إقامة المسلمين هي عريقة فيه، وتعود إلى القرن السابع، شأنهم في ذلك شأن تاريخ ارتحال الموارنة إلى هذه البلاد. واستمر النصيريون في مناطق هذا الجبل في زمن الصليبيين، وبعدهم. ويسجل بعض المؤرخين تنصر قسم من النصيرية في أيام الصليبيين. وفي هذا يذكر جرجي أفندي يني: "في سنة 1172… تنصر من النصيرية القاطنين في الجبال المجاورة لطرابلس نحو ستين ألفاً"([35]).

 

الأب موراني: مصادرة مونوفيزيت عكار بجعلهم موارنة!

يقرر الأب موراني أن "القبيات صارت مركزاً مسيحياً مزدهراً" في ظل حكم الأمبراطور قسطنطين([36])، لا سيما في آخر سنوات حكمه. بالطبع لا يعتمد الأب المحترم أي مرجع في تقرير ما قرر، وهو لا يكتفي بالقول أن القبيات تحولت بالضرورة إلى المسيحية، بل يجعلها مركزأً مزدهراً. وأما دليله على هذا الازدهار، فيزعم أنه يستمده أولاً من كلام نشره إرنست رينان لأحد خوارنة طرابلس من بيت السمعاني: "كانت عكار مقاطعة تابعة لحكام الجبل. وكانت في زمن الاباطرة البيزنطيين مزدهرة بالمسيحية بدليل ما فيها من بقايا الكنائس"([37]). أن تكون عكار مزدهرة بالمسيحية لا يعني بالضرورة أن القبيات واحداً من مراكز هذا الازدهار، لا سيما وأن أحداً لا يأتي على ذكرها في ذلك الزمن لا من قريب ولا من بعيد. كما أن الأب موراني يستدعي نصوصاً للكونت فيليب دي طرازي ليدعم رأيه بالقبيات "كمركز مسيحي مزدهر".

ماذا في نصوص دي طرازي التي ذكرها الأب موراني؟ النص الأول: "بيعة سيدة القلعة. شيدت هذه البيعة فوق هضبة واقعة في منتصف الطريق التي تصل طرابلس بحمص. وكانت تابعة في سياستها البيعية لكرسي أبرشية عرقا([38]). ولا يبعد أن تكون بيعة سيدة القلعة قد شيدت قبل عهد الانفصال الذي مني به الكرسي الأنطاكي في القرن الخامس. ومن المقرر أن الدين المسيحي قبل أن يغزو العرب بلاد عكار كان منتشراً بين أهاليها حتى أن جميعهم كانوا مسيحيين".

النص الثاني لدي طرازي: "بيعة الشهيدة شموني في شدرا. شدرا بلدة قديمة في لبنان كانت خاضعة في سياستها البيعية لكرسي عرقا واسمها سرياني بحت (المرسل). وكان فيها للسريان بيع عرفنا منها بيعتهم المشيدة على اسم الشهيدة "مُرت شموني" وأولادها السبعة"([39]).

ويلجأ الأب موراني إلى نص ثالث لدي طرازي: "يعد كرسي أسقفية عرقا من أقدم كراسي الأسقفيات السريانية وأوسعها. وكانت ولاية راعيها تشمل قرى عامرة مأهولة بالسريان وما برحت اسماؤها حافظة صبغتها السريانية الأصلية حتى الآن. نذكر منها شدرا وعينتقد (عندقت)... وكفرنون"([40]).

استخدم الأب موراني هذه النصوص ليدعم رأيه بأن سكان المنطقة ومنها القبيات هم من السريان بمعنى الأصل الأتني للكلمة. وأضاف إلى هذه النصوص استشهادات له بما اكتشفه الأب لامنس والأب تالون والأبوان بول ورينيه موتيرد من نقوش سريانية في بعض المواقع الأثرية في جبل أكروم والوعر ووادي خالد، ليصل إلى نتيجة يلخصها بقوله: "بقيت المسيحية مزدهرة في البلاد، كما في كل مكان آخر، لا سيما في جبل لبنان، بعد اندماج المردة بسكان الجبل الموارنة، حوالي منتصف القرن السابع"([41]). ويضيف في استنتاجه: " إثر الانشقاق المونوفيزي (451) عقب مجمع خلقيدونية... اغتنم السريان الموارنة الفرصة ليعيدوا تكوينهم كمجتمع وأمة مستقلين، بانظمتهم الخاصة وبهوية جديدة. وكان اسم مارون، القديس الناسك على العاصي، لم يشمل الرهبان وأديرتهم فحسب، بل أيضاً المؤمنين الذين تبعوهم: وبذلك بدأت المارونية"([42]).

أي "شطارة" علمية، وأي أمانة نقلية، أن نجعل كلام المدافع عن طائفة السريان، كلام الفيكونت فيليب دي طرازي، الذي أقام دنيا الأدب الماروني ولم يقعدها اعتراضاً عليه، مستنداً له في تأكيد مارونية المسيحية الأولى في القبيات وعكار! يتلاعب الأب موراني بالنصوص، فيجعل كلام دي طرازي كلاماً في الأصل الأتني، بينما هو يقصد بوضوح – وهذا ما لا يجهله الأب المحترم بكل تأكيد – مذهب هؤلاء السكان لا أصلهم العرقي. يتحدث دي طرازي عن البيع، عن الكنائس، وعن الناس، هؤلاء سريان كغيرهم من سريان المنطقة ولكنهم أيضاً على المذهب السرياني، المونوفيزي، لا الماروني.

كان أولى بالأب موراني حتى يبقى منسجماً مع مقدماته، أميناً وصادقاً مع استشهاداته، أن ينتهي بخلاصة مفادها: يبدو أن المسيحية التي ترسخت في عكار بدءاً من منتصف القرن الخامس، ومع الانشقاق المونوفيزي، هي مسيحية السريان المونوفيزيين، لا مسيحية الموارنة. لا سيما وان البيع التي ذكرها دي طرازي واستشهد بها الأب موراني يعود بعضها إلى التواريخ التالية: بيعة سيدة القلعة (منجز) بدءاً من منتصف القرن الخامس؛ شدرا وبيعة الشهيدة شموني، وما ذكره دي طرازي من بقاء السريان حتى القرن الثامن عشر: "وظلت في شدرا بقية من السريان حتى الأزمنة الأخيرة. يؤيد ذلك سجل دير مار موسى الحبشي بالنبك فقد احتوى بياناً وافياً لعقارات وقفها عليه أهالي شدرا السريانيون في القرن الثامن عشر"([43])؛ "بيعة مار شليطا في عنتقد. عنتقد ويقال عندقت قرية في بلاد عكار تابعة لأبرشية عرقا السريانية. وكان فيها شعب وافر له كنيسته وكهنته وأوقافه. وكنيسة عنتقد ورد ذكرها في مخطوطة دير الشرفة المشتملة على عدة ليترجيات سريانية ألفها أيمة المونوفيزيتيين كتوما الحرقلي ويوحنا برشوشن وابن الصليبي الخ. وفي تلك المخطوطة ورد ما نصه بحروف عربية: "نظر هذا الكتاب المبارك الحقير باسم شماس من قرية حصرون. وهوبرسم الخوري الياس بن سمعان من قرية عنتقد. وكان الخوري الياس متولياً خدمة بيعة مار شليطا في عنتقد مسقط رأسه. وكان من عادة السريان في بلاد ما بين النهرين عند حجهم أورشليم يمرون بلبنان ذهاباً واياباً. نذكر منهم المقدسي مبارك الذي قدم من عين ورد بطور عبدين إلى عين تقد واشترى من كاهنها الخوري شمعون السرياني انجيلاً سطرنجيلياً بديعاً"([44]).

ومما ذكره دي طرازي وغض النظر عنه الأب موراني (مع أنه ملازم ملاصق للنصوص التي استشهد بها) ما يفيدنا في تفسير بعض أسباب تراجع المذهب المونوفيزيتي، ونمو الأرثوذكسية في عكار. من ذلك الكلام على بيعة مار تدى في مجدلا: "مجدلا قرية قديمة العهد في عكار واسمها سرياني معناه "البرج". أما بيعتها فقد شيدها السريان باسم الرسول تدي أول مؤسسي كرسي بيروت. ولما تولى أبرشية عرقا اسحق اسقفها السرياني في أوائل القرن الحادي عشر انفصل عام 1026 للميلاد عن السريان المونوفيزيتيين وانضم في قسطنطينية إلى الملكيين. وانضم معه زميلاه اغناطيوس أسقف ملطية وموسى أسقف خربوط وكتب ثلاثتهم صورة ايمانهم ورفعوها إلى رومانس ملك الروم. ومن ذلك الحين وضع الروم الملكيون يدهم على بيعة مار تدي الرسول في مجدلا وعلى غيرها من الكنائس السريانية التابعة لكرسي أبرشية عرقا. ولم يتمكن السريان بعد ذلك من استرجاعها لأنهم اضطروا أن يتبعوا طقس الروم الملكيين وعقيدتهم"([45]).

ثمة كلام آخر قاله دي طرازي وتجاهله الأب موراني، وهو يتناول موقعاً قريباً من القبيات، ويدور حول بيعة مار كوركيس في خربة الرمان: "خربة الرمان قرية في قضاء عكار كانت آهلة بالسريان لهم فيها كنيسة شيدوها على اسم مار كوركيس الشهيد. وأفادنا صاحب الغبطة مار اغناطيوس افرام الأول برصوم أن اسم هذه البيعة ورد في مخطوط سرياني يخص الخزانة المرقسية في القدس الشريف. وهو يتضمن طقوس السيامات الكهنوتية جاء فيه: ان البطريرك اغناطيوس عبد الغني رسم القس يعقوب لبيعة مار كوركيس في خربة الرمان سنة 1914 للاسكندر الموافقة للسنة 1603 ميلادية"([46]).

 

متى وكيف نشأ الموارنة؟

ثمة جدل كبير دار حول أصل الموارنة ونسبتهم وكيفية نشوء المارونية، وذلك منذ بداية التأريخ للموارنة، مع ظهور تلامذة المدرسة المارونية في روما، لا سيما في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو جدل لم يقفل بسهولة. ولعل أفضل تعبير عن هذا الجدل مؤلف "أصل الموارنة" الذي كتبه البطريرك اسطفان الدويهي، في محاولة منه لحسم هذا الأمر.

بدأ البطريرك الدويهي، بعد عرضه للكثير من وجهات النظر، بتعيين معنى لفظة مارون: "لفظة مارون سريانية هي، وتشتق من ... الذي يعني به السيد والرب... وفي النقل إلى اللغة العربية... وفي اللغة الرومية... وتأويلهم أجمعين واحداً يعني به السيد الصغير. وبهذا الاسم لموضع سهولته في اللفظ، وشرفه في المعنى، كثيرون من القدما، وخاصة في بلاد الشام، سموا أولادهم والمدن والقرى التي اختاروها لذاتهم"([47]). ويستعرض البطريرك الدويهي جملة من الشخصيات التي اشتهرت بهذا الاسم. "تلقب باسم مارون في دولة الكفار مونيفس ملك مصر. وكذلك ويرجيليوس الشهير..."([48])؛ "وبعدما انتشرت الديانة المسيحية لم تجد طايفة إلا ولها قديسين انسبغوا بهذا الاسم. فإن الكنيسة الرومانية، في 15 من شهر نيسان، يعيدون للقديس مارون الشماس..."([49]). "وكذلك الروم، في 16 آب، يعيدون لمورون القس..."([50]). "وفي الثامن من الشهر المذكور، يذكرون القديس مورون أسقف قريطش... يعيدون له أيضاً الأرمن..."([51]). "وفي الكتب السريانية تتفضل سيرة ابراهيم وأخيه مارون، اللذان نشيا من قرية تدعا قلش... بديار بكر..."([52]). "ومارونا الأياني... كان من قرية معراب..."([53]). بعدهذا التعداد يختم البطريرك الدويهي كلامه: "إذاً يجب أننا نقول أن الموارنة اشتقوا من مارون آخر غير الذين تقدم ذكرهم"([54]).

"مارون الآخر" هذا هو القديس مارون ناسك القورشية الذي استمدت كل الأبحاث حوله معطياتها الأساسية من النبذة الموجزة التي وضعها عنه أسقف قورش تيودوريه (توادوريطس) (Théodoret de Cyr) في الجزء الثاني من مؤلفه "تاريخ رهبان سورية"([55]). وإلى هذا الناسك القديس مارون تعود كنوة الموارنة، لا إلى أي مارون آخر غيره. ولكن القديس مارون هذا لا يختص بالموارنة دون سواهم: "إن سيرة هذا البطل الجهيد تجدها محررة في ساير الكنايس. فإن الروم يقرونها في اليوم الرابع عشر من شهر سباط الذي به يعيدون لهذا الأب البار"([56]). وعليه نستنج أن هذا القديس مارون يشكل إرثاً مشتركاً لكل النزعات المسيحية التي استمرت ملتزمة بالكنيسة الجامعة، أثناء حياة هذا القديس وبعد مماته، وبعد تأسيس أشهر دير على اسمه ما بين حمص وحماة([57]). فكيف تكون كنوة "موارنة" عائدة لهذا القديس المشترك، ونحصرها في نفس الوقت بقسم واحد من المسيحيين الذين يكرمونه ويعتبرونه جزءاً من تراثهم الروحي والتاريخي؟ فلو أن الموارنة هم أتباع القديس مارون للزم الأمر اعتبار كل من يعيد له ويعترف به، بما في ذلك الروم أيضاً، موارنة. وهذا غير حاصل.

إن مثل هذه الأسئلة التي تدور حول منبع اسم "موارنة"، وأصله، وكيفية حصوله، لا تجد إجابتها الصحيحة في غير البحث في الانشقاقات التي تعرضت لها المسيحية، في سورية. فكيف أدت الانشقاقات إلى ظهور الفرق المسيحية في بلاد سورية؟ ومتى ظهر الموارنة كجماعة دينية خاصة ومتميزة عن غيرها؟

جاء في "كتاب الهدى" الذي حققه الأباتي بطرس فهد باسم "دستور الطائفة المارونية في الأجيال الوسطى": "أول فرقة ظهرت من الفرق المشهورة، الفرقة المنسوبة إلى أريوس وهي التي تدعى الأريوسية، ثم النسطورية وهي المنسوبة إلى نسطور، ثم اليعقوبية وهي المنسوبة إلى يعقوب الذي من مدينة بردعا ولذلك يقال له البرادعي، ثم الملكية وهي المنسوبة إلى الملك قسطنطين بن قسطنطين هرقل الملك. ثم المارونية وهي المنسوبة إلى مار يوحنا مارون بطريرك أنطاكية العظمى..."([58]). وعليه لم يظهر الموارنة كجماعة مستقلة، إلاً بعد الانشقاق مع الملكية. قبل ذلك كان الموارنة داخل جسم الكنيسة دون أي حضور مختص بهم يميزهم عن غيرهم.

وإذا كانت الأريوسية، ومن بعدها النسطورية، ضعيفة في تأثيرها السلبي على جسم الكنيسة الأنطاكية ووحدتها([59])، فإن نزعة الطبيعة الواحدة، مع اليعاقبة، أدخلت هذه الكنيسة "في أزمة جديدة أصعب...، وهي أزمة مذهب الطبيعة الواحدة التي سببت انقساماً داخلياً لم يكن له علاج"([60]). وإذا كان المجمع الخلقيدوني، لعام 451، قد قضى بإدانة نزعة الطبيعة الواحدة، فإن هذه الادانة لم تنه الصراع داخل الكنيسة الواحدة، بل زادته حدة. ويصف صاحب كتاب "تاريخ كنيسة أنطاكية" نتيجة الصراع بين المونوفيزيت والكنيسة الجامعة، بقوله: "حمل هذا الصراع في البدء طابعاً نظرياً موضوعياً، ولكنه اتخذ بعد ذلك، طابعاً عنصرياً أو قومياً بتشكيل كنيسة سريانية خاصة بمذهب الطبيعة الواحدة. وظهر في سورية أشد الحماة للمذهب وأداروا، بنشاط متشف لا يهدأ، الصراع ضد الأرثوذكسية... والكنيسة المتشكلة في قلب كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية، عرفت بالكنيسة "السورية" أو السريانية([61]) استعملت في الليتورجيا والطقوس اللغة السريانية وإن استمرت تأخذ من أدب اللغة الكنسية اليونانية"([62]).

لقد نشأت الكنيسة السريانية في سياق تطور تدريجي أحسن وصفه بايجاز الخوري ناصر الجميل: "ترتبط (الكنيسة السريانية) بكنيسة إنطاكية الرسولية الواسعة الأطراف. ففي القرن الثالث، ازدهرت المسيحية في مملكة الرها وكان أن ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة السريانية. وفي القرن الرابع، أسس مار افرام، اللاهوتي والشاعر، مدرسة الرها اللاهوتية. ومنذ هذا القرن دخل قسم من مقاطعاتها تحت سلطة كنيسة القسطنطينية؛ أما القسم الباقي فقد أعلن استقلاليته في القرن الخامس. هكذا فعلت الكنيسة في بلاد فارس سنة 410، وكنيسة قبرس سنة 431... لكن المجمع الخلقيدوني كان في أساس انشقاق أكثر جذرية، سنة 451، إذ أن لاهوت الطبيعتين لم يلق القبول المطلوب. وأعلن البطريرك ساويرس الإنطاكي تمسكه بلاهوت الطبيعة الواحدة في المسيح. فكانت القطيعة مع القسطنطينية ومع روما على السواء. تألفت منذ ذلك الحين هرمية سريانية غير خلقيدونية، خصوصاً بفضل جهود الأسقف يعقوب البرادعي، حيث تسمية اليعاقبة، في القرن السادس، بمواجهة الإكليروس الخلقيدوني الذي يدعمه الملك، الذي منه نحتت كلمة الملكيين..."([63]). وحول نشوء كنيسة الملكيين (الكنيسة الأرثوذكسية) يقول الخوري الجميل: "... يشاركون كنيسة الشرق الكبرى تاريخها وإرثها اللاهوتي والثقافي، السرياني والبزنطي، الذي لإنطاكية، شأنهم شأن الموارنة والسريان والملكيين الكاثوليك... ولقد ظلوا أمينين لمقررات المجمع الخلقيدوني (451)، بمواجهة السريان المونوفيزيت... لم يجارِ بطريرك إنطاكية كنيسة القسطنطينية في الانشقاق الكبير بينها وبين كنيسة روما، سنة 1054؛ لا بل لعب دوراً توفيقياً معتدلاً. لكن العلاقات مع كرسي القسطنطينية هي التي دفعت لا حقاً لتبني مواقفها..."([64]).

لا يوضح الخوري ناصر الجميل مسألة الانفصال الذي حدث داخل معسكر الخلقيدونيين (الذين سماهم ملكيين)، بعد انشقاق السريان المونوفيزيت، وتشكيل كنيستهم المستقلة. ذلك أن هذا الانشقاق في المعسكر الخلقيدوني (الذي واجه سابقاً المونوفيزيت) هو الذي منه خرجت كنيسة الموارنة. إن حقيقة أن الموارنة والملكية كانوا يشكلون جسماً واحداً داخل الكنيسة الخلقيدونية، مسألة تؤكد عليها كل أدبيات التاريخ الماروني، لا سيما أب التاريخ الماروني البطريرك الدويهي الذي غالباً ما يستند إلى الأسقف جبرائيل ابن القلاعي. يختم البطريرك الدويهي كل محاوراته، حول اسم ومنشأ الطائفة المارونية، بكلام يؤكد فيه على أن الموارنة تكوّنوا ككنيسة مستقلة في أواخر القرن السابع، كما يؤكد أن اسم "موارنة" الذي يعني الجماعة أو الطائفة أو الكنيسة، إنما تم الأخذ به انطلاقاً من البطريرك يوحنا مارون، الذي تكنى هو أيضاً بكنية "مارون" استناداً إلى دير مار مارون على العاصي.

يقول البطريرك الدويهي: "وأما قول جبرائيل ابن القلاعي، أن الموارنة يشتقون من مارون البطرك الذي دخل لرومية، وثم جاء إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى جبل لبنان، وهو رأي الطايفة وهو الصحيح. إلاً أن مارون ما هو اسم البطرك بل كنوته. واسمه الخاص هو يوحنا ابن أغاتون الذي تكنا مارون، على اسم الدير. ومنه أيضاً تسموا الموارنة"([65]).

يكرر البطريرك الدويهي هذا الكلام في مكان آخر: "ما قاله جبرايل ابن القلاعي وهو أن الموارنة تلقبوا بهذا اللقب من البار مارون بطريرك أنطاكية العظمى كما هو ظاهر من مضمون سيرته حين دخل البطريرك بنفسه مدينة رومية الكبرى وتثبت من حبر الكرسي الروماني. ولما رجع إلى أنطاكية كرسيه استعاد كثيرين من تلاميذ مكاريوس الأراطيقي ومن المله اليعقوبية إلى الايمان المستقيم رأيه. وأنذر وبشر بحقيقة الطبيعتين والمشيئتين. ثم دخل جبل لبنان، ورفع صليبه في ارتفاع شأن البابا، وقبله آل تلك البلاد بفرح وسرور. وهذه القصة نقلها فرنسيسكوس كورسيميوس من اللغة العربية إلى اللاتينية، وطبعها في كتابه المشهورسنة 1634، في أخبار الأرض المقدسة. وهذا هو الرأي المعول عليه، والموافق لتسليم الكنيسة المارونية، والمقبول من البيعة الرومانية..."([66]).

في ختام مؤلفه "أصل الموارنة" يوضح الدويهي، مرة أخرى، تحت عنوان "في انتقال البطرك يوحنا إلى جبل لبنان"، منبت اسم "موارنة" وزمن وكيفية تكون كل من الكنيسة الملكية، والكنيسة المارونية ككنيسة مستقلة عن سواها من كنائس الشرق، وانتقال بطريركيتهم إلى لبنان. وهو يربط هذه المسألة باستلام يوستنيان الأخرم لزمام الامبراطورية البيزنطية، وانقلابه على معتقد الطبيعتين والمشيئتين، ومحاربته للمدافعين عن هذا المعتقد.

يقول البطريرك الدويهي: "كثيرون يلتمسون عن إقامة بطركية الموارنة في جبل لبنان، وعن الزمان الذي صارت به، وعن الشخص الذي كان سببها. فما اهتدوا إليها لكونهم ما استدلوا على أصلها. فالخبر الشافي هو هذا إن يوسطنيانوس الأخرم قصد بنقص رايه يجلب الخراب لست فقط على مملكة الشرق، بل وعلى كافة النصرانية لو يطلع بيده. فإن هذا تبع راي رؤسا الكهنة الذين في القسطنطينية. كانوا يعتقدون بربنا مشيئة واحدة لا غير. فقوى أمرهم، وأوعدهم ببطلان ما صار عليه القرار في المجمع السادس"([67]). ويتابع الدويهي أن الامبراطور يوستنيان عمل على عقد مجمع لاقرار معتقدات وقوانين دينية مخالفة لما كان معمولاً به في الكنيسة الواحدة الجامعة. فاعترضت روما على ذلك وناصرها يوحنا مارون في اعتراضها. وبعد محاولات فاشلة قامت بها القسطنطينية لاقناع هذا الأخير، قرر يوستنيان الأخرم الاقتصاص منه([68]).

يصف البطريرك الدويهي ما تعرض له يوحنا مارون ومناصروه، قائلاً: "وفي سنة 694، في أواخر الربيع، دخلت الأروام بلاد سورية، فقثلوا من رهبان دير مار مارون خمسماية راهب، ودكوه إلى الأرض. ضربوا أهالي قنسرين والعواصم بالسيف. استباحوا أموال الناس، هدموا دورهم، وسلبوا درايرهم. ولم يعفي العسكر عن أحد دون الذين يخضعون لهم، ويقولون أنهم طايعين لله، ويعتقدون برأي الملك. ولم يزال السيف غايظاً بدم الأرثوذكسيين حتى دخل موريق وموريقيان بالجيش مدينة طرابلس. ثم خرجوا إلى الكوره فخضع لهم كل أهلها. ثم قصدوا الصعود لجبل لبنان، ونزلوا في الأوثاق فوق أميون عند قرية الناووس تحت ذيل الجبل..."([69]). ولكن الآمور تبدلت في القسطنطينية، إذ تم اسقاط يوستنيان الأخرم، وتغيرت الأحكام، مما أعطى دفعاً لجماعة يوحنا مارون، وتمكنوا من التغلب على جيش الروم...

ويختم البطريك الدويهي سرد هذه الأحداث: "ومن هذه الغارة التي صارت بين الكوره وجبل لبنان، في سنة 694، كان نشو الفرقه بين الموارنه والملكيه. فالذين تبعوا ديانة الملك يوسطنيانوس تسموا ملكيه... وأما الموارنه تسموا كذلك لكونهم تبعوا البطرك يوحنا الذي كان يتكنّا بمارون على اسم الدير... فإن قبل هذه الركبه ما أحد كان يتكنى بإسم ماروني إلاّ رهبان الدير... وأما بعد الركبه انسبغوا بهذا الاسم سكانة جبل لبنان، وخاصة أهالي جبة بشراي..."([70]).

إن رواية الدويهي هذه في أصل اسم "موارنة" وفي كيفية وأسباب نشوء الكنيسة المارونية، اعتمدها التأريخ الماروني بمجمله. وعن الدويهي أقرها السمعاني، وعنه نقل الكثيرون كالمطران يوسف الدبس مثلاً([71]). وخلاصة القول أن اسم "موارنة" كان يقتصر بداية على دير مار مارون على العاصي، وعلى رهبانه فقط. ومن هؤلاء الرهبان (ومنهم كان البطريرك يوحنا) انتقل الاسم إلى من شايعهم وتبعهم في نهاية القرن السابع، بعد محاولة يوستنيان الأخرم المذكورة، وموقف روما منها، وانحياز البطريرك يوحنا مارون إلى روما.

إن رهبان مارون لم يشكلوا كنيسة قبل أواخر القرن السابع، بل كانوا جزءاً عضوياً من كنيسة أنطاكية الجامعة. وعليه لا يعدو كل كلام يدعي قيام رهبان مارون ب"مورنة" جبل لبنان وسكانه أو غيره من المناطق، قبل هذه المرحلة هو ضرب من الأوهام لا أساس له من الصحة. ولنا في ما قرره المجمع اللبناني، لعام 1736، أفضل وأصدق مرجع أجمعت عليه الكنيسة المارونية، في تحديد إرثها وحاضرها ومستقبلها.

لقد تقرر في هذا المجمع أن الكرسي الأنطاكي، بعد انشقاق "جثالقة سلوقية والفرس وأرمينية وألبانيا"، تعرض لانشقاق آخر: "إن هذا الكرسي (الأنطاكي) قد انقسم على نفسه إلى عدة أقسام أيضاً فإنه لما انحط ساويروس عن بطريركية أنطاكية في أواخر سنة 518 لجحده الطبيعتين في المسيح ولنبذه مجمع خلكيدونية المقدس فخلفه بولس البطريرك الكاثوليكي أخذ السريان اليعقوبية منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا يقيمون بطاركة لهم من بين النهرين وسورية منفصلين عن الذين اتخذوا بولس السابق الذكر بطريركاً لهم"([72]).

وفي نشوء الموارنة، ككنيسة مستقلة، جاء في مقررات المجمع أن الموارنة ظهروا ببطريركية لهم خاصة بهم، بعد ظهور اليعاقبة بحوالي قرن من الزمن: "ومن بعد ذلك بنحو قرن طرأ على البطريركية الأنطاكية انقسام آخر بين السريان الموارنة والملكيين واستمر إلى هذا العهد. لأن الذين يقطنون سورية وفينيقية تحت ولاية بطريرك واحد انشطروا إلى حزبين مدنيين في أوائل دولة الجراكسة فبعضهم كانوا يدينون لملك القسطنطينية فلقبوا ملكيين وهي لفظة سريانية مهناها أتباع الملك أو المنسوبون إليه وبعضهم خلعوا ربقة الطاعة للملك واتخذوا لهم من دونه أميراً واستولوا على فينيفية سهلاً وجبلاً فسموا مردة ثم أطلق عليهم اسم موارنة ذلك لأنهم بعد وفاة توافانوس بطريرك كلتا الأمتين انتخبوا لهم بطريركاً هو يوحنا أحد رهبان دير القديس مارون الشهير عند ضفة العاصي... وكان ذلك سنة 685 للمسيح. أما منشأ الانقسام المذكور فكان نحو سنة 622 للمسيح"([73]).

 

مبالغات ل"تعظيم" سيرة القديس مارون

يبقى تيودوريطس أسقف قورش المصدر الأساسي الأقدم لرواية سيرة القديس مارون. تعرضت هذه الرواية التي قدمها أسقف القورشية عن حياة القديس مارون إلى جملة مبالغات. كان من شأنها تغييب غيره من القديسين، أو تحجيم دورهم، وإلغائه أحياناً، مقابل تضخيم مفرط في كل نشاط ذكره توادوريطس للقديس مارون، وتأويل كلام الأسقف، وتحريفه في بعض الأحيان، بحيث غدت سيرة القديس مارون كما رواها البعض من أئمة التأريخ الماروني، مغايرة للصيغة التي قدمها بها أسقف قورش.

أين عاش القديس مارون الناسك؟ سبق للأب بطرس ضو أن طرح نفس السؤال، في الجزء الأول من مؤلفه "تاريخ الموارنة"، حيث عرض ثلاث إجابات، منها واحدة تقول بها العامة، وقد رفضها الأب ضو([74]). تجعل هذه الاجابة من "مغارة الراهب" على العاصي موطن حياة القديس مارون. وبالطبع هذه الاجابة مغلوطة تماماً ولا تستند إلى أي مبرر.

الاجابة الثانية قال بها الخورسقف بطرس ديب، وتجعل القديس مارون من أفاميا: "ثمة ناسك متوحد يدعى مارون عاش بين القرن الرابع والخامس، على جبل يقع، على ما يبدو، في منطقة أفاميا في سورية الثانية"([75]). ولا ينسى الخورسقف المذكور أن يعين مرجعه في كلامه هذا بقوله: "إن تيودوريطس أسقف قورش (+ حوالي 458) هو الذي زودنا بكل هذه التفاصيل"([76]). بالطبع أيضاً ليس في النص الذي وضعه أسقف قورش ما يشير، من قريب أو بعيد، إلى أن القديس مارون عاش في أفاميا، وهي في سورية الثانية بينما عاش القديس مارون في القورشية وهي أسقية في سورية الأولى([77]).

كان ليكليرك (H. LECLERCQ) قد قال: "ثمة ناسك متوحد كان يعيش في مطلع القرن الخامس في مقاطعة سورية الثانية، على المنحدر الغربي للأمانوس، في منطقة أفاميا، على مقربة من مدينة قورش"([78]). علّق كانيفيه (CANIVET) على هذا الكلام بقوله: "من غير المقبول قول هذا الكلام... إن هذه المواقع لاتبدو قريبة من بعضها إلاّ لمن ينظر إلى اليها من علو شاهق"([79]).

الاجابة الثالثة هي التي تؤكد، استناداً إلى تيودوريطس أن القديس مارون عاش في القرشية، ومات فيها. وهذه الاجابة يقر بها غالبية الباحثين في حياة القديس مارون، بدءاً من البطريرك اسطفان الدويهي، في مؤلفه "أصل الموارنة"([80])، مروراً بالمطران الدبس في "الجامع المفصل...".

 ولكن الأب ضو يرفض هذه الاجابة، بقوله: "والقديس مارون الذي جاء وصفه في الفصل السادس عشر (يقصد الفصل 16 من مؤلف تيودوريطس) لم يعش ضمن القورشية. والبرهان على ذلك من كلام توادوريطس الذي به يختم سيرة مار مارون"([81]). ويضيف في مكان آخر: "... كان منسك مار مارون واقعاً ضمن اقليم انطاكية..."([82]). وفي الحقيقة ليس في كلام تيودوريطس حول مار مارون (لا في بدايته ولا في نهايته)، ما يشير إلى ما تقدم به الأب ضو. وإذا كان تيودوريطس يختم نبذته بالقول: "وبالنسبة لنا، فإننا سنتمتع ببركته، على الرغم من بعدنا عنه، ويعوضنا عن ضريحه، ذكره المتواصل، وفي هذا ما يكفينا"([83])، فإن الأب ضو يتخذ من هذا الكلام "دليلاً" على أن قبر القديس مارون لم يكن بالقورشية، وإلاّ لكان تيودوريطس زار هذا القبر. فكأن وجود القبر في انطاكية يعني استحالة زيارته للتبرك منه!

 

قبر أم كنيسة ؟

من المبالغات تشديد جميع المؤرخين الموارنة بدون استثناء على أن الذين أختطفوا جثة القديس مارون إثر وفاته أقاموا كنيسة عليها. هذا مع تأكيد الجميع استنادهم في ما يقولون إلى نص أسقف القورشية. يقول البطريرك الدويهي، في سياق عرضه لرواية تيودوريطس ووفاة القديس مارون: "وخرج من هذه الحياة. وعن جسده صار حربا شديد بين أهل الغيره. فلكن قدم من تلك التخوم أهالي قرية ما جامعة جداً، فكسروا الآخرين بازدحام الشعب الكثير، وهزموهم، وخطفوا الجسد الذي هو أفضل من كل كنزا نفيس، فبنوا له هيكل كبير... وأما نحن الغائبين نستفيد البركه، وعوض الضريح نكتفي بذكره الصالح"([84]). والأب بطرس ضو يكرر نفس الأمر: "مات (مارون)... والرغبة في حيازة جثمانه أدت إلى نزاع كبير... لكن سكان بلدة متاخمة كثيرة العدد جداً أتى جمهور غفير منهم وطردوا الآخرين وأخذوا هذا الكنز الثمين ثم بنوا له كنيسة كبيرة... وأما أنا فبالرغم من غيابي آمل أن أتمتع بثمار بركته لأن ذكره المتواصل عندي يقوم مقام ضريحه"([85]). وكثيرون هم الذين ذهبوا نفس المذهب في القول ببناء كنيسة على جثمان القديس مارون، وكلهم ينسبون هذا القول لتيودوريطس أسقف قورش!

ماذا قال تيودوريطس بالضبط؟ هل قال أن أهل البلدة التي خطفت جثمان القديس مارون بنوا كنيسة كبيرة (أو هيكلاً) أم بنوا قبراً كبيراً، وهو نفس القبر الذي لم يزره ؟ نثبت نص تيودوريطس، بالفرنسية، كما ترجمه بيير كانيفيه عن اليونانية: "Les habitants d`un bourg limitrophe fort peuplé survinrent en masse,. . . s`emparèrent de ce trésor fort convoité, édifièrent un vaste tombeau. . . Quant à nous, nous recueillerons sa bénédiction malgé notre éloignement, car à défaut de son tombeau nous gardons son souvenir et cela nous suffit."([86]). وردت في النص عبارة القبر (tombeau) مرتين، وتمت ترجمتها في المرة الأولى بالكنيسة وفي الثانية بالقبر!

لماذا التركيز على بناء الكنيسة؟ لأن هناك محاولة للربط، كيفما اتفق، بين القديس مارون ودير مار مارون على العاصي. وهذه المحاولة مارسها البطريرك الدويهي صراحة عندما قال: "من السيرة التي نقلناها من تاودوريطس في الفصل الثالث، يبان واضحا، ان لما استراح مارون من اتعاب هذه الحياة، صار قتالاً شديدا بسبب جسده الطاهر في بلاد قورس، وان قدم اهل قرية جامعة من تلك التخوم... وخطفوا ذلك الكنز... وحملوه إلى بلادهم، واقاموا له هيكل جليل... لم يذكر الكاتب من هم الذين خطفوه، ولا أين اقاموا له الهيكل،... لأن هذه الأمور كانت في زمانه مكشوفه... ولكن على التحقيق ان قوله ينتسب إلى الهيكل الذي ابتنوه اهل حماه على نهر العاصي، وهو بين حماه وحمص، وصار ديراً عظيماً..."([87]).

أوضح تيودوريطس أن أهل بلدة من الجوار اختطفوا جثمان القديس مارون. ولكنه من غير المعقول أن يكون هذا الجوار على كل ذلك البعد عن القورشية بحيث تصبح مدينة حماه بجوار القورشية (راجع الخرائط)! ولو أن أهل حماه هم الذين بنوا الكنيسة (المزعومة) لصرح تيودوريطس بذلك. ليس أمامنا أن نعلق على هذا الادعاء بغير الاستعارة من تعليق بيير كانيفيه([88])، فنقول: انظروا إلى المواقع كما هي على الأرض، ولا تنظروا إليها على الخرائط، أو من الجو فتبدو لكم قريبة جداً من بعضها.

 

نساك وأديار القورشية والقديس مارون

لعل المبالغة الأكبر في سرد حياة القديس مارون، عند المؤرخين الموارنة، تكمن في جعل هذا القديس يحتكر تأسيس وتنظيم وتطوير كل نشاط نسكي ، لا سيما في القورشية. تنطلق هذه المبالغة من تأويل غير دقيق لما قاله تيودوريطس في نصه الفرنسي التالي: "En pratiquant cet art de la culture, il fit pousser de nombreusea plantes de philosophie et c`est lui qui a planté pour Dieu le jardin qui fleurit aujourd`hui dans la region de Cyrrus. Le grand Jacques est un produit de sa plantation..., de même tous les autres dont je ferai, Dieu aidant, une mention particulière. "([89]). يرى البطريرك الدويهي أن هذا النص يعني: "ان من ممارسته فلاحة الفلسفة اقام غرسات كثيرة، والبستان النامي الآن في ايالة قوروس هو نصبه لله. ومن جملة اثمار هذه النصبات يعقوب الجليل... وكذلك جميع الآخرين الذين سوف نأتي بذكرهم ان اراد الله"([90]). والمطران الدبس يقول في ذلك: "وقد انكب على الحراثة الروحية فغرست يداه أغراساً كثيرة مونعة فيها ثمار الحكمة، وهذه الجنة المخضلة المزهرة الآن في قورش إنما هي لله من صنع يديه. ومن ثمار هذه الحراثة يعقوب الكبير... وغيره ممن سنأتي على ذكر كل منهم ان شاء الله"([91]). ويضيف في مكان لاحق، تحت عنوان "تلامذة القديس مارون": "أشار توادوريطس في كلامه في القديس مارون إلى أنه الغارس والحارث لجنة الله في قورش... وإنه قد أينع من هذه الجنة ثمار شهية ذكر منها يعقوب معيناً، وقال إنه سيأتي على ذكر الباقين مفصلاً. وعليه فيظهر أن أكثر النساك الذين ذكرهم بعد مارون إنما هم بأجمعهم تلاميذه أو متابعوه في طريقته"([92]).

أما الأب بطرس ضو فيقول في تأويل هذا النص: "بهذه الحراثة أنبت كثيراً من أغراس الحكمة. وهذه الجنة المزدهرة الآن في منطقة قورش هو ذاته أنشأها لله. ومن نتائج هذه الحراثة يعقوب الكبير... والآخرون كلهم الذين سأذكرهم كلاً بمفرده"([93]). وخلاصة القول يبدو في التأريخ الماروني كما لو أن كل من ذكره تيودوريطس بعد القديس مارون هو من تلامذته، وحتى كل من كان منشأه من القورشية، كقول الأب ضو في ابراهيم القورشي: "لا يقول توادوريطس صريحاً أن ابراهيم هذا تعرف إلى القديس مارون أو عاش في العراء مثله ولكنه يقول أن ابراهيم من الأغراس التي نبتت ونمت في بستان قورش الرهباني. ويعزو انشاء هذا البستان إلى القديس مارون"([94]).

إن كلام تيودوريطس في القديس مارون أنه هو غارس حقول القورشية بالايمان هو كلام لتكريم القديس لا لأخذه بمهناه الحرفي والحصري، وقد قال شبهه في كثير من النساك الذين أتى على ذكرهم، في الجزء الأول الذي نشره بالفرنسية كانيفيه ولوروا – مولنجين، من أمثال مارسيانوس وحوشب وبالاديوس وأبراهام وماسيدونيوس. هذا فضلاً عن أنه خص زابينا وبوليكرونيوس بأنهما مؤسسا طريقة ولهما أتباعهما، في القورشية بالذات.

إن النص الذي ينطلق منه المؤرخون الموارنة لا يعطي للقديس مارون حصرية تربية النساك في القورشية، وإن كان واضحاً في إعطاء هذا القديس منزلة خاصة. وعندما يقول تيودوريطس: "إن يعقوب الكبير هو ثمرة من غرسه..."، فإنه يضيف: " وكذلك جميع الذين سأخصهم بالذكر، إن شاء الله"، أي جميع الذين سيخصهم بذكرهم أنهم من تلامذة القديس مارون (mention particulière)، وقد ذكرهم وحدد أنهم من تلاميذه. وبالتالي لا يعني كلام تيودوريطس أن كل من سيذكرهم على التوالي، بعد القديس مارون هم من تلامذته. وكان سبق أن ناقش هذه القضية بكثير من الدقة سركيس أبو زيد في مؤلفه: الموارنة، سؤال في الهوية([95]).

ومن جهة أخرى لم يقل تيودوريطس أن القديس مارون أسس الأديار في القورشية. لقد ذكره بوصفه الناسك المنفرد، الذي ينشد الوحدة (anachorete)، ولا يهوى الحياة في الأديرة، بل الانعزال والوحدة في العراء (hypèthre). ومع ذلك يصر بعض المؤرخين الموارنة، (مع زعمهم الاستناد إلى تيودوريطس)، في حديثهم عن القديس مارون، على الكلام عن "مدرسته الرهبانية" وعن "بستان قورش الرهباني. ويعزو إنشاء هذا البستان إلى القديس مارون"([96]).

 

أديار أفاميا (دير مار مارون)  والقديس مارون

هل ثمة تواصل ما بين أديار أفاميا، ومنها دير مار مارون، والقديس الناسك مارون؟ هل ثمة تواصل بغير الآسم فقط؟ هل هناك تواصل تنظيمي وتبشيري وتأسيسي بين مارون الناسك القديس، أو أتباعه، وأديار أفاميا؟ يجيب معظم التأريخ الماروني الشرعي بالايجاب، ويتخذ من دير مار مارون، ورئاسته لأديار سورية، الحجة الأولى. واستطراداً هناك من يربط بين نشوء الموارنة (ككنيسة أو جماعة أوطائفة) والقديس مارون ناسك القورشية. فما حقيقة الأمر؟

سبق للبطريرك الدويهي أن حذر، كما أشرنا سابقاً، من مغبة الخلط بين كل ما ينسب إلى لفظة مارون، لشيوعها كعلم جغرافي وعلم للأشخاص. ومع أن البطريرك وقع في شرك ماحذر منه، فإننا نعيد هنا بمزيد من التفصيل ما أدلى به البطريرك المذكور في هذه القضية. يقول الدويهي: "لفظة مارون يقال انها تشتق من (لفظة سريانية) التي تأويلها في اللغة السريانية دهن المر الذي به تتحفظ وتحفظ اجساد الموتى... أو من (لفظ سرياني) الذي تأويلها الحسن الرايحه لأنه يتركب من العقاقير الطيب الرايحه. وبه تسمي البيعه الميرون الطاهر الذي به تدهن المعاميد ليلبسوا الرب يسوع... ولكن الأصح أن لفظة مارون تشتق من (كلمة سريانية) التي تفسر السياده والربوبيه... وبهذه اللفظه لموضع سهولتها وشرف معناها كثيرون كنوا بنيهم والمواضع التي اختاروها لسكنتهم. وكان يدعوهم مارون ومارونس ومارونا ومارونيه"([97]).

ومن حيث المواضع الجغرافية يقول الدويهي: "فمن خصوص المواضع الذين اختصوا بهذا الاسم أولاً مارونيا المدينة في بلاد طراكيا، التي شاع ذكر اهلها باسم موارنة... وعلى شبهها كذلك مارونيه المدينة في ايالة انطاكيه... وايضاً مارون القرية كانت بارض حراجل في بلاد كسروان، ومزرعة مارون في فتوح جبيل على نهر ابراهيم، وفي بلاد بشاره قريتان احدتهما تدعا مارون الراس، وهي على راس الجبل الذي يقال له جبل عامله. والاخره تدعا مارون الركين، وهي بالقرب من النهر الليطاني... وغيرهم نجوز عن ذكرهم. وسكانة هذه المدن والقرى كانوا يدعون موارنة"([98]).

وفي ما يتعلق بالأشخاص يقول البطريرك الدويهي: "وبهذا الاسم كثيرون أحصوا اولادهم ايضاً منذ الزمان القديم. فمذكور عند الحنفا ان ابو ورجيليوس... كان اسمه مارون. وفي مجمع خلقيدونيه تحررت رسالة روسا كهنة الجزيرة التي بين النهرين ويذكر فيهم مارونس الأسقف. وكذلك فلابيانوس البار اسقف انطاكيه كان له شماس يدعا مارونا... وقيل انه كان من معراب... وبهذا الاسم كثيرون تشرفوا بالقداسه والسيره الفاضله عند ساير ملل النصارى. اولا في سنكسار الكنيسه مذكور ان في سنة ماية وتنتا عشر انشهر بالشهاده مارون الشماس... وفي السنكسار الذي عند الروم، في الثامن من شهر آب، يعيدون لمورون اسقف قريطش... وفي السادس عشر من الشهر المذكور يعيدون للقديس مورون... وكذلك الارمن في شهر شباط يعيدون لمار مارون الذي تشرف في رياسة الكهنوت والشهاده. وكذلك الكنيسة السريانية في 12 من شهر شباط تعيد للقديس مارونا... وفي الكتب السريانية تتفضل سيرة ابراهيم واخيه مارون..."([99]). وهناك أيضاً "رجل راهب ردي الديانة يقال له مارون الذي انبت القرار بمشيه واحده..."([100]). ويضيف الدويهي: "واما اخرون... ترجموا دير مارون دير ربنا كما هو باين في كتب ابن القلاعي وابن الصليب والمرشد وغيرهم بسبب ان لفظة مارون كما ذكرنا تشتق من مرونا التي تفسر ربوبيه"([101]).

وجاء أيضاً، بين أسماء موقعي عريضة اعتراف بالايمان، موجهة ليعقوب البرادعي (أواخر القرن السادس أو أوائل السابع)، من قبل رؤساء أديرة مقاطعة العربية، مارون اليعقوبي أسقف ورئيس دير بيت حنا في درعيا([102]).

ويذكر الخوري ميخائيل الشبابي "مارون الرهاوي النسطوري المبتدع"، في معرض كلامه على موارنة سورية الذين كان منهم من "يعتقدون بالمشيئة الواحدة"([103]).

وعليه، لما كان اسم مارون على هذه الدرجة من الشيوع كاسم للمواضع الجغرافية وللقديسين ورجال الدين المشهورين في شتى الملل المسيحية، لا يصح مطلقاً نسبة أي موقع أو دير أو ملة إلى شخص معين من هؤلاء دون البرهنة على ذلك بأدلة جدية. أما في ما خص نسبة دير مارون في أفاميا فمبتدأ البحث فيه يجب أن يكون في سياق البحث في نشوء الأديرة في هذه المنطقة. ومن هنا نستطيع النظر في ما إذا كان للقديس مارون الناسك، أو لتلاميذه، من دور في تأسيس أديرة أفاميا.

يزودنا بيير كانيفيه بكثير من المعطيات عن الرهبنات السورية في خلاصة اشتغاله على ما خلفه تيودوريطس من كتابات في سِير القديسين والأديار في سورية([104]). وتناولت أبحاث كانيفيه كتابات أسقف قورش، تيودوريطس، المعاصر تقريباً لمرحلة ترسيخ المسيحية وتأسيس التيارات النسكية والمدارس الرهبانية في سورية. كما كان هو شخصياً جزءاً من الحركة الدينية الناشطة في حينه، في سورية، وأمضى بعض شبابه وقسماً من شيخوخته في أحد أديرة أفاميا([105]). ولقد ركز تيودوريطس انتباهه على منطقة أنطاكية وخلقيس (على العاصي - Chalcidène) والقورشية وأفاميا([106]).

يعتبر تيودوريطس أن الناسك القديس مارسيانوس (Marcianos) هو الأب الروحي لنشوء الحياة الرهبانية في أفاميا. وفي "التاريخ الكنسي" (Histoire Ecclésiastique) يظهر مارسيانوس إلى جانب أفيت (Avit) وابراهيم (Abrahamès) وهم يعيشون في خلقيس في ظل سلطة فالانس (364 – 378)([107]). ويشير كانيفيه إلى أن مارسيانوس "لم يؤسس، هو شخصياً الأديرة، ولكن تلامذته هم الذين قاموا بذلك، في خلقيس وأفاميا، في زمن حكم فالانس"([108])، أي ما بين سنة 364 وسنة 378. وإذا كنا لن نتوقف أمام وضع الأديرة في خلقيس، وهي على أية حال قليلة جداً([109])، مركزين على أديرة أفاميا، فإن بيير كانيفيه يؤكد، استناداً إلى معطيات تيودوريطس: أن "أسس تلامذة مارسيانوس، أغابيه (Agapet) وشمعون (Syméon) وباسيل (Basile)، في نيكيرتيه (Nikertai) وسيلوكـوبـيـلـوس (Seleucobelus) أدياراً تفرعت في كل أفاميا"([110]). ففي نيكيرتيه أنشأ أغابيه ديرين واحد على أسمه وآخر على اسم مارسيانوس، كان بإدارة شمعون. وكان هذان الديران يضمان في العام 444 أكثر من 400 راهب، وكانت لهما فروع في أفاميا([111]).

ولقد استمرت هذه الأديرة على النهج الخلقيدوني، وترد اسماؤها في مراسلات الذين كانوا يشتكون من مضايقة المونوفيزيت، في العام 518، في وقت شكلت فيه أديرة أفاميا آخر قلاع الأرثوذكسية الخلقيدونية في الشرق([112]).

وعلى الرغم من أن المصدر الأساسي لهذه المعلومات هو تيودوريطس، الذي ينسب صراحة تأسيس هذه الأديار إلى تلامذة مارسيانوس، إذ يقول: "والحال إن واضعي تنظيم الحياة فيها (في هذه الأديرة) هما أغابيه وشمعون اللذان استمدا قوانينها من مارسيانوس العظيم"([113]). ومارسيانوس هذا لم يكن تلميذاً للقديس مارون. وإذا كان أصله من مدينة قورش، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه كان على صلة ما بالقديس مارون. وسيرة حياة هذا الناسك التي وضعها تيودوريطس لم تذكر أي علاقة له مع القديس مارون. هذا فضلاً عن أنه كان، على الأرجح، أكبر من الناسك مارون. لقد كان شيخاً مسناً وبحاجة لمن يرعاه: "اجتمع على زيارته أساقفة انطاكية وهيرابوليس (منبج) وحلب وخلقيس وقورش، وحصلت هذه الزيارة بعد... عام 381... وحينها كان مارسيانوس متقدماً في العمر كثيراً([114]). وكان تلميذه حوشب يقيم على مقربة من محبسة معلمه مارسيانوس في خلقيس ليتمكن من الاعتناء به([115]). أضف إلى ذلك أن تيودوريطس يشير صراحة إلى أن مارسيانوس الارستقراطي المنشأ تخلى عن حياة العز في مدينة قورش وفي البلاط: "وبعد أن تخلى عن كل شيء، وتوغل بعيداً في الصحراء حيث ابتنى لنفسه كوخاً لا يكاد يتسع له..."([116]). مما يعني أنه لم يتسنّ له اللقاء بالقديس الناسك مارون الذي انتحى في قمة جبل، كما يعني أن مارسيانوس لم يكن من أنصار الحياة في العراء.

على الرغم من كل ذلك يصر بعض المؤرخين الموارنة على اعتبار تأسيس الأديار في أفاميا إنما يعود الفضل فيه إلى القديس مارون الذي أخذ عنه مارسيانوس طريقته في الحياة، ونقلها إلى تلامذته. وهذا ما دفع بيير كانيفيه إلى التعليق، على أحد ممثلي هذا التأريخ الماروني، الأباتي بولس نعمان، قائلاً: "إنه لمن المبالغة المتعسفة (abusif) القول، كما يفعل الأب ب. نعمان (Théodoret de Cyr et le monastère de S. Maron, Beyrouth 1971, p. 69)، أن أغابيه وشمعون هما "ناسكان من القورشية"، ولربما كانا، هما أيضاً، من تلامذة الناسك مارون، بواسطة مارسيانوس"([117]).

لماذا كل هذا "الدوران" وكل هذا "العسف" بالنصوص والمراجع، وكل هذا الاستهتار بأصول الكتابة التاريخية، التي أقلها الدقة في "النقل"؟ ليس لشيء سوى لنجعل تلامذة القديس مارون هم مؤسسو أديار أفاميا، وبالتالي لتأمين التواصل التاريخي بين القديس الناسك مارون وموارنة اليوم. ولو استلزم الأمر "إلغاء" الآخرين و"استبعادهم". وفي مسار هذا التواصل ينتصب دير مار مارون على العاصي. فكيف يكون الدير في أفاميا ولا يكون تلامذة القديس مارون هم بناته، وهو على اسم "مارون". يجب أن يكون "مارون" الدير هذا هو هو "مارون" موارنة اليوم، مهما كلف الأمر من ضرب لأصول التأريخ بعرض الحائط!

نختم الكلام هنا بمقطع لسركيس أبو زيد في دير مار مارون: "لقد تباينت الآراء حول تحديد مكان الدير، قال بعضها انه وجد في سوريا الأولى، والبعض في سوريا الثانية، والبعض الآخر في فينيقية اللبنانية *. يقول فؤاد افرام البستاني: "فكان الدير يتنقل، من ثم، في آراء المؤرخين، من ضواحي حمص حتى جوار أنطاكيا، وبينهما مسيرة ثمانية أيام" **([118]). يبدو أن أبو زيد اشتط كثيراً في قوله: "والحق أنه لا يمكن تاريخياً الجزم بتحديد هوية من بناه، ولا السنة التي شيد فيها، ولا هوية من دمره، ولا من أعاد ترميمه، ويعود هذا الالتباس إلى فقدان المعلومات القديمة الموثوق بها وإلى وجود أكثر من دير يحمل اسم مارون"([119]). ولعل الأرجح في بناء دير مار مارون في أفاميا ما قاله الأب لامنس: "ولعل سائلاً يطلب أوليس دير القديس مارون أحد الأديار التي ابتناها القديس أغابيتوس (هو Agapet) في جوار أفاميا؟ أجبنا أن هذا لرأي سبقنا إليه حضرة الأب جوليان اليسوعي في كتابه عن جبل سينا وسورية (P. M. Julien, s. j. : Sinaï et Syrie, p. 178). ولا نرى داعياً لانكاره"([120]).

 

الأب موراني: رهبان الموارنة أسسوا "كنيسة سورية"!

            بهذه الذهنية السوريالية (surréaliste) يقوم "مؤرخو" القبيات بكتابة تاريخ بلدتهم. وإذا كان الأب موراني صادر مونوفيزيت عكار (السريان) وجعلهم موارنة، فإنه في كلامه على نشأة المارونية يصادر كل نشاط تبشيري وتأسيسي ل"كنيسة سورية" ويجعله من عمل "رهبان بيت مارون" فقط، ولا يأتي على ذكر المسيحيين الآخرين إلاّ مع انشقاق العام 451، في مجمع خلقيدونية. يقول: "بدأ تاريخ الشعب الماروني في النصف الثاني من القرن الرابع، مع القديس الناسك مارون... وسرعان ما جذبت إليه شهرته الأتباع الذين مارسوا الصلاة والتبشير، بانتشارهم في سورية ولبنان لمواجهة الوثنية... وكانت الغالبية المسيحية حتى مطلع القرن الخامس يونانية (هلينية) اللغة والثقافة وتعيش في الساحل السوري. ولهذا انتشرت المسيحية التي بشر بها تلاميذ القديس مارون، على نطاق واسع في وسط الشعب الآرامي بثقافته ولغته السريانيتين. وكان الآراميون يعيشون خاصة في الريف والمناطق الجبلية مشكلين الغالبية العظمى من السكان. واعتباراً من القرن الخامس صار العنصر الآرامي المتنصر راجحاً، وتحولت كنيسة سورية،بعد أن كانت هلينية، إلى جماعة سريانية قوية في ظل سيطرة رهبان مارون العقائدية والادارية"([121]). ويتابع الأب موراني أن الامبراطور البيزنطي مارسيان بنى ديراً على اسم القديس مارون في منطقة حمص، في العام 452، ليكسب عطف جماعة السريان ولتنصير القبائل العربية... ويضيف أن رهبان هذا الدير ورهبان الكثير من الأديرة الأخرى في سورية والمسيحيين الذين كانوا يعيشون بجوارهذه الأديرة شكلوا النواة الأولى ل"أبناء بيت مارون" تلك النواة التي صارت في ما بعد كنيسة أنطاكية المارونية... وفي ما بعد، في مجمع خلقيدونية عام 451، انقسم السريان إلى قسمين، قسم أيد مقررات المجمع، وآخر رفضها. "إن "أبناء بيت مارون" الذين سميوا لاحقاً موارنة، ليسوا على العموم، غير القسم المسيحي من السريان الذين حملوا لواء المعتقد الخلقيدوني في سورية"([122]).

 

الأب موراني: القبيات مهد الموارنة

 لن نتوقف أمام كلام الأب موراني الذي ذكرناه فقط لنشير إلى أنه يلتزم النهج الماروني العام في التأريخ السوريالي للطائفة. ولكننا نلفت النظر إلى مبالغاته في رواية الواقع التاريخي لتحول القبيات إلى المذهب الماروني. يقول الأب موراني: "إذا كان وجود الموارنة في لبنان اتخذ طابعاً رسمياً اعتباراً من النصف الثاني من القرن السابع، فثمة جماعات متفرقة منهم كانت تقيم فيه منذ زمن أقدم بكثير. بداية، يجب أن لا نستبعد أن يكون رهبان القديس مارون قد زاروا في جولاتهم التبشيرية منطقة حدودية مع مقرهم، وأنهم أسسوا هناك مجموعات متمسكة بمعتقدهم الخلقيدوني. ولا بد أن القبيات، من جهة أخرى، شكلت، بالطبع، مرحلة هامة في انتقالهم إلى لبنان، بحكم موقع المدينة(لاحظوا: المدينة؟)..."([123]).

لم يقل لنا الأب المحترم مَن مِن "رهبان القديس مارون" يقصد، رهبان أفاميا، أم رهبان العاصي؟ ولم يعين لنا هذا الزمن الأقدم بكثير. ولكننا نضرب صفحاً عن هذا الكلام لأن الأب المحترم يجده منتقصاً من "أصالة" القبيات المارونية، التي يجب أن تكون عريقة في المارونية مثل كل المراكز المارونية الأساسية. ونحن هنا لا نبالغ، فلنقرأ ما كتبه: "...، ونعتقد، بالعكس، أن الموارنة أصلهم من هذه المنطقة (أصيلون فيها)، وأن هذه المنطقة كانت مهداً للموارنة، شأنها شأن أفاميا وقنسرين والعواصم"([124]). وتعليل الأب المحترم لادعائه هذا يستند إلى ارتحال الموارنة من أفاميا عبر وادي العاصي. وبرأيه وادي العاصي ينطلق من جوار بعلبك حتى أنطاكية، ويحتوي على جغرافية ما هو غرب حمص بما في ذلك قسم كبير من عكار (وبالتالي القبيات) والبقيعة وجبال العلويين([125])، وهناك وادي النصارى، وحيث هناك نصارى فهم موارنة. الكون لولا قليل كله تنصر على أيدي رهبان مارون.

ويعطي كبرهان على الوجود الماروني في القبيات، منذ الزمن القديم، "مغارة الراهب" قرب الهرمل. وهو يقول، مستشهداً بالأب لامنس: "ثمة مغارة باسم فاطمة، ويسميها البعض مغارة الراهب، تشهد حتى اليوم على مرورهم (يقصد مرور الموارنة) التاريخي"([126]). هل في كلام الأب لامنس ما نستدل به على صحة ما يزعمه الأب موراني؟ ذكر الأب لامنس "مغارة الراهب" مرتين، في مؤلفه "تسريح الأبصار...". المرة الأولى، وهو يبحث "في مبادئ العيشة الرهبانية في لبنان". وفي مبحثه هذا اعتبر أن هناك ذكر ل"بعض الأديرة القديمة الراقية إلى أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس"([127]). واعتبر أن المغاور القديمة والكهوف التي كانت مدافن للموتى قد تحولت إلى مسكن للرهبان، بقوله: "لدينا من الأدلة ما يحملنا على القول ان الرهبان اتخذوها لهم مساكن أووا إليها. من ذلك ما ترى فيها من شارات النصرانية... وفيها صهاريج و... ومن اعتبر هذه المساكن الغريبة لا يشك في أن الرهبان وحدهم أمكنتهم الاقامة فيها"([128]).

ويعطي الأب لامنس أمثلة على هذه المغاور – الأديرة – أمكنة إقامة الرهبان: عدلون (بين صيدا وصور)([129])، ويضيف كمثل آخر: "وليس بمستبعد أيضاً أن الأغوار المنقورة في الصخر في واد مطل على بلاد البقاع بقرب قرية فرزل شمالي زحلة كانت مآوى للسياح..."([130]).

والمثل الأخير الذي يعطيه الأب لامنس، قبل ذكره لمغاور "وادي قزحيا والقاديشا"، هو موقع "مغارة الراهب" في الهرمل. فيقول فيه: "ومن جملة الأماكن التي يشار إليها بالشواهد المنقولة أنها كانت في سالف الزمان كمعاهد للرهبان مغارة عند قرية هرمل على مقربة من أكبر رؤوس نهر العاصي. ولهذا التقليد أثر في كتبة القرون المتوسطة كأبي الفداء والقلقشندي وغيرهما. وهم يدعون هذا المكان باسم مغارة الراهب، والموارنة يدعونها "دير مار مارون". ولا يزال الجبل المطل عليها مع الأملاك المجاورة له خاصة رهبان لبنان الانطونيانيين ويسكن البعض منهم هذا المكان في عهدنا الحاضر مع أن سكان هذه الايالة كلهم من المتاولة. وهؤلاء يعرفون هذه المغاور باسم القصور وما لا ريب فيه أن الناس تحصنوا فيها سابقاً. يستدل على ذلك بما أقاموه من الأبنية في مدخلها للمدافعة عنها فزادوها منعة على حصانتها الطبيعية. ومغارة الراهب تقوق مغاور عدلون وفرزل بمحاسنها. وكانت في الأصل طبيعية سكنتها كما يظهر قبائل عادية في الأعصار السابقة للتاريخ. ولعل هذه القبائل فضلتها على سواها لحسن موقعها قرب نهر كبير. إلاّ أن الخلف حسنوا عمل الطبيعة وأضافوا إليها منتديات نقروها في الصخر على أحسن هندام مع قبة ذات حنية مقوسة ودرج داخلي يصعد منه إلى الطبقات العليا وبئر عميق الغور يبلغ إلى مياه النهر، وكل ذلك منحوت في الصخر الأصم"([131]). هذا هو كل النص الذي وضعه الأب لامنس حول "مغارة الراهب" في المرة الأولى في "تسريح...". ماذا في كل هذا النص مما يشير إلى أن الموارنة، في زمن ارتحالهم في منتصف القرن السادس، أو قبله، قد أقاموا هنا في الهرمل؟ يذكر لامنس هذا الموقع مع ذكره لمواقع عدلون والفرزل وقزحيا وقاديشا، ليشير إلى قدم المسيحية لا الموارنة. وإذا ورد في النص أن الموارنة يسمون هذه المغارة "دير مار مارون"، فهذا لايعين شيئاً حول زمن وجود هذا الدير، وما إذا كان من المحطات التاريخية القديمة لانتشار الموارنة. وموقف الأب لامنس واضح في أن الموارنة إنما وفدوا إلى لبنان في النصف الثاني من القرن السابع لا قبله: "كان دخول الموارنة إلى لبنان في النصف الثاني من القرن السابع"([132]). و"أول مركز احتله الموارنة عند ولوجهم لبنان معاملة الجبة وقسم من بلاد البترون فهناك كان مهد الأمة المارونية كما أشرنا إليه غير مرة"([133]).

 والمرة الثانية التي ذكر فيها الأب لامنس "مغارة الراهب"، في "تسريح..."، عندما كان يبحث حول البلبلة في تعيين موقع دير مار مارون، وكيف أن البعض اعتبر هذا الدير في جوار حمص، وهنا يقول الأب لامنس حرفياً، في المرجع الذي يذكره الأب موراني: "ولعل سبباً آخر دفع هؤلاء الكتبة إلى أن يجعلوا دير القديس مارون في ضواحي حمص وهوموقع مغارة الراهب. فإن هذه المغارة أو بالحري هذه سلسلة المغاور التي وصفناها في الجزء السابق (في المشرق 4: 264) موقعها جنوبي حمص عند رأس العاصي. ولما كان بعض العامة يعرفونها باسم دير القديس مارون ظن قوم أن المراد بهذا المكان ذلك الدير الأول الذي بني على اسمه قريباً من أفاميا"([134]). لا أظن أبداً أن كلام الأب لامنس يشكل دليلاً على قدم أو زمن وجود الموارنة في موقع "مغارة الراهب". فجوهر كلامه يعني: من أراد أن يحدد موقع دير القديس مارون عليه الذهاب إلى غير هذا الموقع. فكيف يتخذ الأب موراني من هذا الكلام دليلاً على قدم الوجود الماروني؟

تناول الأب لامنس "مغارة الراهب" ذاتها للمرة الثالثة في تقرير له عن جولة ميدانية أثرية قام بها في العام 1899، انطلاقاً من زحلة حتى حمص مروراً بالهرمل وبعض مواقع عكار، ونشرها بعنوان: "ملاحظات نقوشية وطبوغرافية حول منطقة حمص"([135]). قبل وصول الأب لامنس من زحلة إلى الهرمل توقف (من ضمن المواقع التي توقف فيها) في بلدة راس بعلبك، حيث رجح أن الدير الموجود هناك ربما كان في القديم لليعاقبة([136]). وعندما وصل إل "مغارة الراهب" قال فيها: "بالقرب من منابع العاصي، هناك "دير مار مارون" الذي غالباً ما تم وصفه (راجع: Jullien 178). إنه عبارة عن مغاور طبيعية استعملها ووسعها نساك مسيحيون (تبعاً للتقليد) في القرنين الخامس والسادس. ولا أعرف إن بقيت مأهولة في العصر الاسلامي. يسمي أبو الفدا هذا الموقع باسم "مغارة الراهب"، ولا يذكر ديراً ما. ليس من المعرف لا متى ولا كيف ألصقت به ذكرى القديس مارون. أما المتاولة، سكان تلك المنطقة الوحيدون منذ قرون، يطلقون على هذه المغاور اسم "القصور". ويبدو على الأرجح أن مدخلها المحصن وكوى الرمي فيها، والخ، من صنع الأمراء المتاولة المشاغبين من عائلة حرفوش"([137]). مرة أخرى يوضح الأب لامنس موقفه من "مارونية" هذه المغارة. هي في القديم استضافت "نساكاً مسيحيين"، دون تعيين لمذهب ما، وهو من ثم يشير إلى كونها "مغارة الراهب" ولا دير فيها في التأريخ العربي، وهو أخيراً يسجل أنه من غير المعروف كيف التصقت بها الصفة المارونية. ومع كل ذلك يصر الأب موراني على أن يجعل الأب لامنس شاهده على مارونية هذا الموقع منذ الزمن القديم. فتأمل!

من الشواهد التاريخية على قدم الوجود الماروني في القبيات يذكر الأب موراني "وادي عودين" بقوله: "ثمة فريق (ماروني) آخر انزوى في شعاب وادي النصارى ومنطقة القبيات. وما يزال دير مار الياس في وادي عودين يحتفظ ختى أيامنا بتفاصيل وجودهم المتواضع"([138]). إذا كان ثمة من قيمة أو دلالة تاريخية في استحضار الزمن القديم لوادي عودين، فإن هذه القيمة تشير إلى عكس ما ذهب إليه الأب موراني. إن الذكر الوحيد في المراجع للفظة "عودين" تجعلها اسماً لدير يعقوبي ورد اسمه مرتين في عريضة اعتراف بالايمان موجهة من أساقفة أديار مقاطعة العربية إلى يعقوب البرادعي([139]). ولقد ذكر الأب لامنس نسبة الاسم إلى هذا الدير اليعقوبي، في واحد من المراجع([140]) التي اشتغل عليها الأب موراني، ولا بد أنه لاحظ ذلك، وغيبه من كلامه، فهو قد يشوش "أصالة" المارونية في القبيات.

 

الأب موراني: "لقية" عند الخورسقف الزريبي!

يعتمد الأب موراني، في ما يعتمد عليه، لتدعيم وجهة نظره بكون القبيات "أصيلة" في مارونيتها أصالة أفاميا والعواصم...، على ما يعتبره بمثابة "لقية" نادرة في وثائق الخورسقف الزريبي. يقول: "ثمة وثيقة تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر (1895) اكتشفناها للتو في محفوظات خورسقف حي مرتموره (الزريبي) تلقي الأضواء على وضع الموارنة في منطقة القبيات حوالي نهاية القرن السابع"([141]). ثم ينشر نص "الوثيقة"، فإذا هي عبارة عن تعليق مخطوط بقلم الخورسقف الزريبي على هامش صفحة أحد كتبه: "إن جيوش يوستنيانوس الأخرم بعد أن اكتسحت أديرة وكنائس الموارنة وأحرقتها وفتكت بالرهبان الأفاضل في جهات حمص وحماه وقرى الوعر والشعره ودكوا معاقل الحبسا في عكار وهدموا الحصون والأبراج وتملكوا على قرية شويتا التي جعلوها مأمناً لهم عند الحاجة وأزاحوا الموارنة من مواقعهم وألجؤهم إلى الاعتصام بجبال لبنان المنيعة حيث لحقوا بهم حتى وطا أميون"([142]).

قبل البحث في قيمة هذه "الوثيقة" نتقدم ببعض الملاحظات الشكلية، لأنها تلقي الضوء على مدى جدية الأب موراني في التدقيق في "وثائقه". يرى الأب موراني أن هذه "الوثيقة" تعود للعام 1895، وأنه عثر عليها في كتاب من كتب الخورسقف الزريبي، وحدده بأنه مؤلف "تاريخ كنيسة أنطاكية المارونية" للبطريرك الدويهي. ولقد تبين لدى مراجعتنا لكتب مكتبة الخورسقف الزريبي، أن الكتاب الذي يرد فيه المقطع المخطوط بقلم الخورسقف الزريبي، هو المجلد الأول من "كتاب تاريخ الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية" للخوري ميخائيل عبدالله غبريل الشبابي، والمطبوع في العام 1900. ولم يكن من الصعب اكتشاف مؤلف الكتاب لأن الخورسقف الزريبي كتب بقلمه في رأس الصفحة 3، الجملة التالية: "هذا الكتاب أهدي لنا من حضرة المؤلف عن يد موسى أفندي صفير فنشكر (؟) فضل المهدي ونثني على همته ومزيد نشاطه". وعليه ليس من المعقول أن يكون المؤلف هو البطريرك الدويهي (المتوفي في مطلع القرن الثامن عشر) ويكون هو الذي أهدى الكتاب للخورسقف الزريبي في نهاية القرن التاسع عشر. وفي نفس الصفحة، وبمجرد شروعنا بقراءة مقدمة الكتاب وجدنا المؤلف يقدم نفسه بقوله: "أما بعد فيقول الحقير بين عباد الله العاجز الواني، الخوري ميخائيل بن يوحنا بن عبدالله بن الهاشم غبريل الشبابي الماروني اللبناني...". وبما أن هذا المجلد الأول قد تم نشره في العام 1900، فإننا لا نجد بداً من أن تاريخ ما خطه الخورسقف الزريبي من ملاحظات على هامش صفحاته، يعود للعام 1900 وما فوق. فكيف تمكن الأب موراني من تعيين العام 1895 تاريخاً لهذه "الوثيقة"؟

ما هي قيمة هذه الوثيقة؟ إن كل ما جاء في كلام الخورسقف الزريبي هنا وارد، من حيث جوهره، في جميع الحوليات المارونية، كما  هو الأمر في نفس الصفحة التي خط فيها الخورسقف هذه الملاحظة. ولنا في بحثنا الراهن إشارات متعددة وذكر متكرر لهذه الغزوة على الموارنة التي قام بها يوستنيان الثاني الأخرم في العام 694، والتي تجمع الحوليات المارونية على ذكرها.

بيد أن الأمر الوحيد الذي لم يذكره أحد على الاطلاق، هو بعض التفاصيل التي يذكرها الخورسقف الزريبي، وهي بالتحديد كلامه عن مرور جيوش يوستنيان في "قرى الوعر والشعره وعكار" وتدمير ما فيها من محابس وكنائس وأديرة. وبما أن الخورسقف الزريبي غير معاصر إطلاقاً للأحداث التي يروي عنها (توفي في النصف الأول من القرن العشرين، وهذه الأحداث تعود لنهاية القرن السابع)، فإن كلامه غير المسند إلى أي مرجع على الاطلاق لا يمكن الركون إليه، وهو مجرد اجتهاد مبني على تقدير لخط سير حملة جيوش يوستنان (بقيادة موريق ومرقيان)، ليس إلاّ.  ومن الملاحظ أن الخورسقف الزريبي خط بيده إضافات على هامش ص 161 و162 و169 و 499 و547 و612 و683 (من المؤلف المذكور)، حيث كلما ورد ذكر لمواقع الموارنة أدخل فيها عكار أو بعضها. وغالباً ما كان يبرر كلامه بعبارة "كما يستدل على ذلك من الآثار"، أو "... كما يستدل من الآثار القديمة والأديرة والكنائس الموجودة إلى الآن سيما في قرى عكار حيث ترى أن الكنيسة لا تبعد عن الأخرى اكثر من عشرة دقائق". ولكن الخورسقف لم يكشف لنا عن طبيعة هذه الآثار المنبئة بانتماء هذه المواقع المسيحية إلى الموارنة. وليس من المقبول أن نقرر مارونيتها بسبب كثرتها، أو بمجرد قولنا أنها آثار مارونية.

المسألة الثانية المهمة هي أن الأب موراني يجعل من كلام الخورسقف الزريبي، بمناسبة حملة يوستنيان الأخرم على الموارنة، دليلاً على أهمية القبيات المارونية، في حين أن الخورسقف المذكور لم يأتِ على ذكر البلدة (القبيات) إطلاقاً. وعندما تحدث عن أحد مواقعها اليوم (شويتا) لم يقرر أمر مارونيتها، وإن كان يميل إلى كونها على مذهب "الروم"، لا سيما وأنه وضع ملاحظتين في موقعين آخرين يتردد فيهما في حسم مسألة بناء هرم للقائد مورقيان الذي جاء محارباً للموارنة، عندما خط بقلمه: "فموريق قتل ودفن في قرية أميون بكورة طرابلس. ومرقيان جرح جرحاً مميتاً فانهزم وساقه القضا إلى قرية شويتا بالقبيات القريبة من مدينة عكار حيث قضى نحبه ودفن، وقبره معروف لم يزل إلى الآن وقد بنى الروم فوق قبره هرماً عظيماً يبلغ ارتفاعه 50 ذراعاً..."([143]). وإذا كان الروم قد بنوا الهرم فوق ضريح مورقيان فهذا يعني أن الروم هم سكان شويتا لا الموارنة. وفي مكان آخر يقول في نفس المسألة: "... قرية شويتا التي كانت آهلة بالسكان في عهد يوستنيانوس الثاني الأخرم سنة 694... كما يستدل على ذلك من الهرم المبني فوق ضريح وزيره مرقيان الذي جرح في قرية أميون مع رفيقه مريق وهرب في عساكر المردة إلى شويتا وتوفي فيها. أما من بنى الهرم فوق ضريحه بعلو ما ينيف عن أربعين ذراعاً هل الملك أم الأهالي فلا يعلم"([144]).

 

الأب موراني: مسيحيو القبيات اسقبلوا الصليبيين !

            من يقرأ ما كتبه الأب موراني عن الحروب الصليبية في القسم التاريخي من أطروحته (MOURANI: l`Architecture. . ., op. cit)، يظن نفسه يقرأ نصاً لواحد من فرسان الاسبيتالية، من القرن الثاني عشر، ولا يخال الأب المحترم راهباً كرملياً يعيش في مرحلة ما بعد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، أو ما بعد "اعتذارت" رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام ألفين، لكثرة ما في نص الأب موراني من حنين بالغ وتمجيد لتلك المرحلة. وكأنه لم يستفد من نظرة الفكر الغربي النقدية، ومنه الفرنسي بالذات([145])، إلى تلك الحروب، وإلى كيفية التأريخ لها.

 كما أن الأب موراني لم يستفد من الموقف العقلاني الرائع الذي وقفه المطران الماروني، يوسف الدبس، في كلامه على البيزنطيين والصليبيين وغيرهم من القوى "الخارجية"، الأجنبية، محذراً الموارنة وغيرهم من مغبة الوقوع ضحية التعامل والممالأة لهم، بقوله: "ذكرنا في تاريخ الموارنة... ونذكر... طورهم الدنيوي في هذا القرن (السابع)؛ وذلك درس نلقيه إلى أبناء ملتنا وجميع مواطنينا نحذرهم به من التهور في مهواة المناوأة للسلطة السائدة فيهم بوسوسة أصحاب الأغراض البعيدين عنهم. فمن المعلوم أن الخلفاء الراشدين صرفوا اهتمامهم عند أخذهم سورية وطردهم ملوك الروم منها إلى فتح مدنها، ولم يكترثوا لسكان جبالها لقلة أهميتها وعدم المنفعة منها، ولتعسر مسالكها وان ملوك الروم ما انقطعت مطامعهم في استردادها، وظلوا يوسوسون لسكانها ليلبكوا أمرها ولا تستقيم حالها، ليتيسر لهم العود إليها كما حاولوا مرات فلم يفلحوا. فمن ذلك أنهم وسوسوا للموارنة وكانت مساكنهم حينئذ في الجبال من جبال الجليل إلى جبال انطاكية، فلبكوا حكومتهم وتوافرت غزواتهم في السهول حتى اضطر بعض الخلفاء أن يعقد صلحاً مع ملك الروم على شرائط... منها أن يبكتوا الموارنة... ويصدوهم عن غزواتهم. وكانت النتيجة حينئذ أن هؤلاء الملوك البيزنطيين أنفسهم الذين وسوسوا للموارنة وهيجوهم على مخالفة رضى حكومتهم انقلبوا على المردة وأذاقوهم الأمرين ومكروا بهم... فهذه الأمثولة التي نريد أن يتمثل بها أبناء ملتنا ومواطنونا ليخلصوا في الطاعة للحكومة السائدة عليهم"([146]).

كما أن الأب موراني ضرب عرض الحائط بموقف المؤرخ المسيحي، اليوناني الأصل، الطرابلسي المولد والنشأة، جرجي أفندي يني، الذي أحسن في نزع الحجاب عن جوهر الحروب الصليبية منذ قرن وربع من الزمن تقريباً، بقوله: "لا ريب في أن كل من أمعن النظر في أحوال تلك الأيام لا يلبث أن يشجب السياسة التي كانت مصدراً لهذه الحرب المشؤمة لأن الرؤساء الذين أضرموا نارها بتحريضاتهم لم يحسنوا معرفة أحوالهم ولم يدركوا الفرق بينها وبين حال العرب أولئك الذين كانت بلادهم قد أمست في غاية من الغنى والثروة بينما كانت أوروبا تقاسي خطوب الجهل والفقر... إلاّ أنه كان للرؤساء يومئذ غايات فدعوا الناس إلى الغزو فبادروا إليه جاهلين ما وراء ذلك واجتمعوا ليسيروا نعاجاً إلى الذبح في بلاد غريبة... وكان ما فعلوه في بلغاريا شاهداً على إن مقصدهم بمحاربة الاسلام ليس إلاّ النهب والسلب وإن كان ظاهره لغايات دينية يأبى التقى أن يعترفها... إن أولئك الذين ادعوا أن مقصدهم نجاة الناس من المظالم قد فعلوا من البربرة والتوحش ما يخجل القلم من خطه على القرطاس..."([147]).

ولعله كان أولى بالأب موراني الذي كاد أن يحصر مراجعه بالكتابات الغربية، أن لا يفكر بفكر فرنجة القرون الوسطى (الصليبيين)، بل أن يستفيد من مواقف المفكرين الغربيين (فرنجة العصور الحديثة) في نظرتهم إلى الحروب الصليبية. هذا أضعف الايمان ولو أنه ما كان ليشعر بلحظة انتماء إلى هذا المشرق الذي كان منبت المسيحية، ولها فيه حتى اليوم مجال رحب. وبدل الكلام على "الملاحم الأسطورية" الصليبية و"الانتصارات الرائعة"، ومدح العجائب ومنها "السهم المقدس"([148])، كان عليه التعلم ولو قليلاً من منهج وذهنية مراجعه، ومنهم على سبيل المثال، أيضاً رينيه غروسيه (René GROUSSET)، في فضحه لما يسميه الديماغوجية الصليبية، مع أمثال بطرس الناسك وغوتييه المعدم([149]).

            ولعل غير قليل من ذلك الحنين يتجلى في تجميل و"تعظيم" العلاقات المارونية – الصليبية، وتحميلها أكثر مما تحمل بكثير. حيث تحتل القبيات بالطبع المركز الأساسي في ذلك التجميل و"التعظيم". كيف ذلك؟

            يختم الأب موراني الفصل الأول من اطروحته قائلاً: "من هو هذا الشعب الذي استقبل الصليبيين "بالأحضان" (à bras ouverts) والذي أشاد بمدحه عظيم المدح واضعو الحوليات عن الحروب الصليبية؟ سنكرس الفصل الثاني لتاريخه، لأننا نظن أن مسيحيي القبيات هم بالذات الذين سماهم الفرنجة باسم "السريان"([150]). لم يقل لنا الأب موراني أين ذكر كتاب الحوليات في الحروب الصليبية القبيات أو سكانها، ولو لمرة واحدة، ولو عند كاتب واحد، سواء كان من الغربيين أو من الشرقيين. ثم إن الفصل الثاني الذي كرسه الأب موراني لهذا الشعب الذي استقبل الصليبيين "بالاحضان" تناول تاريح الموارنة. لا ندري كيف اختصر الأب المحترم كل من استقبل الصليبيين بالموارنة، وقد خص بهم الصليبيون، برأيه، اسم "السريان". ومن ثم اختصر كل هذا الشعب بمسيحيي القبيات، وهم بالذات، على حد زعمه من وصفوا باسم "السريان"!

            لا بد بداية من التأكيد على أن لفظة "السريان" لم تكن تقتصر على الموارنة، والفرنجة الصليبيون أطلقوها على جمبع مسيحيي سورية، دون أي حصر لها بالموارنة. ولنا في ما قاله الأب هنري لامنس، من بين الكثيرين، الكلام التالي: "المسيحيون البلديون (المحليون). لم تكن التسمية العامة"السريان" تشمل فقط الكاثوليك المرتبطين بروما كما طرح ريستلوبر، بل هي تدل على الوحدة الأتنوغرافية لكل السوريين"([151]). ولم يكن الموارنة لوحدهم هم من قدم المساعدة للصليبيين. لقد تلقى الصليبيون مساعدة المسيحيين قبل أن تصل حملاتهم إلى لبنان بكثير. يقول رينيه غروسيه: "استقبل أرمن كيليكيا وأوديسا بودوين الأول كمحرر لهم"([152]). ويسجل هذا المؤرخ مساعدة المسيحيين للصليبيين في الكثير من المواقع، وقاموا أحياناً لوحدهم بضرب بعض القوات المسلمة: "المسيحيون في أرتاح هم الذين قضوا على الحامية التركية"([153]). وسجل نفس المؤرخ التعاون المسيحي مع الصليبيين عند محاولة ريمون بيلي التقدم نحو معرة النعمان وتل مناس (عن طريق المعرة، مصرين، أدلب)، والمسيحيون هنا كما يصفهم غروسيه هم سريان(Syriens)([154]).

            لم يجد الأب موراني ما يشير به إلى صلة مسيحيي القبيات بالحملة الصليبية، غير لعبة بسيطة جعل فيها قسماً من القوات الصليبية تمر في القبيات، كممر أسهل من غيره على حد زعمه([155]). بالطبع كان مرور الصليبيين من البقيعة اللبنانية، اليوم، أو السورية، ممكناً، سواء على يمين النهر الكبير أو على يساره، مع فارق لا يذكر. ولو افترضنا أنهم مروا داخل الأرض اللبنانية (اليوم) لما كانت بهم أية حاجة لعبور القبيات على الاطلاق، لصعوبتها أولاً، ولقربها من موقع حصن عكار ثانياً. وفي هذه الحالة كان أمامهم الطريق الأسهل والأفضل: من شدره إلى العوينات فمنجز فالكواشرة وصولاً إلى جوار عرقة.

            هل استقبل مسيحيو القبيات الصليبيين في أثناء حصارهم لعرقة؟ هذا ما ما يوحي به الأب موراني، من مجمل كلامه. فهو يعتبر أن الموارنة استقبلوا الصليبيين في هذه المناسبة، ويستشهد بمقطع لغليوم الصوري، ومن نقل عنه كالبطريرك الدويهي والخورسقف بطرس ديب([156]).

            لو كان صحيحاً أن "مسيحيي" القبيات، أو موارنة عكار استقبلوا الصليبيين أمام عرقة، لكان علينا أن نتساءل لماذا لم يستقبلوهم عندما مروا في القبيات، كما زعم الأب موراني؟هذا من جهة أولى. ومن جهة أخرى، مكث الصليبيون 15 يوماً في البقيعة([157]). وعن بقاء الصليبيين هذه المدة يقول الكاتب اللاتيني المجهول، صاحب يوميات"أعمال الفرنجة": "... غادرنا هذه البلدة (رفنية) بعد ثلاثة أيام من دخولنا إليها وعبرنا جبلاً هائلاً شامخاً، فلما جاوزناه دخلنا وادي البقيعة حيث كانت توجد ذخائر كثيرة، وقد بقينا هناك خمسة عشر يوماً (من 29 ك2 حتى 14 شباط 1099)"([158]). لماذا والحال هذه، والصليبيون في وادي البقيعة لمدة خمسة عشر يوماً، لم يستقبلهم مسيحيو القبيات ب"الأحضان"، كما يزعم الأب موراني؟ لماذا لم يأت كل الذين وضعوا الحوليات عن مسار الحملات الصليبية على ذكر "أحضان" مسيحيي القبيات؟ بالطبع لسبب واحد أوحد بسيط، هو أن هذا الأمر لم يحصل أصلاً.

            هل استقبل موارنة عكار (أو غيرهم) الصليبيين عندما قاموا بحصار مدينة عرقة؟ برأي الأب موراني، الجواب هو نعم. اختلاق آخر بالطبع. وادعاء بأن البعض أتوا على ذكره، ومنهم المؤرخ غليوم الصوري. هل قال غليوم الصوري باستقبال الموارنة، أو غيرهم من المسيحيين للصليبيين عند حصارهم لعرقة؟ لنرَ. يقول غروسيه: "بعد مغادرة حصن الأكراد نزل الصليبيون في وادي النهر الكبير وبلغوا سهل عكار الساحلي، وفي جنوبيه وصلوا إلى المدينة الصغيرة المحصنة عَرقة أو عِرقة، (Archas) كما يسميها كتاب الحوليات الفرنجة..."([159]). ويضيف غروسيه أنه بعد عدة اتصالات مع ابن عمار صاحب طرابلس، تم فك الحصار عن عرقة وطرابلس، وقدم ابن عمار أدلاء يرشدون الصليبيين في سيرهم على الطريق الساحلي إلى القدس([160]). لم يبدأ ذكر الموارنة، وتحت اسم "السريان"، إلاّ مع بلوغ الصليبيين طرابلس أو بعد تجاوزها. وغروسيه يستشهد بنص غليوم الصوري، وهو يتحدث عن بلوغ الصليبيين منطقة رأس الشقعة، بقوله: "في هذا الممر بين الجبل والبحر حيث من السهولة مفاجأة الجيش أثناء مسيره، لم يكن على الصليبيين خشية أي أمر، بفضل دعم سلطات طرابلس، وكذلك أيضاً بفضل دعم اللبنانيين المسيحيين الذين قدموا من جانبهم أدلاء خدومين. ويصف لنا "تاريخ ايراقل" (L`Estoire d`Eracles) بعبارات ملفتة هذا اللقاء الأول بين الفرنجة واللبنانيين..."([161]). لم يلتقِ الصليبيون بالموارنة إلاّ قرب طرابلس. والكلام الذي يستشهد به الأب موراني، وينسبه إلى البطريرك الدويهي في "تاريخ الأزمنة"([162])، هو للبطريك الدويهي، ولكن من مؤلفه "تاريخ الطائفة المارونية"، ونصه: "في سنة 1099(493هـ) بعد أن رتبت الافرنج أمور انطاكية هموا بالمسير إلى القدس الشريف فذهب فريق في البر... وسار آخرون بحراً واجتمع الفريقان في أرض عرقة وهناك عيدوا العيد الكبير سابع نيسان. ثم وافاهم قوم من المردة من جبل سير والضنية وبلاد جبيل وتلك التخوم ورحبوا بهم. وسار معهم جماعة منهم يهدونهم الطرقات والمسالك حتى أوصلوهم إلى القدس وكانوا ينجدونهم في مواقعهم مع المسلمين ويمدونهم بالميرة والذخائر وما لديهم من صنوف السلاح"([163]).

أما نص "تاريخ الأزمنة"، فقد جاء فيه: "وسنة 1099 مسيحية همّ قواد العساكر بالمسيرة إلى جهة بيت المقدس. فالبعض قصدوا طريق البحر... وآخرون ساروا في البر. واجتمع الفريقان في أرض عرقه، وقيل أن عرقه وإرواد تسموا كذلك على أسامي ولاد كنعان ولد سام. وعيدوا الفرنج عيد الكبير في سبعة خلت من نيسان بارض عرقه، وثبت الحصار على المدينة انوف (اكثر) من شهرين. ثم ان صاحب طرابلس أرسل لهم خمسة عشر ألف دينار غير الخيل والبغال والاقمشة والهدايا بدل عن طرابلس وعرقه وجبيل، وارسل معهم ناس تكفيهم من الميرة وترشدهم في الطريق من غير تنكيد على أحد. ونزل عندهم ناس كثيرين بهدايا من نصارى لبنان وجبل سير يتأهلوا بقدومهم وكانوا من أهل الذكاء والفراس كما يذكر غليلموس أسقف صور"([164]).

يتضح من المقارنة بين النص الثاني (تاريخ الأزمنة) والنص الأول (تاريخ الطائفة المارونية)، أن الثاني أكثر أمانة للمرجع (غليوم الصوري) الذي ذكر "السريان"، لا الموارنة ولا المردة، كما جاء في النص الأول. وأمانة النص الثاني تظهر من ان الدويهي ترجم "السريان" بعبارة "نصارى لبنان". ومن هذا النص الثاني لا يظهر الموارنة ("نصارى لبنان"، أو "السريان") على المسرح إلاّ بعد الاتفاق بين الصليبيين وابن عمار وانطلاق الحملة إلى القدس، بمساعدة ابن عمار (أدلاء ومؤن...، بموجب الاتفاق المعقود) مما يعني حصول اللقاء الماروني – الصليبي بالقرب من طرابلس، لا في جوار عرقا.

والظاهر أن النص الأول (تاريخ الطائفة المارونية) ليس من وضع البطريرك الدويهي، بل هو اجتهاد من محقق نص الدويهي، رشيد الخوري الشرتوني، وهو كثير التلاعب بالنصوص، وأدخل الكثير من الاضافات، باعترافه شخصياً([165]). ويبدو لنا أن الشرتوني استعار هذا النص من صاحب "أخبار الأعيان" الشيخ طنوس الشدياق، ووضعه مكان النص الأصلي والصحيح للبطريرك الدويهي. أما نص الشدياق فقد جاء كما يلي: "سنة 1099 قدمت الافرنج من انطاكية إلى القدس فلما وصلوا إلى عرقا وفد إليهم اناس من المردة من جبل سير وصقع الضنية وجبيل وتلك التخوم وترحبوا بهم وسار معهم بعض وهدوهم الطرقات والمسالك حتى بلغوا القدس وكانوا ينجدونهم في الوقائع ويمدونهم بالميرة"([166]).

يأتي الأباتي بطرس فهد على ذكر هذه المسألة مرتين في مؤلفه "بطاركة الموارنة...". وفي المرتين ليس في مايقوله الأباتي ما يوحي بأن الموارنة استقبلوا الصليبيين في حصار عرقة. يقول: "ما بلغ الصليبيون نواحي طرابلس في القرن الحادي عشر (أي 1099) ختى نزل الموارنة من جبالهم وفوداً وفوداً لاستقبالهم، وكانوا عوناً لهم، فدلوهم إلى المسالك السهلة للسفر إلى اورشليم، وكانوا أشداء في الحرب ومعاونين لهم في كل شيء كما يقول الأسقف غلبلموس الصوري... ويقول الب لامنس اليسوعي أن الموارنة ساعدوهم كثيراً في احتلال مدينة طرابلس وبيروت قبل انتقالهم إلى أورشليم..."([167]).

وإذا كان هذا النص يترك بعض ظلال الشك، من خلال عبارة نواحي طرابلس التي قد يفسرها البعض محتوية لعرقة، فإن النص التالي يحدد أن انصال الموارنة بالصليبيين لم يحصل إلاّ فوق طرابلس: "إن العلامة الدويهي يذكر في تاريخه، نقلاً عن المؤرخ الصوري اللاتيني غاليلموس الحفاوة المارونية البالغة بالصليبيين فيقول: نزل عند الصليبيين (لما خيموا فوق طرابلس) أناس كثيرون بهدايا من نصارى لبنان وجبل سير يتأهلون بقدومهم وكانوا من أهل الذكاء والفراس. ويقصد غبطته بدون شك، بهؤلاء النصارى اللبنانيين أبناء ملته الموارنة. ومع أن المؤرخ اللاتيني لم يذكر في روايته لفظة "الموارنة" بل قال: لما خيم الافرنج فوق مدينة طرابلس هبط عليهم جماعة من المؤمنين السريان الذين يسكنون جبل لبنان فوق جبل البترون وطرابلس لاجل تهنئتهم وعرض خدماتهم عليهم. وكانوا يجيدون ضرب السهام. فرحبوا بهم واتخذوا منهم هداة..."([168]).

ولكنه لا يبدو، في كل الأحوال، أي ذكر، لا لموارنة القبيات فحسب، بل ولا لموارنة عكار كلها. فالنصوص المبالغة تتحدث عن جبل سير وصقع الضنية (التي يحددها الأب بطرس ضو ب"إهدن وجوارها"([169])) وبلاد جبيل. يقول جاك دي فيتري: "هنالك أناس فوق هضاب لبنان في إقليم فينيقيا على مقربة من مدينة جبيل، غير قليلي العدد، مدربون وبارعون في استعمال القوس والسهم في الحروب واسمهم الموارنة"([170]). أما غليوم الصوري فيقول: "بأرض فينيقيا بين قمم لبنان ومدينة جبيل أناس سريان... على قدر كبير من الشجاعة والبراعة في الحروب والفروسية وقد كانوا عوناً كبيراً جداً لجيوشنا في معاركهم ضد الأعداء"([171]).

على الرغم من كل ذلك يصر الأب موراني على توهم وجود ماروني كثيف في القبيات وعكار، ويجعل اسقفهم مقيماً في عرقة، عشية الحروب الصليبية: "بقي الموارنة في البلاد (عكار) حتى نهاية القرن العاشر، بل كان لهم اسقف مقيم في عرقة"([172])، ومن المعروف أنه لطالما كانت عرقة كرسي شرف لمطرانها. ويضيف الأب موراني قائلاً: "تذكر حوليات الدويهي لعام 1291 سيامة الأسقف الماروني يعقوب من قنيا، قرية ماتزال آثارها ظاهرة للعيان على مسافة 15 كلم شرقي مدينة القبيات"([173]). يتلاعب الأب موراني بتاريخ وجود أحد المطارنة، فيجعله من القرن الثالث عشر بينما هو من القرن الخامس عشر. لماذا؟ ليحصل النمو الماروني في عكار في ظل الصليبيين! وفي الحقيقة لا يذكر الدويهي سيامة هذا الاسقف ولا يحدد ما إذا كانت قنيا هذه هي القرية القائمة في جبل أكروم. ولا يأتي على ذكره في أخبار العام 1291، بل في أخبار العام 1400وما بعد، وهو يسميه أيضاً يعقوب اللحفدي. لنستعرض ما قاله الدويهي، في ص 337 التي عينها الأب موراني في حاشيته: "(ونقرأ على الهامش ملاحظة طويلة هي التالية): ويقول المطران يعقوب من قنيا في كتاب الناموس الذي كتبه في دير السيدة بأرض لحفد باسم المطران داوود ابن جوسلين الحدشيتي في سنة الف وسبعماية وثلاثة عشر يونانية (أي سنة 1402مسيحية)، أن بتلك السنة جاء فناء حتى وقف ناس كثيرة بلا دفن، وجاء غلاء حتى مات ناس كثيرة من الجوع...، والجراد..."([174]). ليس في هذا النص للدويهي أي أمر مما ذكره الأب موراني عن سيامة الأسقف، وما سوى ذلك باستثناء لفظة قنيا. ولكن اسم هذا المطران ورد ثانية: "(وعلى الهامش نقرأ ما يلي): يذكر المطران يعقوب القاطن في لحفت في دير السيدة المسمى دير المرج أن ظهور الجرد (هكذا في النص، ولعلها الجراد) كان في 29 من أذار فأكل جميع الزريعة... ثم طلع الزحاف من سواحل البحر وعرى الكروم... وغلت الأسعار... وجاء على الناس ضيق... وكان ذلك في سنة... 1402"([175]).

ولقد ذكر الأباتي بطرس فهد نصاً نسبه للبطريرك الدويهي "تاريخ الأزمنة" (طبعة الأب توتل اليسوعي، ص 194): "جاء في تاريخ الأزمنة للدويهي قوله: وفي سنة 1400 لميلاد السيد المخلص كان على الكرسي الأنطاكي البطرك داود المكنى يوحنا، ومطارنته: بطرس رئيس دير قنوبين، ويعقوب من قنيا في لحفد، وبطرس بن القس سمعان في أهدن، وقورسللوس الجاجي، وداود بن جوسلين الحدشيتي؛ وكان المقدم على الجبة الشدياق يعقوب البشراني"([176]).

وأغلب الظن أن المطران يعقوب اللحفدي من موضع في بلاد لحفد يعرف باسم قنيا، ولعله كان عامراً في مطلع القرن الخامس عشر. ولو أن قنيا المقصودة كانت من عكار لسمي المطران على الشكل التالي: المطران يعقوب العكاري من قنيا، كما هي العادة، ومن أبرز الأمثلة عليها تسمية البطريرك موسى سعادة العكاري من قرية الباردة. وعلى أية حال لا نرى صلة بين ما قاله الأب موراني، منسوباً إلى البطريرك الدويهي، مما يقصد به النمو الماروني في القبيات أو عكار في ظل الوجود الصليبي. 

 

يواكيم الحاج: المارونية كل لبنان !

 ليس أدل على الايديولوجيا المارونية "الشعبية"، السائدة في الأوساط الأمية فعلاً، أو الأمية بثقافتها وشهاداتها ومواقعها الفكرية، من مؤلف السيد يواكيم الحاج (عكار في التاريخ – تاريخ القبيات)، لا سيما ما فيه من "هلوسات" الطهارة والعظمة والمجد والاستئثار ...، التي تلقفتها بعض المراجع الروحية المارونية، وما الكتاب المذكور غير ثمرة لزرعها. مرض عضال، سرطان الطائفة: لبنان لنا، نحن عظمته، نحن أصله وفصله، ماضيه وحاضره ومستقبله، و...، وما عدانا لا يذكر إلاّ في السلبيات، نحن الموارنة!

السيد يواكيم الحاج ماروني وتلميذ أمين لمدرسة في تاريخ تعظيم الذات المارونية التي ترى نفسها الوريث الشرعي الوحيد لكل عظمة المشرق. هكذا صورها الأب بطرس ضو، صاحب المجلدات في تاريخ الموارنة، تحت عنوان "من الفينيقيين إلى الموارنة: "شعوب العصور الحجرية والأموريون والآراميون والكنعانيون انصهروا جميعاً فوق أرض لبنان في شعب واحد أطلق عليه اسم الفينيقيين. والفينيقيون انصهروا بالمسيحية فكونوا المارونية. فالمارونية إذاً تجسد وتمثل أمجاد الأموريين (مردة ما قبل المسيح) وممثلهم الأعظم حمورابي، والآراميين وممثلهم الأعظم نبوكدنصر، والكنعانيين وممثلهم الأعظم ملكيصادق، والفينيقيين وممثلهم الأعظم هنيبعل..."([177]).

هل يحتاج هذا النص للتعليق؟ نحن الموارنة ورثة كل ما في مشرقنا، إلاّ ما فيه من "عروبة". ورثنا كل شيء، وهو فينا ما خلا العروبة في المشرق. ورثنا كل العظمة، ومسخناها في حدود لبنان، وفرضنا حصريتها في الطائفة المارونية، ليس إلاّ. لا علاقة لنا ببلاد ما بين النهرين (حمورابي ونبوكدنصر، وبابل وأشور)، ولا بالمغرب العربي (هنيبعل وقرطاجة)، ولا بعمريت ودمشق وحمص. وليس لأحد، من هناك، ومن خارج الموارنة، حق ما بكل هذا التراث. إن هذا التراث محصور في الموارنة، في كيان يمتد "من الشوف لبلاد الدريب"، "والمارونية ثورة ضد كل ما يمس هذا التراث المقدس وهذا الكيان"([178]).

وعلى هذه الخطى سار السيد يواكيم الحاج قائلاً: "فلئن كانت الطائفة المارونية، على ممر التاريخ المسيحي جزءاً من تاريخ لبنان على الصعيد الاتني. ولئن كانت، في عين الحقيقة، هي كل لبنان على الصعيد الحضاري والعلمي، فإن المارونية كانت النهضة المسيحية الخلقيدونية الفاعلة في هذا المحيط، الذي كان الأكثر تعرضاً للمضايقات والمعوقات"([179]). الموارنة جزء من أوروبا وما حولهم الصحراء هكذا يرى السيد يواكيم ذاته الماروني ، وهكذا يرى الآخرين: "إن الشعب الماروني يؤلف في الشرق أمة قائمة بذاتها حتى يخيل إلى الانسان، أنها مستعمرة أوروبية طرحتها يد القدر بين قبائل الصحراء..."([180]).</